عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 16-12-2006, 06:52 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي

الدّولةُ السُّعودية الثّانية

قامت على الأسس نفسها التي قامت عليها الدولة السعودية الأولى من العمل على تصحيح العقيدة وتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية. وإذا كانت الدولة السعودية الأولى قد انهارت سياسيًا، إلا إنها في الوقت نفسه تركت في البلاد النجدية مقومات قيام الدولة السعودية الثانية، إذ ظلت مبادئ الدعوة السلفية الإصلاحية ماثلة في أذهان الناس، وظل المجتمع النجدي يكن ولاء واحترامًا للأسرة السعودية التي وحدت البلاد في ظل دولة إسلامية تؤمن بالإسلام عقيدة وشريعة ونظام حياة، ووفرت الأمن والاستقرار والرخاء، وتبنت نشر الدعوة والدفاع عنها وعن أتباعها ضد القوات العثمانية والمصرية. ويأتي على رأس هؤلاء المؤيدين الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأئمة الدعوة من أبنائه وأحفاده، وعلماء البلاد، وكلهم أصحاب نفوذ وتأثير في مجتمعهم لما كانوا يتمتعون به من منزلة دينية وعلمية محترمة ومقدَّرة من قبل الجميع.

وزاد تقرب الناس في نجد من السلطة السعودية، ذات الطابع الديني والوطني والمحلي بسبب ما وصلت إليه أوضاعهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية من تَرَدٍ، بالإضافة إلى سوء المعاملة التي عاملهم بها جنود محمد علي باشا أثناء حروبهم في نجد، وبعد انسحابهم منها. فقد عذبت عددًا من العلماء، والأهالي، ودمّرت الدرعية، وضربت أسوارها بالمدافع. وأسر إبراهيم باشا حوالي أربعمائة من العلماء والزعماء والشيوخ، وبخاصة كل من أمسكوا به من آل سعود، وآل الشيخ. وبناءً عليه، فقد عالج كل من محمد علي باشا وابنه إبراهيم باشا المسألة النجدية من زاوية سياسية فقط، واعتقدوا أنه الحل دون النظر إلى القضايا الأخرى في المسألة، تلك القضايا التي ظلت تشكل الحجر الأساسي في قيام الدولة السعودية الثانية. ومن أكبر أخطاء الدولة العثمانية وواليها محمد علي باشا أنهم ظلوا يقدرون الأمور والمسائل الشائكة وعلاجها من منطلق مفهوم سياسي فقط.

مقومات قيام الدولة السعودية الثانية

جهود الأمير مشاري بن سعود آل سعود.

حاول محمد بن مشاري بن معمّر أن يسد الفراغ السياسي الذي أحدثه رحيل إبراهيم باشا عن الدرعية والأراضي النجدية الأخرى فيما بعد. وقد راودت ابن معمّر فكرة بناء وحدة سياسية في نجد تكون بزعامته وزعامة أسرته، وهو لا يمانع من أن يدين بولائه للدولة العثمانية ممثلة في سيادة محمد علي باشا. إلا أن محاولة ابن معمّر فشلت لا بسبب عجزه، وإنما بسبب ظهور الأمير السعودي مشاري بن سعود الكبير، أخي الإمام عبد الله بن سعود، آخر أئمة الدولة السعودية الأولى، وهو مطالِب شرعي بالحكم في نجد وغيرها من مناطق الجزيرة العربية التي كانت تحت السيادة السعودية في عهد الدولة السعودية الأولى. فقد هرب الأمير مشاري بن سعود الكبير من حراسه أثناء توجه قافلة الأسرى السعوديين من المدينة المنورة إلى ينبع. فعاد إلى نجد، ووصل الوشم وجمع الأنصار والأعوان من مؤيدي آل سعود وتوجه بهم إلى الدرعية، فتنازل له محمد ابن مشاري بن معمَّر عن الحكم لكنه ظل يبطن غير ما يظهر، مستخدمًا أسلوب اللين ثُمّ عاود الدهاء في التعامل مع الأمير السعودي مشاري بن سعود الذي أيده الناس وبايعوه على الحكم.

بعد فترة قصيرة خرج ابن معمّر من الدرعية وتوجه إلى بلدة سدوس بحجة زيارة أقاربه فيها، لكنه أخذ يجمع الأنصار وشكل منهم قوات تدعمه وتمكنه من السيطرة على الحكم في الدرعية، وهو أمر ظل يراوده كثيرًا. وقد استمال إلى جانبه الشيخ فيصل الدويش، شيخ قبيلة مطير الذي أرسل إليه عددًا من أتباع قبيلته، وقد تمكن محمد بن مشاري بن معمر من الهجوم على الدرعية ولم يتمكن مشاري بن سعود من الدفاع عنها، فألقى ابن معمّر القبض عليه، وزجّ به في السجن، ثم أرسله بعد ذلك إلى سدوس. ثم تقدم ابن معمر إلى الرياض ودخلها بعد أن كان الأمير تركي بن عبد الله قد خرج منها عندما سمع بقدوم ابن معمّر وقواته إليها. وهكذا تمكن ابن معمّر من انتزاع الحكم من الأمير مشاري بن سعود، مصممًا على مد نفوذه في ربوع نجد. وأرسل ابن معمّر إلى القيادة العثمانية المصرية أخبار ما حدث، معلنًا ولاءه لتلك القيادة، وهي أعمال تُعدّ موافقة لمصالح الدولة العثمانية في المنطقة.

أما عن مصير الأمير مشاري بن سعود الموجود في السجن في سدوس، فقد سلمه جماعة ابن معمّر إلى قيادة القوات العثمانية المصرية المرابطة في سدوس، وقد أرسلته تلك القيادة بدورها إلى قيادة القوات العثمانية المصرية في عنيزة، وهناك وُضع في السجن ومات فيه عام 1236هـ،1820م. وتُعدّ محاولة الأمير مشاري بن سعود في سبيل إعادة مجد أسرته السياسي والاجتماعي محاولة سعودية أولى جادة هدفها إعادة بناء الدولة السعودية في دورها الثاني، إلا أن محاولته هذه جُوبِهت بحركة محلية مضادة هدفها هي الأخرى بناء وحدة سياسية محلية تابعة للدولة العثمانية تكون بزعامة أسرة آل معمّر، أمراء العيينة قبل قيام الدولة السعودية الأولى. وقد رأى العثمانيون تدعيم تلك القوة المحلية، ما دامت تدور في فلكهم وتحت لوائهم. وعليه فإن ظهور زعامة الأمير مشاري بن سعود كانت قد تزامنت مع تحديات القوى النجدية المحلية غير القوة السعودية في منطقة نجد، وتزايد قوة القوى المحلية الأخرى خارج نجد، وهي أمور أعاقت نجاح حركة مشاري ابن سعود، بالإضافة إلى عداوة الدولة العثمانية لآل سعود وأتباعهم.

جهود الأمير تركي بن عبد الله آل سعود.

ظهر الإمام تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود على مسرح الأحداث السياسية في بلاد نجد في عهد إمارة محمد بن مشاري بن معمّر الذي كوّن إمارة قصيرة العهد في الدرعية وما حولها من بلدان مثل الرياض. وكان ذلك في أعقاب رحيل إبراهيم باشا عن الدرعية. وحاول ابن معمّر بذلك أن يكوّن إمارة نجدية محلية تحت زعامة أسرة آل معمّر، وتابعة للعثمانيين وواليهم محمد علي باشا.

وتبين الروايات التاريخية النجدية أن تركي بن عبد الله أيد ابن معمر وسانده ودعمه يوم أن ظهر في الدرعية بعد رحيل إبراهيم باشا عنها. ولكن موقف تركي وولاءه لابن معمّر قد تغير تمامًا بعد ما غدر بابن عمه مشاري بن سعود.

دأب الأمير تركي بن عبد الله في فترتي حكمه على إعادة تكوين الدولة السعودية بعد انهيارها على يد إبراهيم باشا. ففاجأ محمد بن مشاري بن معمّر في الدرعية وألقى عليه القبض، وتولَّى الحكم فيها، وأيده سكانها. ثم هاجم الرياض ودخلها وألقى القبض على مشاري بن محمد بن معمّر،. وبهذا يكون الأمير تركي بن عبد الله قد سيطر على مقاليد الحكم بعد أن أزاح من طريقه قوة محلية نجدية منافسة هي قوة آل معمّر ونفوذهم في المنطقة. وقرر تركي ابن عبد الله أن يتخذ من الرياض عاصمة له عوضًا عن الدرعية التي تحطمت فيها كل وسائل الدفاع عنها مثل القلاع والحصون والأسوار وما إلى ذلك. وقد اشترط تركي على محمد بن مشاري بن معمّر وابنه مشاري أن يعملا على إطلاق سراح ابن عمه مشاري، وإلا قتلهما. ولما كان أتباع ابن معمر قد سلموا مشاري بن سعود إلى خليل آغا القائد العثماني في بلدة سدوس، وهو بدوره نقله إلى القيادة العثمانية في عنيزة، ومات هناك في السجن، لذا نفذ تركي بن عبد الله فيهما حكم القتل عام 1236هـ، 1820م.

هاجم فيصل الدويش رئيس قبيلة مطير، ومعه عدد من القوات العثمانية المرابطة في عنيزة الرياض، لكن تركي بن عبد الله وقواته المرابطة داخل المدينة، صدوا الهجوم، وصمدوا في وجه حصار قوات فيصل الدويش للرياض، مما اضطر معه فيصل الدويش إلى رفع الحصار عن الرياض والرحيل عنها، متوجهًا بقواته صوب منطقة الوشم لإعداد حملة قوية يكون بإمكانها السيطرة على الرياض، معتمدًا بذلك على القوات العثمانية التي وصلت إلى نجد تحت قيادة القائد العثماني حسين بك، والتي أرسلها محمد علي وابنه إبراهيم باشا إلى نجد لتقويض دعائم السلطة السعودية التي ظهرت من جديد محاولة إعادة تأسيس الكيان السعودي في دوره الثاني.

وصلت القوات العثمانية المصرية إلى منطقة الوشم برئاسة حسين بك، وفي الوشم انتدب حسين بك أحد ضباطه عبوش آغا (آبوش آغا) للتوجه صوب الرياض من أجل احتلالها والقضاء على حكم تركي بن عبد الله، وترتيب الأوضاع الأمنية والإدارية في المنطقة.

اضطر تركي بن عبد الله أن يخرج سرًا من الرياض بعد حصار عبوش آغا وقواته لها، متوجهًا إلى بلدان جنوب الرياض. وبعد أن احتل عبوش آغا بلدة الرياض وصل حسين بك إليها وأمّر فيها ناصر بن حمد العائذي وعند رحيله من نجد ترك حاميات من العسكر في أمهات مدن نجد وفتك بمن يظن بهم مقاومة العثمانيين، وعمل في القرى قريبًا مما عمله إبراهيم باشا فعمت الفتن والحروب، وضربت الفوضى اطنابها من جديد، فقتل رئيس حامية الرياض إبراهيم كاشف وأميرها ناصر بن حمد العائذي. ومهدت هذه الأحداث لظهور تركي مرة أخرى حيث قدم في رمضان عام 1238هـ، 1822م من بلدة الحلوة لاستئناف الكفاح من جديد لاستعادة ملك أبائه، واتخذ من بلدة عرقة مركزًا لعملياته الحربية ضد المحتلين.

هاجم تركي وقواته التي جمعها من البلدان النجدية القوات العثمانية المصرية الموجودة في منفوحة والرياض. واستطاع في أول الأمر أن يقضي على مقاومة جند الدولة العثمانية في بلدة منفوحة في أواخر عام 1239هـ، 1824م، ويكون بذلك قد قضى على معقل من معاقل القوات العثمانية المصرية في منطقة العارض.

وفي مطلع عام 1240هـ، 1824م، توجه تركي بقواته من منفوحة إلى الرياض، فحاصرها حوالي شهر، لكن جندها من العثمانيين والمصريين صمدوا في وجه الحصار إلى أن وصلتهم قوات نجدة بقيادة فيصل الدويش الذي ظل يؤيد محمد علي وقواته، وتمكن فيصل الدويش من فك الحصار عن الرياض، وانسحب تركي إلى بلدة عرقة. ولما رحل فيصل الدويش مع قواته عاود تركي الهجوم على الرياض، وحاصرها حصارًا شديدًا، فاضطر القائد العثماني أبو علي المغربي إلى طلب الصلح في مطلع عام 1240هـ،1824م فقبل الأمير تركي ذلك شريطة أن يخرج مع قواته من الرياض ويرحل بهم إلى خارج نجد، علمًا بأن القوات العثمانية المصرية كانت عادة تأتي من منطقة الحجاز، وعندما ترحل عن نجد تتوجه إلى الحجاز أيضًا.

وهكذا تمكن تركي بن عبد الله من دخول الرياض، وبايعه الناس إمامًا عليهم. ونشط هذا الإمام في إتمام مشروعه الكبير الرامي إلى توحيد البلاد النجدية تحت حكمه، ثم إعادة المناطق التي كانت تابعة للدولة السعودية الأولى وتوحيدها مع البلاد النجدية في إطار دولة واحدة تعيد أمجاد الدولة السعودية الأولى. وساعدت حركات أهالي نجد ضد القوات العثمانية المصرية، وعندما أجبرته على الرحيل من بلدان نجد، ساعدت على إنجاح مشروع الإمام تركي بن عبدالله. ونال الإمام تركي بن عبد الله تأييد معظم زعماء نجد وعارض مشروعه عدد قليل منهم، مما اضطر الإمام تركي ابن عبد الله إلى استخدام القوة العسكرية لإخضاعهم لسيادته، وسيادة الدولة السعودية.

وبفضل جهود الإمام تركي بن عبد الله، وبفضل ما لقيه من دعم وعون من أهالي نجد، تمكن هذا الإمام من توحيد جميع نجد في أواخر عام 1243هـ، 1828م. وتابع الإمام جهوده محاولاً استعادة المناطق التي كانت تابعة لدولة أجداده غير إقليم نجد. فاستطاع ضم منطقة الأحساء بكاملها، وضم أجزاء واسعة من أرض سلطنة عمان، وأيده سكان البادية ودفعوا له الزكاة، دلالة على التبعية لحكمه وسيادته. وبذلك استطاع الإمام تركي بن عبد الله أن يقيم الحكم السعودي الجديد، وينشر الأمن والاستقرار في ربوع البلاد. وقد ساعده ابنه فيصل بن تركي في إنجاح مشروعه الكبير عندما كان يقود القوات السعودية ضد المعارضين والمتمردين على حكم أبيه، وعندما كان يتولى شؤون الحكم والإدارة أثناء غياب والده، وبذلك يكون فيصل بن تركي قد ساعد أباه تركي ابن عبد الله في بناء صرح الكيان السعودي الجديد الذي ورث الدولة السعودية الأولى. وبفضل سياسة الإمام تركي ابن عبد الله الواعية، وحكمته وتجربته الإدارية والحربية وشجاعته وعدله، دخلت البلاد في عهد جديد من الأمن والاستقرار.

وكانت نهاية الإمام تركي بن عبد الله آل سعود مفجعة حقًا عندما قُتل في مؤامرة أواخر ذي الحجة عام 1249هـ، 1834م، دبرها ابن اخته الأمير مشاري بن عبد الرحمن آل سعود، وبعد وفاة الإمام تركي بن عبد الله أعلن مشاري بن عبد الرحمن آل سعود نفسه أميرًا على الرياض، ولكنه لم يتمتع بهذا الحكم أكثر من أربعين يومًا فقط، تمكن بعدها فيصل بن تركي بن عبد الله من استرداد الحكم.

وبهذا يكون تركي بن عبد الله قد حكم فترتين دامت الأولى من عام 1235ـ 1236هـ، 1819 ـ 1820م، والأخرى من عام 1238 ـ 1249 هـ، 1822 ـ 1834م.

جهود فيصل بن تركي آل سعود.

كان فيصل بن تركي من بين الأسرى السعوديين الذين رحلهم إبراهيم باشا إلى القاهرة بعد احتلاله الدرعية والقضاء على الدولة السعودية الأولى عام 1233هـ، 1818م. وظل في القاهرة حتى تمكن من العودة إلى نجد ليساعد والده تركي ابن عبد الله آل سعود في بناء الدولة السعودية التي كان يحاول تركي تأسيسها من جديد بعد رحيل إبراهيم باشا وقواته عن الدرعية وغيرها من بلدان نجد. وبالفعل، فإن فيصل بن تركي أصبح الساعد الأيمن لوالده.

كان فيصل، في الوقت الذي قُتل فيه والده تركي بن عبدالله، في المنطقة الشرقية، يعمل على توطيد الحكم هناك، وتنظيم إدارة المنطقة. وفي القطيف، اجتمع فيصل بمستشاريه وأعوانه مثل عبد الله بن رشيد، وعمر بن عفيصان، وقرر الجميع إرسال بعض القوات السعودية الموجودة في المنطقة الشرقية إلى الرياض للقضاء على حركة التمرد التي قادها مشاري بن عبد الرحمن ضد حكم تركي بن عبد الله آل سعود.

تمكن فيصل بن تركي من القضاء على مشاري بن عبد الرحمن آل سعود الذي وَليَ حكم الرياض بالقوة فترة لا تزيد على أربعين يومًا، وهكذا استطاع فيصل بن تركي أن يتسلم مقاليد الحكم، وبايعه الأهالي، وبدأت بذلك فترة حكم الإمام فيصل بن تركي المرة الأولى. واستطاع فيصل أن يعيد الاستقرار ويدعم الأمن في أرجاء البلاد السعودية التي كانت تابعة لحكم والده تركي. فوطد الأمن في ربوع نجد، والمنطقة الشرقية، بالإضافة إلى توطيد دعائم الحكم السعودي في مناطق من عُمان ومناطق الساحل العماني، ولقي تأييدًا كبيرًا في منطقة عسير وبذل فيصل أقصى جهده من أجل تثبيت دعائم الحكم السعودي في تلك المناطق.

فيصل يصطدم بأطماع محمد علي.

اصطدم مشروع فيصل بن تركي ومحاولاته من أجل بناء الدولة السعودية الثانية، وتركيز دعائمها، بأطماع محمد علي باشا وخططه التوسعية على حساب أملاك الدولة العثمانية في ولاياتها العربية. فثار محمد علي على الدولة العلية العثمانية، ودخل معها في حروب طويلة، وانتصر على قواتها، وضم إلى حكمه ولايات عثمانية عربية غير ولاية مصر. وقرر محمد علي باشا أن يثبت دعائم مشروعه الكبير الواسع في السيطرة على الجزيرة العربية التي كانت ضمن مشروعه هذا. وهنا كان لا بد أن تصطدم أطماع محمد علي باشا مع القوى المحلية في الجزيرة العربية وعلى رأسها القوة السعودية التي يقودها الإمام فيصل بن تركي، إذ أن فترة حكم الإمام تركي في المرة الأولى كانت قد تزامنت مع قيام محمد علي باشا بحركته الانفصالية ضد العثمانيين، وأهدافه ومشروعاته التوسعية في أجزاء من البلاد العربية التابعة لحكم الدولة العثمانية.

أرسل محمد علي باشا حملة عسكرية قوية على نجد بقيادة إسماعيل بك، ورافقه فيها الأمير السعودي خالد بن سعود الكبير، أخو الأمام عبد الله بن سعود الكبير، آخر حكام الدولة السعودية الأولى. ونلحظ هنا أن محمد علي باشا حرص كل الحرص على أن تكون حملاته الجديدة على نجد وغيرها، حملات قوية ومنظمة إلى حد ما لكي توازي أطماعه التوسعية الرامية إلى إقامة دولة عربية واسعة تحت زعامته، تكون الجزيرة العربية ضمن حدودها لأن فيها مكة المكرمة والمدينة المنورة من جهة، ولأنها تساعده على نشر سلطته وسيادته على مناطق الخليج، وتوصله إلى مناطق العراق من جهة أخرى.

وكان محمد علي باشا قد أرسل مع الحملة المذكورة الأمير السعودي خالد بن سعود، وأنعم عليه برتبة قائمقامية الشق الثاني من ديوانه، ليكون سلطة اسمية فقط، أما السلطة الفعلية فهي بيد محمد علي باشا. وقد أراد محمد علي باشا من وراء ذلك أن يقنع الأهالي في نجد بأن السلطة الجديدة ما هي إلا سلطة محلية وطنية، وعن طريقها يمكنه فرض سيادته وسلطته على البلاد النجدية.

رحيل فيصل بن تركي إلى القاهرة.

وعلى الرغم من محاولة الإمام فيصل بن تركي الجادة لوقف الزحف العسكري المصري الممثل بزعامة محمد علي باشا، لكنه فشل في نهاية الأمر تحت ضغط القوات المصرية التي دعمها محمد علي باشا وقواها عندما ساندها بحملة عسكرية أخرى تحت قيادة القائد العسكري المحنك خورشيد باشا. واضطر الإمام فيصل بن تركي بعد مقاومة أبداها ضد القوات المصرية إلى الاستسلام، والذهاب إلى القاهرة منفيًا على شرط أن يؤمن خورشيد أتباع فيصل على أرواحهم وأموالهم. وكان استسلام الإمام فيصل بن تركي في العشر الأواخر من شهر رمضان عام 1254هـ، ديسمبر عام 1838م. وهكذا ضاع الجهد السعودي كله، وسيطرت قوات محمد علي باشا على البلاد، وانتهى حكم فيصل بن تركي في فترته الأولى التي امتدت من عام 1250 ـ 1254هـ، 1834 ـ 1838م.

عُرف فيصل بن تركي بحنكته وحكمته، وسار في حكم البلاد سيرًا حميدًا وموفقًا، وقد أيده الناس، وعدّوه رمزًا وطنيًا دافع عن استقلال بلادهم، وحرص على تثبيت دعائم الحكم السعودي الوطني المحلي، وهو أمر أيده الكثيرون في البلاد النجدية.

كذلك فإن الإمام فيصل بن تركي كان يتمتع بشخصية محبوبة، وكانت له تجارب كبيرة في المجالات الحربية والسياسية والإدارية. وظل يقود المقاومة ضد حكم محمد علي في نجد خاصة والجزيرة العربية عامة بكل إصرار وعناد، مما أكسبه شعبية كبيرة بين أهالي نجد وغيرها من الأقاليم الأخرى في الجزيرة العربية.

الدول الأوروبية تحاصر أطماع محمد علي.

وباستسلام الإمام فيصل بن تركي لخورشيد باشا، بدأ النفوذ المصري المتمثل بسيادة محمد علي باشا في الانتشار والامتداد باتجاه المناطق الساحلية الشرقية من الجزيرة العربية، مدعيًا أن نفوذه السياسي والعسكري هو خليفة للنفوذ السعودي. وهو أمر أخذت أوروبا تتخوف منه، وراودها الشك عندما علمت بمشروعات محمد علي باشا التوسعية، فبدأت تعمل بالتعاون مع أعدائه على وقف نشاطه التوسعي والعمل على تقليم أظافره، وتحديد دائرة نفوذه في ولاية مصر فقط. وهو أمر نفذته بريطانيا مع غيرها في معاهدة لندن عام 1256هـ،1840م، واضطرته إلى سحب جميع قواته من كل الولايات العثمانية التي احتلها أثناء حركة انفصاله، فسحب قواته من الجزيرة العربية وبلاد الشام. وأبقى خورشيد باشا الأمير خالد بن سعود على حكم البلاد النجدية تاركًا معه عددًا قليلاً من الحاميات العسكرية المصرية بعد أن وصلت الأوامر من محمد علي باشا إلى خورشيد باشا بالتوجه فورًا إلى مصر مع معظم قواته، باستثناء عدد قليل من الجنود الاحتياطيين الذين بقوا في نجد تحت إشراف الأمير خالد بن سعود من أجل حمايته ودعمه. وبانسحاب خورشيد باشا وجنده، انتهى حكم محمد علي باشا المباشر في الجزيرة العربية عامة، ونجد خاصة، وتسلم خالد ابن سعود الحكم في نجد.

لم يمكث خالد بن سعود في حكم نجد وقتًا طويلاً لأن الأهالي في نجد عدّوه صنيعة محمد علي باشا، وآلته التي استخدمها من أجل تركيز نفوذه في البلاد. كما أن حكم خالد بن سعود اختلف في نمطه وأسلوبه ونهجه عن أسلوب الحكم السعودي المتعارف عليه في البلاد. لذا لم يلق تأييد الأهالي، بل نفروا منه، وأيدوا بالفعل الأمير السعودي عبد الله بن ثنيان الذي رفع علم المقاومة ضد حكم خالد بن سعود، وانتهى الأمر بفرار خالد وتسلم عبد الله بن ثنيان الحكم في نجد. واستطاع ابن ثنيان أن يسيطر على الأمور ليس في نجد فقط، وإنما بسط نفوذه على كل المناطق التي كانت تابعة للسيادة السعودية في عهد الإمامين، تركي بن عبد الله، وابنه فيصل بن تركي آل سعود. ودام حكم عبد الله بن ثنيان فترة عامين فقط، تمكن فيهما من تثبيت السيادة الوطنية السعودية، وإخراج كل القوات العسكرية الموالية لمحمد علي باشا، والتي ظلت في البلاد النجدية لدعم نظام خالد بن سعود الموالي لحكم محمد علي باشا. وانتهى حكم عبد الله بن ثنيان في منتصف شهر جمادى الآخرة عام 1259هـ، 1843م. واتصف حكم عبد الله بن ثنيان بالقوة والشدة وكثرة الإجراءات التأديبية، مما سبب نقمة عليه من جانب عدد كبير من الأهالي، ومهد السبيل لنجاح فيصل بن تركي آل سعود وتغلبه على ابن ثنيان.

عودة فيصل بن تركي من مصر.

عاد فيصل بن تركي من منفاه في القاهرة إلى نجد بعد توقيع معاهدة لندن عام 1256هـ، 1840م، ويرجح أن تكون السلطات المصرية هي التي أمرت بإطلاق سراحه بعد تغير الظروف العامة والدولية، خاصة بالنسبة لمشروعات محمد علي باشا وتوسعاته. ولا يُستبعد أن تكون السلطة في مصر هي التي دبرت خروجه من القاهرة وهيأت له سبل ذلك. وتُشير بعض الروايات التاريخية إلى أن عباس الأول حفيد محمد علي باشا هو الذي دبر أمر خروجه من السجن لأنه كان معجبًا بذكائه ونضج عقله وتديّنه. وعباس باشا كان من مساعدي محمد علي باشا، ومن المقربين منه، فأشار على جده أن يطلق سراحه فوافق جده على هذا الرأي. ونلحظ أن زمن خروج فيصل بن تركي من السجن يتوافق زمنيًا مع فترة حكم محمد علي باشا الذي ظل في السلطة حتى عام 1264هـ، 1847م، إذ بعد هذا التاريخ تدهورت صحة الباشا، وأصيب بضعف في قواه العقلية، فعُزل عن الحكم وتولى الحكم من بعده إبراهيم باشا.

نرجح هذه الرواية لأنها تنتظم مع الأحداث المعاصرة لمسألة الخروج من السجن. فيرجح أن محمد علي باشا أراد أن يخرج فيصل بن تركي من سجنه لينتقم من ابن ثنيان الذي ثار على خالد بن سعود في نجد الموالي لسيادة محمد علي، كما أن ابن ثنيان كان قد أخرج كل الحاميات المصرية الاحتياطية المتبقية في نجد تحت زعامة خالد بن سعود. وكان محمد علي باشا يعلم علم اليقين أن عودة فيصل بن تركي إلى نجد واستعادة السيادة فيه وفي غيره من الأقاليم الأخرى من الجزيرة العربية مكسب لولاية مصر وحكامها لأنه سيحافظ على العلاقات الودية معها. وبالفعل، فإن فيصل بن تركي ظل طوال فترة حكمه محافظًا على الصداقة وطابع الود والصفاء مع السلطة في مصر.

فيصل بن تركي وبناء الدولة السعودية المستقرة

وصل فيصل بن تركي جبل شمَّر، وأقام مدة قصيرة في حائل عند صديقه الحميم عبد الله بن رشيد، أمير جبل شمر. وأثناء إقامة فيصل بن تركي في حائل، أخذ يراسل حكام مناطق نجد، وأمراء بلدانها، وشيوخ القبائل طالبًا منهم الدعم والعون والتأييد ضد عبد الله بن ثنيان الذي حكم البلاد بعد فشل خالد بن سعود في المحافظة على سلطته بعد رحيل القوات المصرية عن البلاد من جهة، وقيام حركة ابن ثنيان من جهة أخرى.

كان فيصل بن تركي محبوبًا في بلدان نجد، وكان في نظرهم الزعيم السعودي الذي يستحق المبايعة والدعم؛ لما له من مواقف وبطولات سجلها في مقاومة حكم محمد علي باشا، فعدّوه بطلاً وطنيًا محليًا يعبر عن استقلالهم وحريتهم. فأطاعه معظم أهالي القصيم وغيرها من مناطق نجد، ودعموه وساعدوه، مما أضعف معه مقاومة ابن ثنيان الذي أصر على مخاصمة فيصل وحربه أملاً في البقاء في الحكم. انتصر فيصل بن تركي على خصمه ابن ثنيان، ودخل الرياض، وحاصر ابن ثنيان في قصر الحكم، وعلى الرغم من محاولة ابن ثنيان الهرب لكن أتباع فيصل قبضوا عليه وسلموه إلى فيصل بن تركي فوضعه في السجن، ومات فيه بعد حوالي شهر من سجنه.

ويصف بيلي حكم الإمام فيصل بن تركي بقوله: ( إن جميع الأطراف الشرقية اعترفت بعدالة حكم الإمام فيصل ابن تركي وشدته، وأنّ حكمه لم يسبق له مثيل في النجاح، فقد كبح جماح القبائل، ونشر بينهم عادات المتحضرين، ووجَّه أفكارهم نحو الزراعة والتجارة).

تُعدّ الفترة الثانية من حكم الإمام فيصل بن تركي من عام 1259 ـ 1282هـ، 1843 ـ 1865م فترة تكوين الدولة السعودية الثانية وبنائها على أساس قوي وفي جو سياسي واجتماعي واقتصادي مستقر. وحكم فيصل بن تركي في هذه المرة حكمًا طويلاً مستمرًا بلغ حوالي 23 سنة، أخمد فيها حركات التمرد وما كانت تنتاب البلاد من قلاقل واضطرابات وحروب، وكانت فترة حكم الإمام فيصل بن تركي في المرة الثانية ـ بحق ـ فترة سلام نسبي.

يتبع >

التعديل الأخير تم بواسطة مراقب سياسي4 ; 16-12-2006 الساعة 07:01 PM