عرض مشاركة واحدة
  #12  
قديم 11-03-2007, 11:10 AM
castle castle غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 1,880
افتراضي

من الرفض إلى القبول I

الانتفاضة الأولى واتفاقية أسلو

تقرير واشنطن

نشر معهد الولايات المتحدة للسلام USIP مؤخرا تقريرا بعنوان "من الرفض إلى القبول: فكر الأمن القومي الإسرائيلي والدولة الفلسطينية". أعد التقرير الجنرال شلومو بروم Shlomo Brom، وهو أحد المسؤولين الرئيسيين المختصين بشئون الأمن القومي الإسرائيلي. وشغل منصب نائب مستشار الأمن القومي الإسرائيلي للشؤون الاستراتيجية، ورئيس التخطيط الاستراتيجي في قوات الدفاع الإسرائيلية. ويشغل حاليا منصب كبير الباحثين بالمعهد الإسرائيلي للدراسات الإستراتيجية بجامعة تل أبيب. يحاول الباحث تتبع تطورات فكر الأمن القومي الإسرائيلي حول الدولة الفلسطينية، والسيناريوهات المطروحة.

مقدمة

يتقبل المجتمع الدولي بشكل كبير فكرة قيام دولتين متجاورتين كإطار عمل لحل الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني.
وعلى مدار العقدين السابقين تغير المدخل الإسرائيلي نحو هذه الصيغة تغيرا جذريا، من الرفض التام إلى القبول العريض. وبالرغم من أن السياسة الإسرائيلية لا يحددها الأمن القومي بمفرده، إلا أنه لعب دورا محوريا في هذا التغيير. وفي هذه الدراسة يشير مصطلح "فكر الأمن القومي" إلى فكر مجتمع الأمن القومي الإسرائيلي، الذي يعتمد في الأساس على اعتبارات الأمن القومي، والذي يتألف من الجيش، والخدمات الأمنية الأخرى، والزعماء السياسيين والعسكريين.
وسوف تحاول هذه الدراسة وصف التحول في فكر الأمن القومي الإسرائيلي حول موضوع الدولة الفلسطينية، وتحليل الفكر الحالي، وتأثير هذا التحول على مفاهيم السلام في الشرق الأوسط.

صفقات للمفاوضة، وحدود يمكن الدفاع عنها، والخيار الأردني

بعد حرب العام 1967 والاحتلال الإسرائيلي المباغت للضفة الغربية وقطاع غزة، استغل المجتمع السياسي والأمني في إسرائيل هذه الأراضي للضغط في مفاوضات حل الصراع. ولم يكن هناك مكان لمقترح دولة فلسطينية في فكر الأمن الإسرائيلي حينذاك. وكان نتيجة عدم الاعتراف الإسرائيلي بالدولة الفلسطينية، أنه كان على إسرائيل التفاوض حول مصير الأراضي المحتلة مع الدول التي كانت تسيطر على هذه المناطق قبل الحرب. لذا عندما وضع يغال ألون، أحد السياسيين الإسرائيليين البارزين ومفكري الأمن القومي، خطته الشهيرة، جعلها قائمة على تقسيم الضفة الغربية بين إسرائيل والأردن لتأمين الحدود الإسرائيلية. وفي هذه الفترة أيضا اتسم فكر الأمن الإسرائيلي بالتفوق الجغرافي على الديمغرافي، والذي أطلق عليه مصطلح "حدود يمكن الدفاع عنها". وفي الوقت ذاته بذل ألون جهودا لعمل توازن بين الجغرافيا والديمغرافيا، حيث اقترح عودة الضفة الغربية المزدحمة إلى الأردن، وضم وادي الأردن والتلال المحيطة به إلى إسرائيل.
وشجعت الحكومة على بدء الاستيطان في وادي الأردن، كما حاولت منع الاستيطان في المناطق التي يسكنها فلسطنيون. لكن "الخيار الأردني" فشل في العام 1988 عقب انهيار مباحثات لندن.

وكان لظهور التحالفات التي يقودها حزب الليكود بزعامة مناحم بيغن دور في إحداث تغير حيوي في الفكر الإسرائيلي، حيث شاع مفهوم أن الدولة اليهودية لها حقوق تاريخية ودينية في جميع الأراضي، والتزام قومي بشغل هذه المناطق. ودار الجدل بأن اتساع الاستيطان في هذه المناطق مصاحبا بتشجيع المواطنين المحلين على الهجرة سوف يغير من المنافسة الديمغرافية ويحل المشكلة. لكن مع عقد اتفاقية كامب ديفد في العام 1978 اعترفت اسرائيل لأول مرة وبشكل رسمي بحق الشعب الفلسطيني بنوع من حق تقرير المصير. إلا أن المفاوضات المتعلقة بتنفيذ الجزء الخاص بالفلسطنيين في الاتفاقية فشل، وأصبحت إسرائيل أكثر نشاطا في عمليات الاستيطان بالضفة الغربية.

الانتفاضة الأولى

اندلعت الانتفاضة الأولى في نهاية العام 1987 واستمرت لمدة ثلاث سنوات. ورغم انشغال العالم بأزمة الخليج، إلا أن الانتفاضة أثرت تأثيرا بالغا على الفكر الإسرائيلي. حيث تميزت بالحس الشعبي، وقادها متمردون غير مسلحين، وهي الفئة التي تجهل إسرائيل كيفية التعامل معها. وقد أدت محاولاتها لكبح جماح المتمردين إلى العديد من النتائج. فبالرغم من أن جزءا من الشعب الفلسطيني عاش معظم حياته تحت الاحتلال ولا يعرف حقيقة غيره، إلا أنه كان غير مستعد لقبول هذا الوضع.

كما أن الصراع المستمر دعم الوجود الفلسطيني وهويته المستقلة. كذلك كان من نتائج الانتفاضة أن إسرائيل أدركت التأثير السلبي للاحتلال على مجتمعها. كما اتسمت تلك الفترة أيضا بإعلان القيادة العسكرية المستمر عن عدم وجود حل عسكري للصراع مع الفلسطنيين، مما يعني ضرورة البحث عن حل سياسي. وأخيرا أصبح الخيار الأردني لا وجود له.

وكانت القيادة السياسية هي الأبطأ بين المجتمع الإسرائيلي في قبول تلك النتائج، إذ رفض رئيس الوزاراء إسحاق شامير بحث أي تسوية سياسية مع الفلسطنيين. في حين كان إدراك القيادة الفلسطينية لتلك النتائج أسرع، الأمر الذي ظهر في إعلان الجزائر للدولة الفلسطينية في 15 نوفمبر 1988. حيث ارتكزت منظمة التحرير الفلسطينية في إعلانها على الخطة الفاصلة التي أعلنها قرارالجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 بقبول حل الدولتين، وحق إسرائيل في الوجود.

أما حرب الخليج الثانية فقد كانت في غاية الأهمية بالنسبة للإسرائيلين، حيث كانت تعني هزيمة صدام حسين نهاية أي تهديد محتمل من "الجبهة الشرقية". كذلك كان من نتائجها استبعاد فكرة احتمال تشكيل قوات تحالف عربية لمهاجمة إسرائيل، مما أدى إلى تغير الشعور الإسرائيلي بالتهديد. كذلك كانت بداية عملية انهيار العالم العربي التي بدأت بهزيمة 1967، وكانت أهم ملامحها اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل، وتبلور فكرة الهويات القومية المنفصلة. وبموازاة ذلك فقد أضعف انهيار الاتحاد السوفيتي القوى المعادية لإسرائيل في العالم العربي بفقدها مصدر التسلح والدعم السياسي، ومن ثم صبت كل تلك التغيرات في صالح إسرائيل. وظهرت العديد من النتائج لتغير الميزان الاستراتيجي،

1 اكتساب إسرائيل القدر الكافي من الثقة الذي يمكنها من القيام بمبادرات سياسية أكثر خطرا.

2 ظهور نوعين من التهديد الأمني بصورة أكثر أهمية ووضوحا، وهما أسلحة الدمار الشامل، والإرهاب.
هذان النوعان الذان يجب التعامل معهما بالطرق الدبلوماسية، والحلول السياسية، والوسائل الأمنية والدفاعية. ثم أظهرت هذه الحرب أيضا تغير المدخل الإسرائيلي تجاه المسألة الفلسطينية بسبب رغبة الرئيس بوش الأب وحلفائه الأوروبيين والعرب في استخدام نتائج الحرب كنقطة إنطلاق لعملية سلام بين العرب والإسرائيليين. فكان مؤتمر مدريد الذي أدي الاختلاف بين الرئيس الأمريكي ورئيس الوزاراء الإسرائيلي حوله، لرفض شامير الاعتراف بهوية مستقلة للشعب الفلسطيني، وفيما بعد لرفض الولايات المتحدة منح إسرائيل قرضا مضمونا بسبب استمرار أنشطة الاستيطان، أدى إلى تغير في فكر الأمن القومي الإسرائيلي. حيث بدا أن الاستمرار في عملية الاستيطان والاحتلال يهدد أحد أهم المصالح الأمنية الإسرائيلية، وهو التحالف الأمريكي- الإسرائيلي.

عملية أوسلو، تفاهم مشترك، ومفاوضات حول الدولة

توجت اتفاقية أوسلو التأثيرات التي خلفتها الانتفاضة الأولى وتغير الفهم الإسرائيلي للتهديد. فقد أدي إدراك الشعب الإسرائيلي لطبيعة الصراع ضد الإرهاب، وأيضا رفضه لسياسة حكومة شامير إلى فوز حزب العمل بقيادة إسحاق رابين في انتخابات العام 1992. وقد قامت عملية أوسلو على أساس الفهم المتبادل بين الإسرائيليين ومنظمة التحرير الفلسطينة، عبر تبادل الخطابات، الأمر الذي شكل اعتراف الإسرائيلين بشكل رسمي لحق الفلسطينيين في حق تقرير المصير. ورغم ذلك ترك إعلان المبادئ في العام 1993 مسألة الدولة الفلسطينية دون إجابة، ولم يذهب أبعد من اتفاق على ترك بعض المناطق المحتلة للحكم الذاتي. وأعلنت إسرائيل عن استعدادها للموافقة على قيام دولة فلسطينية، عندما بدأ رئيس الوزاراء إيهود باراك مفاوضات حول وضع دائم مع الفلسطينيين. كما قامت عملية أوسلو أيضا على أساس التفاوض واعتمدت استرتيجية رابين على مفهوم "السلام قبل الأمن"، التي تستند على أن الطريق الوحيد للقضاء على العنف هو الوصول لاتفاق سلام من شأنه القضاء على ذرائع الإرهاب. وبعد اغتيال رابين في العام 1995 وتولي بيرس رئاسة الوزارة، تفوق بنيامين نتينياهو عليه نتيجة فشل مفهوم استراتيجية "السلام قبل الأمن"، حيث لم يكن الشعب الإسرائيلي مستعدا لتعريض أمنه قصير المدي للخطر من أجل ما بدا وعدا مشكوكا فيه بمستقبل آمن أفضل. وكان تواصل أعمال العنف بين الطرفين خلال تلك الفترة وفشل المفاوضات سببا في توقف العملية.

ثم جاء تولي باراك رئاسة الوزارة محملا بالآمال، حيث أكد على عزمه على تخطي نقاط الضعف الرئيسية لعملية أوسلو بتجنب اتخاذ المزيد من الخطوات الفاصلة ومناقشة اتفاق شامل لوضع دائم. ولعدم ثقة كثيرين من أعضاء المجتمع الأمني في نية عرفات، فقد انتهوا إلى أن الوصول لمثل هذا الاتفاق مستحيلا. لكنهم وافقوا على طرح باراك بأن الإخفاق سوف يكشف عن نية عرفات في عدم الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود. وكان لانهيار عملية أوسلو في العام 2000 نتيجة فشل مفاوضات كامب ديفد واندلاع الانتفاضة الثانية، بالغ الأثر على فكر الأمن القومي الإسرائيلي. فمن ناحية كان له أثر بالترويج لمفهوم حاجة الإسرائيليين لاتفاق وضع دائم، ومن ناحية أخرى زاد من مقدار عدم ثقة الإسرائيليين بالفلسطينيين، وبالتالي الاعتقاد بأنه من الصعب الوصول لاتفاق من خلال الخطوط الفاصلة التي كانت إسرائيل على استعداد لقبولها. وقد أظهر العنف وبوضوح لمعظم المفكرين الاسترتيجيين والشعب الإسرائيلي أنه يجب الوصول لحل الدولتين. إذ أن الاقتراب من الفلسطنيين والافتقار إلى حدود واضحة يعرض الأمن الإسرائيلي للخطر على المستوين الاستراتيجي (البعيد) والتكتيكي (القصير). فعلى الصعيد الاستراتيجي، اعتقد العديد من الإسرائيليين أن الفلسطنيين غير مستعدين لقبول وجود دولة إسرائيلية ذات سيادة، وأن سلاحهم الأعظم هو البقاء كجزء من إقليم واحد، والاعتماد على التفوق الديمغرافي. أما على الصعيد التكتيكي، فإن عدم الفصل يجعل المجتمع الإسرائيلي أكثر عرضة للهجمات الفلسطينية. أما إريال شارون الذي انتخب رئيسا للوزاراء في العام 2001، والذي كان مؤمنا بسياسة الاستيطان في الأراضي المحتلة لضمها في النهاية لإسرائيل، وجعل الدولة الفلسطينية غير ذات معنى، فهو نفسه الذي بدأ في اقتراح أن تترك إسرائيل الفرصة لقيام دولة فلسطينية. وفي الوقت ذاته أدى الاعتقاد بعدم إمكانية التفاوض مع الفلسطينيين إلى دعم الخطوات الأحادية التي قد تؤدي إلى قيام الدولة الفلسطينية. إذ أنه عندما لا يستطيع الفلسطينيون توفير حد أدنى من الأمن، فإن إسرائيل سوف تتخذ خطوات أحادية للانفصال عن الفلسطنيين، ومن ثم سيكون باستطاعة الفلسطينين إقامة دولتهم إن شاؤوا. [line]

من الرفض إلى القبول II

فوز حماس وحرب حزب الله

تقرير واشنطن

توقفنا في الجزء الأول من تقرير "من الرفض إلى القبول: فكر الأمن القومي الإسرائيلي والدولة الفلسطينية"، الذي أصدره مؤخرا معهد الولايات المتحدة للسلام USIP عند فشل اتفاقية أوسلو وتأثير الانتفاضة الثانية على الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي، والبدء في إتباع الحكومة الإسرائيلية لسياسات أحادية الجانب. التقرير من إعداد الجنرال شلومو بروم Shlomo Brom، وهو أحد المسئولين الرئيسيين المختصين بشئؤن الأمن القومي الإسرائيلي. وشغل منصب نائب مستشار الأمن القومي الإسرائيلي للشؤون الإستراتيجية، ورئيس التخطيط الاستراتيجي في قوات الدفاع الإسرائيلية. ويشغل حاليا منصب كبير الباحثين بالمعهد الإسرائيلي للدراسات الإستراتيجية بجامعة تل أبيب.

تداعيات الانسحاب من جنوب لبنان وحرب حزب الله

عكس الانسحاب الإسرائيلي الأحادي من جنوب لبنان في العام 2000 مزيدا من التغيير في الفكر الأمني الإسرائيلي، الذي ظهر في فهم أكبر لأهمية الشرعية الدولية والمحلية. إذ تم على أساس أنه بمجرد الانسحاب الإسرائيلي التام من الأراضي اللبنانية، سوف يفقد حزب الله شرعيته الداخلية والخارجية لمحاربة إسرائيل. وفي نفس الوقت فقد الوجود الإسرائيلي في جنوب لبنان شرعيته الداخلية حيث لم يعد يرى معظم الإسرائيليين جدوى من وجود قوات جيش الدفاع التي لم تنجح في حماية المدنيين من صواريخ حزب الله. وحتى اندلاع حرب يوليو الماضي مع حزب الله كان ينظر البعض للانسحاب الإسرائيلي على أنه نجاح عظيم، في حين رأي البعض أن هذا الانسحاب أضعف من الوضع الإسرائيلي ودعم شوكة حزب الله وجعله أكثر حرية في التحرك على طول الحدود. لكن آخرين رأوا أن وصول حزب الله للحدود الإسرائيلية عكس خطورته على الأمن الإسرائيلي. ونتيجة لذلك انهار مفهوم الأحادية بين صفوف الإسرائيليين مما جعل رئيس الوزراء إيهود أولمرت يسحب وعده بتنفيذ انسحاب أحادي من الضفة الغربية.

فكر الأمن الإسرائيلي وفوز حماس في الانتخابات

دعم انتصار حماس في الانتخابات الشكوك الإسرائيلية بشأن آفاق المشاركة الفلسطينية في المفاوضات، وأكد على عملية فك الارتباط أحادي الجانب. كما أنه زاد من التشكك الإسرائيلي في أن الانسحاب من الضفة الغربية سوف يتيح لحماس فرصة السيطرة على مناطق شديدة القرب من قلب إسرائيل. وبالرغم من أنه ليس من الواضح إن كان باستطاعة حماس التغلب على جميع المعوقات التي تواجهها، إلا أنها إذا فعلت فسوف يلعب ذلك دورا رئيسيا في تطوير الفكر الإسرائيلي. فبالرغم من عدم تصديق معظم مفكري الأمن الإسرائيليين أنه من الممكن أن تصبح حماس شريكا لإسرائيل يوما ما، هناك فكر يرى أنه إن آجلا أم عاجلا سيكون على إسرائيل إجراء محادثات مع حماس، وأنها قد تصبح موثوقا بها أكثر من الشركاء الفلسطينيين الآخرين. ومن المفارقات أن حماس قد تكون الشريك المناسب لفك ارتباط أحادي إسرائيلي من الضفة الغربية، حيث أن رفضها إجراء مفاوضات حول وضع دائم يجعل خيار فك الارتباط الأحادي أكثر فاعلية. كما أن الخطوة الأحادية سوف تمنح الجانبين الوقت اللازم، بالنسبة لحماس لتوحيد حكومتها وإثبات نفسها، وبالنسبة للإسرائيليين لدراسة حماس كحزب حاكم.

العامل الديمغرافي

في السنوات الأخيرة كانت أهم ملامح التطور في فكر الأمن القومي الإسرائيلي هي نمو الدور الديمغرافي علي حساب العامل الجغرافي. فمنذ ولادة الدولة الإسرائيلية اهتمت بعمل توزان ديمغرافي مع الدول العربية، الذي دعمه هجرة حوالي مليون يهودي من الاتحاد السوفيتي السابق. لكن مع توقف تلك الهجرات في نهاية التسعينيات بدا تفوق العرب الديمغرافي واضحا، خاصة مع ارتفاع معدل مواليد الفلسطينيين. فاستمرار الاحتلال الإسرائيلي لأراضي الفلسطينيين يهدد هويتها كدولة ديمقراطية للشعب اليهودي، إلا إذا صارت دولة تمييز عنصري تحكم فيها الأقلية الأغلبية، الأمر الذي يرفضه معظم المعنيين بفكر الأمن القومي الإسرائيلي لأنه يخالف قيم الليبرالية والديمقراطية للدولة الإسرائيلية، ولعدم قبول المجتمع الدولي لهذا الوضع. لذا يجب على إسرائيل ترك مناطق للفلسطينيين لكي تبقى دولة يهودية وديمقراطية. ففي فكر الأمن الإسرائيلي الحالي يعني الأمن القومي بالتهديدات المادية لوجود الدولة، وأيضا بالتيارات الاجتماعية التي قد تشكل خطرا على الهوية، الأمر الذي دعم قبول الحاجة "للانفصال" بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

وترى وجهة النظر السائدة أن فك الارتباط الحقيقي يستلزم قيام دولة فلسطينية لأسباب عدة :

1 أن فك الارتباط سيكتسب شرعية دولية إذا نظر إليه المجتمع الدولي على أنه خطوة تمكن الفلسطينيين من حق تقرير المصير، وهناك أمل أيضا في الاعتراف بالحدود الإسرائيلية.

2 الحاجة إلى وجود شريك مسئول على الجانب الأخر من الحدود.

3 سوف ينظر إلى إسرائيل على أنها بلد محتل طالما بقي الشعب الفلسطيني دون دولة.

4 قيام دولة فلسطينية سوف يضع نهاية لفكرة قيام دولة فلسطينية إسرائيلية موحدة، هذه الفكرة التي تشكل التهديد الأخطر على الأمن الإسرائيلي.

طبيعة الدولة الفلسطينية وعلاقتها بإسرائيل

ينقسم المؤيدون الإسرائيليون لقيام دولة فلسطينية إلى مجموعتين، المجموعة الأولى تؤيد التسوية عبر التفاوض مع الفلسطينيين، إذ يعتقدون أن إسرائيل قد يكون لها تأثير إيجابي على شكل وقيادة الدولة الفلسطينية باتخاذ جانب القوي الفلسطينية التي ترغب في إنهاء الصراع سلميا. مما قد يوطد العلاقات السياسية والاقتصادية بين البلدين، ويمكن من القضاء على الإرهاب عن طريق السيطرة على الحدود والعمليات الأمنية المشتركة بين البلدين. أما المجموعة الثانية، وهي الأقوى، فتؤيد فك الارتباط الأحادي الشامل، حيث يرون أن السيناريوهات الواقعية لقيام هذه الدولة تتراوح بين دولة فوضوية تنتشر فيها الميليشيات المسلحة، ودولة قائمة على الرفض تحكمها حماس. ويرون أنه ليس بإمكان إسرائيل منع تلك السيناريوهات، وبالتالي لا يمكن قيام دولتين لا تربط بينهما أي صلات حتى على الصعيد الاقتصادي.

أما المسألة الأخرى التي تتباين فيها آراء المؤيدين للدولة الفلسطينية فهي الصورة الإقليمية لهذه الدولة. فالمجموعة الأولى تدعم ما يبدو بالنسبة لها تسوية "عادلة" مع الفلسطينيين تسمح بقيام دولة فلسطينية على أساس حدود العام 1967 مع تعديلات طفيفة تسمح لإسرائيل بضم المناطق التي تتركز فيها المستوطنات على طوال هذا الخط، مع تعويض الفلسطينيين بنفس القدر من الأقاليم من داخل إسرائيل.

أما المجموعة الأخرى فترى أنه يجب على إسرائيل تحديد حدودها بشكل أحادي بناء على دواعيها الأمنية ومصالحها فقط. مما يعني أن الحدود ستتبع محيط الجدار العازل، وبالتالي ضم ما بين 8 و20 بالمائة من الضفة الغربية، وتتوقف المساحة على مصير وادي الأردن. كما ترى المجموعة الأولى أنه من الممكن محاولة العودة إلى طاولة المفاوضات والتمسك بخارطة الطريق. أما المجموعة الثانية فترى أن إسرائيل هي التي تحدد الدولة الفلسطينية بانسحابها من الضفة الغربية تاركة أقاليم مجاورة للفلسطينيين. وعلية سيكون هناك فرق بين فك الارتباط في قطاع غزة والضفة الغربية.

ففي حين تعود إسرائيل إلى حدود 1967 في قطاع غزة، تحتاج إسرائيل إلى تعديلات حدودية في الضفة الغربية، وعليها الاحتفاظ بالمناطق التي ترغب في ضمها في إطار اتفاق الوضع الدائم، ومناطق إستراتيجية أخرى هامة للتفاوض عليها في المستقبل. كما تختلف المجموعتان بشأن المرحلة الأولى من خارطة الطريق. فالمجموعة الأولى ترى أنه إذا نجح الفلسطينيون في توفير قدر من الأمن عبر التفاوض مع الجماعات المسلحة، فسوف يخلق ذلك مفهوما للتعاون الأمني بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وأن الأمر قد ينتهي بنزع سلاح الجماعات المسلحة. أما المجموعة الثانية فتشترط أن تجرد السلطة الجماعات المسلحة من جميع قدراتها كمرحلة أولى لخارطة الطريق.

دور الأطراف الثالثة

حدث تطور آخر هام في فكر الأمن القومي الإسرائيلي في السنوات الأخيرة، وهو قبول دور أطراف أخرى، والاهتمام بالأدوار المختلفة التي قد تلعبها من أجل قيام دولة فلسطينية والتنظيم الأمني بين الطرفين. إلا أن هذا الفكر الجديد يتعارض مع الشكوك والمخاوف الإسرائيلية التقليدية إزاء دخول طرف ثالث، والتي تتمثل في الارتياب في دور هذا الطرف أوقات الأزمات، وأنه سيكون ضد المصالح الإسرائيلية لميله إلى الجانب الأضعف

نتائج وتوصيات

وصل فكر الأمن القومي الإسرائيلي إلى مرحلة يعتبر فيها أن فك الارتباط هو مصلحة أمنية محورية بالنسبة لإسرائيل، وأن قيام الدولة الفلسطينية هي نتيجة هذه العملية التي قد تساعد أيضا على الاعتراف بحق الفلسطينيين في تقرير المصير، كذلك أصبح حل قيام دولتين من المصالح الإسرائيلية الرئيسية. لكن تظل الأسئلة المطروحة هي، ما هي طبيعة هذه الدولة، وصورتها الإقليمية، وشكل حدودها، ومستوى التعاون الاقتصادي والأمني بينهما؟ وما هي خارطة الطريق الحقيقية التي ستصل إلى تحقيق الهدف؟، يعتمد السيناريو المستقبلي المحتمل على الإجابة على تلك الأسئلة، وعلى تطور الأوضاع الداخلية الفلسطينية. فبالرغم من الاستعداد الإسرائيلي الكبير لقبول دولة فلسطينية، فإن قيام تلك الدولة غير مضمون حتى بعد فك الارتباط الكامل، لأن الفلسطينيين قد يروا أنه من مصلحتهم بقاء "الاحتلال" وعدم إنشاء دولتهم. وحتى قيام هذه الدولة لن ينهي الصراع إذا كانت علاقة إسرائيل بهذه الدولة علاقة مواجهة أكثر من كونها علاقة تعاونية. وبما أن المصالح الأمريكية تتطلب قيام دولة، وعيشها في سلام مع إسرائيل، فإن ذلك لن يتم سوى بمواصلة المفاوضات للوصول إلى تسوية.

ورغم أنه من الصعب تحليل نتائج فوز حماس في الانتخابات وتأثيرها على المفاوضات على المدى الطويل، إلا أن وضعها الجديد ومسؤولياتها قد يؤدي إلى تغير في مواقفها، ويزيد من احتمال الوصول إلى حل عبر التفاوض في المستقبل.
وفي العديد من الأحوال قد يحول تدخل الولايات المتحدة العملية الإسرائيلية الأحادية إلى عملية تعاونية أو حتى تفاوضية. كذلك من الملاحظ قبول واسع في دوائر الأمن القومي الإسرائيلي لدخول طرف ثالث، وقد تلعب الولايات المتحدة هذا الدور، حتى وإن كان محدودا، خاصة وأن لديها الإمكانات اللازمة مثل خارطة الطريق والمنسق الأمني.

التطور المستقبلي للفكر الإسرائيلي

كما أظهرت تلك الدراسة، تشكل الأحداث داخل وخارج إسرائيل فكر الأمن القومي الإسرائيلي. وقد يتصور البعض عدة سيناريوهات للدور الهام الذي يلعبه تطور فكر الأمن القومي الإسرائيلي حول الدولة الفلسطينية هي

1 أنه في حال حدوث تطورات داخلية فلسطينية كالوصول لاتفاق بين فتح وحماس، فقد ترغب إسرائيل في قيام دولة فلسطينية من خلال خارطة الطريق، وتسريع المفاوضات. وحينذاك قد تكون إسرائيل على استعداد للانسحاب من مناطق هامة بالضفة الغربية.
وقد يخدم هذا السيناريو أيضا مصالح حماس ويتيح لها الوقت لتعديل أيديولوجيتها

2 هو عدم إجراء مفاوضات مع الفلسطينيين، وذلك في حال عدم تخلي حماس عن مواقفها الراديكالية، أو غياب السلطة الفلسطينية. وبالفكر الجديد قد تقرر إسرائيل فك الارتباط الأحادي في الضفة الغربية. ورغم ضعف هذا الخيار نتيجة الحرب مع حزب الله واستمرار العنف القادم من قطاع غزة، إلا أنه يظل مطروحا بقوة بين النخبة الإسرائيلية المعنية بالقضية، رغم أنه لا يخلو من بعض المشكلات مثل عدم تغير وجود وأنشطة جيش الدفاع في الضفة الغربية حتى بعد فك الارتباط الجزئي.

3 والأخير فهو سيناريو مختلط، حيث يمكن إجراء حوار بين الطرفين لكن ليس بالضرورة أن يكون حوارا رسميا أو شاملا.
ففي هذا السيناريو سوف يبدأ الطرفان عملية من التنسيق المشترك، واتفاقات جزئية تقود تدريجيا إلى الاستقرار وتقليل العنف وبناء ثقة متبادلة. ومن بين هذه السيناريوهات الثلاث يعد السيناريو الثالث هو الأفضل، وسبب تلك الأفضلية يكمن في حقيقة أنه مبني على تطور فكر الأمن القومي الإسرائيلي دون إرهاقه بتوقعات غير واقعية. [line]