عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 14-05-2014, 11:57 PM
قطر الندي وردة قطر الندي وردة غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
المشاركات: 19,164
Post الإعلام الفلسطيني 1876 - 1948م






الإعلام الفلسطيني 1876 - 1948م


عرف الإعلام منذ القدم كجزء من نشاطات المجتمعات الإنسانية، وقد بدأ تطوره التلقائي من حيث شكله ومضمونه تبعًا لتطور تلك المجتمعات وتقدمها، وذلك قبل أن يصل إلى مرحلة التبلور المفاهيمي المحدد وفق الضوابط والأسس والقواعد العلمية والمهنية المتعارف عليها ألان.

يمثل الإعلام المنبر الجماهيري الأضخم للتعبير عن أراء المواطن وهمومه، وعرض شكواه وقضاياه، فهو يلعب دورًا بارزًا ومهمًا في بناء المجتمعات وتشكيل الرأي العام وتوجيه المواقف والاتجاهات عند الفرد والجماعات. فلإعلام في أي مجتمع من المجتمعات يؤثر ويتأثر بالنظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، فما هو إلا انعكاس للبيئة التي ينبع فيها. ومع تطور المجتمعات الإنسانية بدأ الإعلام يتطور وفق الحاجة إلى التوصل ونقل المعرفة، بل ووضعت الضوابط والقوانين العامة التي تحكم لغة الخطاب الإعلامي.

وبدأت الثورة للإعلام مع اختراع الطباعة، وهو العصر الذي جاء مع نهوض أيديولوجيات سياسية واجتماعية وفكرية مختلفة، فانتشرت المنشورات التي يتسلمها الإنسان بشكل شخصي وأصبح الإنتاج بكم هائل قبل أن يتحول هذه الصناعة إلى صحف وكتب يقتنيها الإنسان مقابل أن يدفع مالًا مقابل هذا.

وأدى التطور المتسارع في المجال الإعلامي إلى جعل الإعلام من أهم المكونات الأساسية التي تعتمد عليها الدول في بنائها السياسي والاجتماعي والاقتصادي في كثير من الأحيان. لذلك فلا غرابة بأن يتم التعامل مع الصحافة على أنها ذات أهمية خاصة في المجتمع، بل وأنها السلطة الأقوى في بعض الدول والأنظمة في العالم على اعتبارها السلطة الرابعة أو صاحب الجلالة.

الصحافة الفلسطينية:
شهد القرن الخامس عشر ثورة عظيمة في رسائل نشر المعلومات وتداولها ولا سيما بعد توصل العالم الألماني جوتنبرج في منتصف القرن الخامس عشر عام 1456م إلى اختراع المطبعة وما تلاها من تطور وانتشار للصحافة العالمية ما أسدل بغطائه على الصحافة العربية رغم أن انتقال الطباعة والمطبعة إلى عالمنا العربي جاء بعد قرنين من اختراع جوتنبورج للمطبعة.

أما بالنسبة لفلسطين التي هي موضع دراستنا نستطيع أن نقول أن فلسطين تعد من أقدم الدول العربية التي عرفت الطباعة حيث دخلتها عام 1830م على يد "اليهودي" نسيم باق ومرت بتجاربها المبكرة ويعود ذلك إلى مركزها الديني المهم باعتبارها مهبط الديانات. وان هذا الاهتمام بالطباعة يعكس الاهتمام بالصحافة باعتبارها الأداة الإعلامية المتاحة والصور المعبر عن أراء الجماهير والطوائف من ناحية والحكومات من ناحية أخرى وكان هذا الاهتمام ابتداء من عام 1876م. ولقد عرفت فلسطين الصحافة في وقت مبكر مع العالم العربي التي تنطوي تحت لوائه واحتلت المركز الخامس وهذا في حد ذاته يعد شاهد على معرفتها للصحافة مبكرًا بعد مصر والتي عرفتها عام 1798م ولبنان التي عرفتها عام 1858م وسوريا عام 1865م والعراق عام 1869 م.

وتشير معظم الدراسات، التي قام بها الباحثون بتاريخ الصحافة الفلسطينية ونشأتها إلى أن بداية الصحافة الفلسطينية، كانت عام 1876م، مع صدور صحيفة القدس الشريف، وكانت في ذلك الوقت تحت إشراف الحكومة العثمانية حيث كانت الصحيفة الرسمية الأولى وتصدر بصفة شهرية.

لقد عاشت فلسطين فترات قاسية جدًّا، عاني الشعب فيها ومفكروه ورواده الكثير من الظلم والقهر، ورغم ذلك شقت الحياة الثقافية والتعليمية والحركة الفكرية في فلسطين طريقها في سبيل النهوض لواقع، وسط هذه الحياة المكتظة بالعوائق، فعرفت الطباعة، والصحافة، والتعليم، والثقافة، وطورتها.

هذه المعرفة لم تأت من فرغ حيث أن تصميم الإنسان وقوة العزيمة والإرادة لا تكافي في مثل هذه الحالات المعقدة، بل تشكلت مجموعة من العوامل لعبت دورًا مهمًا وقويًا في إحياء الحياة الفكرية في فلسطين ومنها الصحافة، ومن ابرز هذه العوامل:
1- انتشار بعض المدارس وخاصة بعد عام 1908م تعلم وتدرس اللغة التركية والعربية، حيث ساهمت في أحياء اللغة العربية، وعودتها للمكانة السامية القديمة.

2- انتشار العديد من الأندية والجمعيات الثقافية التي أدت إلى إيجاد محاور ثقافية واعية.

3- انتشار المطابع على يد اليهود والنصارى، والتي تمثل نواة الصافة الفلسطينية.

4- الاتصال بالتيارات الفكرية الحديثة عبر البعث العلمية والطلابية لأوروبا.

5- نشاط حركة الترجمة والاستفادة من الميراث العلمي العربي.

وإضافة لهذه العوامل الرئيسية فإن البعض أضاف عليها عوامل مهمة، مثل:
6- قدوم الحملة الفرنسية من مصر والشام (1798م - 1801م) وما لعبته من دور إدخال للطباعة واستخدام الصحافة في العالم العربي.

7- الإرساليات التبشيرية في البلاد العربية وما صاحبها من تبادل ونقل الإخبار.

ومنذ نشأتها مرت الصحافة الفلسطينية بالعديد من المراحل المختلفة حيث تأثرت كل مرحلة بالظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية المختلفة والمتعاقبة على فلسطين، ولقد مرت الصحافة الفلسطينية بمراحل خمس، وهي:
المرحلة الأولى: مرحلة النشأة في ظل العهد العثماني ( 1876-1918م).

المرحلة الثانية: مرحلة الانتداب البريطاني (1918-1948م).

المرحلة الثالثة: مرحلة خضوع الضفة الغربية وقطاع غزة إلى الحكمين الأردني والمصري (1948-1967م ).

المرحلة الرابعة: مرحلة الاحتلال الإسرائيلي (1967-1994م).

المرحلة الخامسة: مرحلة دخول السلطة الوطنية الفلسطينية (1994-حتى ألان ).

ومن خلال هذا التقرير سنسلط الضوء على المرحلتين الأولى والثانية.
المرحلة الأولى: مرحلة النشأة في ظل العهد العثماني ( 1876-1918م):
كانت الحكومة العثمانية هي أول صاحب امتياز لأول مطبوعة صحفية تصدر في فلسطين، وقد أصدرت في مدينة القدس عام 1876م صحيفتي " القدس الشريف " و" الغزال " وكانت الأولى باللغتين التركية والعربية، وفي حين كانت الثانية باللغة العربية فقط، وقد اقتصرت مهمة كل منهما على نشر الفرمانات والأوامر التركية. إلا انه اعتبر عام 1908م البداية الحقيقية للصحافة في فلسطين، حيث ازدادت نشأت الطباعة، وانطلقت حرية الصحافة، ففي هذا العام وحده، صدرت خمس عشرة صحيفة ومجلة، ومنها اثنتا عشر صحيفة في القدس وثلاث في حيفا. ويمكن القول إجمالًا أن عدد الصحف الصادرة في العهد العثماني، بدءًا بصحيفة القدس الشريف عام 1876م، إلى ما قبل فترة الانتداب البريطاني، بلغ أربعين صحيفة، منها السياسية والأدبية والهزلية. والواقع أن هذا العدد من الصحف في بلد قليل السكان ونسبة الأمية كانت مرتفعة يفترض أنه ظاهرة سلبية إلا أنه يعكس في حقيقة الأمر برغبة جماهيرية نحو التحرر والتطور الاجتماعي والتقدم. وتوزعت أماكن صدور الصحف في كل من القدس، ويافا، وحيفا،دون بقية المناطق الأخرى، ويعزي ذلك إلى وجود المطابع وتوفرها في تلك المدن أنداك.

تميزت فترة العهد العثماني بانتشار الجهل والفقر والتخلف، وتفشى الظلم والفساد والتسلط، مما أدى إلى استحالة التمهد لأي ظروف تساعد لنشأة صحافة حرة، وبقيت هذه الحالة على هذه الصورة حتى قامت جمعية تركيا الفتاه وجمعية الاتحاد والترقي، التي نجحت في انقلابها العسكري وأجبرت السلطان عبد الحميد في العام 1908م على إعادة العمل بالدستور وإلغاء الرقابة. وقامت الصحافة الفلسطينية في تلك الفترة بخدمة الحاجات المحلية في البلاد وأدت إلى تقوية الروح المعنوية والإحساس بالوعي القومي، والوطني، والقياد بدور بارز في بعث النهضة بين الجماهير.

ولكن تنبهت الدولة العثمانية سريعًا لما شهدته الولايات العربية من تغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية بفعل التغلغل ألأربي، فعمدت إلى سن القوانين والتشريعات التي تقف في وجه ذلك بغية إعادة اللحمة إلى العلاقات العربية - التركية. فسارع السلطان عبدالعزيز المعروف بنزعته الإصلاحية لإصدار تشريعات التعليم في الوطن العربي، الأمر الذي أدى إلى زيادة أعداد المثقفين والدارسين الذين أصبحوا يشكلون شريحة أساسية للتعامل مع الصحافة قراءة لها وكتابة فيها.

ملامح الصحافة في العهد العثماني:
اتسمت الصحافة العربية الفلسطينية في العهد العثماني بالتكلف، وظهر جليًا افتقارها إلى الخبرة سواء في الشكل أو الأخر أو في المحتوى. ففي الناحية الأولى نجد أن أغلب أسماء الصحف كانت تقليدية غير مبتكرة، وقد زينت بعض الأسماء بالشعارات، ففوق اسم القدس مثلًا ظهرت ثلاث نجوم في داخلها الكلمات "مساواة، حرية، إخاء"وهي شعارات الانقلاب العثماني.

من الملاحظ في تلك الفترة أن أغلب صحفها كان همها القدح والطعن وكثير منها ينطبق عليه القول بأن " البطالة والكسل وعدم السعي إلى الرزق من أبوابه المشروعة هو الذي أوجد الجرائد ومحرريها في شرقنا المنكود طالعه والكبير مصابه. فإذا سدت وجوه المكاسب في وجه الثرثار المهذاء التمس الرزق من باب الصحافة، فلا يلبث أن يحصل على امتياز وريقة منتحلًا لها اسمًا بينه وبين ما فيها من الأفكار والمواضيع بعد المشرفين ".

اعتاش المحررون من الأشغال الجانبية لأنهم لم يروا في الصحافة مهنة تكفل العيش لممارسيها، فالشيخ علي الريماوي، محرر النجاح كان يشتغل مدرسًا وموظفًا حكوميًا. ويوسف العيسى، محرر فلسطين، كان أيضًا موظفًا حكوميًا، وكذلك محرر النقير إيليا زكا الذي كان يزاول تدريس اللغة العربية للطلاب العرب.

السمات العامة للحياة الصحفية في فترة الحكم العثماني:
1- لم يكن البدايات الأولى للصحافة لها طابعها الوطني النابع من القرار الفلسطيني الخالص، بل كانت رغبة حكومية في إيجاد منابر صحفية منظرة لها، وخاصة مع إيمانها بأهمية هذه الوسيلة التي ترعرعت مع اكتشاف المطبعة في البلاد العربية.

2- كان لليهود والنصارى الدور البارز في إصدار الصحف وإنشاء المطابع.

3- لم يكن هناك خطة إعلامية واضحة، ولا كيان نقابي معين محدد المعالم، ولا أهداف بأئنة لإصدار الصحف، إنما تخضع الأهداف لمزاجات المسئولين عن هذه الإصدارات.

4- هناك تذبذب وعدم توازن في إصدارات سنوات هذه الفترة، فسنوات طويلة لم تشهد إلا عددًا قليلًا جدًّا من الصحف، وسنة واحدة تزيد إصداراتها عن العشرة. وهذا يعود كما كان واضحًا إلى هوامش الحرية المسموحة من قوانين الحكومة العثمانية.

5- غياب الخبرات المهنية سواء في عمليات شكل الصحف أو في مضامنيها الأمر الذي نراه طبيعيًّا في بدايات مؤسسة لأي شي جديد.

6- وجد الفلسطينيون ضالتهم في الصحافة في عراكم مع الحكومة العثمانية، وخاصة عهودها الأخيرة التي باتت رجلًا مريضًا غير قادر على إدارة شؤون ولاياته بعدل وحكمة وإنصاف فكانوا يعتبرون خلال إصداراتهم عن همومهم ومشاكلهم.

7- استغل الفلسطينيون بدايات ظهور صحافتهم في معركتهم الكبيرة مع اليهود الذين طمعوا في فلسطين فكان الكتاب يعبرون عن هذه القضية ويساهمون في فضح الاستيطان وسيطرة اليهود على الأراضي.

8- فقدت غالبية الصحف صفة الاستمرار في الإصدار، حيث اتسم جزء يسير منها بخاصية الامتداد عبر مراحل عدة حيث لم يتخط عدد هذا الجزء أصابع اليد الواحدة، أما الباقي فلم يتجاوز السنة أو يزيد قليلًا.

رغم ضعف هذه الحقبة الزمنية من عمر الصحافة الفلسطينية وعدم إدارتها، وفقدانها للبوصلة الموجهة لسياستها، وعدم توفر الاستمرارية لها، وعلى رأس ذلك كله بداياتها المؤسسة.. إلا أنها تعتبر باكورة الحياة الصحفية في فلسطين، وأساسها، وقواعد انطلاقها نحو التقدم والتطور والتحديث.

ولم تكن السلطات التركية وحدها العامل الوحيد على توقف صدورها، فقد كان هناك عامل أخر عانت منه جميع الصحف الصادرة ذلك العهد، وقد تمثل ذلك في المال والأعباء الاقتصادية المترتبة على كاهل أصحاب الصحف التي كانت تلازم كل صحيفة تصدر، مما كان له الأثر البالغ في إرهاق صاحب الصحيفة، واضطراره للإغلاق في أحيان كثيرة. ويرجع سبب الصعوبات المالية إلى تخلف المشتركين من القراء عن دفع ما عليهم من التزامات للصحيفة، التي كانت تنتشر بدورها عبر صفحاتها الأولى نداء لهم يطالبهم بدفع المستحقات المترتبة عليهم، لكي يتسنى لها الصدور وكانت في كثير من الأحيان تناشدهم بدافع قومي لكي يستجيبوا للنداء من أجل الاستمرار، وعدم الانقطاع عنهم.

المرحلة الثانية: مرحلة الانتداب البريطاني (1918-1948م):
لم تختلف الصحافة في ظل الانتداب البريطاني كثيرًا عن الوضع الذي كانت عليه في فترة الحكم العثماني، فإن الانتداب البريطاني الذي عول عليه الكثيرون لم يوفر هو الأخر من حرية الصحافة إلا ما يلبي حاجاته ويتطابق مع مصالحه وأهدافه. وقد توجهت الحكومة البريطانية بصورة أساسية إلى الصحافة كأحد أشكال الاتصال الجماهيري، لذا عادت الصحافة الفلسطينية إلى الظهور من جديد في العام 1919م بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى.

وفي عهد الانتداب البريطاني استمرت مجموعة القوانين العثمانية ضد الصحافة قائمة حتى عام 1932م ثم وضعت بعدها حكومة الانتداب مجموعة أخرى من القوانين التي كانت أكثر تصلبًا وكانت دائرة التحقيق الجنائي لسلطة الانتداب هي المخولة بالإشراف على الصحف.

وفي العشرينيات نشطت الحركة الصحفية فصدرت العديد من الصحف السياسية مثل " القدس الشريف " و" لسان العرب "، حينذاك كانت الحكومة البريطانية تعلم أن الصحف السياسية كانت ذات فعالية في التعبير عن الرغبة في الاستقلال وذات قدرة على التأثير في الجمهور، ومما زاد من تخوفها، هو أن الصحافة الفلسطينية أعلنت موقفها من الحركة الصهيونية بما يتناقص وأهداف الحكومة البريطانية.

مقابل ذلك رأت الحكومة البريطانية ونشطا الحركة الصهيونية أن الشكل الذي تعتمده الصحافة الفلسطينية وأسلوب التوجيه الجماهيري يشكل خطرًا على التنفيذ السريع لوعد بلفور، فعملت باشتراك مع الحكومة الصهيونية على تطوير الصحافة الصهيونية وإنشاء صحف جديدة وتحييد الصحف الفلسطينية، فتم تأسيس صحيفتين صهيونتين باللغة الصهيونية " بريد اليوم " و" جريدة السلام "، والتي كانت تدعو إلى التفاهم بين العرب واليهود، وتدافع في نفس الوقت عن أهداف وبرامج الحركة الصهيونية في فلسطين.

وعلى كل حال شهدت هذه المرحلة نموًّا سريعًا في الصحافة وذلك لان الانتداب البريطاني عمل على إنتعاش التعليم في المرحلتين الابتدائية والثانوية لتحسين صورته أمام الشعب العربي الفلسطيني. وقد وافق انتشار التعليم تطور ثقافي واسع تمثل في ازدهار الحياة الأدبية والفكرية، ظهر نتيجة لذلك عدد من الأدباء والشعراء والصحفيين والمؤرخين، كما نشأت جمعيات وأندية ثقافية وسياسية في المدن والقرى، كما صدرت صحف يومية وأسبوعية سياسية وأدبية واقتصادية كما نشأ عدد من المطابع والمصانع للورق.

وقد صدر في فلسطين بين عامي 1919م-1948م عدد كبير من الصحف والمجلات بلغ نحو (1241) من بينها (41) باللغة العربية أصحابها أجانب وخمس باللغات الأجنبية أصحابها عرب، وتنوعت هذه الصحف بين السياسة والاقتصاد والأدب والدين، بينما نمت الصحافة السياسية على حساب الأنواع الأخرى، حيث نشطت الأحزاب السياسية التي اعتمدت الصحافة وسيلتها إلى الجماهير والى إعلام رأيها إلى السلطة، كما شهدت الصحافة في عهد الانتداب تطورًا ملحوظًا على مستوى الإخراج والتحرير، فأصبحت تزخر بالمفكرين والمثقفين، وأصبحت الرؤوس المفكرة تقود الرأي العام، واتسع ميدان الكتاب، وصار الكتاب يستخدمون الصحف لنشر أفكارهم وتوجيهاتهم، وشغلت المواضيع الثقافية والاجتماعية آنذاك العمل الصحفي. كما ظهرت المجلات والصحف المتخصصة في المجالات الاقتصادية والأثرية والتاريخية والدينية وشؤون الطب والجراحة.

وكانت للصحافة دور رئيسي في الحركة الوطنية ففي ثورة 1936م أثرًا قويًا في توعية الجماهير تجاه مخاطر الصهيونية والاستعمار، وبث الروح الوطنية فيها والدعوة إلى الوحدة. فعلى الرغم من الاختلاف بين الصحف، إلا أنها ركزت جميعها على المنطلقات والتوجيهات السياسية للثورة ففي 27 أيار 1936 عقد مؤتمر عام للصحافة ناقش الأوضاع السائدة بما فيها مسئولية الحكومة البريطانية إزاء تدهور الأوضاع بسبب الهجرة اليهودية وخطيرة حملة قوانين المطبوعات واعتبرت " لجنة بيل " أن اللهجة الشديدة التي كانت تستخدمها الصحافة هي أحد عوامل تفجير ثورة سنة 1936م.

كذلك كان للصحافة دور قوي وواسع في نقل وقائع الثورة النضالية إلى العالمين العربي والإسلامي والخارجي، مما كان له الأثر القوي في تجاوب الصحف العربية مع أصداء الثورة، ففرضت الحكومة الانتدابية التشريعية الجديدة وزادت من إحكام قبضتها على الصحافة حتى ظهر نظام الدفاع " الطوارئ " عام 1939م الذي اشتملت معظم نصوص مواده على تقييد الصحافة الفلسطينية والعربية فمنعت صحف عربية من دخول فلسطين، وأصبحت الموضوعات والتقارير التي يرسلها المرسلون في فلسطين عرضة للحجز والمراقبة وتعرض جزء من الصحف للإغلاق وجزء منع من التوزيع وجزء للمصادرة.

كذلك شهد الجانب النقابي تطورًا ملحوظًا، حيث تألفت نقابة صحافية باسم "نقابة الصحافة العربية في فلسطين" في العام 1927م، نتيجة للخلافات السياسية التي بلغت أشدها بين الزعماء الفلسطينيين، مما انعكس على الصحف التي ساهمت في زيادة حدة الخصومة، لكن أصحاب تلك الصحف ما لبثوا أن تنبهوا إلى خطورة هذه الخلافات على القضية الوطنية، فعقدوا مؤتمرًا في مدينة يافا في نوفمبر 1927، ليؤكدوا على تبادل الاحترام بين الصحفيين على اختلاف أرائهم، ومراعاة حقوق الزمالة وآداب الصحافة. ومقامة كل حركة من شأنها إحياء النعرات الطائفية والنزعات الدينية. كما دعوا إلى جمع كلمة الأمة، وتسهيل عقد مؤتمر عام يمثل أراء الأمة في قضيتها السياسية العامة والدفاع عن مصالحها أمام الحكومة، سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا.

وفي المرحلة الأخيرة من الانتداب البريطاني، استمرت الصحافة في حمل رسالة التوعية والتنوير تجاه مخاطر الاستيطان، الذي اشتد عوده من خلال تلك الفترة في الوقت الذي بدأت الصحافة الفلسطينية بالتطور،بسبب الحراك الاقتصادي الذي طرأ مواكبًا التوسع في الجانب الصناعي والتجاري في فلسطين. هذا وقد ازداد العبء على الصحافة بازدياد سلسلة المؤامرات الاستعمارية كما حصل تجاه قرار التقسيم، حيث نشطت الصحافة في فضح سياسة الحكومة البريطانية تجاه الهجرة وطرائق عمل المستعمرين، مما جعل سلطات الانتداب تدرك خطورة أفاق هذا العمل، فزادت من أسلوب القمع والإرهاب في تشديد العقوبات تجاه الصحافة دون الاكتراث للنتائج، أو لردود الفعل لأنها كانت على أبواب الرحيل.

خلاصة:
وبعد ما تم عرضه سابقًا لتجربه فلسطين الصحافية خلال العهدين العثماني والبريطاني (1876م-1948م)، نجد أن الصحافة الفلسطينية عاشت خلال هذه الفترة ظروفًا قاسية جراء القوانين الظالمة التي فرضتها الحكومة العثمانية ضدها والتي استمرت لتضع بعدها حكومة الانتداب البريطاني مجموعة من القوانين التي كانت أكثر تصلبًا من سابقتها.

وبرغم ما كانت تعاني منه الصحافة خلال فترة الحكم العثماني من قصر عمر إصدار بعضها وضعف التوزيع نظرًا للظروف الاقتصادية التي كانت تعيشها البلاد والرقابة الشديدة وشدة قلم الرقيب وانصرافها إلى الانشغال بالأبحاث اللغوية والأدبية، إلا أنها استطاعت أن تقوم بدورها البارز والمهم في خدمة الحاجات المحلية وتقوية الإحساس بالوعي القومي والوطني والقيام بدور بارز في بعث النهضة بين الجماهير. ومن خلال تنوعها في جميع المجالات الاجتماعية والسياسية استطاعت أن تضع حجر الأساس للصحافة العربية في فلسطين.

أما مرحلة الانتداب البريطاني فكان أهم ما يميزها هو ميلاد الصحافة من رحم الحركة الوطنية حيث كانت الصحف الفلسطينية بمثابة ساحة قتال بين الفئات الوطنية التي تدافع وتنادي بالمقاومة وبين القيادات التي ترتأى الصبر والصمت والتفاوض مع بريطانيًا. كما تميزت هذه المرحلة بارتفاع معدل صدور الصحف في شتى المجالات وخاصة المجال السياسي ويعود ذلك إلى إحساس الشعب الفلسطيني بخطورة وجدية الموقف بعد سير الاستعمار والحركة الصهيونية في طريق واحد.

بالإضافة إلى تنامي دور الصحافة والصحف في عمليات التغيير والتطور للمجتمع حيث أصبحت الصحافة تقوم بالمهمات في شتى المجالات ( التوعية والتعبئة والتعليم والتطوير والتثقيف ).

فالدور الملقى على عاتق الصحافة الفلسطينية خلال العهدين العثماني والبريطاني لم يتغير، فكانت هناك مجموعة من الموضوعات المشتركة، وهي: وقف الهجرة اليهودية، ومنع امتلاك الأراضي، ونشر الوعي الوطني، والتحريض الجماهيري، وكشف الأهداف الصهيونية ومخاطرها، وتوسيع دائرة الاتصال العربي والدولي وتشكيل جبهة عمل وطني موحد. وأما الوحدة العربية، وتوحيد الصفوف وغير ذلك من الشعارات مماثلة فكانت تأتي في المرتبة الثانية.



منقوووول





رد مع اقتباس