عرض مشاركة واحدة
  #6  
قديم 17-12-2015, 11:45 PM
أم بشرى أم بشرى غير متواجد حالياً
مدير عام المنتديات
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: الجزائر
المشاركات: 9,133
افتراضي

تابــــع :

ثالثاًـ خصائص قصيدة النثر.
1ـ لا وزن فيها ولا قافية.
2ـ لا ديكورات فيها ولا توظف أيا من المحسنات البديعية ولا يخضع نمط التفكير فيها لقوانين الفكر المعروفة وأحكام المنطق السائد. الشاعر يرسم أجواء قصيدته وفق منظوماته الفكرية الخاصة وحسب متطلبات منطقه الخاص الذي يبدو للقارئ وكأنه(لا منطق) أو أنه(ضد المنطق). لكل شاعر عالمه الخاص الذي لا يضاهيه أحد فيه.
3ـ أواخر الجمل والسطور والمقاطع جميعا ساكنة من غير استثناء. 4ـ الكثير من مفردات القصيدة الداخلية قابلة للقراءة من غير حركات. سكون شبه كامل وقصيدة بلا حركات. وبهذا فإنها من بعض الوجوه شبيهة بقصائد الشعر العامي, شعر اللغة المحكية والدارجة الذي يسمى في السعودية(الشعرالنبطي). القصيدة تبدو كعالم هامد مسطح يفتقر إلى جهاز تنفسي, لأن في التنفس يتحرك الصدر إلى الجهات الأربع. حركات الأعراب في لغتنا هي حقا ومجازا عمليات تنفس تتحرك الكلمات معها وفيها فتمنحها نسمة روح الحياة ودفء دماء الجسد الحي الجارية.
5ـ القصيدة غامضة المرامي ومعتمة بشكل مطلق, لذا فإنها عصية على الفهم والتفسير,حتى على شاعرها نفسه..ربما. فهي لم توضع أصلا للتفسير والتأويل والأخذ والرد.على المرء أن يقرأها ويتمتع بما فيها من سحر وقدرة على بعث الدهشة في النفس البشرية ويتقبلها كما يتقبل لوحات بيكاسو. قف أمامها متأملا صامتا خاشعا.قف أمامها ولا تكلف نفسك مشقة السؤال لماذا وكيف. قف أمامها كما في لحظة صلاة.
6ـ لقد بينت في دراساتي عن قصيدة النثر التي نشرت في صحيفة(الزمان/لندن /العددين964 و965 بتأريخ10-11تموز2001 ثم ظهرت في كتابي الجديد(نقد وشعر وقص) الذي صدر في القاهرة عن(مركز الحضارة العربية) بينت وبرهنت أن قصيدة النثر إسفنجية البناء والتركيب والقوام,لذا فإنها قابلة للضغط والاختزال والشطب وتبديل مواضع الكلمات والجمل.إنها ملساء هشة,كالأفعى,أخطر وأضعف ما فيها رأسها.ويستوي في ذلك السام وغير السام من الأفاعي كما يعرف الجميع.
7ـ الحقبة الزمنية/عمر القصيدة:كتب ونشر بعض الشعراء وغير الشعراء قصيدة النثر منذ أزمان بعيدة. كما يجب ألا ننسى ونحن في معرض الكلام عن الزمن أن القرآن الكريم يمثل أعظم وأقدم قصيدة نثر في موروث العرب الديني والثقافي كما هو معروف.مع ذلك فإني أؤرخ العام1990عاما لبداية عصر سيادة قصيدة النثر شبه المطلقة.اجل,كانت قصيدة النثر معروفة قبل هذا العام ولكن أن تكون معروفة شيء,وأن تعتلي خشبة مسرح الشعر مكللة بغار نصر غير مسبوق..شيء آخر.لقد انتصرت القصيدة أخيرا كظاهرة ومرحلة عالمية شعرية وفنية وكتابية. انتصرت على مدرستي الشعر السالفتين: قصيدة عمود الشعر العربي ثم قصيدة الشعر الحر. وإذا كانت قصيدة الشعر الحر امتدادا و(نصف ولد شرعي حلال) للقصيدة القديمة, قصيدة الأوزان والقوافي, تحمل بعض سيمائها وشيئا من دمائها, فان قصيدة النثر لا ترتبط بأيما علاقة مع الأخيرة. إنها بالنسبة لموروثنا الشعري والثقافي مجرد (ولد سفاح) لا يعترف به قاضي الشرع.انتصرت وسادت مع انتشار وانتصار الكومبيوتر والإنترنيت والبريد الألكتروني E - MAIL. لذا فلقد أسميتها قصيدة عصر العولمة والإنترنيت, والقصيدة العابرة للقارات, وقصيدة عصر القطب الأوحد الذي أطلقت عليه في بعض كتاباتي عصر سيادة دولة (إسرائيكا), القطب الذي يسعى محموما بعد سقوط جدار برلين وانكماش المعسكر الاشتراكي عام 1990 إلى السيطرة وتأمين السيادة المطلقة على العالم. سيادة قصيدة النثر وعصرها لا تعني بالضرورة اختفاء مدرستي الشعر اللتين سبقتاها. فلقد ظلت القصيدة القديمة حية وتعايشت مع قصيدة الشعر الحر رغم سيادة الأخيرة عليها. نعم, لقد انحسرت رقعة القصيدة القديمة في بعض المحافل والأقطار العربية وقل عدد قائليها من الشعراء لكنها بقيت على قيد الحياة طيلة عصر سيادة قصيدة الشعر الحر منذ عام 1945 حتى 1990. الظواهر الاجتماعية والثقافية لا تختفي بشكل فجائي. إنها تمتد من أصول جذورها وتربة حقبتها لتجد لها مكانا مناسبا في تربة وظروف العصر الجديد. وعليها كيما تظل حية ومطلوبة أن تتكيف مع ظروف ومتطلبات الواقع الجديد. أي عليها أن تأخذ شيئا من طبائع الشعر الجديد الذي اكتسح ميدانها, أن تتخلق بأخلاق المولود الجديد. والأمر هذا صحيح ولسوف يثبت أنه صحيح بالنسبة لقصيدة الشعر الحر. أي أنها سوف لن تختفي ولسوف تبقى معافاة ومرغوبا فيها لفترات زمنية يصعب تقديرها, سواسية مع شعر بحور الفراهيدي. ثلاث مدارس لقول الشعر لا يستطيع أن يمحو بعضها البعض الآخر أبدا. لكن مدرسة قصيدة النثر ستبز ما عداها وتسيطر على المشهد الشعري العربي سيادة شبه مطلقة. إنها سنة الحركة والتطور في الحياة ولا مرد لها أبدا.
8ـ إذا كانت القصيدة القديمة محكومة بقيود الوزن والقافية والروي ونظام يتكرر دونما تغيير.وإذا كانت قصيدة الشعر الحر قد نفضت بعض هذه القيود فمارس الشعراء قدرا غير مسبوق من الحرية؛ في طول البيت وتسكين أواخر مفرداته والإكثار من استخدام النقاط وأدوات التعجب والاستفهام وإدخال المصطلحات الأجنبية والرموز والأساطير..أقول إذا كان ذلك قد اصبح أمرا واقعا فمن الطبيعي أن تجد قصيدة النثر(حفيد الفراهيدي غير الشرعي)الظرف مهيأ أمامها لتمارس ما مارسته قصيدة الحر وأن تزيد عليها أمورا في غاية الجدة والحداثة.. في ظروف وخصائص عصر العولمة واستنساخ البشر والحيوان والإنترنيت والبورنوPORNO والإيروتيكا وفوضى حريات وتعدد أشكال الجنس وانتشاره في الوسائل المقروءة والمرئية،كشوف خرافية في العالم الأصغر(الخلية الحية)والعالم الأكبر(الفضاء الخارجي).
9- تمرد مطلق على الفكر وعلى منطق قانونية اللغة وعلى السياق الزمكاني لتراتب الفعل والفاعل والمفعول به المعروف منذ نشأة العربية الأولى. حرية مطلقة في شكل القصيدة وفي مضمونها على حد سواء. فأي شكل سيتخذ الشعر بعد عصر قصيدة النثر والى أي منحى سيتجه؟؟ هل ستشهد الأجيال القادمة عصرا يقلب فيه الشعراء الفعل مفعولا والجار مجرورا وأن يجعلوا الفعل الحاضر دالا على الماضي تارة وعلى المستقبل تارة أخرى, والبذور موجودة الآن فلقد قال أحد شعراء عصرنا الراهن (فزورق الأبد مضى غدا وعاد بعد غد)؟؟ وأن يخلطوا الجنسين معا حيث لا فرق بين (هو) و(هي)؟؟ وأن يكون المفرد دالا على الجمع والجمع دالا على المفرد؟؟ وأن تعقد أخوات كان صفقات زواج مع أخوات إن؟؟ وأن تلغى ضوابط التفريق بين حرفي (الضاد) و(الظ)؟؟ لقد أصبح كل شيء جائزا في عصر العولمة والقطب الأوحد, والأتي بعدهما سيكون أشنع وأفظع وعلى الدنيا ألف سلام!!!
10ـ إذا كانت قصيدة عمود الفراهيدي صارخة الواقعية وقصيدة التفعيلة الواحدة مزيجا من الواقعية والرمزية فان قصيدة النثر سوريالية بشكل مطلق. لقد وجدت قصيدة النثر التي راجت مؤخرا بعيدة كل البعد عن منابعها الأولى. وجدتها على خلاف جذري مع أشعار رامبو وبريتون وآراغون وأشعار شعراء عرب معاصرين من أصحاب الريادة في هذا النمط من الشعر. شعراء قصيدة النثر الجدد من الشباب هم فرائد ملونة لا يشبه بعضها بعضا من حيث نوع ما يكتبون, خاصة أولئك الذين يقيمون لسبب أو لآخر خارج أوطانهم, وبشكل أخص من درس وتمكن من إحدى اللغات الأجنبية. ولأن قصيدة النثر سوريالية بشكل مطلق فأن مضامينها غير واضحة وغير محددة الهدف لذا فإنها لا يمكن أن تكون إلا بعيدة عن السياسة والقضايا الوطنية والقومية والأممية. فهذه الأمور تتطلب بطبعها فكرا واضحا وطروحات سياسية -اجتماعية معروفة ومقبولة هي في تناقض حاد مع طبيعة قصيدة النثر الغامضة والتي شطبت قوانين الفكر والمنطق وأقامت بدلا عنها قوانين فكرها ومنطقها الخاص.بلى,قد يتناول بعضهم أمورا غير شخصية لكن يتطلب الأمر بحثا ونبشا وتشريحا واجتهادات خاصة لفهم مراد الشاعر. مغامرة قد لا ترضي الشاعر وربما تسيء لشعوره.
11ـ لقد أنهت قصيدة النثر عصر القمم وكبراء وأمراء الشعر. ونعرف فيهم المتصابي والمصاب بداء العقدة النرجسية وتضخم الكبد وتصلب الشرايين إدمانا على شرب الكحول. فشاعر قصيدة النثر اليوم هو أمير على إمارة شعره الخاص, وكل شاعر مبدع هو سيد إمبراطوريته الخاصة. هم بارونات إقطاع شعري فني لا حصر ولا عد لهم. كل واحد منهم أمير وكبير يحكم مملكة عالمه الشعري بجدارة وتفرد. التعدد هو واحد من أهم وأخطر معطيات الحرية. وظاهرة عبادة الأصنام في عالم الشعر هي الوجه القبيح الآخر لظاهرة عبادة الأوثان في عالم السياسة!! من شأن عصر الإنترنيت والرأسمالية الكونية أن يزيلا الوثنيتين السياسية والشعرية.
12ـ ما دمت قد أقصرت بحثي المقارن هذا على دراسة قصيدة النثر التي عاصرت أحداث فترة ما بعد1990 وأطلقت عليها قصيدة عصر العولمة والقطب الأوحد والإنترنيت والاستنساخ والبورنو، فلا أحد يستطيع التنبؤ بما سيؤول إليه حال قصيدة النثر مستقبلا، ولا كم من الزمن سيطول بها هذا الحال. لا أحد يعرف كم ستعمر بوضعها الراهن ولا أي طابع ستتخذ وأي شكل وبناء. فلنترك هذا الأمر لنقاد المستقبل ممن سيعاصر هذه القصيدة. يكفي القول إنها الآن قصيدة مرحلة واحدة هي في الحقيقة جد قصيرة. وأن شعر ما بعد1990 مختلف جدا عن الشعر المنثور الذي قيل قبل هذا.
13ـ لعل أحد أكبر الفوارق التي تميز قصيدة النثر عما سبقها هو الشكل. فهي بلا شكل,إنها مثل حيوان الأميبا الذي يمكنه التمدد إلى كل الجهات.إنها قصيدة أميبية الشكل.وإذا كان الماء يتخذ شكل الإناء الذي يحتويه فان قصيدة النثر ماء بلا إناء!!
14ـ ولما كانت القصيدة لاتنتظم في قوالب ثابتة من التفعيلات,فان نموها في المكان هو نمو عشوائي منفلت بحيث يمكن وبسهولة أن تختلط الإحداثيات الفضائية الأفقية بالطولية.أي يمكن إبدال كلمة بأخرى أفقيا وعموديا أو سطر بسطر عموديا أو حتى إنزال مقطع كامل ليحل محل مقطع آخر جاء تحته والعكس بالعكس. ماء بلا إناء.
15ـ لما كانت قصيدة النثر بناء أميبي إسفنجي مخلخل الدواخل فان شاعرها لعلى قدرة كبيرة على توظيف النقاط سواء التي تأتي بين مفردات السطر الواحد أو ما بين السطور والمقاطع.ولكل كم ووضع دلالالته الخاصة التي يفهمها الشاعر لاشك أفضل من قرائه.قد يحسن القارئ تفسير هذه الدلالات والمدلولات لكنه قد يكون على خلاف مع كاتبها,فالمعنى يظل في قلب الشاعر.ثم يجب ألا ننسى أن النقاط هي كتل مادية تشغل فراغا معينا في هيكل بناء القصيدة الإسفنجي والأميبي.الإفادة الفنية من هذا الفراغ تتطلب حسا جماليا عاليا وذوقا رفيعا بل وحاسة شم وسمع على درجة كبيرة من الحنكة والدربة الشعرية.والفراغ وكيفية ملئه من أكبر معضلات وهموم الرسامين.
16ـ لم تلحن قصيدة النثر بعد ولم يشد بها أحد حتى اليوم. ربما بسبب تأخر سيادتها على عالم الشعر وحس وذائقة قراءه ونقاده.كل شيء في الحياة طبيعة ومجتمعا يتحرك فيتغير. سيأتي يوم نجد فيه أنفسنا أمام لحن يغنى قصيدة نثر. سوف لن يؤثر فينا أو في اغلبنا بادئ الأمر لكنه وسواه سيأخذ طريقه إلى الذائقة العامة مع الزمن. فالتذوق تعود، وحواس الجسد الإنساني من المرونة بحيث يمكن تدجينها وتطويعها ثم إخضاعها للكلام الغريب المصاغ حديثا بإيقاعات موسيقية جديدة بحيث تتقبلها وتأنس لها ثم تنسجم فتحدث هزة الطرب ونشوة الوجد وتنبعث الذكريات المفرح منها والمبكي.الإنسان ابن، بل، وعبد عاداته وكان المتنبيء قد قال(لكل امرئ من دهره ما تعودا..).ربما لا أكون مصيبا في تنبؤاتي هذه, ذاك لأن كلام قصيدة النثر كما بينت سلفا لا ينسجم ولا يأتلف مع منطق اللغة العربية وسياق تدرج أحكام العقل وقوانين الفكر التي ألفتها أجيالنا والأجيال التي سبقتنا منذ نشوء العربية التي ثبتها القرآن الكريم قبل 15 قرنا. فالمشكلة إذن كامنة في اللغة. لغة قصيدة النثر وهي المعضلة. ومشكلتها مزدوجة: مع قراء القصيدة أولا ومع ملحني الأغاني ثانيا. ثم يأتي الإشكال الآخر: أن قصيدة النثر لا أثر فيها لألفاظ وإيحاءات الحزن واللوعة والحب والفرح ومشتقاتها المألوفة. والغناء لا يكون غناء بدون هذه الأمور كما نعلم. مطلوب من الغناء أن يهز أعصاب وأعماق سامعه, وقصيدة النثر لا يسعها ذلك. إنها في تناقض عميق مع الغناء ومستلزمات الخفة والرقص والطرب أو الحزن ولطم الخدود والصدور وشق الجيوب..فمن يغامر فيلحن أغنية بكلام قصيدة نثر؟؟ من؟؟
17ـ لكل هذه الأسباب لا يحفظ قراء قصيدة النثر كلامها ولا يرددونه في خلواتهم مع أنفسهم ولا يترنمون به فرحا أو حزنا. لكن سيحفظه الناس وسيرددونه مع أنفسهم أو مع بعضهم فيما إذا جرى تلحين هذه القصائد كأغان وبشرط أن تجد هذه الألحان من يتقبلها ومن يتذوقها فينسجم مع كلامها أو مع إيقاعاتها. وعلينا أن ننتظر ـ وقد يطول الانتظار ـ الزمن الذي تنضج فيه الظروف وتتغير الطبائع بشكل جذري فيصبح تلحين هذا الشعر ممكنا. وعند ذاك سيفرض نفسه واقعا مهيمنا وجبار السطوة. لنتذكر فقط ظاهرة قبول الشعر الحر ملحنا وشيوعه البطيء بين الناس.
هذه وجهات نظر قابلة للنقاش والرد. وعليه فإني لا أدعي ولا يمكن أن أدعي أنها منزلة من الأعالي ومعصومة عن الخطأ أو المبالغة أو حتى التطرف في صياغة بعض الأحكام. لقد جعلت المقارنة بين مدارس الشعر الأساسية الثلاث في عالمنا العربي (الشعر العمودي والشعر الحر ثم قصيدة النثر) مقارنة منهجية صممتها وفق نقاط محددة وضعتها نقطة في مقابل أخرى تيسيرا لهذه المقارنات. مجموع هذه النقاط سبعة عشر نقطة قابلة بالطبع للزيادة والنقصان.
انتهى / مستجمع للفائدة
__________________




رد مع اقتباس