منتديات بوابة العرب

منتديات بوابة العرب (http://vb.arabsgate.com/index.php)
-   منتدى النقد وتاريخ الأدب العربي (http://vb.arabsgate.com/forumdisplay.php?f=145)
-   -   وقفة مع زهديات أبي نواس (http://vb.arabsgate.com/showthread.php?t=575566)

أم بشرى 18-11-2017 04:25 PM

وقفة مع زهديات أبي نواس
 
http://bp1.blogger.com/_GuJLzzUpFpk/...s400/nawas.jpg

ديننا الإسلامي الحنيف يعلّمنا أن الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو
أحق بها من غيره، حتى ولو صدرت هذه الحكمة من فاجرٍ أو كافرٍ
أو جاهلٍ أو مجنون.

وأبو نواس الذي هو أشهر من نار على علم، هو


ـ بشهادة الكل ـ أفجر شاعر عربي، في القديم والحديث، ويكفي أن
يُذكر اسمه حتى يتبادر إلى الأذهان كل صور المجون. ولكن
أبا نواس تاب في أواخر حياته وكتب أشعاراً في التوبة والزهد
والابتهالات عبّر من خلالها عن صدق توبته وشدة ندمه على
ما فرّط في أيامه الماضية. وقد اصطلح النقاد على تسمية
شعره الذي قاله بعد التوبة بالزهديات.

وبما أن أبا نواس كان شاعراً مبدعاً ومن الطبقة الأولى من الشعراء
فقد أجاد في كلا الشعرين: المجون والزهد . ومن هنا استنتج
النقاد والدارسون على أن أبا نواس كان صادقاً في توبته، لأن الشاعر
كلما كان منفعلاً بما يقول كان أقدر على التعبير عن خوالج نفسه..
وقد يعجب القارىء حين يعلم أن أجمل ابتهال في تاريخ الشعر العربي
كله قاله أفجر شاعر عرفته اللغة العربية وأعني أبا نواس، وذلك في
ابتهاله الذي قاله حين كان يطوف بالبيت الحرام في أيام الحج :

إلهنــا ما أعدلك مليك كل مـن ملك

لبيك قد لبيت لك لبيك إن الحمد لك
والملك لا شريك لك

والليل لما أن حلك والسابحات في الفلك

على مجاري المنسلك ما خاب عبـد أملك

أنت لـه حيث سلك لولاك يـا رب هـلك

يا مخطئاً مـا أغفلك عجل وبـادر أجلك

واختم بخير عملك ولا تـسوف أمـلك

لبيك إن الحمد لك لبيك قـد لبيت لك


https://www.youtube.com/watch?v=9PwyR54K5Xc
وهناك قصائد جميلة أخرى لأبي نواس لا تقل روعة عن الابتهال السابق,
من ذلك قول أبي نواس وهو يناجي ربه ويرجوه أن يغفر له زلاته فيما مضى:

يا ربّ إن عظمتْ ذنوبي كثرةً فلقد علمتُ بأن عفوك أعظم

إن كان لا يرجوك إلا محسن فبمن يلوذ ويستجير المجرم

أدعوك ربّ كما أمرت تضرّعاً فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم

مالي إليك وسيلةٌ إلا الرجـا وجميل عفوك.. ثم إن مسلم


وفي مناجاة أخرى يناجي أبو نواس نفسه بعدما أثقلت الذنوب كاهله فلم
يعد يحتمل ذكرها وشخوصها أمام عينيه في ليله ونهاره:

يا نواسـيُّ توقّرْ وتجمّل و تصّبرْ

ساءك الدهر بشيءٍ وبما سرّك أكثرْ

يا كبير الذنب عفو الله من ذنبك أكبرْ


حقاً إن الواحد منا ليعجب كيف تحوّل هذا الشاعر الكبير من هاوية
المجون إلى قمة التوبة والندم، فنجده يتفنن في استخراج المعاني التي
لو قيلت أمام ملك جبار لرحم صاحبها, فكيف إذا قيلت أمام الإله
الرحيم الذي كتب على نفسه الرحمة وأن الرحمة تسبق غضبه؟

ملاد الجزائري 23-11-2017 03:45 PM

حسن الخاتمة.
 
شكراً لك (أم بشرى) على هذه الوقفات الماتعة مع عطر الكلام.
من العجيب في شعر (أبي نواس) , الشاعر الماجن اللاهي , والفاتك , وزعيم الخمر في الشعر العربي , أن نجد فيه وقفات راقية في الزهد والموعظة والتوبة إلي الله تعالى، وله في ذلك فصائد رائعة ورقيقة .. ومما لا شك شك أن التوبة التصوح تجب ما قبلها.
كان (لأبي نواس) صديق حميم من أهل الصلاح يدعى (محمد بن نافع الواعظ ) قال : " لما بلغني موتُ أبي نواس أشفقتُ عليه ، فرأيته في المنام ، فقلتُ : يا أبا نواس ، ما فعل اللهُ بكَ ؟
قال: غفر الله لي ، قلتُ : بأيِّ شيءٍ ؟
قال : بتوبة ٍ تـُبتـُها قبل موتي ، وبأبيـــاتٍ قلتـُها . منها:
يا ربِّ إنْ عـَظـُمتْ ذنوبي كثرة ً *** فلقد علمتُ بأنَّ عفوكَ أعظــمُ
إنْ كانَ لا يرجوكَ إلا مـُحســـن ٌ *** فبمـَنْ يلوذ ُ ويستجيرُ المجـرمُ
أدعوكَ ربـِّي كما أمرتَ تـضرُّعا ً*** فإذا رددتَ يدي فمنْ ذا يرحـمُ
ما لي إليكَ وسيلة ٌ إلا الرَّجـــــــا *** وجميل ظنـِّي ثمَّ أنيَّ مـُســـلم
ومنها قوله:
أيا مـــن لـيــس لـي مـنه مجيـرُ
بعفوك من عذابك أستجيرُ
أنــــــا العبـد المقر بكل ذنب
و أنت السيــــد المولى القدير
فــإن عـــذبتني فبسوء فِعـــلي
و إن تغفـــر فأنــت بــــه جديرُ
عـــصيت وتبت مـن ذنبي وإني
إلى الغــفــران محتـــاج فـقــير
أفــر إلـيك منك .. و أين إلا
إليـك يـفر منك المستجير
ومها أيضاً:
إذا مـــــا خــلـــوت الــدهـــر يــومـــا
فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيبُ
ولا تـحـسـبـنّ الله يـغـفــل ســاعــة
ولا أنــمــا تـخـفـيـه عـلـيــه يـغـيــبُ
لـهـونـا نـعــم والله حـتــى تـتـابـعـت
ذنــــوبٌ عــلـــى آثــارهـــنّ ذنـــــوبُ
فـيـا لـيـت أنّ الله يغـفـر مــا مـضـى
ويــــإذن فـــــي تـوبـةٍ لـنـا فـنــتــوبُ
قال الله تعالى: " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " [النساء:48]
وقد وعد الله تعالى من تاب إليه توبة نصوحاً أن يقبلها منه، ويعفو عن سيئاته، في قوله تعالى: " ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده "ــ [التوبة:104]. اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها.


أم بشرى 23-11-2017 04:12 PM

بارك الله فيك على هذا التثمين الرائع والرّد المثمن لأديب جمع بين الذم و الإشفاق

وبين المجون والتوبة فكان لسانه سامقا وشعره نادر ا فتح الباب للنقاد فأثروا المكتبة العربية

بوافر الحديث عنه وعن شعره ,,,ما أحوجنا لتلك الأيام حين كان الإنتاج ,,وكان الإبداع

أجدد شكري وتقديري للرد القيّم الأخ "ملاد الجزائري" ,


الساعة الآن 08:50 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.