الموضوع: زفاف الرحيل...
عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 11-01-2010, 06:28 PM
أم بشرى أم بشرى غير متواجد حالياً
مدير عام المنتديات
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: الجزائر
المشاركات: 9,133
افتراضي زفاف الرحيل...

بسم الله الرحمان الرحيم
هذه القصة من وحي خيالي حاولت أن أستجمع فيها العديد من الأحداث من بيئات مختلفة وأصبها على هذه الأسرة لأعطيها طابعا خاصا أجذب بها القارئ وأذهب به إلى عالم التعايش مع عينات تعاني الأمرين ليدرك في النهاية أنه في نعيم يُحسد عليه ، فيتوجه إلى ربه بالحمد والشكر وأتمنى أن تنال إعجابكم .

" زفاف الرحيل "

-اصطحبني الفجر إلى الوضوء ، وعلى وقع حذاء تتبعت الأثر ، بلسان صامت و آذان متحركة أتقصى مصدر الوقع ، رويدا..رويدا وصلت إلى النافذة وجلت بناظري إلى الحارة أتفرسها بيتا بيتا. كان الظلام دامسا يعانقُ برودة شديدة َ َ، وهواء متجمد يقارعُ الملامسة...نظرت ُ هنا ،نظرت هناك ..وإذا بشبح ِ ِيستوقف ُ الرؤيا..يا إلاهي ما هذا ؟ ...بدأت الخطى في خفوت تتقدم وعينايا تترصد في خوفِِ ِ وتطلع .. اقترب الشبح من باب الجار "عمي محمود " .
ارتابني الفزع ، من عساه يكون ؟ لماذ ا في هذه الساعةِ بالضبط ؟ ، إن عمي محمود يعيش وحيدا مع ابنته " رقية " التي سخرت شبابها لخدمة أبيها العجوز وأمها المريضة ، سنون طوال وهي تلازم الفراش أفناها المرض وتفننت الأوجاع في هضم قواها وذهبت بها بعيدا إلى رحم الآلام التي لا تبارحها ، وإلى الحاجة التي تمنعها من متابعة الأطباء والتخفيف بالادوية .
كان ساعتها عمي محمود- الذي يساعد الأسرة بمعاش زهيد افتكه من سنين التعب والشقاء - يتألم بين أقسام البوليس بين الحين والآخر تحت وطأة المساءلة:أين ابنك؟ ،هل يزوركم ؟، ستدفعون الثمن ،وغيرها من الأسئلة التي لا يجد لها جوابا ...
كان عمي محمود يعتقد أنه سيحضى بوسام التكريم ، والتشريف وهو الذي كان في يوم ما يعرٌج إلى الجبال حاملا المؤونة للثوار والرسائل والأخباروعندما يعود يشارك في توزيع البيانات ووثائق الثورة التحريرية ، كان يتعرض لضغوطات فرنسا ، تارة يزج به في السجن ، وأخرى إلى التعذيب .
ذكريات كثيرة تعبر كشريط عبر مخيلته وهو يتأمل فرقة البوليس وهي وراء المكاتب تمارس أعمالها . وبآهات لا بداية ولا نهاية لها يعود إلى بيته متأبطا وجها عبوسا شاحبا حفرت أخاديد الزمن عليه علامات الإغتراب يسأل القدر عونا وتفريجا !!!...
كانت رقية حائرة في أسمالها البالية ، كانت عفيفة ، صامتة ،تحوطها التساؤلات في صمت رهيب .. متى تُشفى والدتي ؟متى يعود أخي ؟ أين ذهب ؟ أهو لص أم إرهابي كما يقولون ؟ لماذا أذيت أباك وأذيتنا كلنا ؟ لماذا ..لماذا ؟....
أخي عرفته قلوقا ، متذمرا من الحياة ، من الفقر ، من البطالة ، من صدود الآخرين ، لم يسعفه الحظ في النجاح الدراسي ،ودائما يغرق في تفكير طويل أين أنت الآن يا أخي ؟
كانت رقية تحكي ...وتحكي ...وتحكي في صمت الجياع للكلمة ، للمواساة ، للشفقة ، تحكي في صمت اخترقت صيحاته صفحة وجهها الذي غادره غض الشباب وعلته صفرة التفكير في غد مجهول .
مرٌت الأيام ، وازداد المرض تكشيرا ، وخطره نخر آخر ملامح القوة فاستسلمت الأم للصمت الأبدي بعد معزوفات الأنين التي كانت تخترق الصمت المطبق ، رحلت إلى عالم الإستقرار...
حزنت رقية حزنا شديدا ، واصطدم الابن واسودت الدنيا في عينيه ، حمٌل نفسه المسؤولية ، لوكنت أعمل لأسعفت والدتي ، رحلت ْ ورحلت معها أحلامي ،كانت تقول : يا صالح عندما أ ُ شفى سأختار لك ابنة أختي كزوجة ،آمال ألا تتذكرها؟
إنها جميلة ومتخلقة، إنها تحبك يا صالح ..لا يا أمي توقفي ، أنا رجل فاشل لا أعمل ..لاافكر في الزواج..لكن مشاعري تتهلل إلى فرح قريب ...آه ...آه.
وبأهداب مرتعشة ونبضات سريعة تسافرُ رقية إلى والدها أين التوى ببرنوسه العتيد فوق فراشه الذي ملٌ تواجده ، وكلما هتف له بالمغادرة ليتحرر قليلا كلما أقعد والدي الروماتيزم الذي نخر ركبتيه ..ايه رحلت الأم...رحل صالح إلى المجهول..ورحل أبي بسمعه أكلمه فلا يسمعني إلا بعد الصراخ...كرهت ، ضقت وسافرت إلى الصمت هو الخيار ...الكثير قالوا خرساء ..نعم خرساء تسترق النطق نادرا. خرساء ..صماء ..لا أبالي فالكل مجهول جهل أيامي وغدي.
استفاقت رقية من الهواجس على طرقات خفيفة على الباب ...التفت إلى والدهاوهو يتهيئ لصلاة الصبح يتمتم بأذكار ِِ ِ وتسابيح .
أسرعت إلى خمارها فوضعته على رأسها ثمٌ أومأت لأبيها أنّ هناك شخص يدق على الباب وهي مذهولة في استفسار...افتح أبي ..اذهبي أنتِ ، رقية تقدمت ، تراجعت ..الوجوم يخنقها ..الرعشة تتسلط على أعضائها ، يارب من سيكون في هذا الوقت ؟ لص ..وماذا عندنا حتى يسرقنا ..ربما أخي صالح عاد ..نعم هو يا إلهي . من الطارق ؟ وفي صوت خافت ، أنا صديق صالح افتحي من؟ لا أفتح!!..
أنا علي ، افتحي ، لي خبر عن صالح ، ماذا ؟ صالح..صالح أخي وتفتح الباب
أنبهرتُ لمنظرالشبح وكانت رقية تنظر إليه في استحياء ، سمعتها تحدثه بصوت خافت : أين أخي ؟ لماذا لم يأت معك؟ متى رأيته ؟...ظلٌ الشبح صامتا ، وقلق رقية يزداد ويلتهب ليعرف ويعرف ،ويحاول الشيخ جاهدا للوصول إلى الباب
لكن ما إن وصل رقية : صالح ، صالح بصوت مرتفع ويخترق سمع الشيخ فيذهل ويسقط ميتا.
تعالى صراخُ رقية ، فُتِحتْ نوافذُ الجيران ، وقتلت الأضواء ظلمة الحي ،أسرع الجميع إلى بيت عمي محمود .
كانت ليلة حزينة أ ُسرع بالشيخ إلى المستشفى وبات ليلته هناك تحت الإسعافات بين الموت والحياة ..إنه لم يمت ، كانت مجرد صدمة . عادت رقية إلى البيت لم تتعود البقاء لوحدها ، موت ..موت.. أبي ، أخي..آه نعم أين أنت يا أخي؟ أين علي ؟ رحل علي .. رحل الكل ..رحل الأمل ...آه .
أرسلت رقية آهات القنوط وهي تعصف بمشاعرها المحبطة .
وجاء الصباح ..، رقية لم تتعود الإعتماد على نفسها وكأنها غريبة في هذا المجتمع التي أصبحت المرأة فيه حيٌة نابضة تحمل تكاليف وأعباء كثيرة ...واستسلمت للدموع لتواسيها وتخفف عنها . دق الباب ، إنها الجارة ، إنها أنا طلبت منها الإستعداد لتزور والدها في المستشفى ..وكم كانت سعادتها كبيرة دعاء متواصل أرسله لسانها الذي تعود الصمت ..ارتجافة تعلو جسمها حتى أنها لم تقو على ارتداء الحجاب ، ربت على كتفها..الله معك..الله معك وانطلقنا.
وصلنا ..كانت الساعة العاشرة صباحا وبدأنا نسرع في الخطو عبر الرواق ..... رقية خطواتها تتراجع ...وجهها اصفر..ما بك ؟ رقية : لست أدري أحس بثقل ..بضيق في أنفاسي . أستغفري الله يا رقية وندخل الحجرة لم نجد عمي محمود ..إنه مات قبل قليل تعالت أصوات بعض الحناجر وتنطلق صرخات رقية أبتاه لمن تركتني ؟ لحظات صعبة...ألتف حولها الناس ..سقطت أرضا ولاذت بعدها في صمت ..كان علي بجوارها قد حضر ،وبعد لحظات استيقظت،فرأت علي: أبي مات يا علي مات ، مات ....
أين صالح ؟ قل لصالح أبي مات ...
وقف علي في ذهول يا رباه ماذا أقول ؟... وتمسكه رقية على غير عادتها ..في غير وعيها لماذا لا ترد ؟ قل لصالح...أين صالح ...؟
ويستجمع عليٌ قوته ...سيأتي اليوم صالح ، لكن ليس على رجليه بل محمولا
لقد غرق ..غرق في البحر على الحدود الإسبانية .


- وإلى اللقاء في الجزء الثاني والذي سيكون حصريا في هذا المنتدى-
رد مع اقتباس