عرض مشاركة واحدة
  #27  
قديم 14-04-2010, 06:39 AM
سفيان الثوري سفيان الثوري غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Jun 2002
الدولة: السعودية
المشاركات: 3,463
افتراضي

المثال السابع عشر

وهذا ينبغي أن يكون مثالا آخر .


وهو :

أن الشرع لا يأتي بما تحيله العقول ولا بما ينقضه العلم الصحيح .


وهذا من أكبر الأدلة على أن ما عند الله محكم ثابت صالح لكل زمان ومكان .



وهذه الجمل المختصرة تعرف على وجه التفصيل بالتتبع والاستقراء لجميع الحوادث الكونية وحوادث علوم الاجتماع وتطبيق ذلك إذا كان من الحقائق الصحيحة على ما جاء به الشرع , فبذلك يعرف أنه تبيان لكل شيء , وأنه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها .

نظرة مجملة في فتوحات الإسلام المتسعة الخارقة للعوائد , ثم لبقائه محترما مع تكالب الأعداء ومقاوماتهم العنيفة ومواقفهم المعروفة معه .


وذلك أن من نظر إلى منبع هذا الدين , وكيف ألف جزيرة العرب على افتراق قلوبها وكثرة ضغائنها وتعاديها , وكيف ألفهم وجمع قاصيهم لدانيهم , وأزال تلك العداوات , وأحل الأخوة الإيمانية محلها . ثم اندفعوا في أقطار الأرض يفتحونها قطرا قطرا , وفي مقدمة هذه الأقطار أمة فارس والروم أقوى الأمم وأعظمها ملكا وأشدها قوة وأكثرها عددا وعددا , ففتحوهما وما وراءهما بفضل دينهم وقوة إيمانهم ونصر الله ومعونته لهم , حتى وصل الإسلام مشارق الأرض ومغاربها , فصار هذا يعد من آيات الله وبراهين دينه ومعجزات نبيه , وبهذا دخل الخلق فيه أفواجا ببصيرة وطمأنينة لا بقهر ولا إزعاج .


فمن نظر نظرة إجمالية إلى هذا الأمر عرف أن هذا هو الحق الذي لا يقوم له الباطل مهما عظمت قوته وتعاظمت سطوته . وهذا يعرف ببداهة العقول , ولا يرتاب فيه منصف , وهو من الضروريات بخلاف ما يقوله طائفة من كتاب هذا العصر الذين دفعهم الرضوخ الفكري إلى مشايعة أعداء الإسلام , فزعموا أن انتشار الإسلام وفتوحه الخارقة للعادة مبني على أمور مادية محضة , حللوها بمزاعمهم الخاطئة .


ويرجع تحليلها إلى ضعف دولة الأكاسرة ودولة الرومان وقوة المادة في العرب , وهذا مجرد تصوره كاف في إبطاله . فأي قوة في العرب تؤهلهم لمقاومة أدنى حكومة من الحكومات الصغيرة في ذلك الوقت ؟ فضلا عن الحكومات الكبيرة الضخمة , فضلا عن مقاومة أضخم الأمم في وقتها على الإطلاق وأقواها وأعظمها عددا وعدة في وقت واحد , حتى مزقوا الجميع كل ممزق , وحلت محل أحكام هؤلاء الملوك الجبابرة أحكام القرآن والدين العادلة , التي قبلها وتلقاها بالقبول كل منصف مريد للحق .


فهل يمكن تفسير هذا الفتح المنتشر المتسع الأرجاء بتفوق العرب في الأمور المادية المحضة ؟ وإنما يتكلم بهذا من يريد القدح في الدين الإسلامي أو من راج عليهم كلام الأعداء من غير معرفة للحقائق .


ثم بقاء هذا الدين على توالي النكبات وتكالب الأعداء على محقه وإبطاله بالكلية من آيات هذا الدين وأنه دين الله الحق , فلو ساعدته قوة كافية ترد عنه عادية العادين وطغيان الطاغين لم يبق على وجه الأرض دين سواه ولقبله الخلق من غير إكراه ولا إلزام , لأنه دين الحق ودين الفطرة ودين الصلاح والإصلاح , لكن تقصير أهله وضعفهم وتفرقهم وضغط أعدائهم عليهم هو الذي أوقف سيره ; فلا حول ولا قوة إلا بالله .
رد مع اقتباس