عرض مشاركة واحدة
  #9  
قديم 26-01-2014, 09:00 PM
أم بشرى أم بشرى متواجد حالياً
مدير عام المنتديات
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: الجزائر
المشاركات: 9,038
افتراضي اليوم مع الأديب الجزائري الطيب طهوري


لقاء مع الشاعر والقاص الجزائري الطيب طهوري









حاوره الإعلامي نبيل دحماني

س 1: في البداية، الطيب طهوري الشاعر والإنسان.. من يكون؟
ج : نفس السؤال يتكرر دائما؟..
بطاقة تعريفي تقول بأنني ولدت في إحدى القرى النائية ببلدية عين الخضراء ولاية المسيلة يوم 16مارس عام 1956..
وحكاية أمي تقول بأنها(أمي) اضطرت إلى بناء الخيمة تحت سقف الغرفة الطينية التي ولدتني فيها لتحميني من تسرب مياه الثلج الذي كان يتساقط بغزارة تلك اللحظة..
لم أدخل المدرسة إلا في العام الدراسي 1969 ـ 1970 ..
دراستي في معظمها كانت دينية ، حيث التحقت بزاويتي طولقة والهامل بعد أن تركت المدرسة الابتدائية بإرادتي ، وبثانوية المعز لدين الله الفاطمي للتعليم الأصلي بسطيف،ثم في معهد الآداب والثقافة العربية بجامعة قسنطينة..
ومنذ العام 1981 وأنا أمارس مهنة التعليم، أي مهنة لايموت فيها ولا يحيا حسب وصف صديقي الشاعر عبد الحميد شبيح..
هذا ماأعرفه عني شخصا..
أما شاعرا فقد بدأت كتابة الشعر في الجامعة منخرطا منذ البدء في قصيدة الحداثة ، فيما كانت علاقتي بالقصيدة التقليدية شبه نفورية منذ البدء أيضا ، تشبه كثيرا نفوري من الإدارة ومن المتسلقين للوصول إلى المناصب..
يرى بعض الذين قرأوا شعري أنني أهيم كثيرا باللغة وكأن ألفاظها أناس أحبهم بحميمية شاردة، وأميل أكثر إلى أعماق الداخل وكأنني أهرب من برودة هذا الخارج الآسن..
منذ شهور قليلة ـ وبإغراء من بعض أصدقائي ـ بدأت كتابة القصة القصيرة التي يبدو أيضا وحسب بعض الذين قرأوا ماكتبت منها أن عالم الداخل يواصل سيطرته فيها أيضا..
لم أنشر سوى مجموعة شعرية واحدة هي شجر العاصفة عن جمعية الجاحظية عام 1996 وهي مجموعة سببت لي الكثير من الألام نتيجة ماامتلأت به من أخطاء مطبعية لا تحصى ، جعلتني أخاف كثيرا من النشر..
س2: شغلت الإيديولوجيا حيزا معتبرا في الأعمال الأدبية للعديد من الأدباء خلال مرحلة السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، غير أن أسماء كثيرة عادت إلى الظل مع نهاية الثمانينات .. كيف تفسرون ذلك..؟ وهل الغياب المسجل من طرفكم في الساحة الأدبية يعود إلى نفس الأسباب..؟
ج: أعتقد أن المثقف ـ إن لم أقل إلإنسان عموما ـ كائن إيديولوجي سواء تبنى إيديولوجيته ومارسها كمواقف من قضايا الحياة وانحاز من خلالها لهذا الطرف أو داك بوعي أو بدونه، لأن الحياة في أساسها صراع منذ بدء الخليقة وربما حتى نهايتها..
وإذا كنا نعرف أن الإيديولوجيا في مفهومها البسيط هي منظومة الأفكار التي تبرر بها سلطة ما سيطرتها ، وتعمل من خلالها على إقناع الآخرين ممن تحكمهم بقبول سيطرتها تلك مستعملة مختلف الوسائل المتاحة لها لتحقيق ذلك ..وهي أيضا منظومة الأفكار التي تبرر بها معارضة ما كذلك معارضتها وتعمل بها ومن خلالها على جر الآخرين إلى أرضها والوقوف معها في معارضتها تلك .. أو التي تستعملها أي جهة لتحقيق سيطرتها وتبرير وجودها ..فإن الأدباء أناس يعيشون في الأرض لافي السماء، ومن هنا فإنهم ـ سواء وعوا ذلك أم لم يعوا، صرحوا أو لم يصرحواـ يكونون في هذا الصف أو ذاك ، مع هذا الطرف أو الطرف الآخر.. وقد ينكفئون على ذواتهم مدعين ترفعهم عن الإيديولوجيا عموما ، وهو موقف لايمكن الحكم عليه إلا بأنه إيديولوجي ، لالسبب إلا لأنه يحتاج إلى مبررات بدوره ـ باعتباره موقفا يتوهم الحيادية ـ لطمأنة الذات بوهمها ذاك وللرد على الآخرين الذين ينظرون بارتياب إليها، أعني تلك الذات، ولأنه موقف يخدم في النهاية تلك القوى المتنفذة ، بغض النظرعن نوع نفوذها الذي قد يكون سلطويا حاكما أو سلطويا شارعيا ..
وإذا كنا ندرك بأن مرحلة ما سمي بالاشتراكية ـ في بلادنا ـ هي مرحلة إيديولوجية شبه أحادية بامتياز ، فإن مرحلة دخولنا ما يمكن تسميته بالرأسمالية الطفيلية، رأسمالية اقتصاد الريع والمضاربة وتحقير العمل والعامل، هي مرحلة إيديولوجية طاغية وبامتياز أيضا..
وإذا كانت الأولى( الإيديولوجيا الاشتراكية) هي التي هيمنت في المرحلة الأولى، فإن الإيديولوجيا الأصولية هي التي سادت وسيطرت في المرحلة الثانية، وذلك انطلاقا من أن النظام الحاكم بدءا من ثمانينيات القرن الماضي كان محتاجا إليها كسلاح فعال للانقضاض على مكتسبات المرحلة السابقة وإنهائها، سواء في المجال الاقتصادي أو في التخلي عن الكثير من مكتسبات الجماهير كحقوق أساسية في ميدان ضمان العمل والسكن ومجانية التعليم والصحة.. وهي حقوق وقع و يقع التخلي عنها تد ريجيا ، من أجل تسهيل عملية المرور وتدريجيا أيضا إلى نقيضها الذي هو هذه الرأسمالية الطفيلية.. وهكذا..
ولأن الأدب انعكاس نسبي للواقع ـ حتى وإن رفض بعض الأدباء هذه المقولة ـ الواقع بماهو وجود معقد متعدد الوقائع والدلالات والأبعاد والحقائق والمتخيلات ، فقد كان لابد أن تبرز الإيديولوجيا في أدب المرحلتين ، وكان لابد أن تأتي في أدب البعض تعبيرا عن إيمان صادق بها ، يرى فيها طريق تحقيق طموحات المجتمع في الرقي والازدهار ، وهؤلاء ـ ربما ـ هم الذين أصيب البعض منهم باليأس فتوقف عن الكتابة ، أو أعاد النظر تأملا وتفكيرا في تلك الإيديولوجية ليواصل إبداعه من منطلق آخر هو منطلق التعبير عن النضال من أجل الدولة الديمقراطية ، ويبرز هذا في الرواية أساسا باعتبارها أدب تعدد الأصوات ، ومن ثمة تعدد الرؤى والتصورات والأفكار والمواقف والمشاريع، أي باعتبارها الأدب الذي يتوافق أكثر مع عالم الديمقراطية كوجود حقيقي نسبيا لها أو حلما ـ مشروعا طبعا ـ بوجودها ..وأتحدث هنا عن أدب إيديولوجية المرحلة الأولى..
أما أدباء الإيديولوجيا الأصولية ، فإنهم لم يبرزوا بكيفية مثيرة ، وذلك لانغلاق عقولهم عن الحداثة باعتبارها فكرا أكثر تطورا بفعل ما تعتمد عليه من انفتاح على التعدد والاختلاف والتسامح، ولا تطور لعقل يرفض الانفتاح والتعدد والاختلاف والتسامح، ويصر على الانغلاق في ماض تولى يستحيل رجوعه إلا وهما في أذهان الذين يتصورون إمكانية إعادته، وبذلك ينظرون إلى المستقبل بقفاهم لا بعيونهم على وصف بعض المفكرين.. والملاحظ على هؤلاء الأدباء أنهم سرعان ماعادوا إلى الانعلاق على ذواتهم لإنتاج أدب يجتر خيباتهم ويعكس فشل مشروع إيديولوجيتهم وإدراك البعض منهم مدى الخدمة التي قدموها للمتنفذين لتمرير مشروعهم الرأسماي الطفيلي.. وأتحدث هنا عن الصادقين منهم في التعلق بتلك الإيديولوجية أساسا.. ولم يصل منهم إلى وعي وجوب النضال من أجل مجتمع الديمقراطية إلا القليل.. كما عاد البعض منهم إلى تقليد إبداع الماضي التقليدي بكيفية لاتصل حتى إلى مستواه.. وصمت البعض الآخر أيضا..
وإلى جانب أدباء هاتين الإيديولوجيتين ، ظهر أدباء آخرون انخرطوا منذ البداية في مشروع النضال من أجل مجتمع الديمقراطية والحداثة..
أما بالنسبة لغيابي عن الساحة الأدبية ، فالمؤكد أنه يعود إلى مجموعة من العوامل أبرزها ذلك اليأس العميق الذي أصابني بعد انهيار المنظومة الاشتراكية ، وذلك السير شبه القطيعي للجماهير نحو حظيرة الأصولية ، إلى جانب ماكنت أراه من سلوكات ريعية ونفاقية يمارسها الكثير ـ للأسف الشديد ـ من المحسوبين على الأدب والثقافة في ملتقياتهم شبه الفلكلورية .. كما أشير إلى غياب المنبر الثقافي الجاد والمتواصل في صدوره، والمتحرر في أفكاره ورؤاه وتصوراته ومواقفه من هيمنة المتنفذ،، مع احترامي طبعا لبعض الجهود النادرة التي تحفر رغم كل شيئ في الصخر بحثا عن قطرة ماء الحياة، والتي أحييها من كل قلبي، وأعتذر لها عن عدم تواصلي معها كتابيا لكسلي ويأسي تارة، وللمهنة التي أمارسها وأتألم من خلالها وأنا أفكر في كيف يكون مصير هؤلاء الذين أعلمهم مستقبلا في واقع يبدو رماديا إلى حد القنوط أحيانا، ولذلك التسيب المفرط الذي أراه في مؤسساتنا التعليمية، وفي غيرها من مؤسسات القطاعات الأخرى ، تارة ، وأخص بتحيتي هذه الزملاء الأدباء المشرفين على منابراليوم الأدبي وصوت الأحرار الثقافي ومجلات الاختلاف والتبيين والقصيدة.. وأتمنى من كل قلبي أن أخرج من حالتي هذه..
س3: تكلمت كثيرا عن الإيديولوجيا..ألا ترى أنها ـ باعتبارها تعبيرا عن صراع الواقع وانعكاسا له ومساهمة في تكوينه وتأجيج صراعاته تلك ـ قيدٌ يحد من تفاعل المثقف/ الأديب مع واقعه بما يحدث فيه من تغيرات وما تتطلبه تلك التغيرات من رؤى ومواقف وتصورات جديدة؟
ج: هكذا يرى بعض المثقفين ، وهو رأي صحيح نسبيا، حيث تتحول الإيديولوجيا إلى وثن مقدس يحد من تواصل متبنيها مع المتغيرات المحلية التي تلحق مجتمعه، والمتغيرات العالمية التي تفرض على مجتمعه التفاعل معها ، خاصة ونحن منخرطون ـ شئنا أم أبينا ـ في ظاهرة العولمة بأبعادها المعقدة..
صحيح ذلك.. لكن.. علينا أن نفرق بين مثقف العقل الضحل ومثقف العقل العميق ـ إن صح التعبير ـ حيث مثقف العقل الضحل يعجز عن استيعاب تلك المتغيرات فلا يدرك حاجات مجتمعه الجديدة ولا يستجيب لها، ويبقى بذلك يجتر تعبيره بتكرارية سيئة، كما يبدو مثلا عند الذين يكثرون مما يسمونه بالوطنيات ، والذين يخدمون بوطنياتهم تلك وأساسا هذا المتنفذ سياسيا وماليا ، من حيث إنه ( ذلك المتنفذ) يصر على توظيف ما يسميه مشروعية الثورة كإيديولوجيا للبقاء مسيطرا..
أما المثقف/ الأديب الآخر ، أعني مثقف / أديب العقل العميق والإحساس الفني الأصيل ، فإنه يستوعب وبقوة مرحلته ويعي متغيراتها وتفاعلاتها محليا وعالميا فيستجيب لحاجات مجتمعه في تلك اللحظة .. وواضح أن هذا المثقف /الأديب لايمكنه أن يكون إلا مثقفا نقديا ، ولعل الذين تبنوا الاشتراكية ونقدوا سلبيات تطبيقها وفضحوا تناقضات المسؤولين عن تطبيقها ـ دون هوادة وبصدق ـ ثم وقفواـ دون مواربة ـ ضد تحالف الريعية والأصولية ، ويقفون الآن ضد دولة الاستبداد ، متطلعين إلى دولة الديمقراطية ، دولة القانون والتداول على السلطة ، وإشراك الجماهير في اختيار مسيري أمورها المشتركة ومراقبتهم ومحاسبتهم، ومحاربة التبذير والفساد الذي يعم واقعنا ، إدراكا منهم بأن دولة الاستبداد لايمكن أن تعامل الجماهير التي تحكمها إلا كرعية قطيعية (من القطيع ) قاصرة لاكمواطنين أحرار ، وترجئ بذلك ـ وإلى مالانهاية ـ إدخال مجتمعها في عالم الحداثة بماهي حالة عقلية وسلوكية وآليات تسيير ..إلخ.. فيما هي تستعمل كل المنتجات المادية لتلك الحداثة، ودون أي خجل، فاصلة بذلك بينها(الحداثة) باعتبارها مناخا اجتماعيا عاما لايمكن تحقيق التقدم بدونه ، وبين منتجاتها التي لولاها (الحداثة) ماكانت لتكون، أعني تلك المنتجات بكل أنواعها ... ـ وهم بالمناسبة المثقفون والأدباء الأكثر عمقا وصدقا في راهننا ـ .. أقول لعلهم خير مثال على ذلك..
س4: وأين هو الشعر ياترى من كل ذلك؟
ج: الشعر المتميز بصدقه وعنفوانه هو شعر تخط ـ بالضرورة ـ وشعر أعماق, ومن منطلق ذلك هو يحيل إلى نوع من قطع التواصل مع المتكرر المتشابه من شعر الآخرين سواء في مرحلته أو مرحلة ما قبلها ، ليدل بقطعه ذاك على رفض مجتمع القطيع الذي تصر الأنظمة المستبدة في كل مكان وزمان على إبقاء مجتمعها عليه .. إنه إذن شعر الفرادة ، أي شعر الديمقراطية كحلم مشروع يراود شعراءه ويدفع بهم أكثر إلى مناهضة سكونية واقعهم القطيعي ذاك.. ولا يعنيني في هذا الإطار ذلك الشعر الذي يجتر أصحابه همومهم الذاتية الخاصة ، بماهي أنانية لا تعير أدنى اهتمام للآخر المقموع بفعل استبدادية الأنظمة وأعوانها في مختلف المستويات ، وإنما أعني ذلك الشعر الذي ينطلق من فرادته ليعانق الآخر بحميمية عميقة ويعبر عنه من خلال ذاته المشبعة به وبأحلامه ، ذلك أنني لا أعفي الشاعر والمثقف عموما من مسؤوليته الاجتماعية التي تفرض عليه تبني موقف الإنسان النبيل الذي يحس بآلام الآخرين ويتفاعل مع أحلامهم في بناء مجتمع العدل والفاعلية, وهو المجتمع الذي لايمكن تصور وجوده إلا في التأسيس للديمقراطية الحقيقية ، لاديمقراطية الهف التي هي ديمقراطية الواجهة العاملة على الالتفاف على الديمقراطية الحقيقية وخنق بذورها في المهد ، كما هو حاصل ويحصل في الكثير من أقطار العالم العربي ..وأعتقد أننا مازلنا نفتقد , وإلى حد بعيد هذا النوع من الشعر الذي كان من الممكن أن يوجد بدء من دخولنا مرحلة التحولات التي بدأت في ثمانينيات القرن الماضي ، لولا ثور الأصولية الذي انطلق ـ وبمباركة من المتنفذين ـ باندفاع شديد لينقذ السلطة آنذاك من تلك الديمقراطية الناشئة ، وليجعل أرض الجزائر بعد ذلك يبابا ، ويتيح للريعية أن تتعشش أكثر في دواليب السلطة ، ويعطيها الوقت الكافي للبحث عن وسائل وأساليب الهف ، ويولِّد أيضا وتولِّد السلطة معه يأسا فضيعا عم الواقع وأدى بالشعراء إلى اجترار آلامهم والدوران في حلقة التجريب اللغوي الجاف ـ إن صح التعبير ـ ولم ينج من هذه الحالة إلا بعض الشعراء القلائل الذين ارتكزوا على قاعدة ثقافية متينة أنقذتهم من الوقوع في شرك ذلك اليأس وتلك التجريبية البائسة ، وجعلت من نصوصهم نصوص الراهن فعلا ، الراهن بما هو طموح مشروع للخروج من تضييق أفق أحلام الجماهير و ملء قلوبها بالخوف ، ومن حرمانها من بناء مجتمعها المدني الذي يربي فيها الحس تدريجيا بمسؤوليتها الاجتماعية حتى تكون فاعلة مؤثرة في بناء المستقبل ..
صحيح أنني أتفق مع المفكر اللبناني علي حرب في أنه على المثقف ـ بمافيه الشاعر ـ أن يكف عن الادعاء بأنه حامل لواء التغيير في مجتمعه ، وأن التغييرالإيجابي مسؤولية كل الأطراف الاجتماعية .. لكنني أؤمن أيضا بأن على هذا المثقف/ الشاعر أن لاينتظر حتى يتحرك الآخرون ليتحرك ، تماما كما لايصح أن ينتظر كل طرف من الآخرين تحرك الأطراف الأخرى ، وإلا استحال التغيير وازداد اليأس أكثر, وهو ما يعني أن على كل الأطراف أن تبادر إلى الاندماج في العمل من أجل ذلك التغييربدل الوقوف في صف الانتظار الذي طال كثيرا، كثيرا.. وهو مايعني أنه على الشاعر والمثقف عموما أن يتفاعل مع كل أطراف المجتمع الأخرى وأن يعكس طموحاتها إلى ذلك التغيير باعتباره حامل و فاعل التواصل بينها ، وإلا بقي كل طرف يغرد وحده ..
وبمعنى آخر: إذا كان فعل تغيير الاستبداد بماهو ممارسة سياسية واجتماعية وذهنية وثفافية هو مسؤولية الجميع ، فإن مسؤولية المثقف بماهو فاعل أساسي في تغيير الذهنيات والمشاعر مسؤولية كبيرة ، وعليه أن لايغمط حقه في الشعور بها والعمل انطلاقا منها ، لأنه ـ كمثقف متحرر وتحرري ـ إذا لم يمارس فعله ذاك وبمسؤولية فإن الساحة لاتبقى فارغة ،لأن هناك من يتربص بها للانقضاض عليها وملئها ـ وهو ما يحدث فعلا وبشكل مكثف ـ وأعني بالمتربص هنا ذلك الفقيه الأصولي الذي هو السند الرئيسي لأنظمة الاستبداد ، والمساهم الأكبر في فقر العقول وضحالة المشاعر الإنسانية..
وعلينا أن ندرك بأن التفاعل الإيجابي مع العولمة والاستفادة بما تتيحه من فرص معرفية وعلمية متنوعة لايتحقق إلا للمجتمعات التي تترسخ فيها الديمقراطية أكثر ، ويلعب المجتمع المدني الحقيقي دوره فيها، ذلك أن الديمقراطية الحقيقية ، ديمقراطية الشفافية والوضوح والمسؤولية ، هي التي تحقق للفرد مواطنته التي تجعله يعتز ببلاده ويتحمل مسؤوليته بوعي
وإنسانية في العمل على تطويرها , وخارج ذلك لايمكننا أن ننتظر سوى الانغراز أكثر في وحل التبعية الجارفة، وازدياد اليأس والتسيب والأنانية المفرطة والتوحش أكثر..
وهو ما يعني أنه على المثقفين النقديين وبشتى مواقع تواجدهم أن يتكتلوا ويعملوا مع باقي أطراف المجتمع الأخرى ( نقابات وأحزابا ديمقراطية وجمعيات)على التمكين للمجتمع المدني لبناء دولة القانون ،دولة فصل السلطات عن بعضها واستقلال كل واحدة منها بذاتها ، بدل هذا التفرج المؤلم وذاك الصمت المطبق على ما يتعرض له زملاؤهم في النقابات المستقلة من قمع واضطهاد ومحاكمات ، وما تتعرض له الأحزاب الديمقراطية من تهميش ، وما يتعرض له الصحافيون المستقلون من تهديدات ومحاكمات ، وعليهم أيضا أن يطالبوا بفتح مجال الإعلام المرئي المستقل ، بدل إصرار السلطة على أحادية إعلامها..
س5: ماذا عنك أنت شعريا وقصصيا في هذه الإيديولوجيا التي تحدثت عنها كثيرا؟
ج: في شعري وحتى في قصصي تختلط الأوهام والأحلام، وتتعانق الوقائع والتخيلات ، حيث تأخذني أصوات اللغة وإيحاءاتها إلى البعيد فأغوص في لذاتها ، وحيث يجذبني عالم ذاكرتي الباطني بما تراكم فيه من صور وأحداث وما تكثف فيه من خيبات فيفرض علي فتح بابه والولوج فيه وبه ومنه إلى كتاباتي حزينا وسعيدا في نفس الوقت ..
لكنني لاأنسى في كل ذلك ، وإطلاقا ، أصلي ومنبتي ، فيبرز هذا البسيط المهمش من الناس ليكون البوصلة التي توجهني, وهذا المقموع من الأحلام والتطلعات فيكون الوهج الذي يلفني ويضمني.. وبذلك البسيط وهذا المقموع المهمشَيْن معا والمحارَبيْن أسير حيث تجذبني الأحلام إليها ، فيكون فرحي وربما وهمي..ففي أية إيديولوجية ياترى تراني..؟
س6: تحدثت عن البسيط من الناس فقلت مهمشا , وعن الأحلام والتطلعات فوصفتها بالمقموعة..فبماذا همش هذا البسيط؟ وبماذا قمعت تلك الأحلام والتطلعات في اعتقادك؟
ج: بسطاء النا س هُمشوا بضغط أخلاق وسلوكات الريعية الفضيعة، أما الأحلام والتطلعات فقد قُمعت بضغط سلبية الاجتماعي ولا مبالاته وضياع أفراده في عالم الخلاص الذاتي , حسب تعبير أحد المفكرين ، سواء في علاقتهم(الأفراد) بدنياهم، حيث يمارسون كل السلوكات ويقومون بكل الأفعال التي يرونها منجية إياهم من عالم الفقر ، فيغشون ويسرقون ويرتشون وينهبون المال العام ويبيعون حتى شرفهم ويدوسون على اقرب المقربين إليهم، من أجل أن يغتنوا..أو في علاقتهم بأخراهم ، حيث يؤدون الشعائر الدينية بشكل مفرط ، معتقدين أيضا أن ذلك يضمن لهم الدخول إلى الجنة والنجاة من النار.. لكنهم وهم في حالتهم تلك لايلتفتون إطلاقا إلى واقعهم العام، إلى الآخرين معهم ، فلا تجد فيهم يقضة ضمائر ولا شعورا بالمسؤولية تجاههم(الآخرين) ، بل على النقيض من ذلك ، تجدهم يخضعون أكثر وهم يبحثون عن خلاصهم الذاتي لثقافة الاستهلاك التي تأخذهم حيث تشاء في واقع متاهات خواء الروح وقحط العقل وضيق - إن لم أقل انغلاق - أفق التواصل الحميمي مع الآخرين محليا وعالميا، وبذلك يزدادون دورانا في الفراغ وضياع المخيلة وسرعة الوقوع في حبائل احتيال المتنفذين ، وتضيع منهم بوصلة التوجه السليم..
س7: الطيب طهوري القاص والشاعر المتحصل على جائزة مفدي زكرياء عام 1995 .. كيف تقيمون هذه التجربة بعد كل هذه السنوات ؟
ج: أعنقد أن جائزة مفدي زكرياء المغاربية للشعر وجائزة الهاشمي سعيداني للرواية التي سنت مؤخرا ومن نفس الجمعية الثقافية، جمعية الجاحظية , وبعض الجوائز الأخرى القليلة, تكون ـ مجتمعة ـ تجارب رائدة وتقاليد إيجابية في بلدنا، لكنها ـ للأسف الشديد ـ لايمكن لها وحدها أن تؤسس لفاعلية ثقافية مسؤولة تبرز الإبداع الثقافي الجزائري بشتى أنواعه وتعرف به عربيا وعالميا في غياب الجوائز والمنابر الثقافية القارة الأكثر اتساعا وتعددا محليا وجهويا ووطنيا ، والأكثر تثمينا ماديا ومعنويا لمختاف المبدَعات الثقافية , والأكثر فتحا لمجال النقد ودفعا لأصحاب القدرات النقدية على الانخراط الجاد فيه .. وكم تمنيت كما تمنى الكثير من زملائي ، أدباء ومثقفين ، وجود هذه المنابر وتعدد تلك الجوائز .. لكنها السياسة الثقافية في بلدنا ـ رغم شكي في وجودها أصلا ـ التي حتمت على الكثير من مبدعيها ومثقفيها اللجوء ـ مضطرين ـ إلى النشر خارجها ، ليكون نصنا الإبداعي والثقافي عموما نصا مهاجرا ، تماما كما هاجر الكثير من أبنائها المستنيرين، لتبقى عقولنا وأذواقنا ترعى فيها العناكب ويغطيها غبار القحط الثقافي ..
هكذا هي الجزائر التي رفعت وترفع في السنوات الأخيرة شعار الإصلاح الذي لم يؤد ـ للألم الشديد ـ إلا إلى الخراب .. ذلك أن الإصلاح لايمكن أن ينجح ويحقق نتائجه الإيجابية ـ إن كان حقيقيا وصادقا ومسؤولا ـ إن لم تكن هناك سياسة ثقافية مسؤولة ، وفعل ثقافي يبني وعي الناس ويؤنسنهم .. ولعل ما لحق الجزائر من مآس ماهو إلا النتيجة الطبيعية لغياب هذا الفعل الثقافي وتلك السياسة الثقافية ..
وهكذا.. رفعنا شعار الإصلاح السياسي وتبني الديمقراطية فكان العنف وكان الاستبداد أكثر..
وبادرنا إلى ما سميناه الإصلاح الاقتصادي فكان تسريح العمال وإفلاس المؤسسات الاقتصادية وانتشار اقتصاد الريع والمضاربة والنهب والتبذير.. وامتناع المستثمرين الأجانب عن القدوم إلينا ، وهم يرون أصحاب رؤوس الأموال الجزائريين يفرون منها..
وبدأنا ماقلنا عنه إصلاحا اجتماعيا فكان الفساد الأخلاقي الرهيب..
والإصلاح الإداري فكانت الرشوة والمحسوبية والجهوية...
وها نحن نبدأ إصلاح التعليم فنطبع ملايين الكتب وندخل الإعلام الآلي إلى مؤسساتنا التعليمية ونغير في البرامج والمناهج ونفتح الكثير من المطاعم المدرسية مستغلين ريع البترول الذي ارتفع سعره عالميا.. لكننا في مقابل ذلك نهين مربينا ونحتقرهم ونفقرهم بل ونضطهدهم ونقمعهم ، مع أنهم هم ركيزة الإصلاح الحقيقي الأساسية .. وهل يمكن تكوين نشء متحرر ومسؤول فعلا بملء نفوس مكونيه باليأس والخوف والقنوط ؟..
قد يسأل البعض ـ ويجب أن يسأل ـ : وما علاقة كلامك هذا بنص أو محتوى السؤال؟ .. فأجيب: إن الجوائز الثقافية فعل حضاري يهدف أساسا إلى المساهمة في تحبيب الثقافة للناس ومن ثمة المساهمة في رفع مستوى وعيهم, وقبل ذلك رفع مستوى منتجي الثقافة بالتشجيع على التنافس الإبداعي بينهم ، والمساهمة معهم ومن خلالهم في أنسنة أولئك الناس وجعلهم أكثر وعيا بمصالحهم ومصالح مجتمعهم ، حتى يكونوا مواطنين حقيقيين لا رعايا خاضعين لا يلتفت إليهم إلا في الانتخابات..
س8: تظاهرة الجزائر عاصمة الثقافية العربية 2007 على الأبواب.. ماذا تنتظرون من هذه المناسبة؟
ج : تنتقل الثقافة العربية في السنوات الأخيرة بين عواصم دولها القطرية .. فماذا يعني ذلك؟.. ألا يمكن القول بأنه انعكاس لانقطاع التواصل الثقافي و... بين هذه الدول؟.. والسؤال الذي يفرض نفسه : لم لاتكون هذه المدن/ العواصم عواصم ثقافية حقيقية دائمة لهذه الثقافة؟.. وما محل المدن الأطراف هنا؟.. هذا عربيا..
أما جزائريا.. فهاهو اتحاد الكتاب الجزائريين يشمع ونحن على بعد خطوات من بدء هذه السنة الثقافية .. تماما كما شمعت عقول بعض كتابه المتنفذين ،أو الذين يسعون إلى التنفذ ، بعقلية الريع ، حيث حولوه إلى وكالة سياحية خاصة، يستفيد من خدماتها القائد والمقربون إليه من أنصاره، وتسير أموره بثقافة الإقصاء ، إن كانت تلك الثقافة ثقافة أصلا، بدل ثقافة التواضع والانفتاح على الآخر المختلف والتواصل معه..
وهاهو محافظ هذه السنة يقال، أو يستقيل، بعد ستة أشهر من تنصيبه ـ بغض النظر عن أسباب تلك الإقالة، أو الاستقالة ، والتي أعتقد أنها لا تخرج عن نطاق عقلية الريع أيضا ـ .. وهو ما يعني أننا لم نخرج بعد من عقلية العصبية والتعصب..
فماذا يمكن أن ننتظر من هذه السنة ياترى، غير ماتمخضت عنه سنة الجزائر الثقافية في فرنسا والتي خصصت لها مبالغ ضخمة على حساب خدمة الثقافة في بلادنا التي تبقى دائما في آخر اهتمامات مسؤولينا؟..
ـ هل تتوزع التظاهرات الثقافية المتنوعة ( محاضرات وندوات وأمسيات واحتفالات) على مختلف المدن الجزائرية، أم تقتصرـ كعادة معرض الكتاب الدولي ـ على العاصمة وحدها؟..
ـ هل تكون سنة ثقافية حقيقة ، بالمفهوم الشامل والمسؤول للثقافة من حيث إنها تزرع حب الحرية في النفو س وتملأ العقول بوعي واقعها.. أم ستكون ثقافة مهرجانية تركز على الضجيج وملء الفراغ ؟..
ـ هل تنقل على المباشر كماهو الحال مع المقابلات الرياضبة ، أم تحاصر بالبقاء بين جدران القاعات التي تقام فيها؟..
ـ هل تطبع محاضراتها وندواتها وأمسياتها الأدبية( والفنية ) وتوزع على دور الثقافة ومختلف الجمعيات الثقافية، أم تنتهي بانتهاء عام 2007؟..
أسئلة كثيرة تفرض نفسها .. لكنني متأكد أنني لن أجد الإجابات المسؤولة عنها ، ذلك أن دولة في مثل مساحة الجزائر الواسعة وتعداد سكانها الذي يتجاوز الثلاثين مليونا وكثرة مثقفيها وجامعاتها ، ولاتوجد فيها حتى مجلة ثقافية قارة ومحترمة ، ولا مؤسسة لتوزيع الكتاب ، وتغلق فضاءاتها على الكتاب العربي والمجلة العربية ، ولا يعرف الكثير من أدبائها ومثقفيها بعضهم البعض وهم أبناء بلد واحد، ولا يقرأ معظمهم ماتنشره رابطة الاختلاف أو جمعية الجاحظية أو اتحاد الكتاب ، نتيجة عدم وصول منشوراتها إلى القرى والمدن البعيدة عن العاصمة وربما حتى القريبة منها ، حيث يتواجدون ، وأيضا لضعف قدرة معظمهم الشرائية التي لاتسمح لهم بشراء مايوجد منها أحيانا ، وهو(وجودها) أمر نادر... لايمكن أن تقدم الإجابات المسؤولة أبدا..
فماذا أنتظر أو تنتظر أو ينتظر الآخرون من المحملين مثلنا بهموم الوطن وناسه؟..
ومع كل ذلك ، يفرحني أن تكون الجزائر عاصمة للثقافة العربية، ويفرحني أكثر أن تكون عاصمة دائمة.. وبالتأكيد يتعمق
فرحي عندما تصل مدينتي والمدن الأخرى بعض منشوراتها، لأشتري البعض من هذا البعض ، وذلك بالتحايل على أجرتي التي أسرق عادة منها ما أصور به بعض الكتب التي أستعيرها من بعض أصدقائي لأخفف عن نفسي بعض ألمها الذي يفرضه امتلاء المكتبات التي أدخلها بكتب الطبخ والكتب المدرسية المتشابهة وكتب الدين التقليدية التجميعية وحدها، وحيث يخرج الباحث عن كتب الإبداع وكتب الحداثة الجادة فارغ اليدين....
ـ كلمة أخبرة..
شكرا لك على إتاحة هذه الفرصة لي لأبوح ببعض مشاعري، وأقول بعض آرائي، وأتحدث عن بعض همومي ، وأعبر عن بعض مواقفي..
وشكرا للمنبر الثقافي الذي سينشر هذا اللقاء.. شكرا.
__________________




رد مع اقتباس