منتديات بوابة العرب

منتديات بوابة العرب (http://vb.arabsgate.com/index.php)
-   منتدى الشريعة والحياة (http://vb.arabsgate.com/forumdisplay.php?f=14)
-   -   التوسل: أنواعُه وَأحكَامه (http://vb.arabsgate.com/showthread.php?t=441483)

أحمد سعد الدين 04-04-2005 12:59 AM

التوسل: أنواعُه وَأحكَامه
 




التوسل: أنواعُه وَأحكَامه

من محاضرات للشيخ الألبانى رحمه الله

أحمد سعد الدين 04-04-2005 12:59 AM

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجلاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً.
أما بعد: فإن خير الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
اضطرب الناس في مسألة التوسل، وحكمها في الدين اضطراباً كبيراً، واختلفوا فيها اختلافاً عظيماً، بين محلل ومحرم، ومغال ومتساهل، وقد اعتاد جمهور المسلمين منذ قرون طويلة أن يقولوا في دعائهم مثلاً: "اللهم بحق نبيك أو بجاهه أو بقدره عندك عافني واعف عني" و"اللهم إني أسألك بحق البيت الحرام أن تغفر لي" و"اللهم بجاه الأولياء والصالحين، ومثل فلان وفلان" أو "اللهم بكرامة رجال الله عندك، وبجاه من نحن في حضرته، وتحت مدده فرج الهم عنا وعن المهمومين"و"اللهم إنا قد بسطنا إليك أكف الضراعة، متوسلين إليك بصاحب الوسيلة والشفاعة أن تنصر الإسلام والمسلمين.. " الخ.
ويسمون هذا توسلاً، ويدَّعون أنه سائغ ومشروع، وأنه قد ورد فيه بعض الآيات والأحاديث التي تقره وتشرعه، بل تأمر به وتحض عليه، وبعضهم غلا في إباحة هذا حتى أجاز التوسل إلى الله تعالى ببعض مخلوقاته التي لم تبلغ من المكانة ما يؤهلها لرفعة الشأن، كقبور الأولياء، والحديد المبني على أضرحتهم، والتراب والحجارة والشجر القريبة منها، زاعمين أن ما جاور العظيم فهو عظيم، وأن إكرام الله لساكن القبر يتعدى إلى القبر نفسه حتى، يصح أن يكون وسيلة إلى الله، بل قد أجاز بعض المتأخرين الاستغاثة بغير الله !
فما هو التوسل يا ترى ؟ وما هي أنواعه ؟ وما معنى الآيات والأحاديث الواردة فيه ؟ وما حكمه الصحيح في الإسلام

أحمد سعد الدين 04-04-2005 01:00 AM





الفصل الأول:

التوسل في اللغة والقرآن

أحمد سعد الدين 04-04-2005 01:00 AM

معنى التوسل في لغة العرب:

وقبل الخوض في هذا الموضوع بتفصيل، أحب أن ألفت النظر إلى سبب هام من أسباب سوء فهم كثير من الناس لمعنى التوسل، وتوسعهم فيه، وإدخالهم فيه ما ليس منه، وذلك هو عدم فهمهم لمعناه اللغوي، وعدم معرفتهم بدلالته الأصلية، ذلك أن لفظة (التوسل) لفظة عربية أصيلة، وردت في القرآن والسنة وكلام العرب من شعر ونثر، وقد عنى بها: التقرب إلى المطلوب، والتوصل إليه برغبة، قال ابن الأثير في "النهاية": (الواسل: الراغب، والوسيلة: القربة والواسطة، وما يتوصل به إلى الشيء ويتقرب به، وجمعها وسائل) وقال الفيروز أبادي في "القاموس": (وسل إلى الله تعالى توسيلاً: عمل عملاً تقرب به إليه كتوسل) وقال ابن فارس في "معجم المقاييس": (الوسيلة: الرغبة والطلب، يقال: وسل إذا رغب، والواسل: الراغب إلى الله عز وجل، وهو في قول لبيد:
أرى الناس لا يدرون ما قدْرُ أمرهم بلى، كل ذي دين إلى الله واسلُ).
وقال الراغب الأصفاني في "المفردات": (الوسيلة: التوصل إلى الشيء برغبة، وهي أخص من الوصيلة، لتضمنها لمعنى الرغبة، قال تعالى: وابتغوا إليه الوسيلة، وحقيقة الوسيلة إلى الله تعالى: مراعاة سبيله بالعمل والعبادة، وتحري مكارم الشريعة، وهي كالقربة، والواسل: الراغب إلى الله تعالى).

وقد نقل العلامة ابن جرير هذا المعنى أيضاً وأنشد عليه قول الشاعر:
إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا وعاد التصافي بيننا والوسائل
هذا وهناك معنى آخر للوسيلة هو المنزلة عند الملك، والدرجة والقربة، كما ورد في الحديث تسمية أعلى منزلة في الجنة بها، وذلك هو قوله :  إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل
ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة  (1).
وواضح ان هذين المعنيين الأخيرين للوسيلة وثيقا الصلة بمعناها الأصلي، ولكنهما غير مرادين في بحثنا هذا.

أحمد سعد الدين 04-04-2005 01:01 AM

معنى الوسيلة في القرآن:

إن ما قدمته من بيان معنى التوسل هو المعروف في اللغة، ولم يخالف فيه أحد، وبه فسر السلف الصالح وأئمة التفسير الآيتين الكريمتين اللتين وردت فيهما لفظة (الوسيلة)، وهما قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدا في سبيله لعلكم تفلحون
]المائدة: 35[، وقوله سبحانه: أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذوراً ]الإسراء: 57[.
فأما الآية الأولى، فقد قال إمام المفسرين الحافظ ابن جرير رحمه الله في تفسيرها: (يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله فيما أخبرهم، ووعد من الثواب، وأوعد من العقاب. اتقوا الله يقول: أجيبوا الله فيما أمركم، ونهاكم بالطاعة له في ذلك.وابتغوا إليه الوسيلة: يقول: واطلبوا القربة إليه بالعمل بما يرضيه).
ونقل الحافظ ابن كثير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن: معنى الوسيلة فيها القربة، ونقل مثل ذلك عن مجاهد وأبي وائل والحسن وعبد الله بن كثير والسدي وابن زيد وغير واحد، ونقل عن قتادة قوله فيها: (أي تقربوا إليه بطاعته، والعمل بما يرضيه) ثم قال ابن كثير: (وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه.. والوسيلة هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود)(1).
وأما الآية الثانية فقد بين الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه مناسبة نزولها التي توضح معناها فقال: (نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفراً من الجن، فأسلم الجنيون، والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون)(2).
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله(3) :(أي استمر الإنس الذين كانوا يعبدون الجن على عبادة الجن، والجن لا يرضون بذلك، لكونهم أسلموا، وهم الذين صاروا يبتغون إلى ربهم الوسيلة، وهذا هو المعتمد في تفسير الآية).
قلت:وهي صريحة في أن المراد بالوسيلة ما يتقرب به إلى الله تعالى، ولذلك قال:
يبتغون أي يطلبون ما يتقربون به إلى الله تعالى من الأعمال الصالحة، وهي كذلك تشير
إلى هذه الظاهرة الغريبة المخالفة لكل تفكير سليم، ظاهره أن يتوجه بعض الناس بعبادتهم ودعائهم إلى بعض عباد الله، يخافونهم ويرجونهم، مع أن هؤلاء العباد المعبودين قد أعلنوا إسلامهم، وأقروا لله بعبوديتهم، وأخذوا يتسابقون في التقرب إليه سبحانه، بالأعمال الصالحة التي يحبها ويرضاها، ويطمعون في رحمته، ويخافون من عقابه، فهو سبحانه يُسَفه في هذه الآية أحلام أولئك الجاهلين الذين عبدوا الجن، واستمروا على عبادتهم مع أنهم مخلوقون عابدون له سبحانه، وضعفاء مثلهم، لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، وينكر الله عليهم عدم توجيههم بالعبادة إليه وحده، تبارك وتعالى، وهو الذي يملك وحده الضر والنفع، وبيده وحده مقادير كل شيء وهو المهيمن على كل شيء.

أحمد سعد الدين 04-04-2005 01:01 AM

الأعمال الصالحة وحدها هي الوسائل المقربة إلى الله:

ومن الغريب أن بعض مدعي العلم اعتادوا الاستدلال بالآيتين السابقتين على ما يلهج به كثير منهم من التوسل بذوات الأنبياء أو حقهم أو حرمتهم أو جاههم، وهو استدلال خاطى لا يصح حمل الآيتين عليه، لأنه لم يثبت شرعاً أن هذا التوسل مشروع مرغوب فيه، ولذلك
لم يذكروا هذا الاستدلال أحد من السلف الصالح، ولا استحبوا التوسل المذكور، بل الذي فهموه منهما أن الله تبارك وتعالى يأمرنا بالتقرب إليه بكل رغبة، والتقدم إليه بك قربة، والتوصل إلى رضاه بكل سبيل.
ولكن الله سبحانه قد علمنا في نصوص أخرى كثيرة أن علينا إذا أردنا التقرب إليه أن
نتقدم إليه بالإعمال الصالحة التي يحبها ويرضاها، وهو لم يكل تلك الأعمال إلينا، ولم يترك
تحديدها إلى عقولنا وأذواقنا، لأنها حينذاك ستختلف وتتباين، وستضطرب وتتخاصم،
بل أمرنا سبحانه أن نرجع إليه في ذلك، ونتبع إرشاده وتعليمه فيه، لأنه لا يعلم ما يرضي الله عز وجل إلا الله وحده، فلهذا كان من الواجب علينا حتى نعرف الوسائل المقربة إلى الله أن نرجع في كل مسألة إلى ما شرعه الله سبحانه، وبينه رسول الله ، ويعني ذلك أن نرجع إلى كتاب الله وسنة رسوله  وهذا هو الذي وصانا به رسولنا محمد صلوات الله عليه وسلامه حيث قال:  تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة
رسوله (1).

أحمد سعد الدين 04-04-2005 01:01 AM

متى يكون العمل صالحاً:

وقد تبين من الكتاب والسنة أن العمل حتى يكون صالحاً مقبولاً يقرب إلى الله سبحانه، فلا بد من أن يتوفر فيه أمران هامان عظيمان، أولهما: أن يكون صاحبه قد قصد به وجه الله عز وجل، وثانيهما: أن يكون موافقاً لما شرعه الله تبارك وتعالى في كتابه، أو بينه رسوله في سنته، فإذا اختل واحد من هذين الشرطين لم يكن العمل صالحاً ولا مقبولاً.
ويدل على هذا قوله تبارك وتعالى: فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً، ولا
يشرك بعبادة ربه أحداً ]الكهف:110[ فقد أمر سبحانه أن يكون العمل صالحاً، أي موافقاً
للسنة، ثم أمر أن يخلص به صاحبه لله، لا يبتغي به سواه.
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره": (وهذان ركنا العمل المتقبل، لا بد أن يكون خالصاً لله، صواباً على شريعة رسول الله r ) وروي مثل هذا عن القاضي عياض رحمه الله وغيره.

أحمد سعد الدين 04-04-2005 01:02 AM





الفصل الثاني:

الوسائل الكونية والشرعية

أحمد سعد الدين 04-04-2005 01:02 AM

إذا عرفنا أن الوسيلة هي السبب الموصل إلى المطلوب برغبة فاعلم أنها تنقسم إلى قسمين، وسيلة كونية، ووسيلة شرعية.
فأما الوسيلة الكونية فهي كل سبب طبيعي يوصل إلى المقصود بخلقته التي خلقها الله بها، ويؤدي إلى المطلوب بفطرته التي فطره الله عليها، وهي مشتركة بين المؤمن والكافر من غير تفريق ، ومن أمثلتها الماء فهو وسيلة إلى ريّ الإنسان، والطعام وسيلة إلى شبعه، واللباس وسيلة إلى حمايته من الحر والقر، والسيارة وسيلة إلى انتقاله من مكان إلى مكان، وهكذا.
وأما الوسيلة الشرعية فهي كل سبب يوصل إلى المقصود عن طريق ما شرعه الله تعالى، وبينه في كتابه وسنة نبيه، وهي خاصة بالمؤمن المتبع أمر الله ورسوله.
ومن أمثلتها النطق بالشهادتين بإخلاص وفهم وسيلة إلى دخول الجنة والنجاة من الخلود في النار، وإتباع السيئة الحسنة وسيلة إلى محو السيئة، وقول الدعاء المأثور بعد الأذان وسيلة إلى نيل شفاعة النبي r، وصلة الأرحام وسيلة لطول العمر وسعة الرزق، وهكذا.
فهذه الأمور وأمثالها إنما عرفنا أنها وسائل تحقق تلك الغايات والمقاصد عن طريق الشرع وحده، لا عن طريق العلم أو التجربة أو الحواس، فنحن لم نعلم أن صلة الرحم تطيل العمر وتوسع الرزق إلا من قوله صلوات الله وسلامه عليه: من أحب أن يُبْسَط له في رزقه، وأن يُنْسَأ له في أثره فَلْيَصِلْ رحمه  (1).
وهكذا الأمثلة الأخرى.
ويخطىء الكثيرون في فهم هذه الوسائل بنوعيها خطأ كبيراً، ويهمون وهماً شنيعاً، فقد يظنون سبباً كونياً ما يوصل إلى غاية معينة، ويكون الأمر بخلاف ما يظنون، وقد يعتقدون سبباً شرعياً ما يؤدي إلى مقصد شرعي معين، ويكون الحق بخلاف ما يعتقدون.
فمن أمثلة الوسائل الباطلة شرعاً وكوناً في آن واحد، ما يراه المار في شارع النصر في دمشق في كثير من الاحيان، إذ يجد بعض الناس قد وضعوا أمامهم مناضد صغيرة، وعليها حيوان صغير يشبه الفأر الكبير، وقد وضع بجانبه بطاقات مضمومة كتب فيها عبارات فيها توقعات لحظوظ الناس، كتبها صاحب الحيوان، أو أملاها عليه بعض الناس كما شاء لهم جهلهم وهواهم، فيمر الصديقات الحميمان فيقول أحدهم للأخر: تعال لنرى حظنا ونصيبنا، فيدفعان للرجل بضعة قروش، فيدفع الحوين لسحب بطاقة ما، ويعطيها أحدهما فيقرؤها، ويطالع حظه المزعوم فيها !
ترى ما مبلغ عقل هذا الإنسان الذي يتخذ الحيوان دليلاً ليعلمه ما جهله، وليطلعه على
ما غُيّب عنه من قدره ؟
إنه إن كان يعتقد فعلاً أن هذا الحيوان يعلم الغيب فلا شك أن الحيوان خير منه، وإن كان لا يعتقد ذلك ففعله هذا عبث وسخف وإضاعة وقت ومال يتنزه عنه العقلاء. كما أن تعاطي هذا العمل تدجيل وتضليل وأكل لأموال الناس بالباطل.
ولا شك أن لجوء الناس إلى هذا الحيوان لمعرفة الغيب وسيلة كونية بزعمهم، ولكنها باطلة تدحضها التجربة، ويهدمها النظر السليم، فهي وسيلة خرافية أدى إليها الجهل والدجل، وهي من الناحية الشرعية باطلة أيضاً تخالف الكتاب والسنة والإجماع، ويكفي في ذلك مخالفتها لقوله سبحانه في الثناء على نفسه: عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول.. ]الجن: 26-27[.
ومن الأسباب الكونية الموهومة ظن بعضهم انه إذا سافر أو تزوج مثلاً يوم الأربعاء أخفق في سفره وخاب في زواجه، واعتقادهم أنه من شرع في عمل هام فرأى أعمى أو ذو عاهة
لم يتم عمله ولم ينجح فيه !
ومن هذه الأسباب أيضاً ظن كثير من العرب والمسلمين اليوم أنهم بعددهم الكبير فقط ينتصرون على أعدائهم من الصهاينة والمستعمرين، وأنهم على وضعهم الذي هم عليه سيرمون اليهود في البحر، وقد أثبتت التجارب خطأ هذه الظنون وبطلانها، وأن الأمر أعمق من أن يعالج بهذه الطريقة السطحية.
ومن الأسباب الشرعية الموهومة اتخاذ بعض الناس أسباباً يظنونها تقربهم إلى الله سبحانه، وهي تبعدهم منه في الحقيقة، وتجلب لهم السخط والغضب، بل واللعنة والعذاب، فمن ذلك استغاثة بعضهم بالموتى المقبورين من الأولياء والصالحين، ليقضوا لهم حوائجهم التي لا يستطيع قضاءها إلا الله سبحانه وتعالى، كطلبهم منهم دفع الضر وشفاء السقم، وجلب الرزق وإزالة العقم، والنصر على العدو وأمثال ذلك، فيتمسحون بحديد الأضرحة وحجارة القبور، ويهزونها أو يلقون إليها أوراقاً كتبوا فيها طلباتهم ورغابتهم، فهذه وسائل شرعية بزعمهم، ولكنها في الحقيقة باطلة، ومخالفة لأساس الإسلام الأكبر الذي هو العبودية لله تعالى وحده، وإفراده سبحانه بجميع أنواعها وفروعها.
ومن ذلك اعتقاد بعضهم الصدق في خبر يتحدث به إنسان ما إذا عطس هو أو أحد الحاضرين عند تحدثه بذلك(1).
ومنها اعتقادهم بأن أحداً من أصحابهم أو أقربائهم يذكرهم بخير إذا طنت آذانهم(2)،وكذلك اعتقادهم بأن بلاء ينزل عليهم إذا قصوا أظافرهم في الليل وفي أيام السبت والأحد(3) ...، أو إذا كنسوا بيوتهم ليلاً...، ومنها اعتقادهم أنهم إذا حسنوا ظنهم بحجر واعتقدوا فيه فإنه ينفهم(4).
فهذه وأمثالها اعتقادات باطلة، بل خرافات وترهات، وظنون وأوهام ما أنزل الله بها من سلطان، وقد رأيت أن أصلها أحاديث موضوعة مكذوبة، لعن الله واضعها، وقبح ملفقها.
وعلى هذا فإن الوسائل الكونية منها ما هو مباح أذن الله به، ومنها ما هو حرام نهى الله عنه، وقد ذكرت فيما سبق أمثلة من هذه الوسائل بنوعيها مما يَهم الناس فيه، ويظنونه مباحاً وموصولاً إلى القصد مع أنه بعكس ذلك، وأذكر فيما يلي بعض الأمثلة على الوسائل الكونية المشروعة وغير المشروعة.
فمن الوسائل الكونية المشروعة للكسب والحصول على الرزق اتخاذ البيع والشراء والتجارة والزراعة والإجارة، ومن الوسائل الكونية المحرمة الإقراض بالربا وبيع العينة والاحتكار والغش والسرقة، والميسر وبيع الخمور والتماثيل، ومن أدلة ذلك قوله تعالى: وأحل الله البيع وحرم الربا ]سورة البقرة: الآية 275[.
فكل من البيع والربا سبب كوني لكسب الرزق، ولكن الله تعالى أحل الأول، وحرم الثاني.

أحمد سعد الدين 04-04-2005 01:03 AM

كيف تعرف صحة الوسائل ومشروعيتها:

والطريق الصحيح لمعرفة مشروعية الوسائل الكونية والشرعية هو الرجوع إلى الكتاب والسنة، والتثبت مما ورد فيهما عنها، والنظر في دلالات نصوصهما، وليس هناك طريق آخر لذلك البتة.
فهناك شرطان لجواز استعمال سبب كوني ما، الأول أن يكون مباحاً في الشرع، والثاني أن يكون قد ثبت تحقيقه للمطلوب، أو غلب ذلك على الظن.
وأما الوسيلة الشرعية فلا يشترط فيها إلا ثبوتها في الشرع ليس غير.
فاتخاذ الحيوان في المثال الاسبق وسيلة مزعومة لمعرفة الغيب هو من الناحية الكونية باطل تدحضه التجربة والنظر، ومن الناحية الشرعية كفر وضلال، بين الله بطلانه وحذر منه.
وكثيراً ما يخلط الناس في هذه الأمور، فيظنون أنه بمجرد ثبوت النفع بوسيلة ما تكون هذه الوسيلة جائزة ومشروعة، فقد يحدث أن يدعو أحدهم ولياً، أو يستغيث بميت فيتحقق طلبه، وينال رغبته، فيدعي أن هذا دليل على قدرة الموتى والأولياء على إغاثة الناس، وعلى جواز دعائهم والاستغاثة بهم، وما حجته في ذلك غير حصوله على طلبه، وقد قرأنا مع الأسف في بعض الكتب الدينية أشياء كثيرة من هذا القبيل، إذ يقول مسطرها، أو ينقل عن بعضهم قوله مثلاً: إنه وقع في شدة، واستغاث بالولي الفلاني، أو الصالح العلاني، وناداه باسمه، فحضر حالاً، أو جاءه في النوم فأغاثه، وحقق له ما أراد.
وما درى هذا المسكين وأمثاله أن هذا - إن صح وقوعه - استدراج من الله عز وجل للمشركين والمبتدعين، وفتنة منه سبحانه لهم، ومكر منه بهم، جزاءاً وفاقاً على إعراضهم عن الكتاب والسنة، واتباعهم لأهوائهم وشياطينهم.
فهذا الذي يقول ذاك الكلام يجيز الاستغاثة بغير الله تعالى، هذه الاستغاثة التي هي الشرك الأكبر بعينه، بسبب حادثة وقعت له أو لغيره، ويمكن أن تكون هذه الحادثة مختلقة من أصلها، أو محرفة ومضخمة لإضلال بني آدم، كما يمكن أن تكون صحيحة، وراويها صادقاً فيما أخبر، ولكنه أخطأ في حكمه على المنقذ والمغيث، فظنه ولياً صالحاً، وإنما هو شيطان رجيم، فعل ذلك عن قصد خبيث، هو تلبيس الأمور على الناس، وإيقاعهم في حبائل الكفر والضلال من حيث يشعرون أو لا يشعرون.
وقد تضافرت الأخبار على أن المشركين في الجاهلية كانوا يأتون إلى الصنم، وينادونه فيسمعون صوتاً، فيظنون أن الذي يكلمهم ويجيبهم إنما هو معبودهم الذي قصدوه من دون الله، وليس هو في الحقيقة والواقع غير شيطان لعين يريد إضلالهم، وإغراقهم في العقائد الباطلة.
والمقصود من ذلك كله أن تعرف أن التجارب والأخبار ليست الوسيلة الصحيحة لمعرفة مشروعية الأعمال الدينية، بل الوسيلة الوحيدة المقبولة لذلك هي الاحتكام للشرع المتمثل في الكتاب والسنة وليس غير.
وأهم ما يخلط فيه كثير من الناس في هذا الباب الاتصال بعالم الغيب بطريقة من الطرق، كإتيان الكهان والعرافين، والمنجمين والسحرة والمشعوذين، فتراهم يعتقدون في هؤلاء معرفة الغيب، لأنهم يحدثونهم عن بعض الأمور المغيبة عنهم، ويكون الأمر وفق ما يحدثون أحياناً، ويظنون ذلك جائزاً مباحاً، بدليل وقوعه كما يخبرون. وهذا خطأ جسيم، وضلال مبين، فإن مجرد حصول منفعة ما بواسطة ما لا يكفي لإثبات مشروعية هذه الواسطة، فبيع الخمر مثلاً قد يؤدي إلى منفعة صاحبه وغناه وثروته، وكذلك الميسر واليانصيب أحياناً، ولذلك قال ربنا تبارك وتعالى فيهما: يسألونك عن الخمر والميسر، قل فيهما إثم كبير، ومنافع للناس، وإثمهما أكبر من نفعهما ]سورة البقرة: الآية: 219[ ومع ذلك فهما محرمان، وملعون
في الخمر عشرة كما ثبت في الحديث (1).
فإتيان الكهان كذلك حرام، لأنه قد ثبت في الدين النهي عنه، والتحذير منه، قال النبيr:  من أتى كاهناً، فصدقه بما يقول فقد برىء مما أنزل على محمد (2).
وقال r:  من أتى عرافاً، فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة  (3).
وقال معاوية بن الحكم السلمي للنبي r: إن منا رجالاً يأتون الكهان؟ فقال r:  فلا تأتهم...  (4).
وقد بين الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه طريقة حصول الكهان والسحرة على بعض المغيبات بقوله r:  إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله كالسلسلة على صفوان(5) ، فإذا فُزّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم ؟ قالوا للذي قال: الحق، وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترقو السمع، ومسترقو السمع هكذا واحد فوق آخر، ووصف سفيان - أحد رواة الحديث - (وهو ابن عيينة كما قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (3/537) بيده، وفرَّج بين أصابع يده اليمنى، نصبها بعضها فوق بعض، فربما أدرك الشهاب المستمع قبل ان يرمي بها إلى صاحبه، وربما لم تدركه حتى يرمي بها إلى الذي يليه، الذي هو أسفل منه، حتى يلقوها إلى الساحر، فيكذب معها مائة كذبة، فيصدق، فيقولون: ألم يخبرنا يوم كذا وكذا، يكون كذا وكذا، فوجدناه حقاً؟(للكلمة التي سُمعت من
السماء)(1) .
وورد مثل هذا في حديث آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كان رسول الله r جالساً في نفر من أصحابه، فاستنار نجم، فقال r:  ما كنتم تقولون إذا كان مثل هذا في الجاهلية؟ قالوا: كنا نقول: يولد عظيم أو يموت عظيم، فقال رسول الله r:  فإنها
لا يُرْمى بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا تبارك وتعالى إذا قضى أمراً سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح السماء الدنيا، ثم يستخبر أهل السماء الذين يلون حملة العرش، فيقول الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم ؟ فيخبرونهم، ويخبر أهل كل سماء سماء، حتى ينتهي الخبر إلى هذه السماء، وتخطف الجن السمع، فيُرمَون، فما جاؤوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يقرفون فيه ويزيدون  (2).
فمن هذين الحديثين وغيرهما نعلم أن الاتصال بين الإنس والجن واقع، وأن الجني يخبر الكاهن ببعض الأخبار الصادقة، فيضيف إليها الكاهن أخباراً أخرى ملفقة من عنده، فيحدث الناس، فيطلعون على صدق بعضها، ومع ذلك فقد نهى الشارع الحكيم عن إتيان
هؤلاء الكهان، وحذر من تصديقهم فيما يقولون، كما مر معنا آنفاً.
وبهذه المناسبة فلا يفوتنا أن نذكر أن الكهانة والعرافة والتنجيم ما يزال لها أثر كبير على كثير من الناس، حتى في عصرنا هذا الذي يدعي أهله أنه عصر العلم والتفكير، والتمدن والثقافة، ويظنون أن الكهانة والشعوذة والسحر قد ولّت أيامها وانقضى سلطانها، ولكن الذي يمكن النظر، ويطلع على خفايا ما يحدث هنا وهناك يعلم علم اليقين أنها ما تزال تسيطر على كثيرين، ولكنها لبست لبوساً جديداً، وتدبت بأشكال عصرية، لا بفطن إلى حقيقتها إلا القليل، وما استحضار الأرواح ومخاطبتها، والاتصال بها بأنواعه المختلفة إلا شكل من أشكال هذه الكهانة الحديثة التي تضلل الناس، وتفتنهم عن دينهم، وتربطهم بالأوهام والأباطيل، ويظنونها حقيقة وعلماً، وديناً، والحقيقة والعلم والدين منها بُرءاء.
والخلاصة أن الأسباب الكونية، وما يُظن أنه من الأسباب الشرعية لا يجوز إثباتها،
ولا تعاطيها إلا بعد ثبوت جوازها في الشرع، كما يجب في الأسباب الكونية إثبات صحتها وفائدتها بالنظر والتجربة.
ومما يجب التنبه له، أن ما ثبت كونه وسيلة كونية، فإنه يكفي في إباحته والأخذ به، أن
لا يكون في الشرع النهي عنه، وفي مثله يقول الفقهاء: الأصل في الأشياء الإباحة.وأما الوسائل الشرعية، فلا يكفي في جواز الأخذ بها، أن الشارع الحكيم لم ينه عنها، كما يتوهمه الكثيرون بل لا بد فيها من ثبوت النص الشرعي المستلزم مشروعيتها واستحبابها.لأن الاستحباب شيء زائد على الإباحة، فإنه مما يتقرب إلى الله تعالى، والقربات لا تثبت بمجرد عدم ورود النهي عنها، ومن هنا قال بعض السلف: (كل عبادة لم يتعبدها اصحاب رسول الله r
فلا تتعبدوها)، وهذا مستفاد من أحاديث النهي عن الابتداع في الدين وهي معروفة، ومن هنا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (الأصل في العبادات المنع إلا لنص، وفي العادات الإباحة إلا لنص). فاحفظ هذا فإنه هام جداً يساعدك على استبصار الحق فيما اختلف فيه الناس.

أحمد سعد الدين 04-04-2005 01:04 AM





الفصل الثالث:

التوسل المشروع وأنواعه

أحمد سعد الدين 04-04-2005 01:04 AM

عرفنا مما سبق أن هناك قضيتين مستقلتين، أولاهما وجوب أن يكون التوسل به مشروعاً، وذلك لا يعرف إلا بدليل صحيح من الكتاب والسنة، وثانيهما أن يكون التوسل بسبب كوني صحيحاً يوصل إلى المطلوب.
ونحن نعلم أن الله عز وجل أمرنا بدعائه سبحانه والاستغاثة به، فقال: وقال ربكم ادعوني استجب لكم، إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ]سورة: غافر: الآية 60[. وقال تعالى: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب، أجيب دعوة الداعٍ إذا دعان، فليستجيبوا لي، وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ]سورة البقرة: الآية 178[.
وقد شرع لنا عز شأنه أنواعاً من التوسلات المشروعة المفيدة المحققة للغرض، والتي تكفل الله بإجابة الداعي بها، إذا توفرت شروط الدعاء الأخرى، فلننظر الآن فيم تدل عليه النصوص الشرعية الثابتة من التوسل دون تعصب او تحيز.
إن الذي ظهر لنا بعد تتبع ما ورد في الكتاب الكريم والسنة المطهرة أن هناك ثلاثة أنواع للتوسل شرعها الله تعالى، وحث عليها، وَرَدَ بعضها في القرآن، واستعملها الرسول r وحض عليها، وليس في هذه الأنواع التوسل بالذوات أو الجاهات أو الحقوق أو المقامات، فدل ذلك على عدم مشروعيته وعدم دخوله في عموم (الوسيلة) المذكورة في الآيتين السالفتين.

أحمد سعد الدين 04-04-2005 01:04 AM

أما الأنواع المشار إليها من التوسل المشروع فهي:

1- التوسل إلى الله تعالى باسم من أسمائه الحسنى، أو صفة من صفاته العليا: كأن يقول المسلم في دعائه: اللهم إني أسألك بأنك أنت الرحمن الرحيم، اللطيف الخبير أن تعافيني.
أو يقول: أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن ترحمني وتغفر لي. ومثله قول القائل: اللهم إني أسألك بحبك لمحمد r. فإن الحب من صفاته تعالى.
ودليل مشروعية هذا التوسل قوله عز وجل: ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ]سورة الأعراف: الآية 180[.والمعنى: ادعوا الله تعالى متوسلين إليه بأسمائه الحسنى. ولا شك أن صفاته العليا عز وجل داخلة في هذا الطلب، لأن أسماءه الحسنى سبحانه صفات له، خصت به تبارك وتعالى.
ومن ذلك ما ذكره الله تعالى من دعاء سليمان عليه السلام حيث قال: قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحاً ترضاه، وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين ]سورة النمل: الآية 19[.
ومن الأدلة أيضاً قول النبي r في أحد أدعيته الثابتة عنه قبل السلام من صلاته r:
 اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خير لي..  (1).
ومنها أنه r سمع رجلاً يقول في تشهده: (اللهم إني أسألك يا الله الواحد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد أن تغفر لي ذنوبي، إنك أنت الغفور الرحيم)

فقال r  قد غفر له قد غفر له  (1).
وسمع النبي r رجلاً آخر يقول في تشهده: (اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، المنان يا بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم، إني أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار) فقال النبي r لأصحابه:  تدرون بما دعا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال:  والذي نفسي بيده لقد دعا الله باسمه العظيم (وفي رواية: الأعظم) الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطي  (2).
ومنها قوله r:  من كثر همه فليقل: (اللهم إني عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيّ حكمك، عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو علمته أحد من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي) إلا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه فرجا (3).
ومنها ما ورد في استعاذته r وهي قوله:  اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني..  (4) .
ومنها ما رواه أنس رضي الله عنه أن النبي r:  كان إذا حزبه - أي اهمه وأحزنه- أمر قال: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث  (1).
فهذه الأحاديث وما شابهها تبين مشروعية التوسل إلى الله تعالى باسم من أسمائه أو صفه من صفاته، وأن ذلك مما يحبه الله سبحانه ويرضاه، ولذلك استعمله رسول الله r، وقد قال الله تبارك وتعالى: وما آتاكم الرسول فخذوه ]سورة الحشر: الآية 8[. فكان من المشروع لنا أن ندعوه سبحانه بما دعاه به رسوله r، فذلك خير ألف مرة من الدعاء بأدعية ننشئها، وصيغ نخترعها.

أحمد سعد الدين 04-04-2005 01:05 AM

2 ـ التوسل إلى الله تعالى بعمل صالح قام به الداعي:كأن يقول المسلم: اللهم بإيماني بك، ومحبتي لك، واتباعي لرسولك اغفر لي.. أو يقول: اللهم إني أسألك بحبي لمحمد r وإيماني به أن تفرج عني.. ومنه أن يذكر الداعي عملاً صالحاً ذا بالٍ، فيه خوفه من الله سبحانه، وتقواه إياه، وإيثاره رضاه على كل شيء، وطاعته له جل شأنه، ثم يتوسل به إلى ربه في دعائه، ليكون أرجى لقبوله وإجابته.
وهذا توسل جيد وجميل قد شرعه الله تعالى وارتضاه، ويدل على مشروعيته قوله تعالى: الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار ]سورة آل عمران: الآية 16[ وقوله: ربنا آمنا بما أنزلت وتبعت الرسول فاكتبا مع الشاهدين ]سورة آل عمران: الآية 53[ وقوله: إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار ]سورة أل عمران: الآيتان 193 و 194[. وقوله: إنه كان فريق من عبادي يقولون: ربنا آمنا فاغفر لنا، وارحمنا، وأنت خير الراحمين ]سورة المؤمنون: الآية 109[ وأمثال هذه الآيات الكريمات المباركات. وكذلك يدل على مشروعية هذا النوع من التوسل ما رواه بريدة بن الحٌصَيب رضي الله عنه حيث قال: سمع النبي r رجلاً يقول: (اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحداً)، فقال:  قد سأل الله باسمه الأعظم، الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب  (1).
ومن ذلك ما تضمنته قصة أصحاب الغار، كما يرويها عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله r يقول:  انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم حتى أووا المبيت إلى غار، فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل، فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم (وفي رواية لمسلم: فقال بعضهم لبعض: انظروا إعمالاً عملتموها صالحة لله، فادعوا الله بها، لعل الله يفرجها عنكم). فقال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبُقُ (2) قبلهما أهلا ولا مالا، فنأى بي طلب شيء (وفي رواية لمسلم: الشجر) يوماً، فلم أرٍحْ عليهما(3) ، حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أغبق قبلهما أهلا أو مالا، فلبثت والقدح على يدي انتظر استيقاظهما حتى برق الفجر، فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئاً لا يستطيعون الخروج.
قال النبي r: قال الآخر: اللهم كانت لي بنت عم كانت أحب الناس إلي، فأردتها عن نفسها، فامتنعت مني حتى ألمت بها سَنَة (1) من السنين، فجاءتني فأعطيتها عشرين ومئة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها، ففعلت، حتى إذا قدرت عليها قالت: لا أحل لك أن تفض (وفي رواية لمسلم: يا عبد الله اتق الله، ولا تفتح) الخاتم إلا بحقه، فتحرجت من الوقوع عليها، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي، وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها.
قال النبي r: وقال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء، فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمرت أجره، حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين فقال: يا عبد الله أدّ لي أجري، فقلت له: كل ما ترى من أجرك، من الإبل والبقر والغنم والرقيق. فقال: يا عبد الله ! لا تستهزئ بي. فقلت: إني لا أستهزئ بك، فأخذه كله، فاستاقه، فلم يترك منه شيئاً. اللهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة … فخرجوا يمشون  (2).
ويتضح من هذا الحديث أن هؤلاء الرجال المؤمنين الثلاثة حينما اشتد بهم الكرب، وضاق بهم الأمر، ويئسوا من أن يأتيهم الفرج من كل طريق إلا طريق الله تبارك وتعالى وحده، فلجأوا إليه، ودعوه بإخلاص واستذكروا أعمالاً لهم صالحة، كانوا تعرفوا فيها إلى الله في أوقات الرخاء، راجين أن يتعرف إليهم ربهم مقابلها في أوقات الشدة، كما ورد في حديث النبي r الذي فيه:  .. تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة  (1) فتوسلوا إليه سبحانه بتلك الأعمال ؛ توسل الأول ببره والديه، وعطفه عليهما، ورأفته الشديدة بهما حتى كان منه ذلك الموقف الرائع الفريد، وما أحسب إنساناً آخر، حاشا الأنبياء ـ يصل بره بوالديه إلى هذا الحد.
وتوسل الثاني بعفته من الزنى بابنة عمه التي أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء بعدما قدر عليها، واستسلمت له مكروهة بسبب الجوع والحاجة، ولكنها ذكرته بالله عز وجل، فتذكر قلبه، وخشعت جوارحه، وتركها والمال الذي أعطاها.
وتوسل الثالث بحفاظه على حق أجيره الذي ترك أجرته التي كانت فَرَقاَ (2) من أرز كما ورد في رواية صحيحة للحديث وذهب، فنماها له صاحب العمل، وثمرها حتى كانت منها الشاه والبقر والأبل والرقيق، فلما احتاج الأجير إلى المال ذكر أجرته الزهيدة عند صاحبه، فجاءه وطالبه بحقه، فأعطاه تلك الأموال كلها، فدهش وظنه يستهزىء به، ولكنه لما تيقن منه الجد، وعرف أنه ثمرّ له أجره حتى تجمعت منه تلك الأموال، استساقها فرحاً مذهولاً، ولم يترك منها شيئاً. وأيْم الله إن صنيع رب العمل هذا بالغ حد الروعة في الإحسان إلى العامل، ومحقق المثل الأعلى الممكن في رعايته وإكرامه، مما لا يصل إلى عشر معشاره موقف كل من يدعي نصرة العمال والكادحين، ويتاجر بدعوى حماية الفقراء والمحتاجين، وإنصافهم وإعطائهم حقوقهم، دعا هؤلاء الثلاثة ربهم سبحانه متوسلين إليه بهذه الأعمال الصالحة أي صلاح، والمواقف الكريمة أي كرم، معلنين أنهم إنما فعلوها ابتغاء رضوان الله تعالى وحده،
لم يردوا بها دنيا قريبة أو مصلحة عاجلة أو مالاً، ورجوا الله جل شأنه أن يفرج عنهم ضائقتهم، ويخلصهم من محنتهم، فاستجاب سبحانه دعاءهم، وكشف كربهم، وكان عند حسن ظنهم به، فخرق لهم العادات وأكرمهم بتلك الكرامة الظاهرة، فأزاح الصخرة بالتدرج على مراحل ثلاث، كلما دعا واحد منهم تنفرج بعض الانفراج حتى انفرجت تماماً مع آخر دعوة الثالث بعد أن كانوا في موت محقق. ورسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه يروي لنا هذه القصة الرائعة التي كانت في بطون الغيب، لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى ليذكرنا بأعمال فاضلة مثالية لأناس فاضلين مثاليين من أتباع الرسل السابقين، لنقتدي بهم، ونتأسى بأعمالهم، ونأخذ من أخبارهم الدروس الثمينة، والعظات البالغة. ولا يقولن قائل: إن هذه الأعمال جرت قبل بعثة نبينا محمد r فلا تنطبق علينا بناء على ما هو الراجح في علم الأصول أن شرع من قبلنا ليس شرعاً لنا. لأننا نقول: إن حكاية النبي r لهذه الحادثة إنما جاءت في سياق المدح والثناء، والتعظيم والتبجيل، وهذا إقرار منه r بذلك، بل هو أكثر من إقرار لما قاموا به من التوسل بأعمالهم الصالحة المذكورة، بل إن هذا ليس إلا شرحاً وتطبيقاً عملياً للآيات المتقدمة، وبذلك تتلاقى الشرائع السماوية في تعاليمها وتوجيهاتها، ومقاصدها وغاياتها، ولا غرابة في ذلك، فهي تنبع من معين واحد، وتخرج من مشكاة واحدة، وخاصة فيما يتعلق بحال الناس مع ربهم سبحانه، فهي لا تكاد تختلف إلا في القليل النادر الذي يقتضي حكمة الله سبحانه تغييره وتبدليه.

أحمد سعد الدين 04-04-2005 01:05 AM

3 - التوسل إلى الله تعالى بدعاء الرجل الصالح:
كأن يقول المسلم في ضيق شديد، أو تحل به مصيبة كبيرة، ويعلم من نفسه التفريط في جنب الله تبارك وتعالى، فيجب أن يأخذ بسبب قوي إلى الله، فيذهب إلى رجل يعتقد فيه الصلاح والتقوى، أو الفضل والعلم بالكتاب والسنة، فيطلب منه أن يدعوا له ربه، ليفرج عنه كربه، ويزيل عنه همه. فهذا نوع آخر من التوسل المشروع، دلت عليه الشريعة المطهرة، وأرشدت إليه، وقد وردت أمثلة منه في السنة الشريفة، كما وقعت نماذج منه من فعل الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم، فمن ذلك ما رواه أنس ابن مالك رضي الله عنه حيث قال:  اصاب الناس سنَة على عهد النبي ، فبينما النبي  يخطب ]على المنبر 2/22[ قائماً في يوم الجمعة، قام ]وفي راوية: دخل 2/16[ أعرابي ]من أهل البدو 2/21[ ]من باب كان وجَاه المنبر[ ]نحو دار القضاء ورسول الله قائم، فاستقبل رسول الله  قائماً 2/17[ فقال: يا رسول الله ! هلك المال، وجاع ]وفي رواية: هلك[ العيال ]ومن طريق أخرى: هلك الكُراع، وهلك الشاء[ ]وفي أخرى هلكت المواشي، وانقطعت السبل[ فادعُ الله لنا ]أن يَسْقِيَنا[ ]وفي أخرى: يُغيثنا[ فرفع يديه يدعو ]حتى رأيت بياض إبطه[: ]اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا[، ]ورفع الناس أيديهم معه يدعون، [ ]ولم يذكر أنه حوَّل رداءه، ولا استقبل القبلة 2/18[ و ]لا والله[ ما نرى في السماء ]من سحاب ولا[ قرعة
]ولا شيئاً، وما بيننا وبين سَلْع من بيت ولا دار[ ]وفي رواية: قال أنس: وإن السماء لمثل الزجاجة[ ]قال فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت[ فوالذي نفسه بيده ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطرَ يتحادر على لحيته  ]وفي رواية: فهاجت ريح أنشأت سحاباً، ثم اجتمع، ثم أرسلت السماءُ عزاليها ]ونزل عن المنبر فصلى 2/19[ ]فخرجنا نخوض الماس حتى أتينا منازلنا[ ]وفي رواية: حتى ما كاد الرجل يصل إلى منزله 7/154[ فمطرنا يومنا ذلك، ومن الغد وبعد الغد، والذي يليه حتى الجمعة الأخرى ]ما تقلع[ ]حتى سالت مثاعب المدينة[ ]وفي رواية: فلا والله ما رأينا الشمس ستاً[.
وقام ذلك الأعرابي أو غيره ]وفي رواية: ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله  قائم يخطب، فاستقبله قائماً[ فقال: يا رسول الله تهدم البناء ]وفي رواية: تهدمت البيوت، وتقطعت السبل، وهلكت المواشي[ ]وفي طريق: بشَق المسافر، ومُنع الطريق[ وغرق المال، فادع الله ]يحبُسه[ لنا ]فتبسم النبي  [ فرفع يده، فقال: اللهم حوالينا ولا علينا، ]اللهم على رؤوس الجبال والإكام ]والظراب[ وبطون الأودية ومنابت الشجر[ فما ]جعل[ يشير بيده إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت مثل الجوْبَة، ]وفي رواية: فنظرت إلى السحاب تصدع حول المدينة ]يميناً وشمالاً[ كأنه إكليل[ ]وفي أخرى: فانْجابَتْ [عن المدينة انجياب الثوب[ ]يمطر ما حولينا ولا يمطر فيها شيء ]وفي طريق:قطرة[ ]وخرجنا نمشي في الشمس[ يريهم الله كرامة نبيه  وإجابة دعوته[، وسال الوادي ]وادي[ قناة شهراً، ولم يجىء أحد من ناحية إلا حدث بالجود .
ومن ذلك ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه أيضاً أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا قحطوا استسقى بالعباس ابن عبد المطلب، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا  فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال: فيُسقَون.
ومعنى قول عمر: إنا كنا نتوسل إليك بنبينا  وإنا نتوسل إليك بعم نبينا، أننا كنا نقصد نبينا  ونطلب منه أن يدعو لنا، ونتقرب إلى الله بدعائه، والآن وقد انتقل  إلى الرفيق الأعلى، ولم يعد من الممكن أن يدعو لنا، فإننا نتوجه إلى عم نبينا العباس، ونطلب منه أن يدعوَ لنا، وليس معناه أنهم كانوا يقولون في دعائنهم: (اللهم بجاه نبيك اسقنا)، ثم أصبحوا يقولون بعد وفاته : (اللهم بجاه العباس اسقنا)، لأن مثل هذا دعاء مبتدع ليس له أصل في الكتاب ولا في السنة، ولم يفعله أحد من السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم، كما سيأتي الكلام على ذلك بشيء من البسط قريباً إن شاء الله تعالى.
ومن ذلك أيضاً ما رواه الحافظ ابن عساكر رحمه الله تعالى في "تاريخه" (18/151/1) بسند صحيح عن التابعي الجليل سليم ابن عامر الخبَائري: (أن السماء قحطت، فخرج معاوية بن أبي سفيان وأهل دمشق يستسقون، فلما قعد معاوية على المنبر، قال: أين يزيد بن الأسود الجُرَشي؟ فناداه الناس، فأقبل يتخطى الناس، فأمره معاوية فصعد على المنبر، فقعد عند رجليه، فقال معاوية: اللهم إنا نستشفع إليك اليوم بخيرنا وأفضلنا، اللهم إنا نستشفع إليك اليوم بيزيد بن الأسود الجرشي، يا يزيد ارفع يديك إلى الله، فرفع يديه، ورفع الناس أيديهم، فما كان أوشك أن ثارت سحابة في الغرب كأنها ترس، وهبت لها ريح، فسقتنا حتى كاد الناس أن لا يبلغوا منازلهم).
وروى ابن عساكر أيضاً بسند صحيح أن الضحاك بن قيس خرج يستسقي بالناس فقال ليزيد بن الأسود أيضاً: قم يا بكاء! زاد في رواية: (فما دعا إلا ثلاثاً حتى أمطروا مطراً كادوا يغرقون منه).
فهذا معاوية رضي الله عنه أيضاً لا يتوسل بالنبي ، لما سبق بيانه، وإنما يتوسل بهذا الرجل الصالح: يزيد ين الأسود رحمه الله تعالى، فيطلب منه أن يدعو الله تعالى، ليسقيهم ويغيثهم، ويستجيب الله تبارك وتعالى طلبه. وحدث مثل هذا في ولاية الضحاك بن قيس أيضاً.

أحمد سعد الدين 04-04-2005 01:05 AM

بطلان التوسل بما عدا الأنواع الثلاثة السابقة:

فمما سبق تعلم أن التوسل المشروع الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وجرى عليه عمل السلف الصالح، وأجمع عليه المسلمون وهو:
1 – التوسل باسم من أسماء الله تبارك وتعالى أو صفة من صفاته.
2 – التوسل بعمل صالح قام به الداعي.
3 – التوسل بدعاء رجل صالح.

وأما ما عدا هذه الأنواع من التوسلات ففيه خلاف، والذي نعتقده وندين الله تعالى به أنه غير جائز، ولا مشروع، لأنه لم يرد فيه دليل، تقوم به الحجة – وقد أنكره العلماء المحققون في العصور الإسلامية المتعاقبة، مع أنه قد قال ببعضه بعض الأئمة، فأجاز الإمام أحمد التوسل بالرسول  وحده فقط، وأجاز غيره كالإمام الشوكاني التوسل به وبغيره من الأنبياء والصالحين: ولكنا – كشأننا في جميع الأمور الخلافية – ندور مع الدليل حيث دار ولا نتعصب للرجال، ولا ننحاز لأحد إلا للحق كما نراه ونعتقده، وقد رأينا في قضية التوسل التي نحن بصددها الحق مع الذين حظروا التوسل بمخلوق، ولم نر لمجيزيه دليلاً صحيحاً يعتد به، ونحن نطالبهم بأن يأتونا بنص صحيح صريح من الكتاب أو السنة فيه التوسل بمخلوق، وهيهات أن يجدوا شيئاً يؤيد ما يذهبون إليه، أو يسند ما يدعونه، اللهم إلا شبهاً واحتمالات، سنعرض للرد عليها بعد قليل.

فهذه الأدعية الواردة في القرآن الكريم وهي كثيرة، لا نجد في شيء منها التوسل بالجاه أو الحرمة أو الحق أو المكانة لشيء من المخلوقات، وهاك بعض الأدعية الكريمة على سبيل المثال: يقول ربنا جل شأنه معلماً إيانا ما ندعو به ومرشداً:
ربنا لا يؤاخذنا إن نسينا
أو أخطأنا، ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا ولا تُحمَّلْنا
ما لا طاقة لنا به، واعْفُ عنا واغفر لنا وارحمنا، أنت مولانا، فانصرنا على القوم الكافرين ]البقرة: 286[ ويقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار
]البقرة: 201[ ويقول: فقالوا: على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين، ونجنا برحمتك من القوم الكافرين ]يونس:85- 86[ ويقول: وإذ قال ابراهيم: رب اجعل هذا البلد آمناً واجنبني وبَنيَّ أن نعبد الأصنام، رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي، ربنا وتقبل دعاء، ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب ]ابراهيم: 35- 41[ ويقول على لسان موسىعليه السلام: قال: رب اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.. ]طه: 25- 28[ ويقول سبحانه: والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراماً.. ]الفرقان: 65[...إلى آخر ما هنالك من الأدعية القرآنية الكريمة، وبعضها مما يعلمنا الله تعالى أن ندعو به ابتداء، وبعضها مما يحكيه سبحانه عن بعض أنبيائه ورساله، أو بعض عباده وأوليائه، وواضح أنه ليس في شيء منها ذاك التوسل المبتدع الذي يدندن حوله المتعصبون، ويخاصم فيه المخالفون.

أحمد سعد الدين 04-04-2005 01:06 AM

وإذا انتقلنا إلى السنة الشريفة لنطلع منها على أدعية النبي  التي ارتضاها الله تعالى له، وعلمه إياها، وأرشدنا إلى فضلها وحسنها، نراها مطابقة لما في أدعية القرآن السالفة من حيث خلوها من التوسل المبتدع المشار إليه، وهاك بعض تلك الأدعية النبوية المختارة:
فمنها دعاء الاستخارة المشهور الذي كان النبي  يعلمه أصحابه إذا هموا بأمر كما كان يعلمهم القرآن، وهو: (اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، وعاجله وآجله، فأقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، وعاجله وآجله، فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به).
ومنها: (اللهم أصلح لي ديني، الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر) و: (اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيراً لي...) و: (اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى) و: (اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك
ما تبلغنا به جنتك) و: (اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل ومحمد نعوذ بك من النار) ومثل هذه الأدعية في السنة كثير، ولا نجد فيها دعاء واحداً ثابتاً فيه شيء من التوسل المبتدع الذي يستعمله المخالفون.

أحمد سعد الدين 04-04-2005 01:06 AM

ومن الغريب حقاً أنك ترى هؤلاء يعرضون عن أنواع التوسل المشروعة السابقة،
فلا يكادون يستعلمون شيئاً منها في دعائهم أو تعليمهم الناس مع ثبوتها في الكتاب والسنة وأجماع الأمة عليها، وتراهم بدلاً من ذلك يعمدون إلى أدعية اخترعوها، وتوسلات ابتدعوها لم يشرعها الله عز وجل، ولم يستعملها رسوله المصطفى ، ولم ينقل عن سلف هذه الأمة من أصحاب القرون الثلاثة الفاضلة، وأقل ما يقال فيها: إنها مختلف فيها، فما أجدرهم بقوله تبارك وتعالى: أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ]البقرة:61[.
وأهل هذه أحد الشواهد العلمية التي تؤكد صدق التابعي الجليل حسان بن عطية المحاربي رحمه حيث قال: (ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سننهم مثلها، ثم لا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة).
هذا ولم ننفرد نحن بإنكار تلك التوسلات المبتدعة، بل سبقنا إلى إنكارها كبار الأئمة والعلماء، وتقرر ذلك في بعض المذاهب المتبعة، ألا وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله، فقد جاء في "الدر المختار" (2/630) – وهو من أشهر كتب الحنفية – ما نصه:
(عن أبي حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، والدعاء المأذون فيه، المأمور به
ما استفيد من قوله تعالى: ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها).
ونحوه في "الفتاوى الهندية" (5/280). وقال القُدوري في كتابه الكبير في الفقه المسمى
بــ "شرح الكرخي" في (باب الكراهة): (قال بشر بن الوليد حدثنا أبو يوسف قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، وأكره أن يقول: بمعاقد العز من عرشك، أو بحق خلقك، وهو قول أبي يوسف، قال أبو يوسف: معقد العز من عرشه هو الله، فلا أكره هذا، وأكره أن يقول: بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام، قال القُدوري: المسألة بخلقه لا تجوز لأنه لا حق للخلق على الخالق، فلا تجوز وفاقاً). نقله شيخ الإسلام في "القاعدة الجليلة" وقال الزبيدي في "شرح الإحياء" (2/285): (كره أبو حنيفة وصاحباه أن يقول الرجل: أسألك بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك، أو بحق البيت الحرام والمشعر الحرام، ونحو ذلك، إذ ليس لأحد على الله حق، وكذلك كره أبو حنيفة ومحمد أن يقول الداعي: اللهم إني أسألك بمعاقد العز من عرشك، وأجازه أبو يوسف لما بلغه الأثر فيه).
أقول: لكن الأثر المشار إليه باطل لا يصح، رواه ابن الجوزي في "الموضوعات" وقال: (هذا حديث موضوع بلا شك)، وأقره الحافظ الزيلعي في "نصب الراية" (273) فلا يحتج به، وإن كان قول القائل: (أسألك بمعاقد العز من عرشك) يعود إلى التوسل بصفة من صفات الله عز وجل، فهو توسل مشروع بأدلة أخرى كما سبق، تغني عن هذا الحديث الموضوع. قال ابن الاثير رحمه الله: (أسألك بمعاقد العز من عرشك، أي بالخصال التي استحق بها العرش العز، أو بمواضع انعقادها منه، وحقيقة معناه: بعز عرشك، وأصحاب أبي حنيفة يكرهون هذا اللفظ من الدعاء).
فعلى الوجه الأول من هذا الشرح، وهو الخصال التي استحق بها العرش العز، يكون توسلاً بصفة من صفات الله تعالى فيكون جائزاً، وأما على الوجه الثاني الذي هو مواضع انعقاد العز من العرش، فهو توسل بمخلوق فيكون غير جائز، وعلى كلٍ فالحديث لا يستحق زيادة في البحث والتأويل لعدم ثبوته، فنكفي بما سبق.

أحمد سعد الدين 04-04-2005 01:08 AM





الفصل الرابع:

شبهات والجواب عليها

أحمد سعد الدين 04-04-2005 01:09 AM

يورد المخالفون في هذا الموضوع بعض الاعتراضات والشبهات، ليدعوا رأيهم الخاطىء، ويوهموا العامة بصحته، ويلبسوا الأمر عليهم، وأعرض فيما يلي هذه الشبهات واحدة إثر واحدة، وأرد عليها رداً علمياً مقنعاً إن شاء الله، بما يقرر ما بينته في الفصل السابق وينسجم معه، ويقنع كل مخلص منصف، ويدحض كل افتراء علينا بالباطل، وبالله تعالى وحده التوفيق، وهو المستعان.

أحمد سعد الدين 04-04-2005 01:09 AM

الشبهة الأولى: حديث استسقاء عمر بالعباس رضي الله عنهما:

يحتجون على جواز التوسل بجاه الأشخاص وحرمتهم وحقهم بحديث انس السابق: (أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا قَحَطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا، فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. قال: فيسقون).
فيفهمون من هذا الحديث أن توسل عمر رضي الله عنه إنما كان بجاه العباس رضي الله عنه، ومكانته عند الله سبحانه، وأن توسله كأنه مجرد ذكر منه للعباس في دعائه، وطلب منه لله أن يسقيهم من أجله، وقد أقره الصحابة على ذلك، فأفاد بزعمهم ما يدعون.
وأما سبب عدول عمر رضي الله عنه عن التوسل بالرسول  - بزعمهم – وتوسله بدلاً منه بالعباس رضي الله عنه، فإنما كان لبيان جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل ليس غير.

أحمد سعد الدين 04-04-2005 01:09 AM

وفهمهم هذا خاطىء، وتفسيرهم هذا مردود من وجوه كثيرة اهمها:

1 – إن القواعد المهمة في الشريعة الإسلامية أن النصوص الشرعية يفسر بعضها بعضاً، ولا يفهم شيء منها في موضوع ما بمعزل عن بقية النصوص الواردة فيه. وبناء على ذلك فحديث توسل عمر السابق إنما يفهم على ضوء ما ثبت من الروايات والأحاديث الواردة في التوسل بعد جمعها وتحقيقها، ونحن والمخالفون متفقون على أن في كلام عمر: (كنا نتوسل إليك بنبينا.. وإنا نتوسل إليك بعم نبينا) شيئاً محذوفاً، لا بد له من تقدير، وهذا التقدير إما أن يكون: (كنا نتوسل بــ (جاه) نبينا، وإنا نتوسل إليك بــ (جاه) عم نبينا) على رأيهم هم، أو يكون: (كنا نتوسل إليك بــ (دعاء) نبينا، وإنا نتوسل إليك بــ (دعاء) عم نبينا) على رأينا نحن.
ولا بد من الأخذ بواحد من هذين التقديرين ليفهم الكلام بوضوح وجلاء.
ولنعرف أي التقديرين صواب لا بد من اللجوء إلى السنة، لتبين لنا طريقة توسل الصحابة الكرام بالنبي .
ترى هل كانوا إذا أجدبوا وقحَطوا قبع كل منهم في دراه، أو مكان آخر، أو اجتمعوا دون أن يكون معهم رسول الله ، ثم دعوا ربهم قائلين: (اللهم بنبيك محمد، وحرمته عندك، ومكانته لديك اسقنا الغيث). مثلاً أم كانوا يأتون النبي  ذاته فعلاً، ويطلبون منه أن يدعو الله تعالى لهم، فيحقق  طلْبتهم، ويدعو ربه سبحانه، ويتضرع إليه حتى يسقوا؟
أما الأمر الأول فلا وجود له إطلاقاً في السنة النبوية الشريفة، وفي عمل الصحابة رضوان
الله تعالى عليهم، ولا يستطيع أحد من الخلفيين أو الطُّرُقيين ان يأتي بدليل يثبت أن طريقة
توسلهم كانت بأن يذكروا في أدعيتهم اسم النبي ، ويطلبوا من الله بحقه وقدره عنده
ما يريدون. بل الذي نجده بكثرة، وتطفح به كتب السنة هو الأمر الثاني، إذ تبين أن طريقة توسل الأصحاب الكرام بالنبي  إنما كانت إذا رغبوا في قضاء حاجة، أو كشف نازلة أن يذهبوا إليه ، ويطلبوا منه مباشرة أن يدعو لهم ربه، أي أنهم كانوا يتوسلون إلى الله تعالى بدعاء الرسول الكريم  ليس غير.
ويرشد إلى ذلك قوله تبارك وتعالى: ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً ]النساء:64[.
ومن أمثلة ذلك ما مر معنا في حديث أنس السابق الذي ذكر فيه مجيء الأعرابي إلى المسجد يوم الجمعة حيث كان رسول الله  يخطب، وعرضه له ضنك حالهم، وجدب أرضهم، وهلاك ماشيتهم، وطلبه منه أن يدعو الله سبحانه لينقذهم مما هم فيه، فاستجاب له ، وهو الذي وصفه ربه بقوله: لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عَنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ]التوبة:128[، فدعا  لهم ربه، واستجاب سبحانه دعاء نبيه، ورحم عباده ونشر رحمته، وأحيا بلدهم الميت.
ومن ذلك أيضاً مجيء الأعرابي السابق نفسه أو غيره إلى النبي  وهو يخطب الجمعة الثانية، وشكواه له انقطاع الطرقات وتهدم البنيان، وهلاك المواشي، وطلبه منه أن يدعو لهم ربه، ليمسك عنهم الأمطار، وفعل  فاستجاب له ربه جل شأنه أيضاً.
ومن ذلك ما روته السيدة عائشة رضي الله عنها حيث قالت: شكا الناس إلى رسول الله قحوط المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، ووعد الناس يوماً يخرجون فيه. قالت: فخرج رسول الله  حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر، فكبر وحمد الله، ثم قال:  إنكم شكوتم جدب دياركم، واستئخار المطر ع إبان زمانه عنكم، وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم... الحديث، وفيه انه  دعا الله سبحانه، وصلى بالناس، فأغاثهم الله تعالى حتى سالت السيول، وانطلقوا إلى بيوتهم مسرعين، فضحك الرسول  حتى بدت نواجذه، وقال:  أشهد أن الله على كل شيء قدير، وأني عبد الله ورسوله .
فهذه الأحاديث وأمثالها مما وقع زمن النبي  وزمن أصحابه الكرام رضوان الله عليهم تُبين بما لا يقبل الجدال أو الممارة أن التوسل بالنبي  أو بالصالحين الذي كان عليه السلف الصالح هو مجيء المتوسل إلى المتوسل به، وعرضه حاله له، وطلبه منه أن يدعو له الله سبحانه، ليحقق طلبه، فيستجيب هذا له، ويستجيب من ثم الله سبحانه وتعالى.

أحمد سعد الدين 04-04-2005 01:10 AM

2 – وهذا الذي بيناه من معنى الوسيلة هو المعهود في حياة الناس واستعمالهم، فإنه إذا كانت لإنسان حاجة ما عند مدير أو رئيس أ, موظف مثلاً، فإنه يبحث عمن يعرفه ثم يذهب إليه ويكلمه، ويعرض له حاجته فيفعل، وينقل هذا الوسيط رغبته إلى الشخص المسؤول، فيقضيها له غالباً. فهذا هو التوسل المعروف عند العرب منذ القديم، وما يزال، فإذا قال أحدهم: إني توسلت إلى فلان، فإنما يعني أنه ذهب إلى الثاني وكلمه في حاجته، ليحدث بها الأول، ويطلب منه قضاءها، ولا يفهم أحد من ذلك أنه ذهب إلى الأول وقال له: بحق فلان (الوسيط) عندك، ومنزلته لديك اقض لي حاجتي.
وهكذا فالتوسل إلى الله عز وجل بالرجل الصالح ليس معناه التوسل بذاته وبجاهه وبحقه، بل هو التوسل بدعائه وتضرعه واستغاثته به سبحانه وتعالى، وهذا هو بالتالي معنى قول عمر رضي الله عنه: (اللهم إنا منا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا) أي: كنا إذ قل المطر مثلاً نذهب إلى النبي ، ونطلب منه ان يدعو لنا الله جل شأنه.

أحمد سعد الدين 04-04-2005 01:10 AM

3 – ويؤكد هذا ويوضحه تمام قول عمر رضي الله عنه: (وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا)، أي إننا بعد وفاة نبينا جئنا بالعباس عم النبي ، وطلبنا منه أن يدعو لنا ربنا سبحانه ليغيثنا.
تُرى لماذا عدل عمر رضي الله عنه عن التوسل بالنبي  إلى التوسل بالعباس رضي الله عنه، مع العلم ان العباس مهما كان شأنه ومقامه فإنه لا يذكر امام شأن النبي  ومقامه؟

أحمد سعد الدين 04-04-2005 01:10 AM

أما الجواب برأينا فهو: لأن التوسل بالنبي  غير ممكن بعد وفاته، فأنى لهم أن يذهبوا إليه  ويشرحوا له حالهم، ويطلبوا منه أن يدعو لهم، ويؤمنوا على دعائه، وهو قد انتقل إلى الرفيق الأعلى، وأضحى في حال يختلف عن حال الدنيا وظروفها مما لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى، فأنى لهم أن يحظوا بدعائه  وشفاعته فيهم، وبينهم وبينه كما قال الله عز شأنه:
ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ]المؤمنون:100[.
ولذلك لجأ عمر رضي الله عنه، وهو العربي الأصيل الذي صحب النبي  ولازمه في أكثر أحواله، وعرفه حق المعرفة، وفهم دينه حق الفهم، ووافقه القرآن في مواضع عدة، لجأ إلى توسل ممكن فاختار العباس رضي الله عنه، لقرابته من النبي  من ناحية، ولصلاحه ودينه وتقواه من ناحية آخرى، وطلب منه أن يدعو لهم بالغيث والسقيا. وما كان لعمر
ولا لغير عمر أن يدع التوسل بالنبي ، ويلجأ إلى التوسل بالعباس أو غيره لو كان التوسل بالنبي  ممكناً، وما كان من المعقول ان يقر الصحابة رضوان الله عليهم عمر على ذلك أبداً، لأن الانصراف عن التوسل بالنبي  إلى التوسل بغيره ما هو إلا كالانصراف عن الاقتداء بالنبي  في الصلاة إلى الاقتداء بغيره، سواء بسواء، ذلك أن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم كانوا يعرفون قدر نبيهم  ومكانته وفضله معرفة لا يدانيهم فيها أحد، كما نرى ذلك واضحاً في الحديث الذي رواه سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه: (أن رسول الله  ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، فحانت الصلاة، فجاء المؤذن إلى أبي بكر، فقال: أتصلي بالناس، فأقيم؟ قال: فصلى أبو بكر، فجاء رسول الله  والناس في الصلاة، فتخلص حتى وقف في الصف، فصفق الناس، وكان أبو بكر لا يلتفت في الصلاة، فلما أكثر الناس التصفيق التفت، فرأى رسول الله ، فأشار إليه رسول الله  أن أمكث مكانك، فرفع أبو بكر يديه، فحمد الله عز وجل على ما أمره به رسول الله  من ذلك، ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف، وتقدم النبي  فصلى ثم انصرف، فقال:  يا أبا بكر:
ما منعك أن تثبت إذ أمرتك؟  قال أبو بكر: ما كان لان أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله  ).
فأنت ترى أن الصحابة رضي الله عنهم لم يستسيغوا الاستمرار على الاقتداء بأبي بكر رضي الله عنه في صلاته عندما حضر الرسول ، كما أن أبا بكر رضي الله عنه
لم تطاوعه نفسه على الثبات في مكانه مع أمر النبي  له بذلك، لماذا؟ كل ذلك لتعظيمهم نبيهم ، وتأدبهم معه، ومعرفتهم حقه وفضله، فإذا كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم
لم يرتضوا الاقتداء بغير النبي  عندما أمكن ذلك، مع أنهم كانوا بدأوا الصلاة في غيابه  عنهم، فكيف يتركون التوسل به  أيضاً بعد وفاته، لو كان ذلك ممكناً، ويلجئون إلى التوسل بغيره؟ وكما لم يقبل ابوبكر أن يؤم المسلمين فمن البديهي أن لا يقبل العباس أيضاً أن يتوسل الناس به، ويدعوا التوسل بالنبي  لو كان ذلك ممكناً.

أحمد سعد الدين 04-04-2005 01:10 AM

(تنبيه): وهذا يدل من ناحية أخرى على سخافة تفكير من يزعم أنه  في قبره حي كحياتنا، لانه لو كان ذلك كذلك لما كان ثمة وجه مقبول لانصرافهم عن الصلاة وراءه  إلى الصلاة وراء غيره ممن لا يدانيه أبداً في منزلته وفضله. ولا يعترض احد على ما قررته بأنه قد ورد أن النبي  قال:  أنا في قبري حي طري، من سلم علي سلمت عليه . وأنه يستفاد منه أنه  حي مثل حياتنا، فإذا توسل به سمعنا واستجاب لنا، فيحصل مقصودنا، وتتحقق رغبتنا، وأنه لا فرق في ذلك بين حاله  في حياته، وبين حاله بعد وفاته أقول:
لا يعترض أحد بما سبق لأنه مردود من وجهين:

الأول حديثي: وخلاصته أن الحديث المذكور لا أصل له بهذا اللفظ، كما أن لفظة (طري) لا وجود لها في شيء من كتب السنة إطلاقاً، ولكن معناه قد ورد في عدة أحاديث صحيحة، منها قوله :  إن أفضل ايامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علي الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي  قالوا:
يا رسول الله ! وكيف تعرض صلاتنا عليك، وقد أرمتَ (قال: يقولون: بَليتَ)، قال: إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء ومنها قوله : الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون وقوله :  مررت ليلة أسري بي على موسى قائماً يصلي في قبره  وقوله:  إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام .

أحمد سعد الدين 04-04-2005 01:11 AM

الجواب الثاني فقهي: وفحواه أن حياته  بعد وفاته مخالفة لحياته قبل الوفاة، ذلك أن الحياة البرزخية غيب من الغيوب، ولا يدري كنهها إلا الله سبحانه وتعالى، ولكن من الثابت والمعلوم أنها تختلف عن الحياة الدنيوية، ولا تخضع لقوانينها، فالانسان في الدنيا يأكل ويشرب، ويتنفس ويتزوج، ويتحرك ويتبرز، ويمرض ويتكلم، ولا أحد يستطيع أن يثبت أن أحداً بعد الموت حتى الأنبياء عليه السلام، وفي مقدمتهم نبينا محمد  تعرض له هذه الأمور بعد موته.
ومما يؤكد هذا أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يختلفون في مسائل كثيرة بعد وفاته ، ولم يخطر في باب أحد منهم الذهاب إليه  في قبره، ومشاورته في ذلك، وسؤاله عن الصواب فيها، لماذا؟ إن الأمر واضح جداً، وهو أنهم كلهم يعلمون أنه  انقطع عن الحياة الدنيا، ولم تعد تنطبق عليه أحوالها ونواميسها.فرسول الله  بعد موته حي، أكمل حياة يحياها إنسان في البرزخ، ولكنها حياة لا تشبه حياة الدنيا، ولعل مما يشير إلى ذلك قوله :  ما من احد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام  وعلى كل حال فإن حقيقتها لا يدريها إلا الله سبحانه وتعالى، ولذلك فلا يجوز قياس الحياة البرزخية أو الحياة الأخروية على الحياة الدنيوية، كما لا يجوز أن تعطى واحدة منهما أحكام الأخرى، بل لكل منها شكل خاص وحكم معين، ولا تتشابه إلا في الاسم، أما الحقيقة فلا يعلمها إلا الله تبارك وتعالى.

أحمد سعد الدين 04-04-2005 01:11 AM

ونعود بعد هذا التنبيه إلى ما كنا فيه من الرد على المخالفين في حديث توسل عمر بالعباس، فنقول: إن تعليلهم لعدول عمر رضي الله عنه عن التوسل بالنبي  إلى التوسل بالعباس رضي الله عنه بأنه لبيان جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل هو تعليل مضحك وعجيب.إذ كيف يمكن أن يخطر في بال عمر رضي الله عنه، أو في بال غيره من الصحابة الكرام رضي الله عنهم تلك الحذلقة الفقهية المتأخرة، وهو يرى الناس في حالة شديدة من الضنك والكرب، والشقاء والبؤس، يكادون يموتون جوعاً وعطشاً لشح الماء وهلاك الماشية، وخلو الأرض من الزرع والخضرة حتى سمي ذاك العام بعام الرمادة، كيف يَرِد في خاطره تلك الفلسفة الفقهية في هذا الظرف العصيب، فيدع الأخذ بالوسيلة الكبرى في دعائه، وهي التوسل بالنبي الأعظم ، لو كان ذلك جائزاً ويأخذ بالوسيلة الصغرى، التي
لا تقارن بالأولى، وهي التوسل بالعباس، لماذا؟ لا لشيء إلا ليبين للناس أنه يجوز لهم التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل !!
إن الشاهد والمعلوم أن الإنسان إذ حلّت به شدة يلجأ إلى أقوى وسيلة عنده في دفعها، ويدَع الوسائل الأخرى لأوقات الرخاء، وهذا كان يفهمه الجاهليون المشركون أنفسهم، إذ كانوا يَدعون أصنامهم في أوقات اليسر، ويتركونها ويدْعون الله تعالى وحده في اوقات العسر،
كما قال تبارك وتعالى: حتى إذا ركبوا في الفُلْلك دعوا الله مخلصين له الدين، فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون (1) ]العنكبوت: 265[.
فنعلم منهذا أن الإنسان بفطرته يستنجد بالقوة العظمى، والوسيلة الكبرى حين الشدائد والفواقر، وقد يلجأ إلى الوسائل الصغرى حين الأمن واليسر، وقد يخطر في باله حينذاك أن يبين ذلك الحكم الفقهي الذي افترضوه، وهو جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل. وأمر آخر نقوله جواباً على شبهة أولئك، وهو: هب أن عمر رضي الله عنه خطر في باله أن يبين ذلك الحكم الفقهي المزعوم، ترى فهل خطر ذلك في بال معاوية والضحاك بن قيس حين توسلا بالتابعي الجليل: يزيد بن الأسود الجُرَشي أيضاً؟ لا شك أن هذا ضرب من التمحل والتكلف لا يحسدون عليه.

أحمد سعد الدين 04-04-2005 01:11 AM

4 – إننا نلاحظ في حديث استسقاء عمر بالعباس رضي الله عنهما أمراً جديراً بالانتباه، وهو قوله: (إن عمر بن الخطاب كان إذا قَحطوا، استسقى بالعباس بن عبدالمطلب، ففي هذا إشارة إلى تكرار استسقاء عمر بدعاء العباس رضي الله عنهما، ففيه حجة بالغة على الذين يتأولون فعل عمر ذلك أنه إنما ترك التوسل به  إلى التوسل بعمه رضي الله عنه، لبيان جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل، فإننا نقول: لو كان الأمر كذلك لفعل عمر ذلك مرة واحدة، ولما استمر عليه كلما استسقى، وهذا بيّن لا يخفى إن شاء الله تعالى على أهل العلم والانصاف.

أحمد سعد الدين 04-04-2005 01:12 AM

5 – لقد فسرت بعض روايات الحديث الصحيحة كلام عمر المذكور وقصده، إذ نقلت دعاء العباس رضي الله عنه استجابة لطلب عمر رضي الله عنه، فمن ذلك ما نقله الحافظ العسقلاني رحمه الله في "الفتح" (3/150) حيث قال: (قد بين الزبير بن بكار في "الأنساب" صفة ما دعا به العباس في هذه الواقعة، والوقت الذي وقع فيه ذلك، فأخرج بإسناد له أن العباس لما استسقى به عمر قال: (اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجّه القوم بي إليك لمكاني من نبيك، وهذا أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث)، قال: فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض، وعاش الناس).
وفي هذا الحديث:

أولاً: التوسل بدعاء العباس رضي الله عنه لا بذاته كما بينه الزبير
بن بكار وغيره، وفي هذا رد واضح على الذين يزعمون أن توسل عمر كان بذات العباس
لا بدعائه، إذ لو كان الأمر كذلك لما كان ثمة حاجة ليقوم العباس، فيدعو بعد عمر دعاءً جديداً.

ثانياً: أن عمر صرح بأنهم كانوا يتوسلون بنبينا  في حياته، وأنه في هذه الحادثة توسل بعمه العباس، ومما لا شك فيه أن التوسليْن من نوع واحد: توسلهم بالرسول  وتوسلهم بالعباس، وإذ تبين للقارىء – مما يأتي – أن توسلهم به  إنما كان توسلاً بدعائه  فتكون النتيجة أن توسلهم بالعباس إنما هو توسل بدعائه أيضاً، بضرورة أن التوسليْن من نوع واحد.
أما أن توسلهم به  إنما كان توسلاً بدعائه، فالدليل على ذلك صريح رواية الإسماعيلي في مستخرجه على الصحيح لهذا الحديث بلفظ: (كانوا إذ قحطوا على عهد النبي  استسقوا به، فيستسقي لهم، فيسقون، فلما كان في إمارة عمر...) فذكر الحديث، نقلته من "الفتح" (2/399)، فقوله: (فيستسقي لهم) صريح في أنه  كان يطلب لهم السقيا من الله تعالى ففي "النهاية" لابن الأثير: (الاستسقاء، استفعال من طلب السقيا أي إنزال الغيث على البلاد والعباد، يقال: سقى الله عباده الغيث وأسقاهم، والاسم السقيا بالضم، واستقيت فلاناً إذا طلبت منه أن يسقيك).

أحمد سعد الدين 04-04-2005 01:12 AM

إذا تبين هذا، فقوله في هذه الرواية (استسقوا به) أي بدعائه، وكذلك قوله في الرواية
الأولى: (كنا نتوسل إليك بنبينا)، أي بدعائه، لا يمكن أن يفهم من مجموع رواية الحديث
إلا هذا. ويؤيده:
ثالثاً: لو كان توسل عمر إنما هو بذات العباس أو جاهه عند الله تعالى، لما ترك التوسل
به  بهذا المعنى، لأن هذا ممكن لو كان مشروعاً، فعدول عمر عن هذه إلى التوسل بدعاء العباس رضي الله عنه أكبر دليل على أن عمر والصحابة الذين كانوا معه كانوا لا يرون التوسل بذاته ، وعلى هذا جرى عمل السلف من بعدهم، كما رأيت في توسل معاوية بن أبي سفيان والضحاك ابن قيس بيزيد بن الأسود الجرشي، وفيهما بيان دعائه بصراحة وجلاء.
فهل يجوز أن يجمع هؤلاء كلهم على ترك التوسل بذاته  لو كان جائزاً، سيّما والمخالفون يزعمون أنه أفضل من التوسل بدعاء العباس وغيره؟! اللهم إن ذلك غير جائز ولا معقول، بل إن هذا الإجماع منهم من أكبر الأدلة على أن التوسل المذكور غير مشروع عندهم، فإنهم أسمى من أن يستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير !

أحمد سعد الدين 04-04-2005 01:12 AM

اعتراض ورده :

وأما جواب صاحب "مصباح الزجاجة في فوائد قضاء الحاجة" عن ترك عمر التوسل بذاته  بقوله (ص25):(إن عمر لم يبلغه حديث توسل الضرير، ولو بلغه لتوسل به).
فهو جواب باطل من وجوه:
الأول: أن حديث الضرير إنما يدل على ما دل عليه توسل عمر هذا من التوسل بالدعاء
لا بالذات، كما سبق ويأتي بيانه.
الثاني: أن توسل عمر لم يكن سراً، بل كان جهراً على رؤوس الأشهاد، وفيهم كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار وغيرهم، فإذا جاز أن يخفى الحديث على عمر، فهل يجوز أن يخفى على جميع الموجودين مع عمر من الصحابة ؟!
الثالث: أن عمر – كما سبق – كان يكرر هذا التوسل كلما نزل بأهل المدينة خطر،
أو كلما دعي للاستسقاء كما يدل على ذلك لفظ (كان) في حديث أنس السابق (أن عمر كان إذا قحَطوا استسقى بالعباس) وكذلك روى ابن عباس عن عمر كما ذكره ابن عبد البر في "الاستيعاب" (3/98)، فإذا جاز أن يخفى ذلك عليه أول مرة، أفيجوز أن يستمر على الجهل به كلما استسقى بالعباس، وعنده المهاجرون والأنصار، وهم سكوت لا يقدمون اليه
ما عندهم من العلم بحديث الضرير ؟! اللهم إن هذا الجواب ليتضمن رمي الصحابة جميعهم بالجهل بحديث الضرير مطلقاً، أو على الأقل بدلالته على جواز التوسل بالذات، والأول باطل لا يخفى بطلانه، والثاني حق فإن الصحابة لو كانوا يعلمون أن حديث الضرير يدل على التوسل المزعوم لما عدلوا عن التوسل بذاته  إلى التوسل بدعاء العباس كما سبق.
رابعاً: أن عمر ليس هو وحده الذي عدل عن التوسل بذاته  إلى التوسل بالدعاء، بل تابعه على ذلك معاوية بن أبي سفيان فإنه أيضاً عدل إلى التوسل بدعاء يزيد بن الأسود،
ولم يتوسل به  وعنده جماعة من الصحابة وأجلاء التابعين، فهل يقال أيضاً إن معاوية ومن
معه لم يكونوا يعلمون بحديث الضرير؟ وقل نحو ذلك في توسل الضحاك بن قيس بيزيد هذا أيضاً.
ثم أجاب صاحب المصباح بجواب آخر، وتبعه من لم يوفق من المتعصبين المخالفين فقال:
(إن عمر أراد بالتوسل بالعباس الاقتداء بالنبي  في إكرام العباس وإجلاله، وقد جاء هذا صريحاً عن عمر، فروى الزبير بن بكار في "الأنساب" من طريق داود بن عطاء عن زيد بن أسلم عن ابن عمر قال: (استسقى عمر ابن الخطاب عام الرمادة بالعباس بن عبد المطلب، فخطب عمر فقال: إن رسول  كان يرى للعباس ما يرى الولد للوالد، فاقتدوا أيها الناس برسول الله ، واتخذوه وسيلة إلى الله...) ورواه البلاذري من طريق هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه به.

أحمد سعد الدين 04-04-2005 01:13 AM

والجواب من وجوه أيضاً:
الأول: عدم التسليم بصحة هذه الرواية، فإنها من طريق داود ابن عاطاء وهو المدني، وهو ضعيف كما في "التقريب"، ومن طريق الزبير بن بكار عنه رواه الحاكم (3/334) وسكت عنه، وتعقبه الذهبي بقوله: (داود متروك) قلت: والرواي عنه ساعدة بن عبيدالله المزني لم أجد من ترجمه، ثم إن في السند اضطراباً، فقد رواه – كما رأيت – هشام بن سعد عن زيد بن أسلم فقال: (عن أبيه) بدل ابن عمر، لكن هشاماً أوثق من داود، إلا أننا لم نقف على سياقه، لننظر هل فيه مخالفة لسياق داود هذا أم لا ؟ ولا تغتر بقولهم في "المصباح" عقب هذا الإسناد: (به) المفيد أن السياق واحد، فإن عمدته فيما نقله عن البلاذري إنما هو "فتح الباري" وهو لم يقل: (به). انظر "الفتح" (2/399).
الثاني: لو صحت هذه الرواية، فهي إنما تدل على السبب الذي من أجله توسل عمر بالعباس دون غيره من الصحابة الحاضرين حينذاك، وأما أن تدل على جواز الرغبة عن التوسل بذاته  - لو كان جائزاً عندهم – إلى التوسل بالعباس أي بذاته فكلا، ثم كلا، لأننا نعلم بالبداهة والضرورة – كما قال بعضهم – أنه لو أصاب جماعة من الناس قحط شديد، وأرادوا أن يتوسلوا بأحدهم لما أمكن أن يعدلوا عمن دعاؤه أقرب إلى الإجابة، وإلى رحمة الله سبحانه وتعالى، ولو أن إنساناً أصيب بمكروه فادح، وكان أمامه نبي، وآخر غير نبي، وأراد أن يطلب الدعاء من أحدهما لما طلبه إلا من النبي، ولو طلبه من غير النبي، وترك النبي لعد من الآثمين الجاهلين، فكيف يظن بعمر ومن معه من الصحابة أن يعدلوا عن التوسل به  إلى التوسل بغيره، لو كان التوسل بذاته  جائزاً، فكيف وهو أفضل عند المخالفين من التوسل بدعاء العباس وغيره من الصالحين؟! لا سيما وقد تكرر ذلك منهم مراراً كما سبق، وهم لا يتوسلون به  ولا مرة واحدة، واستمر الأمر كذلك، فلم ينقل عن أحد منهم خلاف ما صنع عمر، بل صح عن معاوية ومن معه ما يوافق صنيعه حيث توسلوا بدعاء يزيد بن الأسود، وهو تابعي جليل، فهل يصح أن يقال: إن التوسل به كان اقتداء بالنبي  ؟!
الحق أقول: إن جريان عمل الصحابة على ترك التوسل بذاته  عند نزول الشدائد بهم
– بعد أن كانوا لا يتوسلون بغيره  في حياته – لهو أكبر الأدلة الواضحة على أن التوسل بذاته  غير مشروع، وإلا لنقل ذلك عنهم من طرق كثيرة في حوادث متعددة، ألا ترى إلى هؤلاء المخالفين كيف ليهجون بالتوسل بذاته  لأدنى مناسبة لظنهم أنه مشروع، فلو كان الأمر كذلك لنُقِل مثله عن الصحابة، مع العلم أنهم أشد تعظيماً ومحبة له  من هؤلاء، فكيف ولم يُنقل عنهم ذلك ولا مرة واحدة، بل صح عنهم الرغبة عنه إلى التوسل بدعاء الصالحين ؟!

أحمد سعد الدين 04-04-2005 01:13 AM

الشبهة الثانية: حديث الضرير:

بعد أن فرغنا من تحقيق الكلام في حديث توسل عمر بالعباس رضي الله عنه، وبينا أنه ليس حجة للمخالفين بل هو عليهم، نشرع الآن في تحقيق القول في حديث الضرير، والنظر في معناه: هل هو حجة لهم أم عليهم أيضاً؟ فنقول:
أخرج أحمد وغيره بسند صحيح عن عثمان بن حنيف أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي ، فقال: ادع الله أن يعافيني. قال:  إن شئت دعوت لك، وإن شئت أخّرتُ ذاك، فهو خير ، (وفي رواية:  وإن شئتَ صبرتَ فهو خير لك )، فقال: ادعهُ. فأمره أن يتوضأ، فيحسن وضوءه، فيصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهتُ بك إلى ربي في حاجتي هذه، فتقضى لي، اللهم فشفّعه فيَّ ]وشفّعني فيه[. قال: ففعل الرجل فبرأ.
يرى المخالفون: أن هذا الحديث يدل على جواز التوسل في الدعاء بجاه النبي  أو غيره من الصالحين، إذ فيه أن النبي  علم الأعمى أن يتوسل به في دعائه، وقد فعل الأعمى ذلك فعاد بصيراً.
وأما نحن فنرى ان هذا الحديث لا حجة لهم فيه على التوسل المختلف فيه، وهو التوسل بالذات، بل هو دليل آخر على النوع الثالث من أنواع التوسل المشروع الذي أسلفناه، لأن توسل الأعمى إنما كان بدعائه. والأدلة على ما نقول من الحديث نفسه كثيرة، وأهمها:

أولاً: أن الأعمى إنما جاء إلى النبي  ليدعو له، وذلك قوله: (أدعُ الله أن يعافيني) فهو توسل إلى الله تعالى بدعائه ، لأنه يعلم أن دعاءه  أرجى للقبول عند الله بخلاف دعاء غيره، ولو كان قصد الأعمى التوسل بذات النبي  أو جاهه أو حقه لما كان ثمة حاجة به إلى أن يأتي النبي ، ويطلب منه الدعاء له، بل كان يقعد في بيته، ويدعو ربه بأن يقول مثلاً:
(اللهم إني أسألك بجاه نبيك ومنزلته عندك أن يشفيني، وتجعلني بصيراً). ولكنه لم يفعل، لماذا؟ لأنه عربي يفهم معنى التوسل في لغة العرب حق الفهم، ويعرف أنه ليس كلمة يقولها صاحب الحاجة، يذكر فيها اسم الموسَّل به، بل لابد أن يشتمل على المجيء إلى من يعتقد فيه الصلاح والعلم بالكتاب والسنة، وطلب الدعاء منه له.

ثانياً: أن النبي  وعده بالدعاء مع نصحه له ببيان ما هو الأفضل له، وهو قوله :
 إن شئت دعوتُ، وإن شئت صبرت فهو خير لك . وهذا الأمر الثاني هو ما أشار إليه  في الحديث الذي رواه عن ربه تبارك وتعالى أنه قال:  إذا ابتليتُ عبدي بحبيبتيه – أي عينيه – فصبر، عوضته منهما الجنة .

ثالثاً: إصرار الأعمى على الدعاء وهو قوله: (فادع) فهذا يقتضي أن الرسول  دعا له، لأنه  خير من وفى بما وعد، وقد وعده بالدعاء له إن شاء كما سبق، فقد شاء الدعاء وأصر عليه، فإذن لا بد أنه  دعا له، فثبت المراد، وقد وجه النبي  الأعمى بدافع من رحمته، وبحرص منه أن يستجيب الله تعالى دعاءه فيه، وجهه إلى النوع الثاني من التوسل المشروع، وهو التوسل بالعمل الصالح، ليجمع له الخير من أطرافه، فأمرهأن يتوضأ ويصلي ركعتين ثم يدعو لنفسه وهذه الأعمال طاعة لله سبحانه وتعالى يقدمها بين يدي دعاء
النبي  له، وهي تدخل في قوله تعالى: وابتغوا إليه الوسيلة كما سبق.
وهكذا فلم يكتف الرسول  بدعائه للأعمى الذي وعده به، بل شغله بأعمال فيها
طاعة لله سبحانه وتعالى وقربة إليه، ليكون الأمر مكتملاً من جميع نواحيه، وأقرب إلى القبول والرضا من الله سبحانه وتعالى، وعلى هذا، فالحادثة كلها تدور حول الدعاء – كما هو ظاهر – وليس فيها ذكر شيء مما يزعمون.
وقد غفل عن هذا الشيخ الغماري أو تغافل، فقال في "المصباح" (24): ( وإن شئتَ دعوتُ . أي وإن شئت علمتك دعاء تدعو به، ولقنتك إياه، وهذا التأويل واجب ليتفق أول الحديث مع آخره).
قلت: هذا التأويل باطل لوجوه كثيرة منها: أن الأعمى إنما طلب منه  أن يدعو له،
لا أن يعلمه دعاء، فإذا كان قوله  له:  وإن شئت دعوت  جواباً على طلبه تعين أنه الدعاء له، ولابد، وهذا المعنى هو الذي يتفق مع آخر الحديث، ولذلك رأينا الغماري
لم يتعرض لتفسير قوله في آخره:  اللهم فشفعه في، وشفعني فيه  لأنه صريح في أن التوسل كان بدعائه  كما بيناه فيما سلف.
ثم قال: (ثم لو سلمنا أن النبي  دعا للضرير فذلك لا يمنع من تعميم الحديث في غيره).
قلت: وهذه مغالطة مكشوفة، لأنه لا أحد ينكر تعميم الحديث في غير الأعمى في حالة دعائه  لغيره، ولكن لما كان الدعاء منه  بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى غير معلوم بالنسبة للمتوسلين في شتى الحوائج والرغبات، وكانوا هم أنفسهم لا يتوسلون بدعائه  بعد وفاته، لذلك اختلف الحكم، وكان هذا التسليم من الغماري حجة عليه.

رابعاً: أن في الدعاء الذي علمه رسول الله  إياه أن يقول:  اللهم فشفعه في  وهذا
يستحيل حمله على التوسل بذاته ، أو جاهه، أو حقه، إذ أن المعنى: اللهم اقبل شفاعته  في، أي اقبل دعائه في أن ترد عليَّ بصري، والشفاعة لغة الدعاء، وهو المراد بالشفاعة الثابتة له  ولغيره من الأنبياء والصالحين يوم القيامة، وهذا يبين أن الشفاعة أخص من الدعاء، إذ لا تكون إلا إذا كان هناك اثنان يطلبان أمراً، فيكون أحدهما شفيعاً للآخر، بخلاف الطالب الواحد الذي لم يشفع غيره، قال في "لسان العرب": (الشفاعة كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره، والشافع الطالب لغيره، يتشفع به إلى المطلوب، يقال بشفعت بفلان إلى فلان، فشفعني فيه).
فثبت بهذا الوجه أيضاً أن توسل الأعمى إنما كان بدعائه  لا بذاته.

خامساً: إن مما علم النبي  الأعمى أن يقوله:  وشفعني فيه  أي اقبل شفاعتي، أي دعائي في أن تقبل شفاعته ، أي دعاءه في أن ترد علي بصري. هذا الذي لا يمكن أن يفهم من هذه الجملة سواه.
ولهذا ترى المخالفين يتجاهلونها ولا يتعرضون لها من قريب أو من بعيد، لأنها تنسف بنيانهم من القواعد، وتجتثه من الجذور، وإذا سمعوها رأيتهم ينظرون إليك نظر المغشي عليه.ذلك أن شفاعة الرسول  في الأعمى مفهمومة، ولكن شفاعة الأعمى في الرسول  كيف تكون؟ لا جواب لذلك عندهم البتة. ومما يدل على شعورهم بأن هذه الجملة تبطل تأويلاتهم أنك لا ترى واحداً منهم يستعملها، فيقول في دعائه مثلاً: اللهم شفع فيَّ نبيك، وشفعني فيه.

سادساً: إن هذا الحديث ذكره العلماء في معجزات النبي  ودعائه المستجاب،
وما أظهره الله ببركة دعائه من الخوارق والإبراء من العاهات، فإنه بدعائه  لهذا الأعمى أعاد الله عليه بصره، ولذلك رواه المصنفون في "دلائل النبوة" كالبيهقي وغيره، فهذا يدل على ان السر في شفاء الأعمى إنما هو دعاء النبي . ويؤيده كل من دعا به من العميان مخلصاً إليه تعالى، منيباً إليه قد عوفي، بل على الأقل لعوفي واحد منهم، وهذا ما لم يكن ولعله
لا يكون أبداً.
كما أنه لو كان السر في شفاء الأعمى أنه توسل بجاه النبي  وقدره وحقه، كما يفهم عامة المتأخرين، لكان من المفروض أن يحصل هذا الشفاء لغيره من العميان الذين يتوسلون بجاهه ، بل ويضمون إليه أحياناً جاه جميع الأنبياء المرسلين، وكل الأولياء والشهداء والصالحين، وجاه كل من له جاه عند الله من الملائكة، والإنس والجن أجمعين! ولم نعلم
ولا نظن أحداً قد علم حصول مثل هذا خلال القرون الطويلة بعد وفاته  إلى اليوم.

أحمد سعد الدين 04-04-2005 01:17 AM

إذا تبين للقارىء الكريم ما أوردناه من الوجوه الدالة على أن حديث الأعمى إنما يدور حول التوسل بدعائه ، وأنه لا علاقة له بالتوسل بالذات، فحينئذ يتبين له أن قول الأعمى في دعائه: (اللهم إني أسألك، وأتوسل إليك بنبيك محمد ) إنما المراد به: أتوسل إليك بدعاء نبيك، أي على حذف المضاف، وهذا أمر معروف في اللغة، كقوله تعالى: واسأل القرية التي كنا فيها، والعير التي اقبلنا فيها أي أهل القرية وأصحاب العير. ونحن والمخالفون متفقون على ذلك، أي على تقدير مضاف محذوف، وهو مثل ما رأينا في دعاء عمر وتوسله بالعباس، فإما أن يكون التقدير: إني أتوجه إليك بـ (جاه) نبيك، ويا محمد إني توجهت
بـ (ذات) ك أو (مكانت) ك إلى ربي كما يزعمون، وإما أن يكون التقدير: إني أتوجه إليك
بـ (دعاء) نبيك، ويا محمد إني توجهت بـ (دعاء) ك إلى ربي كما هو قولنا. ولا بد لترجيح احد التقديرين من دليل يدل عليه. فأما تقديرهم (بجاهه) فليس لهم عليه دليل لا من هذه الحديث ولا من غيره، إذ ليس في سياق الكلام ولا سباقه تصريح أو إشارة لذكر الجاه أو
ما يدل عليه إطلاقاً، كما أنه ليس عندهم شيء من القرآن أو من السنة أو من فعل الصحابة يدل على التوسل بالجاه، فيبقى تقديرهم من غير مرجح، فسقط من الاعتبار، والحمد لله.
أما تقديرنافيقوم عليه أدلة كثيرة، تقدمت في الوجوه السابقة.
وثمة أمر آخر جدير بالذكر، وهو أنه لو حمل حديث الضرير على ظاهره، وهو التوسل بالذات لكان معطلاً لقوله فيما بعد: (اللهم فشفعه في، وشفعني فيه) وهذا لا يجوز كما
لا يخفى، فوجب التوفيق بين هذه الجملة والتي قبلها. وليس ذلك إلا على ما حملناه من أن التوسل كان بالدعاء، فثبت المراد، وبطل الاستدلال به على التوسل بالذات، والحمد لله.
على أنني أقول: لو صح أن الأعمى إنما توسل بذاته ، فيكون حكماً خاصاً به ،
لا يشاركه فيه غيره من الأنبياء والصالحين، وإلحاقهم به مما لا يقبله النظر الصحيح، لأنه  سيدهم وأفضلهم جميعاً، فيمكن أن يكون هذا مما خصه الله به عليهم ككثير مما صح به الخبر، وباب الخصوصيات لا تدخل فيه القياسات، فمن رأى أن توسل الأعمى كان بذاته لله، فعليه أن يقف عنده، ولا يزيد عليه كما نقل عن الإمام أحمد والشيخ العز بن عبد السلام رحمهما الله تعالى. هذا هو الذي يقتضيه البحث العلمي مع الإنصاف، والله الموفق للصواب.

أحمد سعد الدين 04-04-2005 03:30 PM

دفع توهم:

هذا ولا بد من بيان ناحية هامة تتعلق بهذا الموضوع، وهي أننا حينما ننفي التوسل بجاه النبي ، وجاه غيره من الأنبياء والصالحين فليس ذلك لأننا ننكر أن يكون لهم جاه، أو قدر أو مكانة عند الله، كما أنه ليس ذلك لأننا نبغضهم، وننكر قدرهم ومنزلتهم عند الله،
ولا تشعر أفئدتنا بمحبتهم، كما افترى علينا الدكتور البوطي في كتابه "فقه السيرة" (ص354) فقال ما نصه: (فقد ضل أقوام لم تشعر أفئدتهم بمحبة رسول الله ، وراحوا يستنكرون التوسل بذاته  بعد وفاته...) كلا ثم كلا، فنحن ولله الحمد من أشد الناس تقديراً لرسول الله ، وأكثرهم حباً له، واعترافاً بفضله ، وإن دل هذا الكلام على شيء فإنما يدل على الحقد الأعمى الذي يملأ قلوب أعداء الدعوة السلفية على هذه الدعوة وعلى أصحابها، حتى يحملهم على أن يركبوا هذا المركب الخطر الصعب، ويقترفوا هذه الجريمة البشعة النكراء، ويأكلوا لحوم إخوانهم المسلمين، ويكفروهم دونما دليل، اللهم إلا الظن الذي هو أكذب الحديث، كما قال النبي الأكرم .
ولا أدري كيف سمح هذا المؤلف الظالم لنفسه أن يصدر مثل هذا الحكم الذي لا يستطيع إصداره إلا الله عز وجل، المطلع وحده على خفايا القلوب ومكنونات الصدور، ولا تخفى عليه خافية.
أتراه لا يعلم جزاء من يفعل ذلك، أم إنه يعلم، ولكنه أعماه الحقد الأسود والتحامل الدفين على دعاة السنة؟ أي الأمرين كان فإننا نذكره بهذين الحديثين الشريفين لعله ينزجر عن غيه، ويفيق من غفلته، ويتوب من فعلته.
قال رسول الله : إيما رجل أكفر رجلاً مسلماً، فإن كان كافراً وإلا كان هو الكافر  وقال عليه أفضل الصلاة والسلام:  إن من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير
حق  .
كما نقول له أخيراً: ترى هل دريت يا هذا بأنك حينما تقول ذاك الكلام فإنك ترد على سلف هذه الأمة الصالح، وتكفر أئمتها المجتهدين ممن لا يجيز التوسل بالنبي  وغيره بعد وفاتهم كالإمام أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله تعالى، وقد قال أبو حنيفة: (أكره أن يتوسل إلى الله إلا بالله) كما تقدم.
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظمُ
ونعود لنقول: إن كل مخلص منصف ليعلم علم اليقين بأننا والحمد لله من أشد الناس حباً لرسول الله ، ومن أعرفهم بقدره وحقه وفضله ، وبأنه أفضل النبيين، وسيد المرسلين، وخاتمهم وخيرهم، وصاحب اللواء المحمود، والحوض المورود، والشفاعة العظمى، والوسيلة والفضيلة، والمعجزات الباهرات، وبأن الله تعالى نسخ بدينه كل دين، وأنزل عليه سبعاً من المثاني والقرآن العظيم، وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس. إلى آخر ما هنالك من فضائله  ومناقبه التي تبين قدره العظيم، وجاهه المنيف صلى الله عليه وآله وسلم تسليماً كثيراً.
أقول: إننا – والحمد لله – من أول الناس اعترافاً بذلك كله، ولعل منزلته  عندنا محفوظة أكثر بكثير مما هي محفوظة لدى الآخرين، الذين يدعون محبته، ويتظاهرون بمعرفة قدره، لأن العبرة في ذلك كله إنما هي في الاتباع له ، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، كما قال سبحانه وتعالى: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله، ويغفر لكم ذنوبكم، ونحن بفضل الله من أحرص الناس على طاعة الله عز وجل، واتباع نبيه  وهما أصدق الأدلة على المودة والمحبة الخالصة بخلاف الغلو في التعظيم، والإفراط في الوصف اللذين نهى الله تعالى عنهما، فقال سبحانه: يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم، ولا تقولوا على الله
إلا الحق كما نهى النبي  عنهما فقال:  لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله .
ومن الجدير بالذكر أن النبي  جعل من الغلو في الدين أن يختار الحاج إذا أراد رمي الجمرات بمنى الحصوات الكبيرة وأمر أن تكون مثل حصى الخذف، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال لي رسول الله  غداة العقبة:  هات ألْقِطْ لي . قال: فلقطت له نحو حصى الخذف، فلما وضعتهن في يده قال:  مثل هؤلاء – ثلاث مرات – وإياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين  ذلك لأنه  يعد مسألة رمي الجمار مسألة رمزية الغرض منها نبذ الشيطان ومحاربته، وليس حقيقية يراد بها قتله وإماتته، فعلى المسلم تحقيق الأمر، ومنابذة الشيطان عدو الإنسان اللدود بالعداء ليس غير، ومع هذا التحذير الشديد من الغلو في الدين، وقع المسلمون فيه مع الأسف، واتبعوا سنن أهل الكتاب، فقال قائلهم:
دع ما ادعته النصارى في نبيهم واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم
فهذا الشاعر الذي يعظمه كثير من المسلمين، ويترنمون بقصيدته هذه، المشهورة بالبردة، ويتبركون بها، وينشدونها في الموالد وبعض مجالس الوعظ والعلم، ويعدون ذلك قربة إلى الله تبارك وتعالى، ودليلاً على محبتهم نبيهم ، أقول: هذا الشاعر قد ظن النهي الوارد في الحديث السابق منصباً فقط على الادعاء بأن محمداً  ابن الله، فنهى عن هذه القولة، ودعا إلى القول بأي شيء آخر مهما كان. وهذا غلط بالغ وضلال مبين، ذلك لأن للاطراء المنهي عنه في الحديث معنيين اثنين أولهما مطلق المدح، وثانيهما المدح المجاوز للحد. وعلى هذا فيمكن أن يكون المراد الحديث النهي عن مدحه  مطلقاً، من باب سد الذريعة، واكتفاءً باصطفاء الله تعالى له نبياً ورسولاً، وحبيباً وخليلاً، ومما أثنى سبحانه عليه في قوله: وإنك لعلى خلق عظيم، إذ ماذا يمكن للبشر أن يقولوا فيه بعد قول الله تبارك وتعالى هذا؟ وما قيمة أي كلام يقولونه أمام شهادة الله تعالى هذه؟ وإن أعظم مدح له  أن تقول فيه ما قال ربنا عز وجل: إنه عبد له ورسوله، فتلك أكبر تزكية له ، وليس فيها إفراط ولا تفريط، ولا غلو ولا تقصير. وقد وصفه ربنا سبحانه وتعالى وهو في أعلى درجاته، وأرفع تكريم من الله تعالى له، وذلك حينما أسرى وعرج به إلى السماوات العلى، حيث أراه من آيات ربه الكبرى، وصفه حينذاك بالعبودية فقال: سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى ]الإسراء:1[.
ويمكن أن يكون المراد: لا تبالغوا في مدحي، فتصفوني بأكثر مما أستحقه، وتصبغوا علي بعض خصائص الله تبارك وتعالى.
ولعل الأرجح في الحديث المعنى الأول لأمرين اثنين: أولهما تمام الحديث، وهو قوله :
 فقولوا عبد الله ورسوله  أي اكتفوا بما وصفني به الله عز وجل من اختياري عبداً له ورسولاً، وثانيهما ما عقد بعض أئمة الحديث له من الترجمة، فأورده الإمام الترمذي مثلاً تحت عنوان: "باب تواضع النبي " فحمل الحديث على النهي عن المدح المطلق وهو الذي ينسجم مع معنى التواضع ويأتلف معه.

أحمد سعد الدين 04-04-2005 03:31 PM

تنبيه:

واعلم انه وقع في بعض الطرق الأخرى لحديث الضرير السابق زيادتان لا بد من بيان شذوذهما وضعفهما، حتى يكون القارىء على بينة من أمرهما، فلا يغتر بقول من احتج بهما على خلاف الحق والصواب.

أحمد سعد الدين 04-04-2005 03:31 PM

الزيادة الأولى:
زيادة حماد بن سلمة قال: حدثنا أبو جعفر الخطمي.. فساق إسناده مثل رواية شعبة، وكذلك المتن إلا أنه اختصره بعض الشيء، وزاد في آخره بعد قوله: وشفع نبيي في رد بصري:  وإن كانت حاجة فافعل مثل ذلك  رواه أبو بكر بن أبي خيثمة في تاريخه، فقال: حدثنا مسلم بن إبراهيم: حدثنا حماد بن سلمه به.
وقد أعلَّ هذه الزيادة شيخ الإسلام ابن تيمية في "القاعدة الجليلة" (ص102) بتفرد حماد بن سلمة بها، ومخالفته لرواية شعبة، وهو أجلّ من روى هذا الحديث وهذا إعلال يتفق مع القواعد الحديثية، ولا يخالفها البتة، وقول الغماري في "المصباح" (ص30) بأن حماداً ثقة من رجال الصحيح، وزيادة الثقة مقبولة، غفلة منه أو تغافل عما تقرر في المصطلح، أن القبول مشروط بما إذا لم يخالف الراوي من هو أوثق منه، قال الحافظ في "نخبة الفكر": (والزيادة مقبولة ما لم تقع منافية لمن هو أوثق، فإن خولف بأرجح، فالراجح المحفوظ، ومقابله الشاذ).
قلت: وهذا الشرط مفقود هنا، فإن حماد بن سلمة، وإن كان من رجال مسلم، فهو
بلا شك دون شعبة في الحفظ، ويتبين لك ذلك بمراجعة ترجمة الرجلين في كتب القوم، فالأول أورده الذهبي في "الميزان" وهو إنما يورد فيه من تُكُلَّم فيه، ووصفه بأنه (ثقة له أوهام) بينما
لم يورد فيه شعبة مطلقاً، ويظهر لك الفرق بينهما بالتأمل في ترجمة الحافظ لهما، فقد قال في "التقريب": (حماد بن سلمة ثقة عابد أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بآخره) ثم قال: (شعبة بن الحجاج ثقة حافظ متقن، كان الثوري يقول: هو أمير المؤمنين في الحديث، وهو أول من فتش بالعراق عن الرجال، وذب عن السنة، وكان عابداً).
قلت: إذا تبين لك هذا عرفت أن مخالفة حماد لشعبة في هذا الحديث وزيادته عليه تلك الزيادة غير مقبولة، لأنها منافية لمن هو أوثق منه فهي زيادة شاذة كما يشير إليه كلام الحافظ السابق في "النخبة" ولعل حماداً روى هذا الحديث حين تغير حفظه، فوقع في الخطأ، وكأن الإمام أحمد أشار إلى شذوذ هذه الزيادة، فإنه أخرج الحديث من طريق مؤمَّل (وهو ابن اسماعيل) عن حماد – عقب رواية شعبة المتقدمة – إلا أنه لم يسق لفظ الحديث، بل أحال به على لفظ حديث شعبة، فقال: (فذكر الحديث) ويحتمل أن الزيادة لم تقع في رواية مؤمل عن حماد، لذلك لم يشر إليها الإمام أحمد كما هي عادة الحفاظ إذا أحالوا في رواية على أخرى بينوا ما في الرواية المحالة من الزيادة على الأولى.

وخلاصة القول: إن الزيادة لا تصح لشذوذها، ولو صحت لم تكن دليلاً على جواز التوسل بذاته ، لاحتمال أن يكون معنى قوله:  فافعل مثل ذلك  يعني من إتيانه  في حال حياته، وطلب الدعاء منه والتوسل به، والتوضؤ والصلاة، والدعاء الذي علمه رسول الله  أن يدعو به. والله أعلم.

أحمد سعد الدين 04-04-2005 03:32 PM

الزيادة الثانية:
قصة الرجل مع عثمان بن عفان، وتوسله به  حتى قضى له حاجته، وأخرجها الطبراني في "المعجم الصغير" (ص103-104) وفي "الكبير" (3/2/1/1-2) من طريق عبد الله بن وهب عن شبيب بن سعيد المكي عن روح بن القاسم عن أبي جعفر الخطمي المدني عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه في حاجة له، فكان عثمان لا يلتفت إليه، ولا ينظر في حاجته فلقي عثمان بن حنيف، فشكا ذلك إليه، فقال له عثمان: إئت الميضأة، فتوضأ، ثم ائت المسجد، فصل فيه ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك عز وجل، فقضي لي حاجتي، وتذكر حاجتك، ورح إليَّ حتى أروح معك، فانطلق الرجل فصنع ما قال، ثم أتى باب عثمان رضي الله عنه فجاء البواب حتى أخذ بيده، فأدخله عليه، فأجلسه معه على الطنفسة، وقال: حاجتك؟ فذكر حاجته، فقضاها له، ثم قال له: ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة، وقال:
ما كانت لك من حاجة ففأتنا، ثم إن الرجل خرج من عنده، فلقي عثمان بن حنيف، فقال له: جزاك الله خيراً، ما كان ينظر في حاجتي، ولا يلتفت إلي حتى كامته في، فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلمته، ولكن شهدت رسول الله  وأتاه ضرير، فشكا إليه ذهاب بصره، فقال له النبي : فتصبر، فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد، وقد شق علي، فقال النبي :  ائت الميضأة، فتوضأ ثم صلي ركعتين، ثم ادعُ بهذه الدعوات  قال عثمان بن حنيف: فوالله ما تفرقنا، وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط. قال الطبراني: (لم يرواه عن روح بن القاسم إلا شبيب بن سعيد أبو سعيد المكي وهو ثقة، وهو الذي يحدث عنه أحمد بن شبيب عن أبيه عن يونس بن يزيد الأيلي، وقد روى هذا الحديث شعبة عن أبي جعفر الخطمي – واسمه عمير بن يزيد – وهو ثقة تفرد به عثمان بن عمر بن فارس عن شعبة، والحديث صحيح).
قلت: لا شك في صحة الحديث، وإنما البحث الآن في هذه القصة التي تفرد بها شبيب بن سعيد كما قال الطبراني، وشبيب هذا متكلم فيه، وخاصة في رواية ابن وهب عنه، لكن تابعه عنه إسماعيل وأحمد ابنا شبيب بن سعيد هذا، أما اسماعيل فلا أعرفه، ولم أجد من ذكره، ولقد أغفلوه حتى لم يذكروه في الرواة عن أبيه، بخلاف أخيه أحمد فإنه صدوق، وأما أبوه شبيب فملخص كلامهم فيه: أنه ثقة في حفظه ضعف، إلا في رواية ابنه أحمد هذا عنه عن يونس خاصة فهو حجة، فقال الذهبي في "الميزان": (صدوق يغرب، ذكره ابن عدي في "كامله" فقال..له نسخة عن يونس بن يزيد مستقيمة، حدث عنه ابن وهب بمناكير، قال ابن المديني: كان يختلف في تجارة إلى مصر، وكتابه صحيح قد كتبته عن ابنه أحمد. قال ابن عدي: كان شبيب لعله يغلط ويهم إذ حدث من حفظه، وأرجو أنه لا يتعمد، فإذا حدث عنه ابنه أحمد بأحاديث يونس فكأنه يونس آخر. يعني يجوَّد).
فهذا الكلام يفيد أن شبيباً هذا لا بأس بحديثه بشرطين اثنين: الأول: ان يكون من رواية ابنه أحمد عنه، والثاني: أن يكون من رواية شبيب عن يونس، والسبب في ذلك أنه كان عنده كتب يونس بن يزيد، كما قال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" عن أبيه (2/1/359)، فهو إذا حدث من كتبه هذه أجاد، وإذا حدث من حفظه وهو كما قال ابن عدي، وعلى هذا فقول الحافظ في ترجمته من "التقريب": (لا بأس بحديثه من رواية ابنه أحمد عنه، لا من رواية ابن وهب) فيه نظر، لأنه أوهم أنه لا بأس بحديثه من رواية أحمد مطلقاً، وليس كذلك، بل هذا مقيد بأن يكون من روايته هو عن يونس لما سبق، ويؤيده أن الحافظ نفسه أشار لهذا القيد، فإنه أورد شبيباً هذا في "من طعن فيه من رجال البخاري" من "مقدمة فتح الباري" (ص133) ثم دفع الطعن عنه – بعد أن ذكر من وثقه وقول ابن عدي فيه – بقوله: (قلت: أخرج البخاري من رواية ابنه عنه عن يونس أحاديث، ولم يخرج من روايته عن غير يونس، ولا من رواية ابن وهب عنه شيئاً).
فقد أشار رحمه الله بهذا الكلام إلى أن الطعن قائم في شبيب إذا كانت روايته عن غير يونس، ولو من رواية ابنه أحمد عنه، وهذا هو الصواب كما بينته آنفاً، وعليه يجب أن يحمل كلامه في "التقريب" توفيقاً بين كلاميه، ورفعاً للتعارض بينهما.
إذا تبين هذا يظهر لك ضعف هذه القصة، وعدم صلاحية الاحتجاج بها. ثم ظهر لي فيها علة أخرى وهي الاختلاف على أحمد فيها، فقد أخرج الحديث ابن السني في "عمل اليوم والليلة" (ص202) والحاكم (1/526) من ثلاثة طرق عن أحمد بن شبيب بدون القصة، وكذلك رواه عون بن عمارة البصري ثنا روح ابن القاسم به، أخرجه الحاكم، وعون هذا وإن كان ضعيفاًً، فروايته أولى من رواية شبيب، لموافقتها لرواية شعبة وحماد بن سلمة عن أبي جعفر الخطمي.
وخلاصة القول: إن هذه القصة ضعيفة منكرة، لأمور ثلاثة:
ضعف حفظ المتفرد بها، والاختلاف عليه فيها، ومخالفته للثقات الذين لم يذكروها في
الحديث، وأمر واحد من هذه الأمور كاف لإسقاط هذه القصة، فكيف بها مجتمعة؟
ومن عجائب التعصب واتباع الهوى أن الشيخ الغماري أورد روايات هذه القصة في "المصباح" (ص12و17) من طريق البيهقي في "الدلائل" والطبراني، ثم لم يتكلم عليها مطلقاً
لا تصحيحاً ولا تضعيفاً، والسبب واضح، أما التصحيح فغير ممكن صناعة، وأما التضعيف فهو الحق ولكن...
ونحو ذلك فعل من لم يوفق في "الإصابة"، فإنهم أوردوا (ص21-22) الحديث بهذه القصة، ثم قالوا: (وهذا الحديث صححه الطبراني في "الصغير" و"الكبير")!
وفي هذا القول على صغره جهالات:
أولاً: أن الطبراني لم يصحح الحديث في "الكبير" بل في "الصغير" فقط، وأنا نقلت الحديث عنه للقارئين مباشرة، لا بالواسطة كما يفعل أولئك، لقصر باعهم في هذا العلم الشريف (ومن ورد البحر استقل السواقيا).
ثانياً: أن الطبراني إنما صحح الحديث فقط دون القصة، بدليل قوله وقد سبق: (قد روى الحديث شعبة...والحديث صحيح) فهذا نص على أنه أراد حديث شعبة، وشعبة لم يرو هذه القصة، فلم يصححها إذن الطبراني، فلا حجة لهم في كلامه.
ثالتاً: أن عثمان بن حنيف لو ثبتت عنه القصة لم يُعَلَّم ذلك الرجل فيها دعاء الضرير بتمامه، فإنه أسقط منه جملة  اللهم شفعه في وشفعني فيه  لانه يفهم بسليقته العربية أن هذا القول يستلزم أن يكون النبي  داعياً لذلك الرجل، كما كان داعياً للأعمى، ولما كان هذا منفياً بالنسبة للرجل، لم يذكر هذه الجملة؟ قال شيخ الإسلام (ص104): (ومعلوم أن الواحد بعد موته  إذا قال: اللهم فشفعه في وشفعني فيه – مع أن النبي  لم يدعُ له – كان هذا كلاماً باطلاً، مع أن عثمان بن حنيف لم يأمره ان يسأل النبي  شيئاً، ولا أن يقول: (فشفعه في)، ولم يأمره بالدعاء المأثور على وجهه، وإنما أمره ببعضه، وليس هناك من
النبي  شفاعة، ولا ما يظن أنه شفاعة، فلو قال بعد موته: (فشفعه في) لكان كلاماً
لا معنى له، ولهذا لم يأمر به عثمان، والدعاء المأثور عن النبي  لم يأمر به، والذي أمر به ليس مأثوراً عن النبي ، ومثل هذا لا تثبت به شريعة، كسائر ما ينقل عن آحاد الصحابة في حسن العبادات أو الإباحات أو الايجابات أو التحريمات، إذ لم يوافقه غيره من الصحابة عليه، وكان ما يثبت عن النبي  يخالفه ولا يوافقه، لم يكن فعله سنة يجب على المسلمين اتباعها، بل غايته ان يكون ذلك مما يسوغ فيه الاجتهاد، ومما تنازعت فيه الأمة، فيجب رده إلى الله والرسول).
ثم ذكر أمثلة كثيرة مما تفرد به بعض الصحابة، ولم يتبع عليه مثل إدخال ابن عمر الماء في عينيه في الوضوء، ونحو ذلك فراجعه.
ثم قال: وإذا كان في ذلك كذلك، فمعلوم أنه إذا ثبت عن عثمان بن حنيف أو غيره أنه جعل من المشروع المستحب أن يتوسل بالنبي  بعد موته من غير أن يكون النبي  داعياً له، ولا شافعاً فيه فقد علمنا أن عمر وأكابر الصحابة لم يروا هذا مشروعاً بعد مماته كما كان يشرع في حياته، بل كانوا في الاستسقاء في حياته  يتوسلون فلما مات لم يتوسلوا به، بل قال عمر في دعائه الصحيح المشهور الثابت باتفاق أهل العلم بمحضر من المهاجرين والأنصار في عام الرمادة المشهور، لما اشتد بهم الجدب حتى حلف عمر: لا يأكل سميناً حتى يخصب الناس، ثم لما استسقى بالناس قال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا، فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. فيسقون. وهذا دعاء أقره عليه جميع الصحابة، ولم ينكره أحد مع شهرته، وهو من أظهر الإجماعات الإقرارية، ودعا بمثله معاوية بن أبي سفيان في خلافته، فلو كان توسلهم بالنبي  بعد مماته كتوسلهم في حياته لقالوا: كيف نتوسل بمثل العباس ويزيد بن الأسود ونحوهما، ونعدل عن التوسل بالنبي  الذي هو أفضل الخلائق، وهو أفضل الوسائل وأعظمها عند الله؟ فلما لم يقل ذلك أحد منهم، وقد علم أنهم في حياته إنما توسلوا بدعائه وشفاعته، وبعد مماته توسلوا بدعاء غيره، وشفاعة غيره، علم أن المشروع عندهم التوسل بدعاء المتوسل به، لا بذاته).
هذا، وفي القصة جملة إذا تأمل فيها العاقل العارف بفضائل الصحابة وجدها من الأدلة الأخرى على نكارتها وضعفها، وهي أن الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه كان لا ينظر في حاجة ذلك الرجل، ولا يلتفت إليه! فكيف يتفق هذا مع ما صح عن النبي  أن الملائكة تستحي من عثمان، ومع ما عرف به رضي الله عنه من رفقه بالناس، وبره بهم، ولينه معهم؟ هذا كله يجعلنا نستبعد وقوع ذلك منه، لأنه ظلم يتنافى مع شمائه رضي الله عنه وأرضاه.

أحمد سعد الدين 04-04-2005 03:32 PM

(تنبيه): اطلعنا بعد صف هذه الملزمة على كتاب "التوصل إلى حقيقة التوسل" للشيخ محمد نسيب الرفاعي، الذي ذيل اسمه عليه بلقب "مؤسس الدعوة السلفية وخادمها"، وتقتضينا الأمانة العلمية، والنصيحة الدينية وقول كلمة الحق أن نبين حكم الله كما نفهمه، وندين الله تعالى به في هذا اللقب فنقول:
إن من نافلة القول أن نبين ان الدعوة إنما هي دعوة الإسلام الحق كما أنزله الله تعالى على خاتم رسله وأنبيائه محمد ، فالله وحده سبحانه هو مؤسسها ومشرعها، وليس لأحد من البشر كائناً من كان أن يدعي تأسيسها وتشريعها، وحتى النبي الأكرم محمد صلوات الله وسلامه عليه إنما كان دوره فيها التلقي الواعي الأمين، والتبليغ الكامل الدقيق، ولم يكن مسموحاً له التصرف في شيء من شرع الله تعالى ووحيه، ولهذا فادعاه إنسان مهما علا وسما تأسيس هذه الدعوة الإلهية المباركة إنما هو في الحقيقة خطأ جسيم وجرح بليغ، هذا إن لم يكن شركاً أكبر، والعياذ بالله.
فلا ندري كيف وقع هذا من رجل عاش دهراً طويلاً مع إخوانه في حلب وغيرها من البلاد الشامية في الدعوة السلفية التي هي أخص خصائصها وأهم اهتماماتها محاربة الشركيات والوثنيات اللفظية، فضلاً عن الشركيات الاعتقادية، ثم اعتزلهم جميعاً، هدانا الله تعالى وإياه، وجنبنا الزلل والفتن ومضلات الأهواء.
ولعل أحداً يحاول التماس عذر للمؤلف بأنه إنما قصد من ذاك اللقب أنه مجدد الدعوة السلفية، وليس أنه منشئها وصائغ تعاليمها، وقد كان في المسلمين قديماً وحديثاً مجددون، والمؤلف واحد من هؤلاء في ظنه.
ونقول: نعم، إن هناك مجددين لدعوة الإسلام الحق على تتالي الزمان، ولكن شتان بين المؤلف وأولئك المجددين، وحسبه أن يكون تابعاً لأحدهم، ولو وافقناه جدلاً على حشر نفسه معهم لكان من الواجب عليه ان يحدد دائرة لتجديده المزعوم كبلد أو قطر، أما إطلاقه ذاك اللقب الفضفاض فإنه يوحي إلى القراء بأنه المجدد للإسلام في العالم الإسلامي كله في هذا العصر، وأين هو من هذا؟
أضف إلى ذلك أن من الأخلاق الأساسية التي يجب أن يتصف بها الداعية المسلم المتواضع، والبعد عن حب الظهور والتفاخر والادعاء، فإن هذه أدواء قاتلة تجرد الساعي اليها، والحريص عليها من أهلية الدعوة، وتفقده سلاحاً ماضياً للنصرعلى أعدائها، وتجعل عمله هباءً منثوراً، والعياذ بالله، فاللهم عصمتك وهداك.
هذا وقدتصفحنا الكتاب المشار إليه على عجل، فوجدنا فيه بعض الأخطاء، ننبه على بعضها في محله، ومنها أنه قال في (ص237) في صدد الحديث عن إسناد القصة السابقة
ما نصه: (إن في سند هذا الحديث رجلاً اسمه روح بن صلاح، وقد ضعفه الجمهور وابن عدي وقال ابن يونس: يروي أحاديث منكرة). وهذا خطأ محض لا ندري وجهه، وهذا الرجل (أي روح بن صلاح) إنما هو علة الحديث الثالث كما سيأتي.


الساعة الآن 12:15 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.