عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 08-07-2019, 06:20 PM
abeer yaseen abeer yaseen غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Oct 2018
المشاركات: 48
افتراضي تربية الأبناء في عصر الحضارة الاسلامية ج2

وعن غرس آداب التعامل للأبناء مع الناس كافة و خاصة الصبر عليهم وقوة التحمل لهم وحسن الظن بهم يقول الشبلي :
ثم اعلم أن التصوف له خصلتان : الاستقامة* و السكون عن الخلق فمن استقام وأحسن خلقه بالناس وعاملهم بالحلم فهو صوفي والاستقامة أن يفدي حظ نفسه لنفسه وحسن الخلق مع الناس: أن لا تحمل الناس على مراد نفسك بل تحمل نفسك على مرادهم مالم يخالفوا الشرع" ([44])
وفي هذا الصدد يعلم تلميذه آداب التعامل مع المخالفين معه وذلك بالنأي عن مناظراتهم أو الجدال معهم وإنما تقبلهم كما هم مع احترامهم وفي هذا يقول: " أما اللواتي تدع فأحدها ألاّ تناظر أحدًا في مسألة ما استطعت لأن فيها آفات كثيرة فإثمها أكبر من نفعها إذ هي منبع كل خلق ذميم كالرياء و الحسد و الكبر و الحقد و العداوة و المباهاة وغيرها " أما إذا كان ولابد من هذا الجدال فعليه أن يتحلى بسعة الصدر التي تجعل هدفه الوصول للحق وتقبله ولو كان على لسان خصمه وفي ذلك يقول: " نعم لو وقعت مسألة بينك وبين شخص أو قوم وكانت إرادتك فيها أن تظهر الحق ولا يضيع جاز البحث لكن لتلك الإرادة علامتان:
إحداهما: ألا تفرق بين أن ينكشف الحق على لسانك أو على لسان غيرك .
والثانية: أن يكون البحث في الخلاء أحب إليك من أن يكون في الملأ.
ثم يذكّر تلميذه بما قيل لعيسى بن مريم: " يا ابن مريم عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس و إلاّ فاستح من ربك" ولاشك أن الجهر بالمعارضة للآخرين و التعصب للرأي الواحد و الدفاع عنه وأن يجعل الإنسان من نفسه واعظا يفرض آراءه على الآخرين في الوقت الذي لا يلتزم هو بما يقول كل ذلك وسائل تعوق سير العلاقات بين الناس في تعاون وتلاحم وإنما التنافر والتباعد والعداوة التي هي من القواطع لأواصر الترابط بينهم وهذا ما حذر الغزالي تلميذه منه مؤكدًا على الإقتداء بالرسول r و الذي يقول: " نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم" ([45])
وابن أبي الدنيا في كتابه " مداراة الناس" والذي يعد بحق فنا في حسن معاملة الناس وكسب محبتهم والفوز بثقتهم وكما يقال في مقدمة تحقيق هذا كتاب في العلاقات العامة والعلاقات الإنسانية و المهارات الاجتماعية في الإسلام أصول فيها وإرشادات إليها توجيه إسلامي لكيفية التعامل مع فئات المجتمع المختلفة. ([46])

* فعن المعاشرة الطيبة للمخالفين في الدين
روي عن أبي سنان قال: قلت لسعيد بن جبير: المجوسي يوليني من نفسه ويسلم علىّ أفأرد عليه؟ فقال سعيد: سألت ابن عباس عن نحو من ذلك فقال: لو قال لي فرعون خيرًا لرددت عليه" وفي رواية لابن الجوزي في الحدائق قول ابن عباس t : لو قال فرعون بارك الله فيك ، لقلت : وفيك " ([47])
وعن ابن عباس قال: من سلم عليك من خلق الله فاردد عليه وإن كان مجوسيًا ذلك بأن الله عز وجل يقول:{وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا }النساء:86
وعن عطاء قوله عز وجل:{ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً }البقرة:83 قال: للناس كلهم المشرك وغيره
وعن هشام بن عروة قال: عطس نصراني طبيب عند أبي فقال له : رحمك الله فقيل له : إنه نصراني قال أبي: رحمة الله على العالمين ([48])
وقال حذيفة بن اليمان t خالط المؤمن وخالط الفاجر ودينك لا تكلمنَّه ( أي لا تحرجنه)([49])
وعن النهي عن معاداة الناس و التماس الأعذار لهم إذا أساءوا ذكر ابن أبي الدنيا عن أبي قلابة قال: التمس لأخيك العذر بجهدك فإن لم تجد له عذرا فقل: لعل لأخي عذر لا أعلمه وقال عمر بن الخطاب t " أعقل الناس أعذرهم لهم" ([50])
* ومن حسن التخلق حتى مع الأشرار
روي عن عائشة قالت: أتى النبي r رجل فأداناه وقربه ورحب به فلما خرج قلت: يا رسول الله أليس هذا من كنت تذكر؟ قالت: وكان رسول r يذكر منه شرًا قال: بلى قالت: إني رأيتك أدنيته وقربت مقعده قال: " إن شر الناس الذين يُكرمون اتقاء شرهم"([51])
وعن أنس بن مالك في قول الله تبارك وتعالى:{وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}فصلت 34 – 35 قال: الرجل يشتمه أخوه فيقول: إن كنت صادقًا فغفر الله لي وإن كنت كاذبًا فغفر الله لك" ([52])
"وكان أبو السوار العدوي*يعرض له الرجل فيشتمه فيقول له:إن كنت كما قلت إني إذن لرجل سوء ([53])
* وعن النهي عن الخصومة
روي عن ابن عباس قال: قال رسول اللهr :إياكم و مشارَّة الناس (مخاصمتهم) فإنها تدفن الغرة (حسنته و عمله الصالح ) وتظهر العورة ( العيوب ) ([54])
وعن معاملة الناس كما هم دون متابعة عيوبهم
والنهى عن مقابلة السيئة من الناس بمثلها أو محاولة التشفي فيهم و الكيد لهم والترفع عن هفواتهم
وفي هذا قال أبو الدرداء من يتبع نفسه كل ما يرى في الناس يطل حزنه ولا يشف غيظه" ([55])
وخطب علي بن أبي طالب أصحابه فقال:كونوا في الناس كالنحلة في الطلب فإنه ليس شيء من الطير إلا يستضعفها ولو يعلم ما في أجوافها لم يفعل، خالقوا الناس بأخلاقهم و زايلوهم ( فارقوهم ) بأعمالكم وقلوبكم فإن للمرء ما اكتسب وهو يوم القيامة مع من أحب"
وعن ابن عباس قال:إذا أردت أن تذكر عيوب صاحبك فاذكر عيوب نفسك" ([56])
وعن عبد الله بن بكر بن عبد الله المزني عن أبيه قال: إذا رأيتم الرجل موكلاً بذنوب الناس ناسيا ذنوبه فاعلموا أنه قد مُكر به" ([57])وقال سلمة بن دينار: من رأى أنه خير من غيره فهو مستكبر وذلك أن إبليس قال: ( أنا خير منه) فكان ذلك استكبارًا ([58])
وعن أبي هريرة عن النبي r قال: أحبكم إلى الله أحاسنكم أخلاقًا الموطؤون أكنافًا الذين يؤلفون ويألفون و أبغضكم إلى الله المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الإخوان الملتمسون لأهل البراء العثرات "([59])
* وعن الإصلاح بين الناس
" عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله r : يا أبا أيوب ألا أدلك على صدقة يرضى الله موضعها قال: قلت بلى يا رسول الله قال: تسعى في صلح ذات بين الناس إذا تفاسدوا وتقارب بينهم إذا تباعدوا([60])
وعن ابن عباس في قوله تعالى:{ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ}الأنفال:1 هذا تحريج من الله على المؤمنين أن يتقوا ويصلحوا ذات بينهم ( أي دفع لهم وإلجاء للاستمرار في التقوى و الصلاح )([61])
وعن حبيب بن أبي ثابت قال: كنت جالسًا مع محمد بن كعب القرظي فأتاه رجل فقال له القوم: أين كنت ؟ فقال: أصلحت بين قوم فقال محمد بن كعب : أصبت لك مثل أجر المجاهد ثم قرأ الآية {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً }النساء:114 ([62])
وفي " حلية طالب العلم " نجد تحذيرًا واضحا لطالب العلم بالبعد عن الجدل و التعصب للفرق أو الجماعات التي قد تختلف فيما بينها وتتنازع في أمور هي من فروع الدين لا أصوله وعلى الرغم من ذلك تجعل هذه الاختلافات الفرعية في منزلة الأصول و الثوابت وليس المتغيرات و في هذا يقول: " لا طائفية ولا حزبية يعقد الولاء و البراء عليها فيا طالب العلم لا تكن ولاجًا في الجماعات فتخرج من السعة إلى القواالب الضيقة فالإسلام كله لك جادة ومنهج و المسلمون جميعهم هم الجماعة وإن يد الله مع الجماعة ... وأعيذك بالله أن تتصدع فتكون نهابا بين الفرق و الطوائف و المذاهب الباطلة والأحزاب الغالية تعقد سلطان الولاء و البراء عليها وإنما المولاة في الله و المعاداة فيه والأمر بالمعروف و النهي عن المنكر وكما قال الشاعر:
أبي الإسلام لا أب لـي سـواه إذا افتخــروا بقيس أو تمـيـم ([63])
أي أن هذا نهي عن الاختلاف المذموم الذي يؤدي إلى القطيعة و الشحناء بين الناس وما ذلك إلا للتعصب المقيت الذي يلغي الآخر وهذا مخالف لمنهج الإسلام كتاب وسنة وسيرة السلف الصالح من حسن التعامل فيما بينهم على الرغم مما كان بينهم من اختلافات شديدة ([64])
وفي هذا الصدد يقول ابن عربي في وصاياه: " وعليك برحمة الخلق أجمع ومراعاتهم كانوا ما كانوا فإنهم عبيد الله وخلق الله وإن عصوا وإن فضل بعضهم بعضا فإنك إذا فعلت ذلك أجرت فإنه r قد ذكر أنه في كل ذي كبد رطبة أجر ألا ترى إلى الحديث الوارد في البغي أن بغيًا من بغايا بني إسرائيل مرت على كلب قد خرج لسانه من العطش.. فلما نظرت إلى حاله نزعت خفها وملأته بالماء من البئر وسقت الكلب فشكر الله فعلها فغفر لها بكلب...وأين المسلم من الكلب فافعل الخير ولا تبال فيمن تفعله تكن أنت أهلاً له ولتأت كل صفة محمودة من حيث ما هي مكارم الأخلاق تتحلى بها وكن محلاً لشرفها عند الله وثناء الحق عليها فاطلب الفضائل...واجتنب الرذائل واجعل الناس تبعًا لا تقف مع ذمهم ولا حمدهم إلا أنك تقدم الأولى فالأولى إن أردت أن تكون مع الحكماء المتأدبين بآداب الله التي شرعها للمؤمنين على ألسنة الرسلuاعلم أن المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا" ([65])
بل إن ابن عربي ذهب في مستوى التعامل مع الآخرين إلى درجة السماح لهم بخداعنا معتبرًا أن من كرم الأخلاق إذا تغافلنا عنهم ولم نصارحهم وفي هذا يقول: " كن عمري الفعل فإن عمر بن الخطاب t يقول من خدعنا في الله انخدعنا له فاحذر يا أخي إذا رأيت أحدًا يخدعك وأنت تعلم بخداعه إياك فمن كرم الأخلاق أن تنخدع له ولا توجده إنك عرفت خداعه وتَبَاله له ( تتغافل) حتى يغلب على ظنه أنه قد أثر فيك بخداعه ولا يدري أنك تعلم بذلك و بهذا تكون قد وفيت الأمر حقه فإنك ما عاملت إلاّ الصفة التي ظهر لك بها والإنسان إنما يعامل الناس لصفاتهم لا لأعيانهم ألا تراه لو كان صادقًا غير مخادع لوجب عليك أن تعامله بما ظهر لك منه وهو ما يسعد إلا بصدقه كما أنه يشقي بخداعه ونفاقه فإن المخادع منافق فلا تفضحه في خداعه وتجاهل له و انصبغ باللون الذي أراده منك أن تنصبغ له به وادع له وارحمه فإن المؤمن غر كريم لأن خلق الإيمان يعطي المعاملة بالظاهر و المنافق خب لئيم أي لئيم على نفسه حيث لم يسلك بها طريق نجاتها وسعادتها ([66])
وإذا كان هذا هو السلوك الذي يود ابن عربي أن نتعامل به مع المخادعين أو المنافقين فإن هذا السلوك الخلقي يتسع مستواه لأقصى مدى حين نجده يحث على توطيد العلاقة مع الإنسان الصالح باعتباره أخًا بقوله: " كن رداءً أو قميصًا لأخيك المؤمن وحطه من ورائه واحفظه في نفسه وعرضه وأهله وولده فإنك أخوه بنص الكتاب العزيز واجعله مرآة ترى فيها نفسك فكما تزيل عنك كل أذى تكشفه لك المرآة في وجهك كذلك فلتزل عن أخيك المؤمن كل أذى يتأذى به في نفسه فإن نفس الشيء وجهه وحقيقته" ([67])

* قضاء حوائج الناس
وإذا كان من معاني النضج الاجتماعي إسداء الخدمات للآخرين في سرور دون مقابل وإظهار الاهتمام بهم في صورة عملية فإن الغزالي أشار إلى هذا الأمر في نصيحته لتلميذه بقوله: " كلما عملت للناس اجعله كما ترضى لنفسك منهم لأنه لا يكمل إيمان عبد حتى يحب لسائر الناس ما يحب لنفسه" ([68])
وابن أبي الدنيا و الذي عُرف عنه أنه كان مؤدب أولاد الخلفاء وكما قال الخطيب في تاريخه وكان ابن أبي الدنيا يؤدب غير واحد من أولاد الخلفاء؛ وناهيك بذلك فضلاً وعلمًا ونبوغًا ولقد كان معروفًا بذلك كله عند جل العلماء ([69]) وله مؤلفات كثيرة في مجال التربية أو ما يعرف بالعلاقات الإنسانية منها الحلم وكتاب مداراة الناس و الصمت وآداب اللسان وكتاب خصصه أيضًا فيما نحن بصدده وهو كتاب " قضاء حوائج الناس" مستشهدًا فيه على هذا المنحى الأخلاقي الإسلامي الأصيل بأحاديث الرسول r و الصحابة و السلف الصالح و التي تؤكد على جزيل ثواب الله تعالى لفاعلها
فمما روي عن رسول الله r " فعل المعروف يقي مصارع السوء "وعن ابن عمر قال: قال رسول الله r " إن لله قومًا يختصهم بالنعم لمنافع العباد ويقرها فيهم ما بذلوها فإذا منعوها نزعها منهم فحولها إلى غيرهم "([70]) وفي رواية أخرى عن عائشة قالت قال رسول الله r " ما عظمت نعمة الله على عبد إلا اشتددت عليه مؤنة الناس فمن لم يحتمل تلك المؤنة للناس فقد عرض تلك النعمة للزوال"
وقال رسول الله r الخلق كلهم عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ([71]) وعن أنس بن مالك : قال رسول اللهr من أغاث ملهوفًا كُتب له ثلاث وسبعون مغفرة واحدة منها صلاح أمره وثنتان وسبعون له درجات يوم القيامة " ([72])
وعن أنس بن مالك أيضًا قال: كنت أوضئ رسول الله r ذات يوم فرفع رأسه فنظر إليّ فقال يا أنس أما علمت أن من موجبات المغفرة إدخالك السرور على أخيك المسلم تنفس عنه كربة أو تفرّج عنه غمًا أو تزجي له صنعة أو تقضي عنه دينًا أو تخلفه في أهله ([73])
وفي رواية قال رسول الله r :" إن لله عبادًا خلقهم لحوائج الناس تُقضي حوائج الناس على أيديهم أولئك آمنون من فزع يوم القيامة ([74]) وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله r قال: من يكن في حاجة أخيه يكن الله في حاجته "([75])

* غرس خلق الشكر عند الأطفال
بعد أن ساق ابن أبي الدنيا من الشواهد إلي تؤكد على فضل القائمين بالمعروف خصص بابا يعلّم فيه الناس بل كل من يقوم على أمر التربية للصغار في "شكر الصنيعة" أي فعل المعروف وقضاء الحاجة وهي من الأخلاق الاجتماعية التي ترقى بالذوق الإنساني وعلامة بارزة على حسن الخلق الرفيع و المهذب والتي يجب على الآباء أن يغرسوها في نفوس أبنائهم.و مما روي في ذلك عن أبي هريرة قال: قال رسول الله r من لا يشكر الناس لا يشكر الله([76]) وفي رواية أخرى عن النعمان بن بشير قال : قال رسول الله r " من لا يشكر الناس لا يشكر الله ومن لا يشكر القليل لا يشكر الكثير" وعن الكيفية التي نشكر بها الآخرين يقول الرسول r فيما ترويه السيدة عائشة عنه:من أولى معروفًا فليكافئ به و إن لم يستطع فليذكره فإذا ذكره فقد شكر"
وذكر أبو الدنيا عن أبي معاوية الأسود أنه قال: إن الرجل ليلقاني بما أحب فلو حل لي أن أسجد له
لفعلت وهذه مبالغة تدل على السعي الحثيث لمقابلة المعروف بحسن الشكر السريع عليه وإذا كان الشكر هو من الأخلاق التي علمنا إياها ديننا للقائمين على مصالح الناس ومنافعهم فإن رسول r جعل ثواب المحسنين قائما لهم يوم القيامة حين يتخلى عنهم الخلائق وكما هو معلوم (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ{34} وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ{35} وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ{36} لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ{37} سورة عبسبل وهذا المعروف يكون أنيسهم في لحدهم ومما روي في ذلك:
عن ابن عمر قال : قال رسول الله r :" إن أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة إن الله ليبعث المعروف يوم القيامة في صورة الرجل المسلم فيأتي صاحبه إذا انشق عنه قبره فيمسح عن وجهه التراب ويقول أبشر يا ولي الله بأمان الله وكرامته لا يهولنك ما ترى من أهوال يوم القيامة فلا يزال يقول له احذر هذا واتق هذا يسكن بذلك روعه حتى يجاوز به الصراط فإذا جاوز به الصراط عدله ولى الله إلى منازله في الجنة ثم يثني عنه المعروف فيتعلق به فيقول يا عبد الله من أنت خذلني الخلائق غيرك في أهوال القيامة فمن أنت؟ فيقول أما تعرفني فيقول لا فيقول أنا المعروف الذي عملته في الدنيا بعثني الله خلقا لأجازيك به يوم القيامة ([77])
وفي رواية أخرى " ما من مؤمن أدخل على مؤمن سرورًا إلا خلق الله من ذلك السرور ملكًا يعبد الله و يمجده ويوحده فإذا صار المؤمن في لحده أتاه السرور الذي أدخله عليه فيقول له أما تعرفني؟ فيقول له من أنت يقول أنا السرور الذي أدخلتني على فلان أنا اليوم أونس وحشتك و ألقنك حجتك وأثبتك بالقول الثابت و أشهد بك مشهد القيامة و أشفع لك من ربك و أريك منزلتك من الجنة" ([78]) والرسول r يخبرنا بأن الرجل من أهل النار قد يخرج منها بسبب معروفه " فعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله r: يؤمر بأهل النار فيصفون فيمر بهم الرجل المسلم فيقول له الرجل منهم يا فلان اشفع لي فيقول ومن أنت؟ فيقول أما تعرفني أنا الذي استقيتني ماءً فسقيتك قال: فيتشفع له ويقول الرجل مثل ذلك فيقول أنا الذي استوهبتني فوهبت لك ([79])

* التربية الاستقلالية
إن التربية في بيوتنا ومدارسنا تربية اتكالية لا تعرف معنى الثقة والاعتماد على النفس في التفكير و القول والعمل قال r :" لا يكن أحدكم إمعة يقول أنا مع الناس إن أحسنوا أحسنت و إن أساءوا أسأت ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا و إن أساءوا ألا تسيئوا معهم" والإمعة الرجل الذي يتابع غيره في رأيه ولا يثبت على رأي و الذي نتج عن التربية الخاطئة التي تنافي التربية الاستقلالية منذ الصغر حيث أهملت ميوله وغرائزه وعقليته وأخلاقه وإرادته وأضعفت مواهبه وصرنا لا نفكر إلا في المظاهر والأمور الشكلية ولن ينجح الإنسان في أي عمل إلا إذا علمناه منذ طفولته الاعتماد على نفسه في أداء ذلك العمل والانتفاع بقواه الشخصية والثقة بقدرته على القيام بما يحتاج إليه من غير أن يلجأ إلى سواه إلاّ عند الحاجة و الضرورة وفي المثل العربي" ما حك جلدك مثل ظفرك فتول أنت جميع أمرك"ولكن للأسف إننا اعتدنا التفكير الجمعي لا التفكير الاستقلالي وافتقدنا بالتالي قدرتنا على القيام بأعباء الحياة وأداء الواجب نحو أنفسنا ونحو مجتمعنا بشجاعة وثقة ([80])
من هنا نتساءل كيف يتسنى لنا بناء الثقة بالنفس والاعتماد عليها في نفوس أطفالنا؟ كيف يمكن أن نساعد في بناء شخصية قوية منهم في المستقبل، ليست ضعيفة مسلوبة الإرادة وتابعة لغيرها؟
أساليب تربوية خاطئة تعوق بناء الشخصية القوية عند الطفل
1- أسلوب التسلط والاستبداد في معاملة الطفل
لقد أسفرت الأبحاث في مجتمعنا على أن السلطة في الأسرة تُمارس على أساس فردي فهي إما أن تكون في يد الرجل وهو الأغلب أو في يد المرأة ولكن يندر أن تقوم على أساس المشاركة و التعاون و يتضح هذا في مواقف مثل الإنفاق واختيار الزوج للعروس كما تتضح أيضًا في حسم الخلافات التي قد تظهر في جو الأسرة وكذلك في حرية الطلاق بالنسبة للجنسين ولا شك أن تركز السلطة في فرد الأب (أو بديله) خلق جوًا يعطل تنمية القدرات المختلفة للفرد ويدعم الانصياع والسلبية كما يدعم التوحد مع السلطة والقيام بدورها التسلطي عند مواجهته لمن هم دونه. كما نجم عن هذا الوضع التسلطي خضوع المرأة الذي وقف حائلاً أمام قيامها بدورها الصحيح في تربية أبنائها وعطّل من قدرتها على الانطلاق و التعبير فشلّ نصف الأمة عن البذل والكفاح في سبيل التقدم كما أساء إلى تربية الجيل الجديد حيث أسهم هذا التمايز بين الأب و الأم في الأدوار إلى أنه عند غيابهم يحل الولد محل الأب ودور البنت محل الأم. كما أن هذا الجو التسلطي أثّر في تكوين شخصيات الأطفال من البنين و البنات وتم تطبيعهم على الخضوع والاستكانة كما اقتبس الذكور من الأطفال أسلوب الأب في معاملتهم لزوجاتهم في المستقبل لأنهم شبوا على جو تتعرض فيه الأم ( الزوجة) دائمًا للتهديد من جانب الأب ودعم مثل هذا الموقف القيم التي تحط من قيمة المرأة في علاقاتها بالرجل وتصورها على أنها تابعة له وخاضعة لأهوائه ([81])
2- من القيم الاجتماعية التي ينبغي أن تمحي عدم التكافؤ في الحقوق المنوحة لأفراد الأسرة فبالإضافة إلى ما سبق ذكره من تركز السلطة في يد الرجل دون المرأة فإنها أيضًا تكون للأكبر سنًا دون الأصغر ومثل هذا الموقف يوضح التناقضات في معاملة الآباء للأبناء وتفضيل هؤلاء على أولئك من حيث السن أو الجنس وهذا يؤدي إلى إحساس الأخ الأكبر بالغرور والأخ الأصغر بالحقد أو الضآلة وإن كان ذلك في مستوى اللاشعور ومثل هذه الإحساسات تتولد في شخصية البنات سواء في علاقاتهن بأخواتهم أو بأخواتهن على أساس اختلاف الجنس أو السن من هنا كان لابد أن تكون تربيتنا لأطفالنا أو عملية تطبيعنا الاجتماعي لهم لابد أن تتم في ظروف وتحت شروط غير تلك الظروف والشروط السائدة حاليًا ([82])

وبناءًا على ما سبق فإن الحل لهذه الإشكاليات المتغلغلة في العقل الجمعي العربي يكمن في:
1- البحوث النفسية والتربوية تبين اليوم أن الصحة النفسية للأطفال وحسن العلاقة بينهم وبين والديهم تتوقف إلى حد كبير على تعاون الوالدين في رعاية شئونهم منذ المهد ولا يصح أن تكون الدراسات التي تعُني بطرق العناية بالطفل وفهم احتياجاته ووسائل رعايته وتربيته من الدراسات التي تعطي للبنت ويحرم منها الولد.
2 - أما في مجال التمييز بين الأخوة أو الأخوات من حيث السن فإننا نؤكد على ما في احترام السن من جانب إيجابي ينبغي أن نبقي عليه خاصة بالنسبة للآباء والأجداد ولكن الذي نقصد تعديله هو أن يكون للسن فضل ومكانة متميزة بغض النظر عن العمل وأن احترام السن إذا اتخذ قيمة غير مشروطة يؤدي كما سبق إلى الجمود وهو قيمة تسود في المجتمعات الراكدة أما في المجتمعات الحديثة الناهضة فهي تقرن السن بالكفاءة ورجاحة الفكر والتفوق حتى ولو كان حديث السن وليس للحسب و النسب أو السن وتستطيع المدرسة عن طريق جمعيات الآباء و المعلمين أن توجه الآباء إلى أهمية مراعاة القيم الجديدة وأساليب نشرها في الجيل الصاعد ([83])
3- ولعلاج مسألة انفراد الرجل بالسلطة فإنه ينبغي العمل ليس فقط على مجرد اشتراك الزوج و الزوجة في موقف كموقف الإنفاق بل يتعدى ذلك إلى مشاركة الأبناء أيضًا وإذا كان هناك من الآباء من يشكون من أن أبناءهم يطالبون بأشياء لا تكفي ميزانيتهم لها فإن الآباء يتحملون مسئولية كبيرة في ذلك لأنهم سواء كان الأب أو الأم أو كليهما جعلوا من أنفسهم مصدر العطاء دون اشتراك الأبناء في الأحكام المتعلقة بهذه العملية فليس هناك من الأسباب ما يدعو الابن إلى التفكير في غير حاجاته الخاصة وفي المبالغ التي تحقق له هذه الحاجات فالإحساس بالمسئولية تجاه الآخرين لا يتكون إلا نتيجة تحمل المسئولية فعلاً أي عن طريق المشاركة مع الآخرين من أفراد الجماعة في دراسة ومواجهة المشكلات العامة التي تربط بينهم جميعًا ([84])
وبدون مراعاة هذه القواعد في تربية أطفالنا فإن ضعف الشخصية هو النتيجة الحتمية كما أكدته الدراسات العلمية ففي كتاب الصحة النفسية للطفل " إن أسلوب التسلط يحدث فيه الآتي: يمنع الطفل من تحقيق رغباته باستمرار ويقابل بالرفض الدائم لطلباته ويستخدم اللوم والعقاب مع الطفل في كل شئونه ويتم تحديد طرق معينة لا يحيد عنها في الأكل، الشرب، النوم ،الملابس، الأصدقاء، دون أدنى مراعاة لرغباته أو دون اعتبار لرأيه تحت دعوى تعليم الجدية و النظام و الطاعة وكأن المنزل ثكنة عسكرية.
وعن النتيجة الحتمية لهذا الأسلوب التسلطي أن يصير الطفل ضعيف الشخصية سلبيا دائم الخوف مترددا غير واثق من نفسه، أما العلاج فيكمن في معاملته برفق وتسامح وتقبل سلوكه وتشجيعه وتعوده على المناقشة وإبداء الرأي وتنمية الثقة بالنفس ومساعدته على الإنجاز وتقديره والاهتمام بأعماله وعدم تكلفته مالا يطيق ([85])

* تنمية الثقة بالنفس عند الطفل كيف تتم؟
1- الحرية مع التوجيه
يحتاج الأطفال في نموهم للحرية لكنهم يحتاجون أيضًا إلى الضبط و النظام ليتعلموا كيف يعيشون في سلام مع الآخرين ومما يعد دليلاً على حاجة الطفل للضبط و النظام و أن المغالاة في منح الطفل حريته واستقلاله قد تصبح مفزعة مخيفة إذا لم يصاحبها نمو في الضمير تميز الخير من الشر وهو في ذلك يحتاج إلى نموذج خاص يقتدي به ريثما ينضج ضميره و أيا كانت استجاباتهم لنصحنا فإنهم رغم كل ذلك يعتمدون على هذا النصح وتلك الهداية ولذا فمن حق الطفل علينا أن نصارحه بأسباب الأمور التي نضطر إلى أدائها رغما عنه وأننا نعلم حقيقة شعوره ونهتم بالأمور التي يقوم بها وحينما يدرك أننا بجانبه ولا نعارضه لمجرد المعارضة فإنه غالبًا ما يبذل جهدًا صادقًا أكيدًا في أداء ما نصحناه به فإذا شرحت للطفل كيف يؤذيه سلوكه هذا ويؤذي معه الآخرين فإنه لن يجد صعوبة ما في فهم الحدود التي تعلمها له وبهذه المعلومات يصبح الطفل أكثر تهيؤا واستعدادًا لمواجهة مثل تلك المواقف بنفسه وهكذا نكون قد خطونا به نحو الاعتماد الصحيح على النفس ([86]) بالإضافة إلى إعطائه الفرصة ليقوم بالأعمال البسيطة بنفسه وتشجيعه عليها كل ذلك يسرع بالتقدم الذي نرجوه.
2- التعامل مع أخطائهم
إن الأطفال يتعلمون من أخطائهم و إذا كان ارتكابهم لبعض الأخطاء قد يؤدي إلى زعزعة ثقتهم بأنفسهم فهنا يجب علينا أن نتدخل في الأمر ونحول بين الأطفال وبين أخطائهم التي تربكهم أو تذلهم أو تؤذي أجسامهم أما في المشاكل العادية فيجب أن ينال الطفل خبرات كافية في تحمل المسئولية وحل المشاكل بطريقته الخاصة وأن نجعله يشعر بحب والديه و باستعدادهما لمساعدته عندما يحتاج للمساعدة فالأب العاقل الحكيم لا يقول لطفله إنه خبيث أو إنه شرير بل يناقش أخطاءه معه ويشركه في تحمل مسئولية إصلاح تلك الأخطاء ([87])
3-اتخاذ القرارات
يجب أن نعطي الأطفال القدرة على الحرية في اتخاذ قرارتهم ونبتعد عن العادة السيئة التي تخول بها أغلب الأمهات لأنفسهن البت في جميع الأمور التي تتعلق بأطفالهن حتى بعد أن يتجاوزوا مرحلة الطفولة وبذلك يتم إعاقة النمو الانفعالي والاجتماعي لأطفالهن كما أن إنسانًا كائنًا من كان لا يستطيع أن يستمر طوال حياته في التفكير لغيره وعلاج مشاكله ([88])
وفي هذا الصدد ساق أليس ويتزمان قصة فتى يشكوا اضطرابًا انفعاليًا ويرجوا الشفاء عند المشرف الاجتماعي النفسي بكليته وتتلخص قصته في أن أباه وجده كانا على جانب كبير من الشهرة والغني في مهنة المحاماة وأرادا له أن يكون محاميًا ولكنه لم يجد في نفسه لا الموهبة أو الميل لهذه المهنة ولكن عائلته لم تأل جهدًا في محاولة دفعه لقبول تلك المهنة ولكنه أصبح يشعر بالإثم والإخفاق لأنه لم يحقق في دراسته آمال والديه و بشيء النصح استطاع أن يقتنع أن لديه من القوى و المواهب ما يستطيع به أن ينجح في ميادين أخرى غير ميدان القانون ولقد كان له أن يحيا بمأمن من هذه الأزمة لو أن عائلته كانت قد تركت له الحرية في طفولته ليصدر قراراته وأحكامه التي تتعلق ببسائط الأمور وبهذا كان سيعلم في شبابه متى يخضع لدفعها ومتى لا يخضع لها ومتى يختار لنفسه قراراتها وأحكامها ([89])
4- الأمور المالية
وقدرة الفرد على أن يكسب لنفسه مالا وأن يقتصد جزءًا منه وأن ينفق الجزء الآخر إنفاقًا حكيمًا سمة هامة من سمات النضج ، وحينما يحصل الأطفال على أموال ليدبروا بها بعض أمرهم فإنهم بذلك يتذوقون لونًا من الألوان البسيطة لمسئوليات الراشدين و الطريقة المثلى لتعليم الأبناء الأمور الاقتصادية هي أن نكفل للطفل هذه الخبرة بأن:
1- نعطيه مرتبًا يناسبه لمدة معينة مثلاً .
2- نهديه إلى بعض السبل لصرف الأموال .
3- نرشده إلى وسائل الإنفاق الصحيحة .
4- نشجعه على أن يفتح له حسابًا في أحد المصارف أو اقتصاد جزء من ماله في صندوق الادخار بصفة منتظمة .
أما إقحامنا أنفسنا في أمور الطفل المالية في كل وقت يطلب منا نقودًا يحول بينه وبين فرصته السانحة في أن يعلِّم نفسه بنفسه .
بالإضافة إلى ذلك فحينما يفصح لك الطفل عن قدرته وتهيؤه لاكتساب بعض المال ساعده بأن تجد له عملا يشغل به بعض وقته في الكسب وفي مقدور الأطفال أن ينظموا ميزانيتهم تنظيمًا حسنًا إذا أتحت لهم عملاً منتظمًا لا أعمالاً متفرقة ([90]) وهكذا يمسي وقد حقق لذاته بعض دعائمها وعليه أيضا أن يعرف حق المحرومين والبؤساء عليه وخير له أن يمنح ويعطي ليعلم ما يحققه المال لصاحبه من سعادة وهناءة وعلى الآباء أن يرشدوهم إلى فعل الخير والإحسان فالتبرعات المدرسية والهلال الأحمر...كلها أمثلة تهدي الآباء للفرص المناسبة لتوجيه الأبناء لمعرفة قيمة البذل والعطاء ([91])

* منشأ قوة الإرادة عند الطفل

قوة الإرادة هي فضيلة من الفضائل وهي من الأمور المكتسبة التي يحصل عليها المرء بالتجارب والتعود وضبط النفس وبذل الجهد ضروريًا في قوة الإرادة والإنسان يعرف بأن قويّ الإرادة حين يقدم على الأعمال التي يعتقد أنها نافعة ويستمر في عمله حتى يتمه غير متأثر بالمغريات الخارجية ولا مكترث للصعاب التي تصادفه ولا يخضع لشهواته وميوله الشخصية ولا يستسلم لهواه الضال بل يحسن قياده ويسعى سعيًا حثيثًا في القضاء عليه وقلما نجد بين مشهوري الرجال وعظماء التاريخ من لم يكن قويّ الإرادة لاسيما الأنبياء عليهم الصلاة و السلام وقادة الجيوش وساسة الأمم وقد كان النبي r مثلاً أعلى في قوة الإرادة يدل على ذلك قوله لعمه أبي طالب حينما أراد قومه أن يكف عن دعوتهم إلى دين الإسلام : " و الله يا عمي لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن اترك هذا الأمر ما فعلت حتى يظهره الله أو أهلك دونه ([92]) وعلى هذا فالشخص الذي ينفذ رغبته ويحولها إلى عمل بدون تردد ولا تشكك يسمى قويّ الإرادة أما الذي يعتريه التردد في أمره و التشكك في عزيمته ويقدم رجلاً و يؤخر أخرى في أعماله فيسمى ضعيف الإرادة.

* أسباب ضعف الإرادة عند الطفل

1- عدم وجود الباعث النفسي على العمل .
2- ضعف العزيمة وعدم الثقة بالنفس أو بالنتيجة .
3- العجز عن تنفيذ العمل أو وجود مانع قوي يمنع من العمل كمرض عصبي مثلاً عند الطفل .
* علاج ضعف الإرادة
1- علينا أن نزود الأطفال بالأفكار الصالحة التي تحملهم على العمل وتحويل هذه الأفكار الصالحة إلى عمل بدون تردد وبذلك نعودهم قوة الإرادة و أن نجعل من أنفسنا مثلاً عليا في قوة الإرادة.
2- أن نربي في نفوسهم قوة الانتباه إلى كل فكرة صالحة فيها وفي طرق تنفيذها تفكيرًا جديًا .
3- أن نحملهم المسئولية أحيانا ونعهد إليهم ببعض الأعمال التي تحتاج إلى مجهود ويكون رائده في ذلك التنشيط والتشجيع لا تثبيط العزائم.
4- أن نعوّد ضعاف الإرادة الإقدام ولوفي الأمور الصغيرة في أول الأمر ثم ينتقل بهم إلى غيرها حتى تصبح قوة الإرادة ديدنا لهم وعادة راسخة في نفوسهم .
5- أن نذكر ما للعواطف وقوتها من الأثر في تقوية الإرادة فينمي العواطف المستحسنة بإيجاد الفرص المثيرة لها حتى تثبت في النفس وتصير من عناصر الشخصية فتصدر عنها الأعمال الصالحة دون تردد.
6- أن نعودهم ضبط النفس الذي هو عنصر هام من عناصر قوة الإرادة ومظهر من مظاهرها ([93])
ولكن في مقابل ما سبق فهناك أطفال يمتازون بإرادة طائشة حيث يندفعون للأعمال التي قد تضرهم دون تفكير ولا تروي ولا يتقبل النصائح وقد يندفع إلى عمل ولكن لا يلبث أن ينتقل إلى عمل آخر ولعلاج هذه الإرادة الطائشة يجب على المربي أن يبذل الجهد في حسن قيادها عن طريق:
1- إذا كان الجموح ناشئًا عن قلق أو تعب أو اضطراب وجب علينا أن نترك الطفل حتى يستريح ويعود إليه هدوؤه ونشاطه.
2- إذا كان الطفل ميالاً إلى العناد و المشاكسة اتخذنا معه الحزم و الحكمة حتى يترك عناده ويعود إلى رشده .
3- إذا كان الجموح ناشئًا عن عدم الرغبة في العمل كان من الضروري أن يدخل في العمل عنصر مشوق يبعث فيه الرغبة والإقبال .
4- و إذا كان ناشئًا عن نقص في تكوين المخ استشرنا الطبيب واستعنا به على علاجه ([94])
وما سبق قد يسمى " شقاوة أطفال" والتي قد نسهم نحن الآباء بنصيب كبير فيها حين نعوِّد أطفالنا الحصول على كل شيء يريدونه وتحقيق كل رغبة من رغباتهم و النتيجة أن الطفل قد يتعود إذا لم تُحقق له رغبته أن يملأ الجو بكاءً وصياحًا وقد يأتي يوم يطلب فيه المحال وقد لا يمكن تلبية رغباته وهو لا ينتظر منك هذا الرفض فيتألم كل الألم .
بالإضافة إلى ذلك فإن إظهار الأم لاضطرابها وخوفها من أي مكروه يحدث لطفلها سواء كان وقوع أو جرح ....فإن هذا القلق و الخوف ينتقل إلى الطفل و الذي يكون أشد ضررًا عليه مما قد أصابه من جرح و في هذا السن يتعلم الأطفال الدروس الأولى في الشجاعة والثبات و الهدوء وعدم الاضطراب من الآلام الحقيقية ويتعلمون ويعتادون بالتدرج احتمال الآلام المختلفة وإن أول درس ينبغي أن يتعلمه الطفل هو أن يتعود منذ الطفولة احتمال الألم وفي الوقت نفسه علينا أن لا نكون عقبة في سبيل حركة الطفل ونشاطه و أن نستعمل الإنسانية و الحكمة في التعامل معهم ونشجع لعبهم و ميولهم الحسنة ونهذِّب الغرائز التي تحتاج إلى تربية وتهذيب ([95])
المراجع :
([42]) رسالة أيها الولد للغزالي ص 32 الناشر مكتبة الخدمات الحديثة - جدة
([43]) المرجع السابق، ص 28
* الاستقامة: الوفاء أمر الله به ونهى عنه والفاء بالعهود وملازمته الصراط السوي مع تهذيب النفس و حسن المعاملة
([44]) المرجع السابق، ص 36 ، 37
([45]) رسالة أيها الولد، ص 40 - 44
([46]) مداراة الناس: ابن أبي الدنيا: تحقيق محمد خير رمضان ص 7، 9
([47]) المرجع السابق، ص 94 و الحدائق لابن الجوزي ج3/102
([48]) المرجع السابق، ص 94 ، 95
([49]) حلية الأولياء،280 الحدائق لابن الجوزي 3/ 99
([50]) مداراة الناس، ص 49، 49
([51]) أورده الألباني في ضعيف سنن أبي داود ص 475
([52]) الدر المنثور، 5/ 685
([53]) صفة الصفوة، 3/ 231 مداراة الناس ص 53
* تابعي ثقة روى عن علي وعمران ابن حصين وروى له البخاري ومسلم والنسائي
([54]) رواه الطبراني في المعجم الصغير 2/ 103 ومداراة الناس ص 112
([55]) الزهد، 2/ 64 مدارة الناس ص 40
([56]) الزهد، 2/ 122 مداراة الناس ص 114
([57]) مدارة الناس، ص 115
([58]) مدارة الناس، ص 115
([59]) المعجم الصغير، للطبراني 2/ 25 ومداراة الناس ص 116
([60]) الحديث ضعيف مداراة الناس، ص 117
([61]) تفسير الطبري، 9 / 119
([62]) إتحاف السادة المتقين، 7 / 5 ومدارة الناس ص 120
([63]) حلية طالب العلم: للشيخ بكر أبو زيد :تحقيق محمد سيد عبد رب الرسول ص 58-61 دار الدعوة الإسلامية.
([64]) ينظر إلى كتاب " كيف نتعامل مع التراث و التمذهب و الاختلاف : د. يوسف القرضاوي ، الثوابت و المتغيرات د. صلاح الصاوي
([65]) الفتوحات لابن عربي: وهو آخر الأبواب المسمى 560 وصية حكمية ص 28 مخطوط بمعهد المخطوطات العربية .
([66]) الفتوحات، كتاب الوصايا ص 28
([67]) المرجع السابق، ص 29
([68]) أيها الولد، ص 47
([69]) مقدمة كتاب مجموعة الرسائل لابن أبي الدنيا
([70]) مجموعة الرسائل: كتاب قضاء الحوائج ص 84
([71]) المرجع السابق، ص 87
([72]) المرجع السابق، ص 88 ، 89
([73]) المرجع السابق، ص 88 ، 89
([74]) مجموعة الرسائل، لابن أبي الدنيا : كتاب قضاء الحوائج ص 92
([75]) مجموعة الرسائل، لابن أبي الدنيا : كتاب قضاء الحوائج ص 92
([76]) المرجع السابق، ص 98
([77]) مجموعة الرسائل : لابن أبي الدنيا ص 108
([78]) مجموعة الرسائل : لابن أبي الدنيا ص 108
([79]) المرجع السابق، ص 108 ، 109
([80]) الطفولة صانعة المستقبل : محمد عطية الإبراشي ص 131 - 133
([81]) كيف نربي أطفالنا: د. محمد عماد الدين إسماعيل د. نجيب اسكندر، د. رشدي منصور، ص 383 – 389 دار النهضة القريبة
([82])كيف نربي أطفالنا ، ص 388 - 392
([83]) المرجع السابق، ص 394
([84])كيف نربي أطفالنا، ص 395
([85]) الصحة النفسية للطفل: د. حاتم محمد مستشار الطب النفسي للطفل ص 86 مؤسسة اقرأ للنشر و التوزيع
([86]) التربية الاجتماعية للأطفال، ص 55 - 57
([87]) المرجع السابق، ص 59 - 60
([88]) المرجع السابق، ص 60 وما بعدها
([89]) التربية الاجتماعية للأطفال، ص 63 ، 64
([90])التربية الاجتماعية للأطفال ، ص 64 ، 65
([91]) المرجع السابق، ص 65 ، 66
([92]) الطفولة صانعة المستقبل ، ص 155 ، 157
([93]) المرجع السابق، ص 154 ، 155
([94]) الطفولة صانعة المستقبل، ص 152 ، 153
([95]) المرجع السابق ص 22، 23
رد مع اقتباس