الموضوع: ضوء الظلام
عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 28-06-2019, 03:41 PM
عبدالعزيز صلاح الظاهري عبدالعزيز صلاح الظاهري غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Mar 2019
المشاركات: 7
افتراضي ضوء الظلام

هل للظلام " ضوء " ؟!
هذا ما رأيته بعيني قبل خمسين عاماً
في الحقيقة لا يمكن لي وصفه ،
ولا أريد أن أقسم لكم كي تصدقوني ، بل سأسمعكم شيئاً من أحداث تلك الليالي التي كانت سبباً في رؤيتي له ..
حل الظلام ، وتوقف الكلام ، وأصبح الناس نيام ، وغمرت السماء نفسها بلحاف الغيوم السوداء ليختفي ما تبقى من ضياء , فهنالك مخطط لجريمة على سطح الأرض ، لا تريد السماء للقمر والنجوم رؤيتها ..
إنها مقدمة لإحدى الروايات المرعبة التي كانت تحكيها لنا جدتي يرحمها الله قبل النوم ،
لم أذكر أنني سمعت منها حكاية عن الحب ، فأغلبها قصص مرعبة ، أبطالها مخلوقات خرافية ، يبدو كما لو أن الحب والفرح عدو لنا ، خلافاً للرعب والخوف ...
أعتقد أحياناً أن هذه القصص خلفها سر، وهذا بالطبع أقوله الآن ..
أتذكر عندما كانت أمي ترسلني إلى منزل خالتي ليلاً ، أنطلق كالبرق ، وعندما أصل منزل خالتي أقف ألهث كالكلً------- ...
وقبل خروجي من منزلها أقف محدقاً في الظلام كطائرة تقف منتظرة الأذن للإقلاع ، وبعدها أنطلق ،
يقشعر بدني وتزيد سرعتي عندما أقترب من بابنا ، وكأنني عند نهاية المدرج ، لشعوري أن شيئاً ما في اللحظات الأخيرة يكاد يمسك بي ...
كم كانت تلك القصص المرعبة تشل حركتي ، تجعلني منكمشاً على نفسي ،
فبمجرد حلول الظلام تظهر شخصيات قصص جدتي ، أسمع دبيبها وهي تقترب مني ، تحوم حولي ، ترعبني ،
كانت عيني المختبئة تحت الغطاء لا تتو قف تدور في محاجرها طيلة الليل ، وعندما أشعر بحاجتي لدورات المياه ، يخرج فجأة من قلب الظلام أطياف تلك الشخصيات ، فأرتعد ، وأغرق نفسي ،
كم هو محرج هذا الأمر ، نعم لقد أثرت تلك القصص فيّ كثيراً ، وكانت سبباً في ظهور أمراض نفسية مازلت أعاني منها حتى اليوم ..
على كل حال نظرتي لليل المخيف بدأت تتغير بفضل أحداث سريعة متتابعة مزقت عباءته السوداء ، رمتها جانباً .. لتريني ضعفه وكذلك مفاتنه
ففي أحد الأيام ، وكان ذلك بداية فصل الخريف - مازلت أتذكره - صعدت سيارة لأول مرة في حياتي مع أبي ومجموعة من سكان قريتنا ، كانت وجهتنا السوق الكبير الذي يتوسط القرى
مازلت إلى الآن أرى السيارة ، فهي مقيمة في ذاكرتي ، كذلك اسمها ( انترناشيونال )
كان الجميع يسميها " عنتر ناش " ، لا أعتقد أنهم لا يستطيعون نطق الكلمة بل لأن اسم "عنتر" محبوب لديهم ،
تحركت السيارة وكانت تتمايل بسبب الطريق الترابي الوعر ، ونحن في حوضها نتمايل مع إيقاعها و تمايلها ،
لم تستغرق الرحلة طويلاً ، وصلنا مع طلوع الشمس ،
كم كان المنظر ساحراً ، وأنا أرى السوق لأول مرة في حياتي ، وأرى قوافل الإبل والحمير محملة بالبضائع ، تتهادى نازلة من التلال المحيطة متجهة إلى السوق ..
ذهب أبي للتسوق وتركني بعدما أعطاني قرشين لأشترى بهما ما أشاء ..
في ذلك اليوم رأيت بعيني تأبط شراً الذي كان اسمه يثير الرعب ، فبطولاته التي يصعب تصديقها كانت حاضرة في عقول الجميع أصبحت جزءاً من تراثنا ..
لم أشاهده من قبل ، بل سمعت المتسوقين يهمسون باسمه عند قدومه ويشيرون إليه ،
كان رجلاً ضخماً ، يتعدى طوله المترين ، يتطاير الشرر من عينيه ، هبط من بعيره الذي يشبه الفيل ، ووقف بخيلاء ، فعم السكون على المكان ، وبمجرد دخوله السوق تفرق الناس مفسحين له الطريق ،
وفي ذلك اليوم أيضاً رأيت شخصية أخرى ، كنت كثيراً ما أسمع عنها ، إنه مجنون "عالية " أو " جان جن " ، رأيته وهو يركض خلف الأطفال والذين كانوا يهتفون مرددين :
جان جن جن جننوه
أخذوا عالية وتركوه
دخل الأطفال مسرعين للممر الذي كان يقف فيه تأبط شراً ، يتبعهم جان جن ، وعندما شاهد الأطفال تأبط شراً تفرقوا في لمح البصر ، واختفوا كأنهم أفراخ حجل ، فاصطدم جان جن بتأبط شراً فلطمه لطمة سمع صداها من كان في آخر السوق ، فسقط جان جن بالقرب مني وقام من مكانه وانزوى بجانب أحد الدكاكين وجلس ودفن رأسه بين فخذيه للحظة ، ثم رفعه وحدق عميقاً في عيني !،
أخافتني نظراته ، فأشحت بعيني عنه وأدرت ظهري و أخذت أتجول في السوق ، فرأيت فتاً في عمري كان يراقبني ، تلاقت عيوننا ، وكذلك فعلت أرواحنا ، اتجهت إليه وسألته : أين أجد الحلوى ؟ ابتسم وأخذني إلى أحد الدكاكين ، يبيع العسل والزبيب ونوعين من الحلوى فقط ، اشتريت منه لكلانا وبدأت صداقتنا ..
خرجنا من السوق وجلسنا على ربوة تشرف على المكان ،
وبدأ صديقي والذي يدعى " نشبة " بقص قصته لي وكأني أعرفه منذ زمن طويل ،
قال : هذا ليس اسمي الحقيقي ، ولكن لا أحد يعرفني بغيره ، من سماني بهذا الاسم هو زوج أمي ، كم يكرهني هذا الرجل ، ويكره رؤيتي لكن الشيء الجميل أنه كريم مع أمي ، وأمي لا تبخل علي ، إنني حر طليق ، أعيش منعزلاً ، أنام في النهار وأطوف بالليل والناس نيام ،
فسألته :
ماذا تقصد " أطوف بالليل " ؟
وهنا بدأ يخبرني بأمور أجهلها ، كم كانت جميلة ، لم أسمع عنها من قبل ، جعلتني أنظر لليل المخيف نظرة أخرى ..
عدت من رحلتي التسويقية وأصبحت أطوف بالليل مثل صديقي ، أسمع الهمسات ، أرى الحركات من خلال الثقوب العديدة المنتشرة على جدران الطين ، وفي النهار أندس بين النخيل لأنام في رقعة اخترتها بعناية بعيدة عن العيون ،
ومع مرور الأيام أصبحت خبيراً ، وأكثر شراهة ، لم أعد أكتفي بزيارات القرى القريبة ، بل أقطع المسافات وأغزو القرى البعيدة ، وخاصة في فصل الشتاء ، صاحب الليل الطويل ، موسم الكلمات الدقيقة والرقيقة ،
كانت الجبال والتلال هي القنوات التي أسلكها للوصل إلى غايتي ، كنت أتحاشى دائماً غابات النخيل في الليل ، رغم أنها صالحة " لنشاطي المريب " لأنها مسكن الجن والهوام كما تقول جدتي .
وفي إحدى مغامراتي الليلية حصل ما كنت أخشاه ،
شعر بي أحدهم فصرخ : "حرامي" ففررت ...
استيقظ سكان القرية على الصرخة وصدى وقع أقدامي بين أزقة القرية الضيقه ، شعرت بالخطر فقررت سلك الطريق الذي أكرهه وانطلقت كالسهم ودخلت غابات النخيل ..
توغلت في الأحراش ، كنت أتحسس طريقي على ما تبقى من ضوء القمر الذي استطاع أن ينفذ من خلال سعف النخيل ويلامس الأرض ،
وبعد أن قطعت مسافة طويلة اختفى صوت مطاردي ولم يبقى سوى أصوات ساكني الأحراش يشاركها صوت أنفاسي ، فشعرت بالأمان وتوقفت عن الركض ،
في تلك اللحظة افتكرت أني بين الجن والهوام أنهم يحيطون بي ينظرون إلي ، فمساكنهم على الأرض ، فوق الجذوع والأغصان ،
لذا ازداد إيقاع قلبي فأخذت أحدث نفسي ،
هل أمشي على هون ؟
أخاف أن أصبح جان جن أخر ،
أأركض ؟
أخاف أن أطأ أفعى أو اصطدم بجان ،
وأخيراً اتخذت القرار الصائب ، توقفت وأخذت نفساً عميقاً ، وواصلت المشي بخطوات خفيفة على الأرض المليئة بالحشائش الجافة ،
أرفع قدماً وأنزل أخرى بكل هدوء ، كانت عيني وجميع حواسي تعمل بأقصى ما لديها ،
توقفت ، لصقت خلف جذع نخلة عندما رأيت منظراً لن أنساه ما حييت ،
رأيت جان جن يضرب تأبط شراً ويركله بقدميه ، ويلوح بعصا غليظة في وجهه بينما كان تأبط شراً جاثياً على ركبتيه يطلب الرحمة منه ،
كان جان جن يصرخ في وجهه مردداً : أتسخر مني أيه الأحمق ، وأنا من صنعك ؟ أهذا كل ما جنيته خلال هذا الأسبوع ؟!
أقسم بالله أن هذا كل ما حصلت عليه ؟
أتعلم لو اكتشفت خلاف ذلك ماذا سيحصل لك ؟
أقسم بالله أن هذه هي الحقيقة يا سيدي ..
عندها صرخ جان جن قائلاً لتأبط شراً : هيا قم واغرب عن وجهي وركله بقدمه ..
ووقف برهة من الزمن طاف خلالها بنظره في المكان رافعاً رأسه للأمام وكأنه يستخدم حاسة شمه ،
ثم غادر ، رأيته بعيني من خلف جذع النخلة التي كنت ملتصقاً بها .
فجأة رأيته يقف بجانبي ، لا أعلم كيف حصل ذلك ؟!
التفتُّ إليه مذعوراً ، رأيت عينيه ، تذكرتهما ، تذكرت بريقهما عندما رأيته أول مرة في السوق ، فاندفعت المياه كالحمم ، وسالت بين قدمي ، فضحتني ، بينت ضعفي ،
ابتسم جان جن وقال : بيت شعر ، كنت إلى وقت قريب أعتقد أنه هو قائله ،
وقفت وما في الموت شك لواقف
كأنك في جفن الردى وهو نائم
ثم مد يده وفتح كفي ووضع ثلاثة جنيهات ذهبية وأقفله وقال : أتعلم أن بلاء الإنسان هو اللسان
الأذكياء يعرفون ذلك ، أتمنى أن تكون منهم !...
رد مع اقتباس