عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 19-07-2001, 01:59 AM
أبو أسامة أبو أسامة غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jun 2001
المشاركات: 36
افتراضي معاني سامية في العبودية لله رب العا

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين


إن المسلم إذا رحل إلى الله عز وجل بأوقار من العبادات والطاعات لله سبحانه وتعالى ولكن قلبه كان خالياً عن معنى عبوديته لله سبحانه وتعالى، بعيداً عن التذلل والانكسار لمولاه وخالقه، عبداً له عز وجل، فهو من مصيره الذي هو مقبل عليه على خطر‏.‏

ولو أن الإنسان المسلم رحل إلى الله عز وجل وهو متجلبب برداء عبوديته لله عز وجل ذلاً وانكساراً وصَغاراً‏؛‏ فإنه في منجاة من عذاب الله سبحانه وتعالى وسخطه‏؛‏ حتى ولو لم يكن له من العبادات والطاعات إلا الفرائض‏.‏

العبودية هي روح العبادة أيها الإخوة، ينبغي أن يعلم كل مسلم هذه الحقيقة، العبادة هي الطاعات الظاهرة التي تتبدّى على أعضائنا وفي حركاتنا وسكناتنا‏.‏

أما العبودية فهي الشعور الذي يصطبغ به كيان الإنسان وقلبه، فإذا كان الإنسان مكثراً من الطاعات والعبادات ولكن قلبه كان خالياً من معنى الانكسار لله والحقارة والصَّغار والذل على أعتاب الله، كان خالياً من مهابة العبد للرب، فإن طاعاته هذه ستكون أو يكون أكثرها نهباً للأهواء والشهوات والغرائز‏.‏

ولقد وصف الله سبحانه وتعالى النخبة الصالحة المفضلة من عباده، تحدث عن طائفة من رسله وأنبيائه ثم قال عنهم‏:‏ ‏{‏وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 21‏/‏73‏]‏ هذه هي الطاعات، هذه هي العبادات، ثم قال‏:‏ ‏{‏وَكانُوا لَنا عابِدِينَ‏}‏ هذه هي الصفة العظمى التي وصف الله رسله وأنبياءه بها، ‏{‏وَكانُوا لَنا عابِدِينَ‏}‏ هذه الصفة تختلف عن الصفة الأولى‏.‏

وجلّ كتاب عز وجل عن أن يكون فيه تكرار لامعنى له، تحدّث عن طاعاتهم وعباداتهم أولاً فقال‏:‏‏{‏ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ‏}‏ ثم توج ذلك بالصفة التي نتحدث عنها صفة العبودية، فقال‏:‏ ‏{‏وَكانُوا لَنا عابِدِينَ‏}‏ تلك هي روح الطاعات، وروح العبادات‏.‏

أيها الإخوة‏:‏ العبادة إذا انفكت عن روحها، ألا وهي العبودية الواجفة لله عز وجل، يمكن أن يتصيدها الكِبْر، فتنمحي هذه الطاعة في ضرام هذا الكِبْر،
يتكبر العبد بطاعاته وعباداته على الآخرين‏.‏ العبادة التي يؤديها الإنسان دون أن يكون لها روح وحصن من العبودية يمكن أن يتخطفها العُجب، يُعْجَب هذا الإنسان الطائع بطاعته، ويتباهى بها على أقرانه، فتتمزق هذه الطاعة وتذوب وتنمحي‏.‏

يمكن لهذا الذي يمارس الطاعات بعيدة عن جذور العبودية لله سبحانه وتعالى أن يوظف طاعاته وعباداته لمصالحه الدنيوية، لمغانمه الشخصية، لأغراضه العاجلة، كما نجد كثيراً كثيراً‏.‏

ما الذي يجعل عبادتك يا أيها المسلم محصَّنَة ضد ذلك‏؟
‏ ما الذي يجعل عبادتك محصَّنَة ضد الكِبْر الذي يُزْهِقها،؟
ضد العُجب الذي يمزقها،؟
ضد توظيف الطاعات للأغراض الدنيوية المختلفة‏؟‏
إن الذي يحصّن طاعاتك وعباداتك شيء واحد، ألا وهو شعورك بأنك عبد مملوك حقير ذليل لله سبحانه وتعالى‏.‏

وكأني بكم تسألون‏:‏ ما معنى العبودية‏؟‏ وهل العبودية إلا العبادة‏؟‏

نعم، فرق كبير كبير بينهما‏.‏ العبادة حركات تتلبس بها الأعضاء، أما العبودية فشعور يهيمن على القلب‏.‏

عبوديتي لله عز وجل أن أكون دائم الانكسار لله، دائم الذل على أعتاب الله‏.‏ عبوديتي لله عز وجل تدعوني إلى أن أتذكر أنني دائماً لاشيء وأنني بقبضة الرحمن سبحانه وتعالى، إن أكرمني فبفضله، وإن عاقبني فبعدله، عبوديتي لله سبحانه وتعالى هي تلك الحال التي تذكرني بأخطائي، تذكرني بذنوبي، تذكرني بالمعاصي التي تلبست بها وانزلقت إليها، ولاتضعني أبداً أمام طاعات وفقت إليها وأمام عبادات أكرمني الله عز وجل بها لأفرح بها ولأتباهى بها‏.‏

عبودية الإنسان لله عز وجل هي مَعِيْن مهابته منه، هي مصدر خوفه منه، هي مصدر حبه له‏.‏ هذه هي العبودية، بدون هذه العبودية لايصل العبد - ونحن نسميه العبد - لايصل العبد إلى الله سبحانه وتعالى‏.‏

والواقع أيها الإخوة أننا إن اصطبغنا بهذه العبودية شعوراً أم لم نصطبغ بها فنحن كذلك،
نحن أذلاء على أعتاب الله، عرفنا ذلك أم لم نعرف، نحن في منتهى الصَّغَار في قبضة الله عرفنا ذلك أم لم نعرف‏.‏ نحن مستحقون-إن لم يتكرم الله عز وجل علينا بسابغ من فضله وإحسانه مستحقون للعقاب- عرفنا ذلك أم لم نعرف‏.

‏ لكن المطلوب من المسلم أن يُشْعِر نفسه بهذه الحقيقة‏.‏ فيكون دائم الانكسار والذل لله سبحانه وتعالى‏.‏

لاحظوا أيها الإخوة كم هو لطيف ربنا عز وجل، وكم هو حفيٌّ بعبده، وكيف يربي إلهنا وخالقنا عبده على أن يتيقظ لهذه العبودية لله سبحانه وتعالى‏.
‏ طبعاً بعد الإيمان به، وبعد اليقين بوجوده ووحدانيته‏.‏

انظروا إلى هذه السُّنة الماضية في عباد الله عز وجل‏؛‏ من عادة الرب سبحانه وتعالى لذا وَفَّق عبده المؤمن للطاعات والمبرات والخيرات أن يجعل من طاعاته هذه ما يشبه عطراً فواحاً تفوح رائحته ذات اليمين وذات الشمال‏.‏ يجعل الله عز وجل لطاعات أحدنا إذا وُفِّق إليها طنيناً ورنيناً في الآفاق وهكذا فما هي إلا ساعات حتى تتسرب أخبار طاعاتك وعباداتك إلى سمع جيرانك، إخوانك، أصدقائك، فيلهجون بالثناء عليك‏.‏

ولكنه عز وجل قضى بأن يستر المعاصي التي تصدر من هذا العبد‏.‏ كل بني آدم خطّاء إلا الرسل والأنبياء، فأنا أخطئ بالليل والنهار، أنا أعصي الله، تزل بي القدم، من عادة ربي ومولاي عز وجل أن يُضفيَ سِتراً وكنفاً على هذه المعاصي، وأخرج إلى الناس وإذا بهم لايعلمون من أخبارها شيئاً، في حين أنني إذا قمت بطاعة من الطاعات مهما فعلتها في كِنٍّ مستور ومكان مغمور فإن الله عز وجل يجعل منها خبراً سارياً بين الناس‏.‏ هذه تربية يربي الباري عز وجل عبده عليها‏.‏

ما هي ثمرة هذه التربية في حياتي وحياتك أيها المسلم‏؟‏

هذه التربية هي التي توقظ عبوديتك لله إذا كانت راقدة‏.‏

أنا أدرى الناس بدخيلة نفسي، أنا عندما يأويني الليل إلى فراشي وأتذكر النهار الذي أدبر، أنا أعلم أنني عصيت الله في ساعة كذا، وعصيته في ساعة كذا، وعصيته في ساعة كذا، هذا عدا المعاصي الخفية‏:‏ الاستكبار، العُجب، الحقد، الضغائن‏.‏ أجل، وأسمع كلام الناس ثناء علي ومديحاً لي لأنهم لايعلمون حقيقتي، هنا تستيقظ مشاعر عبوديتي لله عز وجل، ألطم نفسي، أقول يارب‏:‏ إنك أذعت ونشرت الأشياء التافهة من طاعاتي، وخَبَّأت وسترت العظيم والعظيم من المعاصي والأوزار التي ارتكبتها، تُرَى ما مصيري غداً إذا وقفت بين يديك‏؟‏ وكيف ستكون حالي إذا افتضحت أمام هؤلاء الذين يثنون عليّ، ويمدحونني بطاعاتي وقرباتي ومبراتي وخيراتي التي أقوم بها‏؟
‏ لاحظوا أيها الإخوة كيف تستيقظ عبوديتي لله عز وجل في هذه الحال‏.‏

هنا مهما أثنى الناس عليّ لايمكن أن يَغُرَّني ثناؤهم‏؛‏ ذلك لأنهم لايعلمون عني ما أعلم‏.
‏ أعود إلى نفسي فأراها شر الخلائق من المؤمنين طبعاً، من المسلمين، أجل، والنتيجة الأخرى لهذه التربية الربانية أنني عندما أعود إلى دخيلة نفسي فأرى الأوزار التي ارتكبتها، أرى الإساءات التي سُجلت عليّ، وأنظر إلى الناس من حولي فأراهم مُبَرَّئين من هذه المعاصي‏؛‏ لأن الله سِتِّير‏.‏
ألتفت إلى زملائي، أصدقائي، أقاربي فلا أجد أنهم فعلوا شيئاً مما فعلت، لا أرى أنهم قد انزلقوا في المهاوي والأودية السيئة التي انزلقت فيها، وإنما أعود إلى نفسي فأجد أن ركاماً من السيئات قد تراكم في كياني، يدعوني هذا الحال إلى أن أعلم أنني أسوأ الناس، وأن كل الذين هم من حولي هم أفضل مني‏.

‏ ورحم الله عمر إذ كان يقول في كل مناسبة‏:‏ ‏(‏‏(‏ويحك ياعمر كل الناس خير منك‏)‏‏)‏ ما يرى عملاً صالحاً يقوم به إنسان من الناس في مناسبة إلا ويلطُم نفسه قائلاً‏:‏ ‏(‏‏(‏ويحك يا عمر كل الناس خير منك‏)‏‏)‏‏.‏ تلك هي حقيقة العبودية لله سبحانه وتعالى، وهذه هي آثارها‏.‏

بدون أن ترتدي جلباب هذه العبودية لايمكن أن ترحل إلى الله عز وجل إلا وأنت على خطر من مصيرك‏.‏ ولكن إذا رحلت إلى ربك وأنت لاتدري في أي لحظة تكون الرحلة، وأنت متجلبب بذل عبوديتك لله عز وجل كما قلت وشرحت لك‏؛‏ فإن طاعاتك مهما كانت قليلة إذا كنت تؤدي الواجبات الأساسية فإن عبوديتك لله ستكون شفيعاً، ستكون شفيعاً لك يوم القيامة‏.‏

انظروا أيها الإخوة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ماذا قال لعقبة بن عامر رضي الله عنه، وقد سأله‏:‏ ما النجاة يارسول الله‏؟‏ سؤال كبير يطلب من رسول الله أن يجيب عنه بإجابة صغيرة‏.‏ ما النجاة‏؟‏
أي كيف النجاة يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏‏(‏أمسك عليك لسانك، ولْيَسَعْك بيتك، وابكِ على خطيئتك‏)‏‏)‏ رواه الترمذي والبيهقي وابن أبي الدنيا بسند صحيح‏.

‏ ‏(‏‏(‏أمسك عليك لسانك‏)‏‏)‏ لاتخض في أعْراض الناس، ولاتخض في أحوال الناس، عُد إلى نفسك تجد أن أولى من ينبغي أن يتحرك لسانه بقالة سوء عنه هو أنت‏.‏ ‏(‏‏(‏وليسعك بيتك‏)‏‏)‏ أي‏:‏ اعتكف في دارك لتعود إلى واقع حالك، ‏(‏‏(‏وابك على خطيئتك‏)‏‏)‏ نسيج العبودية يتكون من هذه الأمور الثلاثة، ‏(‏‏(‏أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك‏)‏‏)‏‏.‏

عندما أنسى خطيئتي أيها الإخوة - أنا أتكلم عن نفسي ولا أُمَثِّل، أجل لا أمثّل أتكلم عن نفسي - عندما أغفل عن المعاصي التي ارتكبتها، عن التقصيرات التي وقعت فيها في جنب الله عز وجل، عن الإساءات فضلاً عن الأخطاء الخفية، الأمراض القلبية،
عندما أغفل عن هذا كله ثم أضع المناظير على عينيّ لأراقب الناس، أنتقد هذا وأسفّه ذاك، وأسْخَر من ذاك وأستخف بهذا، وأقول ذلك كله في نجوة منه، بعيداً عن مسامعه، عندما يكون هذا شأني ويستمر بي الحال على هذا المنوال، كيف يكون قدومي غداً على الله‏؟‏
وأنا لاأعلم أيها الإخوة، لا أعلم في أي لحظة ستكون رحلتي من هذه الدنيا إلى الله، إذا صادفني مَلَك الموت قائلاً‏:‏ انتهت أيام بقائك، بل لحظات بقائك هنا، وحان قدومك على الله، وأنا غريق هذه الحالة، بعيدٌ تائه عن المعاصي التي حُشيت في كياني، وإنما أتجه إلى الناس وأراقبهم لأُعَلِّق على أخطائهم ولأُصنّف هذا في الفاسقين، وهذا في المارقين، وهذا في السادرين، وهذا في الظالمين والتائهين، إلى ما هنالك‏.‏ أين أنا من عبوديتي لله عز وجل‏؟‏ وقد وضع الله عز وجل بين يديّ المادة التي أوقظ بها عبوديتي‏.‏

كما قلت لكم‏:‏ ماهي هذه المادة‏؟‏ أنني إذا رجعتُ إلى نفسي سأكتشف أن عفونة من المعاصي تتراكم في كياني، الناس لايعلمون‏؛‏ لأن الله سِتِّير، ولكني أعلم، ولكأن الله يقول‏:‏ ياعبدي لقد سترت فضائحك وأخطاءك ومعاصيك عن الناس ولكنني بَصَّرْتُك بها، فلا تَنْسَها ولاتظن سِتْر الله عز وجل عليك يعني غياب هذه المعاصي عن كيانك‏.‏ هكذا يقول لي الله عز وجل، هذه المادة هي التي توقظني إلى عبوديتي لله سبحانه وتعالى، ورحم الله الشافعي إذ يقول‏:‏

يظن الناس بي خيراً ******* وإني لشر الناس إن لم تعف عني


أجل، أيها الإخوة‏:‏ خُطوة واحدة تخطوها إلى الله توصلك إليه‏.‏ تغنيك عن تعاريج طريق طويل وطويل‏.‏ ماهي هذه الخطوة‏؟

‏ أن تصطبغ بذل عبوديتك لله‏؛‏ أي أن تتحقق بنصائح رسول الله صلى الله عليه وسلم الثلاث التي قالها‏:‏ ‏(‏‏(‏أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك‏)‏‏)‏ عندما تصطبغ بهذه النصائح فاطمئن بالاً أن رحلتك إلى الله سبحانه وتعالى ستكون كما قال سلمة بن دينار‏:‏ كعودة الغائب إلى أهله بعد غياب طويل‏.‏ هذه هي الحقيقة التي ينبغي أن نَعْلَمها أيها الإخوة‏.‏

إنني أقول هذا لأنني أعيش في أتون هذه الحالة الخطيرة، صباح مساء أسمع من يثني علي، صباح مساء أسمع من يتحدث عن أعمالي وما إلى ذلك، ولو أنني ركنتُ إلى هذا الكلام دقائق لهلكتُ‏.‏ والله الذي لا إله إلا هو أقولها بجِدٍّ وصدق‏.

‏ ولكنْ، ولكنّ الله رؤوف، ولكن الله رحيم، كأنه يقول لي‏:‏ عُد إلى نفسك، الناس لايعلمون دخيلتك‏.‏ عُد إلى واقعك تَذَكَّر في هدأة الليل بُعْدك عن الله، شرودك عن صراط الله‏.‏ تكبرك على عباد الله، استخفافك بهم،
تذكر هذا لن يضرك عندئذ مدح المادحين‏:‏ لأنك تعلم أنهم لايعلمون‏؛‏ لأنك ستدري أنهم مخدوعون بك،

لكن تُرى‏:‏ ما الذي يُوَفِّقُني لهذا‏؟‏ أيضاً كرم الله‏.‏ كل ذلك من عند الله‏.‏

هذه العبودية تلمسوها أيها الإخوة، اجعلوا منها زادكم في رحلتكم إلى الله، اجعلوا منها زادكم في رحلتكم إلى الديان غداً ولايقولن قائل‏:‏ إنني لاأزال في رَيْعَان الشباب بيني وبين الموت مراحل طويلة‏:‏ مَنْ أدراك‏؟‏ ‏{‏وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 31‏/‏34‏]‏ أخفى الله عز وجل ذلك عن عباده‏.‏ بل افترض أن الموت أدنى إليك من شحمة أذنك‏.‏

ورحم الله ذلك الشاب الذي جعلت منه عِبرة لنفسي، شاب في العشرينات من عمره كان يغشى درساً دائماً دائماً مستمراً في مسجد من المساجد وكان يأتي من مكان بعيد بعيد على دراجته ليحضر هذا الدرس، فُجْأة غاب هذا الشاب عن الدروس التي كان يحضرها‏.‏

ولما سألنا واستوضحنا، عرفت أن حادثاً أودى به‏.‏ كان يتجه في دراجته بسرعة إلى الدرس ووقع من دراجته ميْتاً‏.‏ لا لحادث مادي ولا لارتطام عضوي ولا لشيء، وإنما لأن مَلَك الموت جاءه في الوقت المحدَّد له‏.‏ عندما جاء أهله وجاء من ينبش ما كان معه من أمتعة وأمور من أجل التحقيق في شأنه ومصيره، رُئِيَت في جيبه رقعة قديمة فُتِحَت هذه الرقعة وإذا هي وصية لأبويه ينصحهما بأن يسيرا في الطريق الذي يسير فيه، يدعو لهما بأن يكرمهما بلذة العبودية التي أذاقه الله عز وجل طعمها، يسترحمها لنفسه، يسترضيهما بعد موته‏.
‏ لقد أبكتني هذه الوصية ورأيت فيها كلاماً قلما ينطق به إلا العارفون والصّدّيقون‏.‏
أفكانت رحلة هذا الإنسان إلى الله بعد شيخوخة‏؟‏
أفكانت رحلته إلى الله بعد مرض عضال أنذره‏؟‏
لا، أيها الإخوة، كانت رحلته إلى الله عندما أَعْلَن جرس الميقات المحدد على أذن ملك الموت أن يذهب فيأخذ ويقبض روح عبد الله فلان في الساعة المحددة وفي اللحظة المحددة‏.
‏ كلنا ذاك الرجل، ينبغي أن نتوقع الموت في كل لحظة فتلمسوا جلبات العبودية، أأنتم متأكدون أنكم مصطبغون به‏؟‏ إذن رحلتنا آمنة إلى الله، وإلا فانسجوا من هذه العبودية رداء واجعلوا نسيج هذا الرداء من سُدَى ولُحمة قول رسول الله‏:‏ ‏(‏‏(‏أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك‏)‏‏)‏‏.‏

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
رد مع اقتباس