عرض مشاركة واحدة
  #9  
قديم 18-12-2006, 06:25 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي

استرداد المنطقة الشرقية

اهتم عبدالعزيز آل سعود بأمر المنطقة الشرقية، وأخذ يخطط لاسترجاعها من يد العثمانيين الأتراك، فكانت المنطقة تابعة للدولتين السعوديتين: الأولى والثانية ولآل سعود جذور تاريخية فيها، وها هو عبدالعزيز آل سعود يحاول أن يفك الحصار الشرقي عن دولته عن طريق إخراج العثمانيين الأتراك، حتى يكون لدولته منفذ بحري يسهم في إنعاش اقتصاد البلاد، وبوابة تطل منها الدولة السعودية الثالثة، ويجعل إتصالها بالكويت ومشيخات الخليج أقوى وأكثر سهولة، ويتيح لها أن تقوم بدور أساسي في منطقة الساحل الخليجي، وتصبح مجاورة للنفوذ البريطاني صاحب الثقل السياسي والعسكري في منطقة الخليج، كما تستطيع الدولة السعودية الثالثة من هذا المركز القضاء على حركات التمرد وقطع الطريق التي تعيث فسادًا في الأجزاء الشرقية من الجزيرة العربية. وخلال الفترة التي سبقت قيام الحرب العالمية الأولى كانت الأحوال العامة في الأحساء تخدم أهداف عبدالعزيز آل سعود وموقفه، وأهم العوامل التي هيأت الجو ليقوم عبدالعزيز بمغامرته في استعادة الأحساء هي:

أ - أن الاستراتيجية التي اتبعتها الدولة العثمانية في منطقة الأحساء، تفضيل المنافع الشخصية على المنافع العامة مما جعل أسلوب الحكم العثماني يتسم بالظلم والاستبداد، ويعتمد في بقائه على القوة العسكرية.

ب- أن بريطانيا كانت تعمل على إضعاف العثمانيين خاصة أن الدولة العثمانية بدأت تميل في علاقاتها إلى دول الوسط لاسيما ألمانيا، وهو أمر يقلق بريطانيا، لأنه يخل بمبدأ المحافظة على التوازن الدولي.

ج- انشغال الدولة العثمانية بإخماد الثورات والتمرد اللذين اجتاحا بعض مناطق الدولة وخاصة انشغالها بحرب البلقان.

اتصالات سرية.

حاول عبدالعزيز آل سعود إجراء اتصالات سرية مع بريطانيا عن طريق ممثليها في كل من الكويت والبحرين، لضمان تأييدها لمشروعه الرامي إلى استرجاع الأحساء من العثمانيين، ومع أن بريطانيا لم توافق عبدالعزيز آل سعود على التدخل في شؤون الأحساء قبيل نشوب الحرب العالمية الأولى،ولم تقدم له أي دعم ضد العثمانيين الأتراك في الأحساء، إلا أنه أخذ على عاتقه مغامرة استرداد الأحساء من العثمانيين معتمداً على قوته الذاتية، وقواته النجدية وإمكاناته المحدودة.

زحف عبدالعزيز آل سعود بقواته صوب الأحساء، وأحاط تحركاته العسكرية بالسرية التامة، ولما وصل إلى بعد كيلومترين من السور الغربي لمدينة الهفوف، وضع خطة حربية شاملة لدخول المدينة وإجلاء الحامية العثمانية التركية منها. فقسم قواته إلى ثلاثة أقسام، وعمل السلالم من جذوع النخيل والحبال ليتسلق الجند السعودي بها الأسوار ليلاً. وهنا نلحظ الطرق الحربية البدائية التي كانت تسلكها القوات السعودية في حروبها وقتذاك، فالسلاح تقليدي، وأسلوب القتال تقليدي بسيط يعتمد في المقام الأول على عامل المفاجأة أكثر من اعتماده على نوع السلاح والخطط العسكرية. وبالمقابل فإن الحامية العثمانية التركية في الأحساء كانت أيضا قليلة العدد، وأسلحتها محدودة، ولم تكن في وفاق مع أهالي المنطقة، وكان يعتريها الملل، وهي في حالة نفسية سيئة ومتدهورة، على الرغم من أن الجند العثماني كان يخضع لنظام الخدمة المحدودة في المنطقة، إذ كان الجند العثماني يبدل كل سنتين.

نجح الجند السعودي في تسلق الأسوار، ودخلوا مدينة الهفوف، وتدفقوا صوب الحصون والقلاع التي يقيم فيها الجند العثماني، ونادى المنادي: "الملك للّه ثم لابن سعود، من أراد السلامة فليلزم مكانه". وقد قاوم الجند العثماني مقاومة محدودة لكنهم شعروا بعدم جدواها، فاستسلموا ورحلهم عبدالعزيز آل سعود بعد أن أمنهم على أرواحهم وأسلحتهم، وقدم لهم الركائب، وساعدهم على الجلاء مع عائلاتهم وأمتعتهم إلى ميناء العقير ومنه إلى البحرين ثم إلى البصرة في العراق، وتم ذلك عام 1331هـ، 1913م.

أرسل عبدالعزيز آل سعود حامية سعودية تحت قيادة عبدالرحمن بن سويلم إلى القطيف، فدخلتها دون مقاومة تذكر من قبل حاميتها العثمانية التي استسلمت ورحل أفرادها إلى البحرين ولحقوا بالجند العثماني الذي رحل عن الهفوف. وبذلك عادت منطقة الأحساء إلى الدولة السعودية الثالثة. ويعدّ استرداد الأحساء من قبل عبدالعزيز آل سعود وتوحيده مع أجزاء الدولة السعودية الحديثة بداية لقيام علاقات جديدة بين الدولة السعودية وبين كل من الدولة العثمانية وبريطانيا، لأن الدولة السعودية الحديثة أصبحت دولة محلية قوية تطل على الخليج ولها ساحل طويل عليه.

استرداد عسير

كانت عسير في الفترة التي كان الملك عبدالعزيز يواصل كفاحه لتوحيد البلاد قسمين سياسيين: الشمالي منهما تحت إمرة آل عائض وقاعدته أبها. والجنوبي تحت إمرة الأدارسة وقاعدته جازان.

وأثناء قيام أئمة آل سعود في الدولة بنشر دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب الإصلاحية أقبل سكان المنطقة على اعتناقها وانضوت عسير السراة تحت لواء الدولة السعودية الأولى عام 1215هـ، فكان ولاءهم السياسي وتبعيتهم لآل سعود.

ولما زحفت قوات محمد علي على عسير أبلى أهلها بلاءً حسنًا في الدفاع عنها وحمل لواء الجهاد طامي بن شعيب، لكن قواته هُزمت وأُسر هو فأرسله محمد علي إلى مصر مقيدًا بالحديد ومنها إلى اسطنبول حيث أعدم هناك ـ رحمه الله ـ.

وفي عهد الأمير عائض بن مرعي من آل يزيد الذين ينتسبون إلى يزيد بن معاوية بن أبي سفيان زحفت القوات العثمانية ومعها الشريف محمد بن عون فحمل عائض لواء المقاومة وبعد عدة معارك انتصر عليهم عام 1250- 1251هـ.

ولمّا توفي عائض في الوباء الذي اجتاح البلاد عام 1273هـ تولى الإمارة من بعده ابنه محمد فعمل على بسط نفوذه في ما حوله من بلاد حتى وصل حدود الحجاز شمالاً وبيشة شرقًا، إلا أنه صادف في تلك الفترة أن العثمانيين انتهجوا سياسة تقوية قبضتهم على البلاد العربية، فأرسلوا حملة قوية بقيادة رديف باشا عام 1288هـ، 1871م، حاصرت أبها فاستسلم محمد بن عائض على شرط الأمان، لكن القائد العثماني أحمد مختار باشا غدر به وقتله واحتلوا البلاد وجعلوها ولاية عثمانية، وأبعدوا آل عائض عن الحكم إلا أنهم اضطروا إلى الاستعانة بالأمير حسن بن علي بن محمد آل عائض عام 1330هـ، 1912م عندما حاربهم الإدريسي، ومنذ ذلك الوقت ظل الأمير حسن معاونًا للمتصرف العثماني سليمان شفيق باشا.

ولما قامت الحرب العالمية الأولى وانسحب الاتراك من عسير استقل بها حسن آل عائض، ولكنه لم يحسن السيرة بل ظلم الرعية واستبد، فنفرت منه القبائل وبعثوا رسلهم إلى الإمام عبدالعزيز يشكون تسلط أميرهم وظلمه ويناشدون أن يحميهم فأوفد إلى أبها ستة من العلماء وكتابًا إلى الأمير حسن، فناشدوه العمل بالكتاب والسنة والعودة إلى ما كان عليه آباؤه، فعدَّ ذلك تدخلاً من ابن سعود في شؤونه الخاصة ومساسًا باستقلاله فهدد باحتلال بيشة.

الحملة الأولى.

في شعبان عام 1338هـ، مايو 1920م، أرسل الإمام عبدالعزيز ابن عمه عبدالعزيز بن مساعد بن جلوي آل سعود على رأس قوة مكونة من ألفين من المحاربين فالتقى بجند ابن عائض عند حجلة بين أبها وخميس مشيط، فهزم ابن عائض وتقدم إلى أبها وفتحها، فاستسلم ابن عائض وأسرته لابن مساعد فأرسلهم إلى الرياض، وأكرمهم ابن سعود ورغب في ردهم إلى إمارتهم على أن يكونوا تابعين له، لكنهم آثروا التخلي عن الإمارة نهائيًا فرتب لهم المشاهرات والمقررات السخية، وعادوا إلى ديارهم راضين، فأقام محمد في أبها، وانتقل حسن بن عائض إلى بلدتهم حرملة.

الحملة الثانية.

نقض حسن بن عائض عهده الذي أعطاه لابن سعود وحرض القبائل ضده وأمده الشريف حسين بن علي بالمال والسلاح فهاجم أبها وحاصر حاميتها حتى استسلمت، فأسر أفرادها مع أمير البلد فهد العقيلي، واستمرت هذه الفتنة بضعة شهور، لأن السلطان عبدالعزيز كان مشغولاً باستعادة منطقة حائل وتنظيم أوضاعها، فلما انتهى من شأنها التفت إلى عسير.

جهز السلطان عبدالعزيز قوة مكونة من حوالي عشرة آلاف رجل، ووكل إلى ابنه الأمير فيصل قيادتها، وفي شوال عام 1340هـ، يونيو 1922م وصل الأمير بقوته إلى بيشة، فوجد فيها قوة من خصومه فقاتلهم حتى هزمهم وشتتهم، ولما بلغت أخبار الهزيمة ابن عائض وقدوم القوات السعودية أخلى أمامها خميس مشيط وحجلة وتحصن في أبها، فهاجمها الأمير فيصل فأخلاها آل عائض وتحصنوا في حرملة، وجاءهم مدد من الشريف حسين بقيادة الشريف عبدالله بن حمزة الفعر وحمدي بك فأرسل الأمير فيصل قوة من جيشه للسيطرة على حرملة فنجحت في مهمتها، وكان الشريف حسين قد أرسل قوة هائلة لنجدتهم، فكلف الأمير فيصل قوة من المجاهدين فهزموا الجيش الحجازي هزيمة منكرة فتقهقرت فلوله المنهزمة إلى القنفذة، وقضى بذلك على فتنة آل عائض، وتوحدت عسير مع الأقاليم الأخرى في الدولة السعودية الثالثة (المملكة العربية السعودية) وأمر فيها الأمير فيصل سعد بن عفيصان، ولما توفي عين السلطان عبدالعزيز بن سعود عبدالعزيز بن ابراهيم، أميرًا على منطقة عسير، وكان رجلاً حازمًا قوي الشكيمة، معروفًا بالدهاء والكرم وحسن التصرف، رحمهم الله جميعًا.

استرداد إمارة الأدارسة

ينتسب الأدارسة الذين شكلوا إمارة الأدارسة في منطقة جازان ونجران، أو مايعرف في نطاق ضيق بمنطقة المخلاف السيلماني، إلى عالم فقيه من متصوفة المغرب اسمه أحمد بن إدريس من أهل فاس بالمغرب، وكان هذا العالم قد جاور المسجد الحرام بمكة نحو ثلاثين عامًا. ونزل بصبيا عام 1246هـ 1830م، فالتف حوله مريدوه وتلقوا طريقته الأحمدية، وهي على نمط الطريقة الشاذلية وأصبح له أتباع في مكة وأتباع في صبيا. وبعد وفاته عام 1253هـ 1837م، خلفه ابنه محمد بن أحمد الذي بدأ يؤسس إمارة صغيرة، وأيده الأهالي تكريمًا لوالده ودوره في ريادتهم. وتزوج محمد بن أحمد بسودانية ولدت له ابنًا اسمه علي، وتزوج علي بهندية أنجبت له ولدا اسمه محمد عام 1293هـ، 1876م، فكان محمد بن علي من أهم أفراد أسرة الأدارسة وأدهاهم.

حاول محمد بن علي الإدريسي أن يقوي إمارته، فاتصل بالإيطاليين ضد العثمانيين في فترة الحرب الإيطالية العثمانية في ليبيا (الحرب الطرابلسية)، وساعده الأسطول الإيطالي في البحر الأحمر. وتكمن مشكلة إمارة الأدارسة في أن كلاً من الشريف حسين بن علي ـ شريف مكة ـ والإمام يحيى حميد الدين ـ إمام اليمن ـ يعدّ أرض الإمارة الإدريسية جزءاً من بلاده، وكي يحافظ السيد محمد بن علي الإدريسي على إمارته من الضياع اتصل بعبد العزيز آل سعود، سلطان نجد وملحقاته، وطلب منه العون والدعم خاصة وأن سلطان نجد وملحقاته على علاقة سيئة مع كل من شريف الحجاز وإمام اليمن، وهو وقتها حاكم منطقة عسير الداخلية، ويهمه أمر المنطقة الإدريسية المجاورة لحدوده. وبالفعل دعم سلطان نجد وملحقاته مركز السيد محمد بن علي الإدريسي ضد مطالب الشريف ومطالب إمام اليمن، واستمر الإدريسي منيع الجانب حتى وفاته عام 1341هـ، 1923م.

اضطربت الإمارة الإدريسية بعد وفاة السيد محمد بن علي الإدريسي، خاصة بعد أن خلفه ابنه علي بن محمد الإدريسي الذي كان ضعيفاً، فثار عليه الأهالي وخلعوه، وبايعوا عمه الحسن بن علي الإدريسي الذي حاول قدر استطاعته أن يوازن بين القوى السياسية في المنطقة، ففاوض الإيطاليين في مصوَّع من أجل دعمه. وفاوض البريطانيين من أجل مساعدته أيضًا، وحتى يوازن بين قوتين دوليتين لهما نفوذ قوي في المنطقة. وأرسل ابن عمه مرغني الإدريسي إلى مكة المكرمة ليفاوض الملك عبدالعزيز آل سعود بعد دخوله منطقة الحجاز، ووقع مرغني الإدريسي معاهدة مع الملك عبدالعزيز آل سعود عام 1345هـ، 1926م، عرفت باسم معاهدة الحماية الخاصة بالإمارة الإدريسية، وضع بمقتضاها الإمارة الإدريسية تحت حماية الدولة السعودية الثالثة، ويدير الملك عبدالعزيز آل سعود بموجبها الشؤون الخارجية، وتبقى إدارة الإمارة داخلياً بيد السيد الحسن الإدريسيّ، يساعده في الإدارة عامل سعودي يعينه الملك عبدالعزيز آل سعود.

ولما عجز الإدريسي عن إدارة الشؤون المحلية لإمارته، مثل المحافظة على ضبط الأمن، والإدارة ، والجباية، وغيرها من الأمور الداخلية في الإمارة، أبرق الحسن الإدريسي إلى الملك عبدالعزيز آل سعود في 17جمادى الأولى 1349هـ، 1930م يقول: ¸ تقرر بموافقتنا ورضانا إسناد إدارة بلادنا وماليتنا إلى عُهدة جلالتكم•.

وأمر الملك عبدالعزيز آل سعود بتأليف مجلس شورى خاص بالمقاطعة الإدريسية يتكون من أهلها ولاتكون قراراته نافذة إلا بعد موافقة السيد الحسن الإدريسي، وكانت وظيفة هذا المجلس النظر في الأمور الداخلية للمقاطعة التي ضمت وتوحدت مع البلاد السعودية. وظل الحسن الإدريسي وكأنه رئيس لحكومة محلية في الإمارة الإدريسية، وكانت كل الأوامر الداخلية تصدر عن الحسن الإدريسي نيابة عن الملك عبدالعزيز آل سعود في كل الشؤون الداخلية للمقاطعة. ولكن دسائس ومؤامرات حزب الأحرار الذي يتزعمه الشريف عبدالله بن الحسين دفعت الحسن الإدريسي إلى التهور، مما عجل بنهاية نفوذه في المنطقة، فقد تمرد على حكم الملك عبدالعزيز، وتعاون مع أعدائه، وحبس الأمير السعودي فهد بن زُعير وجماعته من الموظفين السعوديين في المقاطعة الإدريسية، فأرسل الملك عبدالعزيز قوات كثيفة العدد والعدة إلى صبيا براً وبحراً قضت على مقاومة الحسن الإدريسي، فهرب الإدريسي إلى صنعاء حيث كان الإمام يحيى يدعمه ويشجعه على الثورة. وظل الحسن الإدريسي والأدارسة في اليمن حتى معاهدة الطائف التي أنهت الحرب بين السعودية واليمن عام 1353هـ، 1934م، عندها سلم إمام اليمن الحسن الإدريسي ومن معه من الأدارسة إلى الملك عبدالعزيز آل سعود بموجب أحد شروط اتفاقية الصلح بين الطرفين الذي ينص بشكل صريح على تسليم الأدارسة للملك عبدالعزبز آل سعود. وهكذا زالت الإمارة الإدريسية وانتهى دور الأدارسة، في مجال سياسة مناطق الجزيرة العربية، وزال نفوذهم، واختفت تطلعاتهم تجاه السيادة والسلطة.

ضم المنطقة الغربية (الحجاز)

آخر التحصينات التي فتحها الملك عبدالعزيز في الحجاز.

ساد جو عدم الثِّقة بين عبدالعزيز آل سعود والشريف حسين بن علي، شريف الحجاز قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى، تدل على هذا حادثة أسر الشريف حسين بن علي لسعد بن عبدالرحمن آل سعود أخي عبد العزيز آل سعود الذي كان في بادية عتيبة يستنفر رجالها بأمر من أخيه عبدالعزيز آل سعود. وقد عد عبدالعزيز آل سعود هذا التصرف بمثابة اعتداء صريح عليه من الشريف حسين. وفهم عبدالعزيز آل سعود من هذا الحادث أنه أسلوب يتبعه الشريف حسين بن علي للمساومة. ولهذا صار يتنقل من ماء إلى ماء لا يريد المواجهة مع عبد العزيز فقد كتب إلى عبدالعزيز يقول: (إذا هجمت علينا تركنا لك المعسكر والخيام وعدنا بأخيك سعد إلى مكة، فيبقى عندنا إلى أن تطلب الصلح)، وكان يرافق الشريف حسين الشريف خالد بن لؤي، وكان أهل بلده ممن اعتنق دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب، وانضم إلى الدولة السعودية الأولى وسار هو وأسرته على هذا المنهج، فتوسط بين الشريف حسين وعبدالعزيز بن سعود حيث أخبره أن الشريف ليست له غاية سيئة ولكنه يريد (أن يبيض وجهه مع الترك) فاكتب له ورقة تنفعه عند الترك ولا تضرك وأنا أتكفل برجوع سعد، فقبل عبدالعزيز وساطة خالد بن لؤي وكتب له (قصاصة ورق) تنفع الشريف عند الترك ولا تضر كاتبها، وتعهد فيها أن تدفع بلاد نجد ستة آلاف مجيدي كل سنة أ. هـ، ولم تكن سوى قصاصة من ورق.

وتوترت العلاقة بين عبدالعزيز آل سعود والشريف حسين بن علي، أثناء الحرب العالمية الأولى وفي أعقابها بسبب حوادث النزاع حول ترسيم الحدود بين نجد والحجاز، وتردّت العلاقة بين الطرفين عندما منع الشريف حسين النجديين من دخول الحجاز لأداء فريضة الحج. وساءت الأمور كثيرا بسبب ثورة الشريف حسين بن علي على الأتراك العثمانيين وتطلعاته الرامية إلى قيادة العالم العربي وزعامته، وقد تطور هذا الأمر عندما أعلن الشريف حسين بن علي أنه خليفة المسلمين. وقد دعم الشريف حسين آل رشيد ضد ابن سعود، ودعم أيضا آل عائض في عسير بالإضافة إلى الخلافات الأخرى، التي كانت تنشب بين الطرفين بسبب تبعية القبائل البدوية، والمشكلات التي كانت تحدثها القبائل من جهة أخرى.

وقد أدى النزاع على الحدود بين نجد والحجاز، خاصة حول واحتي تربة والخرمة إلى وقوع الحرب بين الطرفين في وقعة تربة في 25 شعبان عام 1337هـ، أوائل عام 1919م، أثناء فترة انعقاد مؤتمر السلام في باريس في أعقاب الحرب العالمية الأولى. وقد انتصر فيها الجيش السعودي، على جيش الشريف حسين الذي كان يقوده الأمير عبدالله. وكان الانتصار كبيراً، حيث إن الجيش الهاشميّ المنظم قد شتت شمله. لذا تعد وقعة تربة بداية المشوار في ضعف الهاشميين في الحجاز، ثم سقوط دولتهم فيه. وتعد وقعة تربة أيضًا فاتحة ضم مناطق الحجاز وتوحيدها ضمن بلاد الدولة السعودية الحديثة؛ لأن تربة هي بوابة بلدان الحجاز من الداخل.

شن الجيش السعودي هجوما على قوات الشريف حسين في الطائف، فدارت وقعة في الحوية قرب الطائف تراجع فيها الجيش الهاشمي أمام القوات السعودية، ثم هجم السعوديون على الطائف فدخلوها عنوة في 7 صفر عام 1343هـ ، 1924م ودارت وقعة فاصلة في الهدا، بين القوات السعودية وقوات الأمير علي بن الحسين، انتصرت فيها القوات السعودية واستولت على معسكر الأمير علي بن الحسين في الهدا، واضطرت القوات الهاشمية إلى التراجع باتجاه مكة المكرمة، وقع ذلك في ليلة 27 صفر من العام نفسه. وفي صباح اليوم الخامس من شهر ربيع الأول عام 1343هـ، 1924م، اضطر الشريف حسين بن علي إلى قبول التنحي والاعتزال عن حكم الحجاز، ونودي بابنه الأمير علي بن الحسين ملكاً على الحجاز، وقد أخلى الملك علي مكة المكرمة في ليلة 16 من ربيع الأول 1343هـ، 1924م، ودخلها السعوديون في 17 من ربيع الأول من العام نفسه وهم محرمون للعمرة، لأن علماء الرياض أفتوا بأنه لايجوز دخول الحرم بنية القتال.

دخل سلطان نجد وملحقاتها مكة المكرمة وبايعه علماؤها وشيوخها ووجهاؤها. وأخذ يعد العدة لضم كل ماتبقى من مدن الحجاز وبلدانه. فأمر قواته بحصار مدينة جدة في 7 جمادى الآخرة عام 1343هـ، الموافق 3 يناير 1925م. وتولى سلطان نجد وملحقاتها قيادة جيشه بنفسه، فعسكر في الوزيرية ثم في الرغامة، وأخذ يضيق الخناق على المدينة. ووجه بعض السرايا إلى كل من القنفذة، ورابغ، وينبع، والعلا، والليث، واستطاعت تلك القوات دخولها. وكان سلطان نجد وملحقاتها يمعن في حصار جدة، وكان يخطط أيضًا لأن تكون جميع موانئ الحجاز ومناطق عبوره البحرية بيد قواته. وكان سلطان نجد وملحقاتها قد وجه فيصل الدويش لدخول المدينة المنورة، ورفض أهلها الاستسلام إلا عندما يحضر أحد أبناء السلطان عبدالعزيز، وأخيراً استسلمت إلى الأمير محمد بن عبدالعزيز آل سعود في 19 جمادى الأولي عام 1344هـ، 1925م بعد أن أمن الضباط والجند والأهالي على أرواحهم وأموالهم وممتلكاتهم، وأصدر أمراً بالعفو العام.

أما مكة شرفها الله، فبعد أن هزم الجيش السعودي الجيش الهاشمي، ودخل الطائف منتصرا ساءت الأحوال في مكة، وشحت الأقوات، وانتشرت الفوضى، واختل الأمن، مما دفع أهل الحل والعقد، أن يعقدوا مؤتمرا في جدة لبحث إيجاد أسلوب لتخليص الحجاز من حكم الأشراف، وكانت الخطوة الأولى أن يطلبوا من الشريف حسين التنازل عن الحكم لابنه علي، فأرسلوا في الرابع من ربيع الأول عام 1343 هـ، المصادف للثالث من أكتوبر عام 1924م، برقية يطلبون منه ذلك، وقد وقع البرقية مائة وأربعون من العلماء والأعيان والتجار، وبعد جدال ومحاورة بين الحسين والأعيان تنازل لابنه في الخامس من الشهر نفسه.

بعد ذلك دارت مراسلات ومفاوضات بين ممثلي أهل الحجاز والقادة السعوديين في مكة، وكان نتيجتها أن قرر رئيس الحزب الوطني حله وانتهاء مهماته، مما كان سببا في إلقاء القبض على بعض أعضائه وسجنهم بتهمة موالاة السعوديين وتيسير مهمة ضم الحجاز إلى الدولة السعودية الثالثة.

أما الملك علي فقد تحصن في جدة مما اضطر الملك عبدالعزيز أن يفرض حصارا مشددا على البلد قاده بنفسه، واستمر أكثر من عام مع أن الفرصة كانت مواتية للنصر واقتحام جدة، ولكن الملك عبدالعزيز آثر التريث حفاظا على جيشه وعلى الأجانب المقيمين فيها، وأملا في تسليم الملك علي دون قتال، وقد تم له ما أراد، فبعد مراسلات وواسطات عرض الملك علي التسليم والخروج من البلاد بشروط وتوصل الطرفان إلى صيغة الصلح وشروطه، ووقعه كل من سلطان نجد وملحقاتها والملك علي بن الحسين في غرة جماد الآخرة 1344هـ، الموافق 17 ديسمبر 1925م، وأتت بنوده كما يلي:

1) يغادر الملك علي مدينة جدة قبل مساء يوم الثلاثاء 6 جمادى الآخرة 1344هـ، وله أن يأخذ جميع أمتعته الشخصية بما في ذلك سيارته وخيوله.

2) لا يحق للملك علي أن يخرج شيئا من المعدات الحربية، وما لحكومته من بواخر وقوارب وسنابيك.

3) يؤمن سلطان نجد وملحقاتها سلامة الموظفين العاملين في الحكومة الهاشمية من مدنيين وعسكريين وكذلك جميع أهالي المدينة من حضر وبدو، وأن يمنح الجميع العفو العام، ويتعهد بترحيل جميع الضباط والجند الهاشميين، الذين لا يرغبون البقاء في جدة إلى بلادهم ويوزع على الموجودين منهم بجدة خمسة آلاف جنيه ذهبي.

وهكذا انتهى الحكم الهاشمي في الحجاز، وأصبحت الدولة السعودية الثالثة تضم جميع البلاد التي كانت تتبع الدولة السعودية الأولى في فترة عصرها الذهبي. وبذلك تمكن الملك عبدالعزيز آل سعود من توحيد جميع المناطق في دولة قوية موحدة هي المملكة العربية السعودية. وقد صرف الملك عبدالعزيز جهداً كبيراً في سبيل تحقيق ذلك، ودام هذا العمل الشاق والصعب مدة تصل إلى حوالي ربع قرن من الزمن، قضاها الملك عبدالعزيز آل سعود محارباً في سبيل توحيد البلاد وإعادة مجد البيت السعودي وتاريخه الطويل.

ويُعد توحيد البلاد العربية السعودية من أهم الإنجازات السياسية التي حققها الملك عبدالعزيز، وتتضح هذه الحقيقة من قوة الدولة التي يتمتع فيها المواطن بالاستقرار والراحة والهدوء، وينعم بالأمن في ظل حكومة مركزية قوية تحمي رعاياها وتكفل لهم العزة والكرامة في وطن آمن مستقر، وهي أمور يرجوها المواطن في كل مكان وزمان. وتتضح هذه الحقيقة الثابتة إذا قارنا الوضع المستقر والآمن بحال الفوضى والاضطراب التي كان يعيشها المواطن في مناطق الجزيرة العربية قبل التوحيد السياسي، وفي غياب الدولة المركزية القوية.

يتبع >