عرض مشاركة واحدة
  #10  
قديم 18-12-2006, 06:35 PM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي

بناء الدولة السعودية الحديثة

اعتمد بناء الدولة السعودية الحديثة في كل المجالات على كل مقومات الدولة الحديثة المنظمة في العصر الحديث، وهي مجالات السياسة والدبلوماسية والدستور والأنظمة واللوائح التنظيمية الإدارية والمجالات العسكرية والأمنية، ومجالات التعليم والبناء الاجتماعي والحضاري، ومجالات الزراعة والصناعة والتجارة وغيرها.

أسماء الدولة وألقاب حكامها.

الدولة السعودية الثالثة هي بطبيعة الحال وريثة الدولتين السعوديتين: الأولى والثانية في كل الاعتبارات. وكان حكام الدولتين السعوديتين الأولى والثانية قد لقبوا بالإمام وهو لقب معروف في الدولة الإسلامية، وللإمامة حقوق وواجبات في الطاعة والأحكام. وتذكر المصادر التاريخية أن لقب الإمام كان من أحب الألقاب إلى نفس الملك عبدالعزيز آل سعود. وكان الملك عبدالعزيز قد لقب بالإمام رسميًا بعد وفاة أبيه عبدالرحمن بن فيصل عام 1346هـ، 1928م.

في مطلع تكوين الدولة السعودية الحديثة سارت السلطة والسيادة منذ أول عهدها باتجاه مفهوم الدولة الحديثة، لأنها قائمة على أساس تجربة الدولة السعودية السابقة. وكان حاكمها عبدالعزيز آل سعود قد لقب رسميًا في المخاطبات الرسميّة والمكاتبات، ولدى الحكومات والبعثات السياسية والدبلوماسية، بأمير نجد.

عقد مؤتمر في الرياض عام 1339هـ، 1921م حضره علماء البلاد ورؤساؤها، وقرر المؤتمر أن يكون لقب حاكم البلاد سلطان، وأصبحت الكتب والرسائل والمخاطبات تحمل النعت واللقب صاحب العظمة سلطان نجد. ولما توحدت كل من منطقة عسير وجبل شمّر في بوتقة الدولة السعودية الثالثة عام 1340هـ، 1922م، أصبح لقب السلطان هو عظمة سلطان نجد وملحقاتها وسميت الدولة السعودية الثالثة وقتذاك بسلطنة نجد وملحقاتها.

وبعد دخول سلطان نجد وملحقاتها مدينة جدّة عام 1345هـ، 1926م، وإنهاء حكم الأشراف في كل إقليم الحجاز، اجتمع رؤساء بلدان الحجاز وأعيانها وبايعوا السلطان عبدالعزيز ملكًا على الحجاز وأصبح لقب عبدالعزيز الجديد هو جلالة ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها وأصبحت كل المكاتبات والمراسلات منذ ذلك الحين تحمل هذا اللقب، وأصبح اسم الدولة مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها، واعترفت بذلك الدول العربية والأجنبية. وفي 25 رجب عام 1345هـ، الموافق 19 يناير 1927م، بايعه أهل نجد في الرياض ملكًا على نجد، فأصبح لقبه هو جلالة ملك الحجاز ونجد وملحقاتها. وأصبح اسم الدولة هو مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها.

وفي 17 جمادى الأولى عام 1351هـ، 1932م، صدر مرسوم ملكي في الرياض بتوحيد كل أجزاء الدولة السعودية الحديثة في اسم واحد هو المملكة العربية السعودية، وملكها صاحب الجلالة ملك المملكة العربية السعودية، وجرى تنفيذ ذلك ابتداء من يوم الخميس 21 جمادى الأولى عام 1351هـ، الموافق 22 سبتمبر 1932م. واتخذ الملك فهد بن عبدالعزيز لقبًا جديدًا هو خادم الحرمين الشريفين في 24 من صفر عام 1407هـ، أكتوبر 1986م. وقد اتخذ خلفه وشقيقه الملك عبدالله بن عبدالعزيز اللقب نفسه عندما نودي به ملكاً على المملكة العربية السعودية في يوم 26 جمادى الآخرة 1426هـ، الموافق الأول من أغسطس 2005م.

تنظيمات الدولة.

اختارت الدولة السعودية الثالثة في عهد الملك عبدالعزيز آل سعود شكل شعار الدولة وعلمها. فأصبح شعار الدولة مؤلفًا من سيفين متقاطعين، في وسطهما نخلة. أما علم الدولة فأصبح لونه أخضر، وفي وسطه لا إله إلاّ الله محمد رسول الله باللون الأبيض، وبسيف أبيض واحد يكون مستطيلاً.

دستور الدولة.

دستور الدولة السعودية الثالثة يقوم على الأساس نفسه الذي قام عليه دستور الدولتين السعوديتين الأولى والثانية. فدستور الدولة السعودية الثالثة كتاب الله وسنة رسوله ³ ويقوم الحاكم بتطبيق الشريعة الإسلامية وتحقيق التوحيد، وهي في أحكامها تستند إلى ما جاء في القرآن الكريم والسنة، وما أجمع عليه الأئمة الأربعة. فالحكم السعودي والحاكم السعودي مقيدان بشكل كامل بأحكام الشرع الإسلامي. انظر : دستور المملكة العربية السعودية

التعليمات الأساسية للدولة.

صدرت التعليمات الأساسية للدولة السعودية الثالثة في الجريدة الرسمية يوم 21 صفر 1345هـ، الموافق 31 أغسطس 1926م، وهي أنظمة وقوانين ولوائح تُعرِّف بالدولة السعودية الحديثة، وشكلها ودستورها وتنظيماتها الإدارية، وهي أول نظام وضع لتنظيم الدولة في أعقاب اتخاذ الدولة السعودية الحديثة اسم مملكة الحجاز وسلطنة نجد وملحقاتها. وأهم التعليمات هي:
1ـ إن المملكة مرتبطة ببعضها ارتباطًا لا يقبل التجزئة.
2ـ المملكة دولة ملكّية، شورية، إسلامية، مستقلة.
3ـ لغة الدولة اللغة العربية وهي اللغة الرسمية للبلاد.
4ـ إدارة الدولة بيد الملك، وهو مقيد بأحكام الشرع الإسلامي.
5ـ أحكام الدولة مطابقة لما ورد في كتاب الله وسنة رسوله وما كان عليه الصحابة والسلف الصالح.
6ـ ينوب النائب العام عن الملك في الحجاز.
7ـ تنظيم الإدارة وإنشاء مجلس الشورى، والمجلس الإداري، ومجالس النواحي ومجالس القرى.

وأعقب ذلك تكوين الوزارات في البلاد السعودية، إذ قبل ذلك كان هناك الديوان الملكي وهو وحده الذي يتولى تصريف الشؤون الداخلية والمحلية، ومرجعه الأول الملك مباشرة. وأنشئت بعد ذلك وزارات مسؤولة عن تصريف أمور الدولة تحت إشراف الملك مباشرة. فأنشئت وزارة الشؤون الخارجية في رجب 1349هـ، أواخر عام 1930م، وعين الأمير فيصل بن عبدالعزيز أول وزير لها. وأُسس مجلس الوكلاء عام 1350هـ، 1931م. وتلا ذلك تكوين وزارة المالية عام 1351هـ، 1932م، العام الذي تسمّت فيه الدولة باسم المملكة العربية السعودية، وأصبح عبد الله السليمان أول وزير لها. وتوالى بعد ذلك تأسيس الوزارات في الدولة السعودية الحديثة على شكل متعاقب وتدريجي حسب الحاجة والمتطلبات وافتتح أول مجلس وزراء سنويّ في 3 ذي الحجة 1372هـ، الموافق 20 يوليو 1953م، في العام الأخير من حياة الملك عبدالعزيز آل سعود. ثم صدر مرسوم ملكي موقع من قبل الملك عبدالعزيز يقضي بجعل مجلس الوزراء تحت رئاسة ولي العهد، في 3 من صفر 1373هـ الموافق 11/10/1953م.

وبعد ضم الحجاز إلى الدولة السعودية الثالثة، نشأ في البلاد السعودية تنظيم خاص للعلاقات الدولية أقيم على قواعد المعاملة بالمثل والتبادل الدبلوماسي المتكافئ، والصداقة المتبادلة القائمة أساسًا على الأعراف الدوليّة المتَّبعة في التعامل الدبلوماسيّ بين دول العالم. فأقامتالدولة السعودية الحديثة علاقات دبلوماسية مع دول العالم، وعينت السفراء والقناصل والوزراء المفوضين لهذه الغاية، ومرجعهم في ذلك وزارة الخارجية السعودية. وتكون الدولة السعودية الحديثة هي الدولة السعودية الأولى من بين الدول السعودية المتعاقبة التي عرفت التمثيل السياسي والدبلوماسي المنظم.

ويُعدُّ صدور التنظيمات الأساسية بداية البناء الإداري في الدولة السعودية الحديثة، وبدأ هذا البناء الإداري أولاً في مملكة الحجاز التي كان سكانها قد تعودوا على الأنماط الإدارية المنظمة في العهدين: العثماني والهاشميّ قبل توحيد الحجاز وضمه إلى الدولة السعودية الثالثة.

ظلت التعليمات والأنظمة الإدارية واللوائح التنظيمية السعودية تصدر تباعًا وبشكل تدريجي وحسب الظروف والحاجة إليها، وذلك من أجل الإصلاح والتحسين والتعديل اللازم والضروري، وكلها من متطلبات البناء الحضاري الحديث. فاستحدثت الدولة المجالس الإدارية المختلفة، وأنشأت النيابة العامة في الحجاز عام 1345هـ، 1926م، وأقرت أنظمة المقاطعات الإدارية، وأنظمة المجالس الإدارية الملحقة بالمقاطعات. ونظمت الشؤون القضائية والمالية وغيرها من الشؤون التي تتطلب التنظيم.

صدر في 27 شعبان عام 1412هـ، الموافق 1 مارس 1992م المرسوم الملكي الذي أصدره خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز في شأن إقرار أنظمة الحكم والشورى والمناطق في المملكة العربية السعودية ممّا اعتبر نقلة نوعية متميزة في البناء والتأسيس. وجاءت تلك الأنظمة على هدي من القرآن الكريم والسنة النبوية، وهي مع ذلك وليدة التجربة السياسية والإدارية التي طبقت فعليًا في البلاد السعودية منذ استحداث الأنظمة السياسية والإدارية في الدولة السعودية الثالثة في عهد الملك عبدالعزيز آل سعود، مؤسس الدولة السعودية الحديثة.

توطين البدو.

يعاني البدو في البادية من مشكلات قد تكون أعمق وأعقد من مشكلات الجماعات الحضرية المستقرة. ومن بين تلك المشكلات تأتي مشكلة التنقل الدائم والترحال المستمر داخل البادية من جهة وخارجها من جهة أخرى. وعلى الرغم من تلك المشكلة فقد ظل البدوي يفتخر بحياة الترحال والتنقل وعدم الاستقرار، وظل يرى في قرارة نفسه أنه الأنموذج الاجتماعي المثالي لبني البشر أينما كانوا، وأينما حلوا.

إن نظام التنقل والغزو الدائم في بيئة البادية قد أدّيا بالفعل إلى انقطاع حبل الأمن، وأوجدا أنواعًا من عدم الاستقرار السياسي. وأحدثا شرخًا في العلاقات القائمة بين مجتمع البادية وبين الجماعات الحضرية، وبين مجتمع البادية والسلطة المركزية القائمة على أساس سيادة الحضر، وقد تعدى ذلك ليحدث نزاعات بين السلطات المتجاورة، خاصة حول موضوع تبعية تلك القبائل المترحلة.

وأصَّل نظام الغزو في مجتمع البادية مبدأ الأخذ بالثأر، وأوجد نوعًا من التحامل القبلي الذي يحتاج إلى وقت طويل كي ينتهي ويتلاشى. كما أن الجهل عند البدو يُعدُّ مشكلة اجتماعية حقيقية، فالبدوي بعيد كل البعد عن التعليم وعن التيارات الثقافية المتوافرة في الحضر ولدى الجماعات البشرية المستقرة.

ومن خلال هذا كله رأى الملك عبدالعزيز آل سعود ضرورة السيطرة على النزعة البدوية والإفادة من إيجابياتها، وهو ذكاء خارق من الملك عبدالعزيز يوضح مدى عمق فكره السياسي والاجتماعي، ويبين مدى سعة أفقه. ويعكس ذلك توجُّهًا، يقوم على أفكار اجتماعية، ودينية، وتعليمية، واقتصادية، وعسكرية. ومن هنا ظهر مشروع توطين البدو الذي خطط له الملك عبدالعزيز وهيأ له السبل والوسائل التي عملت على إنجاحه. فاختار الملك عبدالعزيز لهذا المشروع جماعة قادرة على الإفادة من بساطة البدوي وعاطفته وفطرته. وجند له عددًا من العلماء والمرشدين والمطاوعة، وخصص له الأموال وكميات من الأرز والشاي والبن وغيرها من متطلبات حياة البدوي. وحاول الملك قدر استطاعته أن تكون أنظمة المشروع وقوانينه مرنة كي يستطيع من خلال ذلك أن ينفذ مشروعه في جو يكون فيه البدوي المعنيّ أكثر قناعة، وتقبُّلا لمشروع يعدّ ظاهرة فريدة في الجزيرة العربية وفي خارجها خاصة في الوطن العربي الذي يكثر فيه البدو ومجتمعات البادية.

أهداف مشروع التوطين.

يعد مشروع توطين البدو الذي نفذه الملك عبدالعزيز، ظاهرة متقدمة في مجال البناء الاجتماعي في الجزيرة العربية، وهو مشروع رائد من المشروعات الاجتماعية المهمة في المنطقة العربية برمتها. فقد رأى الملك عبدالعزيز بثاقب بصيرته وبعد نظره السياسي والحضاري أن يوطن البدو في هجر وقرى مستقرة تحقق غايات دينية وثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية. فخطط الملك عبدالعزيز بأن يجمع القبائل المتنقلة والمتفرقة في دولته ويوحدها في إطار نوع من الاستقرار ضمن الدولة الأم مدفوعًا بمبادئ دينية وثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية. فركز الملك على أن يجعل البدوي يشعر بمسؤولية المواطنة، وحرص قدر إمكانه على أن يغرس فيه مبدأ حب الاستقرار، والإقامة الثابتة، والاستيطان المستقر. يقول الملك عبدالعزيز : "...إنني أريد تطوير نزعة البدو الفطريّة إلى الحرب، حتى يشعروا بأنهم أعضاء في جماعة واحدة، إنه عمل شاق، ولا أنكر ذلك، ولكن الجانب الكبير منه سيتحقق عندما تبدأ وحدات جيشي تشعر أن الهجر التي نشأت هي بمثابة وطن صغير لها في وسط الوطن الكبير القاحل".

حاول الملك عبدالعزيز أن يعلم البدو، بوساطة العلماء، مبادئ الدين الإسلامي وأحكامه حتى لا يظلوا في جهل من أمر دينهم ودنياهم. إنه مشروع يجدد مبادئ الدعوة السلفية بين البدو، ويعودهم على طاعة السلطة المركزية، ويعودهم أيضًا على الولاء للدولة أكثر من ولائهم للقبيلة. إنه يجعل البدو يشعرون بروابط الانتماء إلى الوطن والمواطنة في نطاق وطن أرحب وأوسع من نطاق ديارهم والأرض التي يتنقلون عليها ويرتحلون إليها. إنه مشروع يجمع أكبر قوة عسكرية محاربة يكون أفرادها من البدو الذين استقروا وهجروا حياة الترحال والتنقل، ممّا يعود البدوي على تقبل مبدأ الطاعة والانقياد. إنه مشروع يعلم البدو الزراعة ويعمل على ربط البدوي بالأرض فتتغير بذلك وظيفته الاقتصادية حين ينتقل من وظيفة الرعي إلى وظيفة العمل بالزراعة والفلاحة، وحين يصبح عسكريًّا يقوم بمتطلبات الجندية حتى وإن كانت جندية مؤقتة وغير ثابتة في الظرف الراهن. إنه مشروع حضاري جيد في حال نجاحه وتحقيق أهدافه الكبرى.

نتائج مشروع التوطين.

على الرغم من السلبيات والمشكلات التي تعرض لها مشروع الملك عبدالعزيز لتوطين البدو، وما قام به بعض الجماعات الموطنة من عصيان وتمرد، إلاّ أن المشروع حقق الكثير من النتائج الإيجابية، من أهمها :
1ـ قبول البدوي لمبدأ التوطين والاستقرار، وقد انتشر هذا المبدأ بسرعة كبيرة في البادية، وأصبحت الهجرة الواحدة أحيانًا يسكنها حوالي عشرة آلاف نسمة.
2ـ قلل المشروع من نسبة البداوة في الدولة السعودية الحديثة، وزاد معه نسبة السكان الحضر وفتح الباب أمام تحول اجتماعي كبير، واكبه تحول اقتصادي وثقافي.
3ـ أصبح البدوي يتقبل مفهوم المواطنة بعد أن وُطِّن في الهجر، وابتعد إلى حد ما عن عهد الترحال وظروفه ومتطلباته. وانخرط البدوي في مجتمع الدولة، وأصبح أكثر طاعة وولاء للسلطة المركزية عما كان عليه في السابق.
4ـ عم الأمن والسلام وساد بشكل أوسع، وغدت طرق القوافل وطرق الحجيج آمنة أكثر مما كانت عليه وانعكس أثر ذلك على الوضع الاقتصادي والسياسي في البلاد.
5ـ تعرف البدو إلى حد ما على مفهوم الدولة المنظمة، وقد حل هذا محل سيادة القبيلة. وبذلك يكون التوطين قد نقل البدويّ من حالة الفوضى وعدم الخضوع للنظام إلى حالة من الاستقرار والعيش الهادئ في جو الأمن والطمأنينة والسلام.
6ـ أوجدت حركة التوطين هذه نوعًا من التعليم القائم في أساسه على الجانب الديني.
7ـ أوجدت حركة التوطين قوة عسكرية غير منظمة، لكنها جاهزة تمامًا للخدمة وقت إعلان النفير العام، ووقت الحرب. وأصبحت هذه القوة العسكرية البدوية تشكل أقوى قوة عسكرية في المنطقة، وقد أفاد منها الملك عبدالعزيز إفادة كبيرة أثناء مشروع توحيد البلاد السعودية.
8ـ حطم مشروع التوطين الفردية والفوضوية التي ظلت تسود مجتمعات القبائل المتناحرة والمتنافرة، ووظفت طاقة القتال هذه في خدمة القضايا المشتركة والدفاع المشترك عن الأمة والدولة والدين والوطن. وعندما توطد مبدأ الشعور بالمواطنة سهَّل ذلك عملية توحيد مقاطعات الدولة.
9ـ أوجد مشروع توطين البدو مسؤوليات جديدة للجماعات البدوية، وأوجد أيضًا قيمًا جديدة ممّا جعل البدوي ينظر الى الحياة من خلال نظرة أعمق وأشمل.

البناء التعليمي.

ظل التعليم يسير على النمط التقليدي المتوارث طيلة فترة توحيد البلاد العربية السعودية، فلم يظهر التعليم الحديث المنظم إلى حيز الوجود إلاّ في أواخر العشرينيات من القرن العشرين الميلاديّ بعد أن تمكن الملك عبدالعزيز آل سعود من إتمام عملية توحيد أقاليم الدولة السعودية في إطار الدولة القوية، الموحدة، إذ نهج الملك عبدالعزيز سبل الإصلاح والتجديد والبناء في كافة البلاد السعودية.

زاد التعليم تطورًا وحداثة بعد ازدياد مخصصاته المالية ضمن ميزانية الدولة بعد اكتشاف النفط كسلعة تجارية مهمة جلبت للدولة السعودية أموالاً طائلة. فأخذ التعليم يتطور في عدد مدارسه ومادته التعليمية وأسلوبه ومنهجه، مبتعدًا تدريجيًا عن أساليب التعليم القديم، وظل في حالة تطور مستمر، وتكفَّلت بجميع ميزانيته الحكومة السعودية، بالإضافة إلى منح الطالب مكافأة شهرية تشجيعًا على طلب العلم. أسس الملك عبدالعزيز آل سعود مديرية المعارف العامة عام 1344هـ، 1926م، وارتبطت بالنائب العام، ويصرّف أعمالها مدير معارف عام، ويعاونه معاون المدير، واقتصر اختصاصها على ما يتعلق بشؤون التربية والتعليم. ولقلة المدرسين استقدمت الحكومة السعودية المعلمين من الخارج، من البلاد العربية المجاورة وعلى رأسها مصر. وأسست الدولة المعهد العلمي ومهمته إعداد المعلمين لمرحلتي الابتدائي والأولي. وقامت الحكومة السعودية بإرسال البعثات التعليمية إلى خارج البلاد خاصة إلى مصر، وقد أرسلت أول بعثة تعليمية للطلاب السعوديين إلى الخارج عام 1346هـ، 1927م.

أنشأت الحكومة السعودية مدرسة تحضير البعثات عام 1354هـ، 1935م، ووضع لها منهج استمد من منهج الدراسة في مصر، واقتصر اختصاصها على تهيئة الطالب السعودي للالتحاق بالمعاهد العليا والكليات الجامعية في مصر وغيرها. وتجسيدا لعناية الملك عبدالعزيز ـ رحمه الله ـ بالعلوم الشرعية والعربية، أمر بافتتاح دار التوحيد في الطائف لتتولى تدريس هذه العلوم حسب الطرق التربوية الحديثة ـ في ذاك الوقت ـ واختير لها نخبة من علماء الأزهر، إضافة إلى العلماء من السعوديين، وفي عام 1369هـ، 1949م، افتتحت كلية الشريعة بمكة، وتعد أولى المراحل الجامعية في المملكة.

وفي العام نفسه تذاكر جلالة الملك عبدالعزيز مع سماحة الشيخ محمد بن ابراهيم آل الشيخ ـ رئيس القضاة والمفتي الأكبر في المملكة ـ رحمهما الله ـ في أمر حلق تدريس العلوم الشرعية والعربية التي كانت منتشرة آنذاك وتنظيمها لتواكب الأساليب العلمية والتربوية الحديثة، وتنسجم مع أنظمة الشهادات التي بدأ منحها لمن ينهي مرحلة من مراحل التعليم، واستقر الرأي على إنشاء معهد الرياض العلمي وافتتح في شهر ذي الحجة عام 1370هـ، 1950م ثم افتتحت كلية العلوم الشرعية ـ بالرياض ـ عام 1373هـ، 1953م وهذا المعهد وتلك الكلية هما نواة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

لم يقتصر التعليم على المدن بل امتد إلى القرى والهجر، فتعلم الطلاب في الهجر القرآن الكريم، وأركان الإسلام، والعبادات، ومبادئ القراءة والكتابة، وكان يقوم بالتعليم في القرى والهجر بعض طلبة العلم، ويسمى الواحد منهم (مطوع) وجمعها (مطاوعة) وكان التعليم في البداية يتم إما في منزل المطوع وهو الأعم، وأحيانا في المساجد، ومستواه العلمي محدود جدا، وهي أشبه بالكتاتيب في بداية أمرها، ولما استقرت الأوضاع العامة في المملكة تطورت وازدهرت عن ذي قبل، ونظمت بحيث تكون مدارس نظامية تشبه مثيلاتها في المدن، وترتبط بمديرية المعارف العمومية.

يتبع >