عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 08-08-2014, 10:53 AM
أم بشرى أم بشرى متواجد حالياً
مدير عام المنتديات
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: الجزائر
المشاركات: 9,110
افتراضي حينما ينتفض الشعر وتصدح القصيدة ..

حينما ينتفض الشعر ويصدح ويعبر

إذا اعتبر النقاد والباحثين أن الزمن اليوم زمن السرد والرواية ...زمن استعلى فيه شأن السرد وعظم عوده واشتد بأسه في مواجهة مختلف الأجناس الأدبية والتفرد عليه، فإن الواقع المعيش صرّح بكلمة أخرى كان لابد أن ننطق بها اليوم، أن الشعر رائد كل الميادين؛ فالثورات العربية التي قامت بها مختلف الشعوب بدءا من تونس، الشرارة التي أطلقها محمد البوعزيزي في ساحة من ساحات وطنه، منددا ورافضا الخضوع للمزيد من الذل والمهانة والمعاناة، صانعا بإرادته مهرا للحرية كان ثمنها روحه في عز شبابها.
لكن في خضم هذه الأحداث المصيرية يشارك الشعر؛ بل ينتفض هو الآخر في وجه كل الأجناس الأدبية وينزل إلى الشارع فتتظاهر القصائد محمولة على أرواح الشباب، ويساهم الشعر في إذكاء الروح الثورية للشباب ودفعهم وتحميسهم أكثر، في حين يتخلف السرد وتتعثر قدماه للمشاركة في مثل هذه التظاهرات.
إنه صوت آخر يعلو بالشعر ويكسبه الفرادة والتميز في كل مرحلة جيلية من مراحل الحياة، فالشعر حقا هو قوام هذه الحضارة الأساسي وناسج هويتها الإنسانية من خلال الرغبة الجموحة في المغامرة الإبداعية وغواية التجريب والكتابة، وفي مراحل تالية تنشأ الاستجابات الجمالية من خلال ثمرة الأنس والتلاقي بين الشعر والقارئ والعالم والوجود محاولين تجاوز العالم المادي المبتذل، إنها الاستجابة التي رددها الشباب في الشوارع مطالبين بالحرية وبإرادة الشعب مرددين بيت الشاعر التونسي الشابي:
إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلابد أن يستجيب القدر



ولابد لليل أن ينجلي
ولابد للقيد أن ينكسر

انه مقطع شعري من قصيدة "إرادة الحياة" المؤرخة في 15 سبتمبر 1933 والتي توجد بين قصائد ديوان الشابي الأول "أغاني الحياة" الذي صدر سنة 1955 عن دار الكتب الشرقية بتونس وتم طبعه بدار مصر للطباعة بالقاهرة.
إن استشراف الشابي للمستقبل ورؤاه الشعرية منحتا هذا البيتين قيمة خالدة وجعلاه في مصاف الأعمال الشعرية الخالدة رغم مرور وقت طويل على كتابتهما. فلقد كان هذا البيت الشعري الذي حملته معظم الثورات العربية قادرا على ترجمة أحاسيسها وعواطفها وإرادتها وهو نفسه البيت الذي حملته في وجه مستعمريها وجلاديها بالأمس بعد أن جاش على صدورها نيفا من القرون وأذاقها ألوانا من العذاب والهوان، لكان التاريخ يعيد نفسه ويعاد حمل هذا البيت الشعري في وجه الحاكمين الذين استبدوا بالشعوب وبإرادتها في العيش الكريم...فالشابي لم يحمل بيته الشعري همه فقط ..بل همّ الكل ...همّ الإنسانية جمعاء...
فالشعر يعبر إذن عن همّ مشترك يقبع في ذواتنا يسكن رغباتنا يحمل همَّ الذات، همَّ العالم بأسره.. يُسائل بأسئلة شغوفة يطرحها حول الذات ووجودها، يُسائل العالم عن مصيره..يُسائل الكون عن تجلياته ومظاهره..يُسائل الآخر عن مكانه في حياتنا.. يُسائل الوجود عن نهايته...محاولا تسلل قمم الموجودات لاستكناه لبِّها.
واليوم غزة تنتفض وتقدم المزيد من الأرواح والدماء والشهداء على يد الصهيوني الغاشم الذي أظهر بشاعة في التقتيل والتنكيل بأبناء فلسطين الأحرار وأطفالها الأطهار، فالشعر يجسد صور كل تلك المجازر التي وقفت الحروف و الكلمات أمامها مذهولة من هول ما يحدث ومازال يحدث... سجل يا شعر.. فالزمن أيضا سيجل كل شعر فذ ومعبر.
إن ارتفاع هامة الشعر في جل الميادين ومشاركته الشعوب همومها وآمالها لأكبر اعتراف بدور الشعر في الحياة وقيمته الإنسانية في شحن النفوس واستنهاض الهمم، فقد كان الشعر قديما ديوان العرب، ومسجل حروبهم ومآثرهم... وها هو يستعيد أنفاسه ويواصل المسيرة برغبة عارمة في صنع هامات شعرية لا تقهر على مر الأزمان.

مما انتقيت للفائدة والمتعة
__________________




رد مع اقتباس