عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 30-06-2003, 04:31 AM
امير خطاب امير خطاب غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jun 2002
المشاركات: 621
افتراضي

المقدمة الرابعة
فضائل الجهاد في سبيل الله تعالى وثماره في الدنيا والآخرة
تقدم الحديث عن غاية الجهاد في سبيل الله عز وجل وثمرته الكبرى في الدنيا والآخرة، وأنه شرع لتعبيد الناس لرب العالمين، وحتى لا تكون فتنة ولا شرك ويكون الدين كله لله• هذا في الدنيا أما في الآخرة فرضوان الله وجنته والنجاة من سخطه والنار•
وقد نبه الله سبحانه إلى خيرية الجهاد في الدنيا والآخرة في قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (البقرة:216).
وسيتم في هذه المقدمة تفصيل بعض الثمار والخيرات التي تترتب على الجهاد في سبيل الله عز وجل في الدنيا والآخرة، والتي هي فرع عن غاية الجهاد.
( أ ) الثمار التي تظهر في الدنيا :
1- بالجهاد تظهر حقيقة المحبة لله عز وجل وصدق العبودية له، ويظهر الصادق فيها من الكاذب؛ فالجهاد في سبيل الله تعالى وتقديم الروح رخيصة لله تعالى من أقوى البيان على صحة دعوى المحبة لله تعالى ولدينه، وبالجهاد يمحص ما في القلوب ويبتلى به ما في الصدور ويتخذ الله عز وجل من شاء من عباده شهداء•
وفي ذلك يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "لما كثر المدعون للمحبة طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى؛ فلو يعطى الناس بدعواهم لادعى الخلىُّ حُرقَة الشَّجيِّ• فتنوع المدعون في الشهود• فقيل: لا تُقبل هذه الدعوى إلا ببينة (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ)(آل عمران: من الآية31).
فتأخر الخلق كلهم، وثبت أتباع الحبيب في أفعاله وأخلاقه، فطولبوا بعدالة البينة بتزكية (يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَـافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (المائدة: من الآية54).
فتأخر أكثر المحبين وقام المجاهدون، فقيل لهم: إن نفوس المحبين وأموالهم ليست لهم، فهلموا إلى بيعة (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ )(التوبة: من الآية111).
فلما عرفوا عظمة المشتري، وفضل الثمن، وجلالة من جرى على يديه عقد التبايع: عرفوا قدر السلعة، وأن لها شأنًا• فرأوا من أعظم الغَبْن أن يبيعوها لغيره بثمن بخس• فعقدوا معه بيعة الرضوان بالتراضي، من غير ثبوت خيار• وقالوا: "والله لا نقيلك ولا نستقيلك"•
فلما تم العقد وسلموا المبيع، قيل لهم: منذ صارت نفوسكم وأموالكم لنا رددناها عليكم أوفر ما كانت، وأضعافها معًا: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) (آل عمران: 169-170)(33).
وقد تقدم قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "•• والجهاد دليل المحبة الكاملة ••• فإن المحبة مستلزمة للجهاد لأن المحب يحب ما يحب محبوبه، ويبغض ما يبغض محبوبه، ويوالي من يواليه، ويعادي من يعاديه، ويرضى لرضاه، ويغضب لغضبه، ويأمر بما يأمر به، وينهي عما نهى عنه؛ فهو موافق له في ذلك •••)(34).
وقال أيضًا: "فإذا ترك العبـد ما يقدر عليه من الجهاد كان دليلاً على ضعف محبة الله ورسوله في قلبه"(35).
وهنا يحسن الإشارة إلى مسألة مهمة تتعلق بعقيدة الولاء والبراء والحب في الله والبغض في الله؛ ألا وهي: أن هذه الشعيرة العظيمة التي هي صلب التوحيد وأسه المتين إنما تقوى وتصقل بالجهاد في سبيل الله تعالى، والدعوة إلى الله تعالى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما أنها تضعف ويصيبها الوهن بترك ذلك أو ضعفه• وإن المتأمل في كتاب الله عز وجل وفي واقع الدعوة إلى الله عز وجل يرى أن هناك ارتباطًا وثيقًا بين الدعوة إلى الله تعالى والجهاد في سبيله، وبين عقيدة الولاء والبراء في نفس الداعية•
فكلما قويت الدعوة وقوي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحب الجهاد في نفس العبد المخلص لربه قويت هذه العقيدة في نفسه وظهرت بشكل واضح في حياته ومواقفه ومحبته وعداوته؛ حتى يصبح على استعداد أن يهجر وطنه وأهله وماله إذا اقتضى الأمر ذلك•
بل إن هذه العقيدة لتبلغ ذروة السنام في قلب الداعية ومواقفه؛ وذلك في جهاد أعداء الله ولو كانوا أقرب قريب؛ قال الله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة:71).
والعكس من ذلك واضح ومشاهد؛ فما من داعية فترت همته عن الدعوة والجهاد ومال إلى الدنيا وأهلها إلا كان الضعف في عقيدة الولاء والبراء مصاحبًا لذلك•
والحاصل أن عقيدة الولاء والبراء ليست عقيدة نظرية تحفظ في الذهن المجرد، بل هي: عقيدة وعمل ومفاصلة ودعوة وجهاد وحب وبغض؛ فإذا أردنا أن تقوى هذه العقيدة فهذا هو طريقها: طريق الدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله تعالى، وكلما ابتعد العبد عن هذه الأعمال مؤثرًا الراحة عليها فهذا معناه هشاشة هذه العقيدة وتعرضها للخطر والاهتزاز•
وهذه إحدى ثمار الجهاد؛ حيث يميز صادق الولاء لله تعالى ولدينه من كاذبه، كما أنه في نفس الوقت يقوي هذه العقيدة ويصقلها• والصلة بين الجهاد وعقيدة الولاء والبراء صلة تناسب مطرد متبادل؛ بمعنى أن الحماس للجهاد والتضحية في سبيل الله تعالى يقوى بقوة عقيدة الولاء والبراء في القلب، كما أن الولاء والبراء يقوى ويشتد بالجهاد في سبيل الله تعالى•
2- نشر التوحيد وشريعة الإسلام التي يهنأ الناس في ظلالها، وتسعد البشرية بها، ويرتفع عنها الظلم والشقاء بارتفاع الشرك الذي فيه استعباد الناس وظلمهم وقهرهم• والتاريخ يشهد بذلك؛ فما من أمة فشى فيها الشرك والكفر إلا وعانت من الظلم والشقاء وتسلط الطواغيت الشيء العظيم، وما من أمة دخلها الإسلام وحكمها بحكمه العادل القائم على توحيد الله عز وجل إلا صلح أمرها وعاشت هنيئة سعيدة تحت ظلاله الوارفه، فالجهاد إذن شرع رحمة بالعباد•
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "والطاعة عاقبتها سعادة الدنيا والآخرة؛ وذلك مما يفرح به العبد المطيع؛ فكان فيما أمر به من الطاعات عاقبته حميدة تعود إليه وإلى عباده؛ ففيها حكمة له ورحمة لعباده؛ قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (الصف:10-13).
ففي الجهاد عاقبة محمودة للناس في الدنيا يحبونها: وهي النصر والفتح، وفي الآخرة الجنة، وفيه النجاة من النار؛ وقد قال تعالى في أول السورة (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) (الصف:4) فهو يحب ذلك؛ ففيه حكمة عائدة إلى الله تعالى وفيه رحمة للعباد؛ وهي ما يصل إليهم من النعمة في الدنيا والآخرة"(36).
3- بالجهاد يُدفع عذاب الله عز وجل ونقمته في الدنيا والآخرة ويعيش المسلمون حياة طيبة عزيزة خالية من التذلل للكفار والبقاء تحت سيطرتهم وقهرهم• والعكس من ذلك يحصل حين يُترك الجهاد ويركن الناس إلى الدنيا؛ حيث يحل محل العزة ذل المسلمين واستكانتهم لأعدائهم يسومونهم سوء العذاب في أديانهم وأنفسهم وأعراضهم وأموالهم•
وهذا مصداق قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا ظن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلاء، فلم يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم)(37).
وواقعنا المعاصر أكبر شاهد على ذلك؛ حيث يعد عصرنا من أسوء العصور التي مرت بالمسلمين حيث بلغ المسلمون فيه من الذل والاستكانة والتفرق ما لم يبلغوه في أي عصر مضى، مما أغرى بهم أعداؤهم فتداعوا إلى بلدان المسلمين كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، وما ذاك إلا بترك طاعة الله عز وجل وحب الدنيا وكراهية الموت، وترك الجهاد في سبيل الله تعالى•
ولن يُرفع هذا الذل عن المسلمين إلا أن يراجعوا دينهم ويرفعوا عَلَم الجهاد على الكفار ويعدوا ما استطاعوا من قوة لقتالهم دفاعًا وطلبًا• وقبل أن يتم ذلك فلا نرجو عزة، ولا نطمع أن يكف الكفار شرهم عن المسلمين بمجرد المفاوضات السياسية أو عن طريق مجلس الأمن - أعتذر - مجلس الخوف، أو هيئة الأمم الكفرية الطاغوتية• كلا فلن يردع الأعداء المعاصرين إلا ما ردع أسلافهم المعتدين من قبل؛ إنه الجهاد في سبيل الله تعالى•
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) (الأنفال:24) ، فتضمنت هذه الآية أمورًا أحدها أن الحياة النافعة إنما تحصل بالاستجابة لله ورسوله؛ فمن لم تحصل له هذه الاستجابة فلا حياة له وإن كانت له حياة بهيمية مشتركة بينه وبين أرذل البهائم• فالحياة الحقيقية الطيبة هي حياة من استجاب لله والرسول ظاهرًا وباطنًا؛ فهؤلاء الأحياء وإن ماتوا، وغيرهم أموات وإن كانوا أحياء الأبدان• ولهذا كان أكمل الناس حياة أكملهم استجابة لدعوة الرسول؛ فإن كل ما دعا إليه ففيه الحياة؛ فمن فاته جزء منه فاته جزء من الحياة، وفيه من الحياة بحسب ما استجاب للرسول•
قال مجاهد: لما يحييكم يعني للحق•
وقال قتادة: هو هذا القرآن؛ فيه الحياة والثقة والنجاة والعصمة في الدنيا والآخرة•
وقال السدي: هو الإسلام؛ أحياهم به بعد موتهم بالكفر•
وقال ابن إسحاق وعروة بن الزبير واللفظ له: لما يحييكم يعني للحرب التي أعزكم الله بها بعد الذل، وقواكم بعد الضعف، ومنعكم بها من عدوكم بعد القهر منهم لكم•
وهذه كلها عبارات عن حقيقة واحدة، وهي: القيام بما جاء به الرسول ظاهرًا وباطنًا•
قال الواحدي: والأكثرون على أن معنى قوله لما يحييكم هو: الجهاد، وهو قول ابن إسحاق واختيار أكثر أهل المعاني•
قال الفراء: إذا دعاكم إلى إحياء أمركم بجهاد عدوكم، يريد أن أمرهم إنما يقوى بالحرب والجهاد؛ فلو تركوا الجهاد ضعف أمرهم واجترأ عليهم عدوهم• قلت: الجهاد من أعظم ما يحييهم به في الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة"(38).
4- المجاهدون في سبيل الله تعالى من أهدى الناس إلى الحق، وأسعدهم بسبيل الله عز وجل عند اختلاف السبل؛ قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت:69). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "ولهذا كان الجهاد موجبًا للهداية التي هي محيطة بأبواب العلم؛ كما دل عليه قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) ، فجعل لمن جاهد فيه هداية جميع سبله تعالى؛ ولهذا قال الإمامان عبدالله بن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما: إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ماذا عليه أهل الثغر فإن الحق معهم لأن الله يقول: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا)(39) ا•هـ، وقال تعالى: (وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ) (محمد:4-5). قرأها الجمهور: "قاتلوا" وقرأ أبو عمرو وحفص عن عاصم: "قتلوا".
5- الجهاد في سبيل الله تعالى من أعظم وسائل التربية للنفس وتزكيتها باطنًا وظاهرًا: فكم من الأخلاق الفاضلة وأعمال القلوب الزكية لا يمكن إصلاحها والوصول بها إلى كمالها أو قرب كمالها إلا بالجهاد في سبيل الله تعالى• وبدون الجهاد ستبقى هذه الأعمال ضعيفة أو يصعب على العبد تكميلها وهو قاعد•
وهذا ما أشار إليه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في تعليقه على كون الجهاد ذروة سنام هذا الدين؛ حيث قال: "••• ولهذا كان الجهاد سنام العمل، وانتظم سنام جميع الأحوال الشريفة؛ ففيه سنام المحبة، كما في قوله: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ) (المائدة: من الآية54). وفيه سنام التوكل وسنام الصبر؛ فإن المجاهد أحوج الناس إلى الصبر والتوكل؛ ولهذا قال تعالى: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (النحل:41-42).
وقال تعالى: (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (لأعراف:128).
••• وفي الجهاد أيضاً: حقيقة الزهد في الحياة الدنيا، وفي الدار الدنيا، وفيه أيضًا: حقيقة الإخلاص؛ فإن الكلام فيمن يجاهد في سبيل الله، لا في سبيل الرياسة، ولا في سبيل المال، ولا في سبيل الحمية، وهذا لا يكون إلا لمن قاتل ليكون الدين كله لله، ولتكون كلمة الله هي العليا• وأعظم مراتب الإخلاص تسليم النفس والمال للمعبود، كما قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ) (التوبة: من الآية111)(40).
6- وحدة صف المسلمين واجتماع كلمتهم: حيث إن استقراء التاريخ يدل على أن الجهاد في سبيل الله عز وجل يوحد صفوف المسلمين ويضيق أبواب الخلاف، وما من وقت كان المسلمون يقارعون فيه أعداءهم الكفار إلا وكانوا فيه في غاية الإخاء والاتحاد، وما كانوا ينتهون من غزوة أو معركة إلا ويدخلون في أخرى، ولم يجد الخلاف إليهم سبيلا، والعكس من ذلك يحدث عندما يعطل الجهاد وينشغل المسلمون بعضهم ببعض•
( ب ) الثمار الأخروية للجهاد :
في الآخرة تتحقق الثمرة العظمى للجهاد في سبيل الله تعالى، والتي تنافس فيها المتنافسون، وضحى في سبيلها المجاهدون بأرواحهم رخيصة راضية بها نفوسهم، وكيف لا وهم يرجون رحمة الله تعالى ورضوانه وجناته؟! هذه الغاية الشريفة والثمرة العظيمة التي يرخص في سبيلها كل شيء•
وإن المتأمل في كتاب الله عز وجل والمتدبر لجميع الآيات التي ورد فيها ذكر الجنة وما أعد الله عز وجل فيها لأهلها من الرضوان والنعيم ليلفت نظره أمرٌ مهم وشيئ عجيب؛ ألا وهو أن جل ما ورد من الآيات التي يذكر فيها سبحانه ما أعد لأوليائه من الجنة والرضوان يسبقها في العادة صفات الموعودين بذلك، وبالتأمل في أوصافهم تلك نجد أنها تكاد تنحصر في: المجاهدين، والصابرين، والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر• وفيما يلي ذكر بعض الآيات التي يذكر الله عز وجل فيها ما أعد لعباده المجاهدين من الرحمة والنعيم والرضوان•
- الآية الأولى: قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (البقرة:218).
- الآية الثانية: قوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) (البقرة:214). - الآية الثالثة: قوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) (آل عمران:142).
- الآية الرابعة: قوله تعالى: )وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) (آل عمران:157).
- الآية الخامسة: قوله تعالى: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ) (آل عمران:169-172). - الآية السادسة: قوله تعالى: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ) (آل عمران:195).
- الآية السابعة: قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) (الأنفال:74).
- الآية الثامنة: قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) (التوبة: 20-22). - الآية التاسعة: قوله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة:71-72).
- الآية العاشرة: قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة:111). - الآية الحادية عشر: قوله تعالى: (وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ) (محمد:4-6).
- الآية الثانية عشر: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (الصف: 10-12).
وأما الأحاديث في فضائـل الجهـاد ومـا أعـد الله للمجاهدين والشهداء في الآخرة فهي كثيرة جدًا والمتأمل في أحاديث الفضائل يجد أنه ما من عمل صالح جاء في فضيلته والترغيب فيه والثناء على أهله أحاديث كثيرة لم تأت لغيره من الصالحات كما جاء في شعيرة الجهاد؛ ومن هذه الأحاديث:
- قوله صلى الله عليه وسلم: (انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا إيمانٌ بي، وتصديق برسلي أن أرجعه بما نال من أجرٍ أو غنيمةٍ أو أدخله الجنة، ولولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سَرية، ولوددت أني أقتلُ في سبيل الله، ثم أحيا، ثم أُقتل، ثم أُحيا، ثم أُقتل)(41).
- وقوله صلى الله عليه وسلم: (مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع المُجاهد في سبيل الله)(42).
- وقوله صلى الله عليه وسلم: (من قاتل في سبيل الله من رجل مسلم فواق ناقةِ، وجبت له الجنة)(43).
- وقوله صلى الله عليه وسلم: (إِن في الجنة مائة درجةٍ أعدها الله للمُجاهدين في سبيل الله؛ ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سأَلتم الله فاسألُوهُ الفرْدَوس؛ فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة)(44).
- وقوله صلى الله عليه وسلم لأبي سعيد: (من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولاً، وجبت له الجنة) فعجب لها أبو سعيد، فقال: أعِدْهَا عليَّ يا رسول الله، ففعل، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وأُخرى يرفع الله بها العبد مائة درجة في الجنة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض) قال: وما هي يا رسول الله؟ قال: (الجهادُ في سبيل الله)(45).
- وقوله صلى الله عليه وسلم: (من اغبرَّت قدماه في سبيل الله حرَّمه الله على النار)(46).
- وقوله صلى الله عليه وسلم: (من راح روحة في سبيل الله كان له بمثل ما أصابه من الغبار مسكًا يوم القيامة)(47).
- وقوله صلى الله عليه وسلم: (رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها)(48).
- وقوله صلى الله عليه وسلم: (رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه وأمن الفتان)(49).
- وقوله صلى الله عليه وسلم: (إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف)(50).
- وقوله صلى الله عليه وسلم: (طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يُشَفَّع)(51).
ولأجل هذه الفضائل كان السلف الصالح من الصحابة رضي الله عنهم ومَنْ بعدهم أحرص الناس على هذه الشعيرة العظيمة؛ فتسابقوا في بذل أنفسهم رخيصة في سبيل الله عز وجل راجين هذه الفضائل العظيمة، وعلى رأسها رضوان الله عز وجل ورحمته وجنته• وأسوق فيما يلي نماذج من حرص السلف على هذه الشعيرة العظيمة:
- عن حماد بن سلمة: حدثنا عليُّ بن زيد، عن ابن المسيِّب، قال: أقبل صُهيب مهاجرًا، واتبعه نفرٌ، فنزل عن راحلته، ونثل كِنانته، وقال: لقد علمتم أني من أرماكم، وأيمُ الله لا تصلون إليَّ حتى أرمي بكل سهم معي، ثم أضربُكم بسيفي، فإن شئتُم دللتُكم على مالي، وخلَّيتُم سبيلي؟ قالوا: نفعل• فلما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ربح البيعُ أبا يحيى!) ونزلت: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ) (البقرة: من الآية207)(52).
- وقال الواقدي : حدثنا عبدالله بن نافع، عن أبيه عن ابن عمر، قال: رأيتُ عمارًا يوم اليمامة على صخرة وقد أشرف يصيح: يا معشر المسلمين، أَمِن الجنة تَفِرُّون، أنا عمارُ بن ياسر، هلمُّوا إليَّ! وأنا أنظر إلى أذنه قد قطعت، فهي تَذَبْذَبُ وهو يُقاتلُ أشد القتال"(53).
- وقال ابن الجوزي في ترجمة سعد بن خيثمة : يكنى أبا عبدالله، أحد نقباء الأنصار الاثنا عشر• شهد العقبة الأخيرة مع السبعين• ولما ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناسَ إلى غزوة بدر قال له أبوه خيثمة: إنه لا بد لأحدنا أن يقيم، فآثرني بالخروج وأقم مع نسائك• فأبى سعد وقال: لو كان غير الجنة آثرتك به، إني لأرجو الشهادة في وجهي هذا فاستَّهما فخرج سهم سعد فخرج فقتل ببدر(54).
- وعن ابن عُيينة عن ابن أبي خالد، عن مولى لآل خالد بن الوليد أن خالدًا قال: ما من ليلة يُهدى إليَّ فيها عروسٌ أنا لها مُحِبٌّ أحبّ إليَّ من ليلة شديدة البرد، كثيرة الجليد في سريَّةٍ أُصَبِّحُ فيها العَـدُوَّ(55).
- وعن جُبير بن نُفَير قال : جلسنا إلى المقداد بن الأسود بدمشق وهو يحدثنا وهو على تابوت ما به عنه فضل، فقال له رجل: لو قعدت العام عن الغزو؟ قال: أبت البحوث - يعني سورة التوبة - قال الله تبارك وتعالى: (انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً) قال أبو عثمان: بحثت المنافقين(56).
- وعن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه قال : بعثني النبي صلى الله عليه وسلم يوم أُحد أطلب سعد بن الربيع، فقال لي: إنْ رأيتَه، فأقْرِه مني السلام، وقل له: يقول لك رسول الله: كيف تجدك؟ فطفتُ بين القتلى، فأصبته وهو في آخر رمق وبه سبعون ضربة فأخبرته، فقال: على رسول الله السلام وعليك، قل له: يا رسول الله! أجد ريح الجنة، وقل لقومي الأنصار: لا عذر لكم عند الله إن خُلِصَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيكم شفْر يطرف، قال: وفاضت نفسه رضي الله عنه(57).
- وعن حَمَّادِ بنِ سلمة، عن ثابت وعلي بن زيد، عن أنس: أنَّ أبا طلحة قرأ: (انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً) فقال: استنفرنا الله، وأمرنا شيوخنا وشبابنا، جهزوني• فقال بنوه: يرحمُك الله! إنك قد غزوت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر، ونحن نغزو عنك الآن• قال: فغزا البحر، فمات، فلم يجدوا له جزيرة يدفنونَه فيها إلاَّ بعد سبعة أيام، فلم يتغير(58).
- وعن أنس رضي الله عنه قال : "بعث النبي صلى الله عليه وسلم أقوامًا من بني سليم إلى بني عامر في سبعين فلما قدموا قال لهم خالي: أتقدمكم، فإن أمنوني حتى أبلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلا كنتم مني قريبًا، فتقدم فأمَّنوه، فبينما يحدثهم عن النبي صلى الله عليه وسلم إذ أومؤوا إلى رجل منهم فطعنه فأنفذه فقال: الله أكبر، فزت ورب الكعبة• ثم مالوا على بقية أصحابه فقتلوهم إلا رجل أعرج صعد الجبل، فأخبر جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم أنهم لقوا ربهم فرضي عنهم وأرضاهم ••"(59).
- وعن ثابت البناني عن ابن أبي ليلى، أن ابن أم مكتوم قال: أي ربِّ! أنزل عذري• فأنزلت (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) (النساء: من الآية95). فكان بعدُ يغزو ويقولُ: ادفعوا إليَّ اللواءَ، فإني أعمى لا أستطيع أن أفِرَّ، وأقيموني بين الصفين(60).
- وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت : لما توجه النبيُّ صلى الله عليه وسلم من مكة حمل أبو بكر معه جميع ماله - خمسة آلاف، أو ستة آلاف - فأتاني جدِّي أبو قُحافة وقد عمِي، فقال: إن هذا قد فجعكم بماله ونفسه• فقلتُ: كلا، قد ترك لنا خيرًا كثيرًا• فعمدتُ إلى أحجارِ، فجعَلْتُهنَّ في كوَّة البيت، وغطيتُ عليها بثوب، ثم أخذتُ بيده، ووضعتُها على الثوب، فقلتُ: هذا تركه لنا• فقال: أَمَا إذْ ترك لكم هذا فنعم(61).
- وروى عاصم بن بهدلة عن أبي وائل أظن قال: لما حضرت خالدًا الوفاةُ، قال: لقد طلبتُ القتل مظانَّه فلم يُقَدَّر لي إلا أن أموت على فراشي• وما من عملي شيءٌ أرجى عندي بعد التوحيد من ليلة بتُّها وأنا متترس، والسماء تهلّني ننتظر الصبح حتى نُغيرَ على الكفار• ثم قال: إذا متُّ فانظروا إلى سلاحي وفرسي، فاجعلوه عدة في سبيل الله• فلما تُوفي، خرج عمر على جنازته، فذكر قوله: ما على آل الوليد أن يَسْفَحْنَ على خالد من دمُوعهن ما لم يكن نَقْعًا أو لَقْلَقَةً(62).
- ومن ترجمة أبي عقيل عبدالرحمن بن ثعلبة - وهو بدري شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم - روى ابن الجوزي عن جعفر بن عبدالله بن أسلم قال: لما كان يوم اليمامة واصطف الناس كان أول من جُرح أبو عَقِيل؛ رُمي بسهم فوقع بين منكبيه وفؤادِه في غير مَقتل، فأخرج السهم ووهَن له شقَّه الأيسر في أول النهار، وجُرَّ إلى الرحل• فلما حمي القتال وانهزم المسلمون وجاوزوا رحالهم، وأبو عقيل واهن من جرحه، سمع معن بن عدي يصيح يا للأنصار! الله الله والكرّة على عدوكم• قال عبدالله بن عمر: فنهض أبو عقيل يريد قومه، فقلت: ما تريد؟ ما فيك قتال• قال: فد نوَّه المنادي باسمي قال ابن عمر: فقلت له: إنما يقول: يا للأنصار، ولا يعني الجرحى• قال أبو عقيل: أنا من الأنصار، وأنا أجيبه ولو حَبْوًا• قال ابن عمر: فتحزَّم أبو عقيل وأخذ السيف بيده اليمنى، ثم جعل ينادي: يا للأنصار، كرَةً كيوم حُنين فاجتمعوا رحمكم الله جميعاً تقدّموا فالمسلمون دريئة دون عدوهم، حتى أقحموا عدوّهم الحديقة فاختلطوا واختلفت السيوف بيننا وبينهم• قال ابن عمر: فنظرت إلى أبي عقيل وقد قُطعت يده المجروحة من المنكب فوقعتْ إلى الأرض وبه من الجراح أربعة عشر جرحًا كلها قد خلصت إلى مقتل، وقُتل عدو الله مسيلمة• قال ابن عمر فوقفت على أبي عقيل وهو صريع بآخر رمق فقلت: يا أبا عقيل! قال: لبيك - بلسان ملتاث (63)- لمن الدَبرَة(64).؟ قلت: أبشر قد قتل عدو الله• فرفع إصبعه إلى السماء يحمد الله• ومات يرحمه الله•
قال ابن عمر: فأخبرت عمر، بعد أن قدمت، خبره كله• فقال: رحمه الله؛ ما زال يسعى للشهادة ويطلبها، وإن كان - ما علمت - من خيار أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم وقديم إسلامهم رضي الله عنهم(65).
- ومن ترجمة واثلة بن الأسقع رضي الله عنه: عن محمد بن سعد قال: أتى واثلة رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى معه الصبح• وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى وانصرف تصفح أصحابه• فلما دنا من واثلة قال: من أنت؟ فأخبره فقال: ما جاء بك؟ قال: جئت أبايع• فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فيما أحببتَ وكرهتَ؟ قال: نعم• قال: فيما أطقت؟ قال: نعم• فأسلم وبايعه(66).
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتجهز يومئذ إلى تبوك فخرج واثلة إلى أهله فلقي أباه الأسقع فلما رأى حاله قال: قد فعلتها؟ قال: نعم• قال أبوه: والله لا أكلمك أبداً• فأتى عمه فسلم عليه، فقال: قد فعلتها؟ قال: نعم• فلامه أيسر من ملامة أبيه وقال: لم يكن ينبغي لك أن تسبقنا بأمر• فسمعت أخت واثلة كلامه فخرجت إليه وسلمت عليه بتحية الإسلام• فقال واثلة: أنىَّ لكِ هذا يا أخيّة؟ قالت: سمعت كلامك وكلام عمك فأسلمت• فقال: جهّزي أخاك جهازَ غَازٍ؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم على جناح سفر• فجهزته فلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم قد تحمَّل إلى تبوك وبقي غُبَّراتٌ(67) من الناس وهم على الشخوص(68) فجعل ينادي بسوق بني قينقاع: من يحملني وله سهمي؟ قال: وكنت رجلاً لا رِحلة(69) بي. قال: فدعاني كعب بن عُجْرة فقال: أنا أحملك عقبة بالليل وعقبة بالنهار ويدك أسوة يدي وسهمك لي• قال واثلة: نعم• قال واثلة: جزاه الله خيرًا لقد كان يحملني ويزيدني وآكل معه ويرفع لي، حتى إذا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى أكيدر بن عبدالملك بدومة الجندل خرج كعب في جيش خالد وخرجت معه فأصبنا فيئًا كثيرًا فقسمه خالد بيننا فأصابني ست قلائص(70) فأقبلت أسوقها حتى جئت بها خيمة كعب بن عجرة فقلت: اخرج رحمك الله فانظر إلى قلائصك فاقبضها• فخرج وهو يبتسم ويقول: بارك الله لك فيها ما حملتك وأنا أريد أن آخذ منك شيئًا(71).
- وعن عبدالله بن قيس أبي أميَّة الغفاري قال: كنا في غزاة لنا فحضر عدوهم فصيح في الناس فهم يثوبون إلى مصافهم، إذا رجل أمامي، رأس فرسي عند عجز فرسه، وهو يخاطب نفسه ويقول: أي نفس ألم أشهد مشهد كذا وكذا فقلت لي: أهلك وعيالك، فأطعتُك ورجعتُ؟ ألم أشهد مشهد كذا وكذا فقلت: أهلك وعيالك فأطعتك ورجعت؟ والله لأعرضنَّك اليوم على الله، أخذك أو تركك• فقلت: لأرمقنه اليوم• فرمقته فحمل الناسُ على عدوهم فكان في أوائلهم، ثم إن العدو حمل على الناس فانكشفوا فكان في حماتهم، ثم إن الناس حملوا فكانوا في أوائلهم، ثم حمل العدو وانكشف الناس فكان في حماتهم• قال: فوالله ما زال ذلك دأبه حتى رأيته صريعًا• فعددتُ به وبدابته ستين، أو أكثر من ستين طعنة(72).
- وعن ابن المبارك عن السري بن يحيى، حدثنا العلاء بن هلال أن رجلاً قال لصلة: يا أبا الصهباء! رأيت أني أعطيتُ شهدة، وأُعطيت شهدتين، فقال تستشهد وأنا وابني، فلما كان يوم يزيد بن زياد؛ لقيتهم التركُ بسجستان فانهزموا• وقال صلة: يا بُني ارجع إلى أمك• قال: يا أبة؛ تريدُ الخير لنفسك، وتأمرني بالرجوع! قال فتقدم، فتقدم، فقاتل حتى أصيب فرمى صلة عن جسده - وكان راميًا - حتى تفرقوا عنه فأقبل حتى قام عليه فدعا له ثم قاتل حتى قتل رحمه الله(73).
- وقال حماد بن سلمة : أخبرنا ثابت أن صِلَةَ كان في الغزو، ومعه ابنه، فقال: أي بُنَي! تقدَّمْ، فقاتل حتى أَحْتَسبك، فحمل، فقاتل، حتى قُتِلَ، ثم تقدَّم صِلَةُ، فقُتل، فاجتمع النساءُ عند امرأته معاذة، فقالت: مرحباً إن كُنْتُنَّ جئتُنَّ لتُهنِّئنني، وإن كُنتُنَّ جِئتُنَّ لغير ذلك، فارجعْنَ(74).
سؤال وجوابه:
بعد ذكر هذه الفضائل والثمار العظيمة للجهاد والمجاهدين في سبيل الله عز وجل يتبادر إلى الذهن سؤال جدير بالجواب ألا وهو: لماذا هذه الفضائل العظيمة التي أُعدت للمجاهدين والشهداء في سبيل الله عز وجل دون غيرهم؟
الجواب - والله أعلم - يكمن في معرفة غاية الجهاد وبواعثه في نفس المؤمن• وقد مر بنا في مقدمة سابقة أنه تعبد لله تعالى ومحك حقيقي لمحبة الله عز وجل؛ فالجهاد في سبيل الله تعالى وبذل الروح رخيصة له سبحانه أكبر دليل على صدق المحبة والعبودية لله تعالى؛ والتي يستحق صاحبها هذه الفضائل العظيمة دون غيرها من الأعمال•
كما أن تقديم الروح في سبيل الله عز وجل لأجل أن ينتشر التوحيد والعدل في الأرض، ويكون الدين كله لله، وينجو الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد لهو أيضًا عمل شريف كريم عظيم يستحق صاحبه هذه الفضائل العظيمة؛ حيث بذل نفسه في سبيل الله تعالى حتى ينجو بموته فئام من الناس ويخرجون من الظلمات إلى النور ومن الجحيم إلى النعيم؛ فأكرم به من عمل وأعظم بها من غاية•
وفي هذا يستطرد الأستاذ المودودي رحمه الله تعالى حيث يقول: "ما سبب فضل الجهاد في سبيل الله، وسبب امتداحه بهذا الشكل؟ ولماذا يقال للمجاهدين في سبيل الله مرة بعد مرة إنهم هم الفائزون، وإن لهم الدرجات العليا؟ ولماذا وُجّه مثل هذا التحذير للقاعدين في بيوتهم لا يشاركون في هذا الجهاد؟
إن الإجابة على هذا السؤال تستلزم مراجعة النظر مرة ثانية في تلك الآيات التي ورد فيها ذكر حكم الجهاد وفضله، ومساوئ الفرار منه؛ ففي هذه الآيات لم يرد معنى الفوز والعظمة في أي موضع بالحصول على المال والثروة، والملك والسلطان مثلما كان كرشن يقول لأرجُن: "إذا فزت في هذا القتال فسوف تنال ملك الدنيا" (جيتا 2:73)، فمثل هذا لم يرد في القرآن، ولم يحث القرآن المجاهدين على القتال في سبيل الله لينالوا مقابله ثروة الدنيا وسلطانها، بل على العكس من هذا كلما ذكرت ثمار الجهاد في سبيل الله كان ذكرها مقترنا بمرضاة الله فقط، والحصول على مقام عالٍ عند الله، والنجاة من العذاب الأليم• وقد أرشد رب العزة عباده إلى أن الخروج في سبيل الله أفضل من سقاية الحاج وعمارة البيت - وكانتا من أكبر مصادر الدخل عند العرب، وأعظمها أثرًا ورسوخًا - ولم يذكر للجهاد من ثمرة سوى: "أعظم درجة عند الله"(75)، وفي مكان آخر أرشد عباده وعلمهم قاعدة من قواعد التجارة يظن منها أنه يذكر الثروة والمال، ولكن بعد قليل نلاحظ أن حقيقة هذه التجارة أو رأسمالها هو التضحية بالروح والمال في سبيل الله، والثمرة - أي ثمرة هذه التجارة - هي النجاة من العذاب، وفي موضع آخر يحذر ويعنف الهاربين من القتال لأنهم أصبحوا أسرى لمحبة زوجاتهم وأولادهم، وأنهم يخشون على أموالهم التي كسبوها، ويخشون كساد تجارتهم، بينما المجاهدون في سبيل الله يقاتلون في هذه الدنيا وينتصرون ويفتحون البلاد، ويحصلون على أموال طائلة، وتزدهر تجارتهم، ويجدون مساكن يسلبونها من الأمة المغلوبة، إلا أن هذا ليس هـو المقصـود بالجهـاد •• فإذا لم يكن المقصود من هـذا الجهاد ثروة الدنيا وسلطانها فماذا ينال من هذا القتال حتى يعد عباده المقاتلين بالدرجات العليا؟ وماذا في هذا العمل الخطير حتى يجعل من أقدام المهرولين إليه المثيرة للغبار موردًا للطفه وعنايته؟ ثم أي نجاح وأي فوز يكمن فيه حتى يقال "مرة بعد مرة" عن المقاتلين في هذه الحروب الشديدة إنهم هم الفائزون (وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) (التوبة: من الآية20) ؟!•
إن الإجابة على جميع هذه التساؤلات تكمن في قوله تعالى: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) (البقرة: من الآية251)، (إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) (الأنفال: من الآية73)؛ فالله لا يريد أن تنتشر الفتن وينتشر الفساد على أرضه، وهو لا يقبل أن يتعذب عباده دون ذنب، أو أن يحل بهم الدمار والبلاء، ولا يحب أن يأكل القوي الضعيف، وأن يسلبه أمنه وطمأنينته، أو أن يصاب عباده في حياتهم الأخلاقية والنفسية والمادية، وهو لا يرضى أن تنتشر أعمال السوء والشر في الدنيا، وأن ينتشر الظلم والإجحاف والقتل والغزو، كما لا يقبل أن يصبح عباده عبادًا لمخلوقيه من بقية العباد فيلطخوا شرفهم الإنساني بجراح الذلة والهوان، وبعد كل هذا فالجماعة التي تنهض لتطهير العالم من هذه الفتنة وتخلصه من الظلم، وتقيم العدل دون رغبة في نيل جزاء، وبغير أي طمع في ثروة أو في مال، وتضحي في سبيل هذا العمل الطيب بروحها وبمالها وبمصالحها التجارية وبحبها لأبنائها وآبائها وأخوتها، وبراحتها داخل بيتها •• أهناك من هو أحق منها بمحبة الله ومرضاته؟ ••
هذه هي فضيلة الجهاد في سبيل الله التي جعلته يحتل الدرجة العليا بين جميع الأعمال الإنسانية بعد الإيمان بالله"(76).
رد مع اقتباس