عرض مشاركة واحدة
  #14  
قديم 09-02-2011, 11:44 PM
الــعــربــي الــعــربــي غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Jun 2003
المشاركات: 5,050
افتراضي

ما هو تعريف "الخروج على الحاكم"؟

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

يقصد بالخروج على الحاكم: حمل السلاح، والقيام بالثورة المسلحة ضده، وهو الذي يسميه الفقهاء (البغي) ويسمون أصحابه (البغاة). ويعرف الفقهاء (البغاة) بأنهم: الخارجون على الإمام (ولي الأمر الشرعي) بتأويل سائغ، ولهم شوكة، ولو لم يكن فيهم أمير مطاع.

وإنما سموا بغاة، لعدولهم عن الحق وما عليه أئمة المسلمين. أخذوا من قوله تعالى: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيئ إلى أمر الله) الحجرات:9.

ومن الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمار بن ياسر: "تقتلك الفئة الباغية" وقد كان مع على رضي الله عنه، وقتله رجال معاوية في حرب صفين المعروفة.

فإذا اختل شرط من الشروط المذكورة المشار إليها في تعريف (البغاة) أو الخارجين، بأن لم يخرجوا خروجا مسلحا، أو كان معهم سلاح وليس لهم شوكة لكونهم جمعا يسيرا لا وزن لهم، أو لم يخرجوا على إمام شرعي، أو خرجوا بلا تأويل، أو بتأويل غير سائغ ولا مقبول، فهؤلاء لا يعتبرون بغاة. بل يعتبر الخارجون بالسلاح على الناس بلا تأويل سائغ (قطاع طريق) تطبق عليهم أحكامهم.

وأما الحكم إذا أتت مجموعة من الناس، وقاموا فيما بينهم بالولاء والطاعة إلى شخص معين أو جماعة، في ظل دولة قائمة، وحاكمها يحكم بالشريعة، فهذا كلام مجمل يحتاج إلى بيان وتفصيل، حتى لا تضيع الحقيقة، ويلتبس السبيل.
فإن كان المراد بالولاء والطاعة لهذا الشخص أو هذه الجماعة: التحاب فيما بينهم، والتعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق والصبر، والتناصح في الدين، والطاعة لرئيسهم أو أميرهم في المعروف، فلا ضير في ذلك شرعا، وقد قال صلى الله عليه وسلم: " إذا كنتم ثلاثة في سفر فأَمِّرُوا أحدكم " .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: قد أوجب النبي صلى الله عليه وسلم تأمير الواحد في الاجتماع على القليل العارض في السفر، وهو تنبيه على أنواع الاجتماع الأخرى.
ويدخل في ذلك مبايعة أتباع الطرق الصوفية لشيوخهم، ومباعية أعضاء الجمعيات الدينية لرؤسائهم.
إنما المحظور هنا: أن يبايع شخص ما إماما وحاكما مناهضا لولي الأمر الشرعي، ومحاربا له، لما وراء ذلك من فتنة تراق فيها الدماء، وتذهب الأموال.
لهذا أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر على جَوْر الأمراء وانحرافهم، حفاظا على وحدة الجماعة، وأمرنا بطاعة الأمراء إلا في المعصية.
روى الشيخان عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من رأى من أميره شيئا يكرهه، فليصبر عليه، فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات، فميتته جاهلية " متفق عليه.
وفي حديث ابن عمر مرفوعا: " السمع والطاعة حق على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة ".
وفي حديث عبادة بن الصامت في الصحيحين: أنهم بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على جملة أمور، منها: ألا ينازعوا الأمر أهله، قال: إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان ".


وأما الحكم الشرعي على هؤلاء الخارجين عن طاعة الحكم. فهذا كلام مجمل، ولا بد من بيان نوع هذا الخروج وكيفيته وأدواته.
فإن كان الخروج عن طاعة الحكم بالسيف، أي بالقوة المادية العسكرية من فئة لها قوة وشوكة ـ كأن يكونوا عددا من ضباط القوات المسلحة مثلا، لهم وزنهم ورتبهم وسيطرتهم على من دونهم ـ فإن كان لهم شبهة في خروجهم، وهو ما يعبر عنه الفقهاء بأن لهم تأويلا سائغا، أي له وجه ما، كأن يعترضوا على بعض المظالم الواقعة، أو على التقصير في تطبيق بعض جوانب الشريعة، أو التهاون مع أعداء الدين والأمة، بالتمكين لقواتهم أو جنودهم من أرض الإسلام، أو غير ذلك مما له وجه، وإن كان الرد عليه ممكنا وميسورا. فهؤلاء (بغاة) كما سماهم الفقهاء، في المذاهب المختلفة.
وقتال البغاة مشروع، لقول الله تعالى: (فقاتلوا التي تبغي حتى تفيئ إلى أمر الله) الحجرات: 9.
وللحديث الصحيح: " من أتاكم وأمْرُكُم جميع على رجل واحد، يريد أن يشق عصاكم، ويفرق جماعتكم فاقتلوه " رواه أحمد ومسلم.
وقد قاتل علي رضي الله عنه ومن معه من الصحابة أهل النهروان الذين خرجوا عليه، فلم ينكره أحد.
قال الفقهاء: ويلزم الإمام مراسلة البغاة، وإزالة شبههم، وما يدَّعون من المظالم، لأن ذلك وسيلة إلى الصلح المأمور به، والرجوع إلى الحق. ولأن عليا رضي الله عنه راسل أهل البصرة يوم الجمل، قبل الوقعة، وأمر أصحابه ألا يبدأوهم بقتال، وقال: إن هذا يوم من فلج منه فلج (غلب) يوم القيامة.
وروى عبد الله بن شداد أن عليا كرم الله وجهه لما اعتزله (الحرورية) بعث إليهم عبد الله بن عباس، فواضعوه كتاب الله ثلاثة أيام، فرجع منهم أربعة آلاف.
فإن رجعوا، فالحمد لله، وإلا لزمه قتالهم، ويجب على رعيته معاونته، استجابة لقول الله تعالى: (فقاتلوا التي تبغي حتى تفيئ إلى أمر الله) الحجرات:9.
ولأن الصحابة قاتلوا ـ مع أبي بكر رضي الله عنه ـ مانعي الزكاة. وقاتل على رضي الله عنه أهل البصرة يوم الجمل، وأهل الشام بصفين. وأبو بكر وعلي من الخلفاء الراشدين المهديين ـ بإجماع الأمة ـ الذين أمرنا أن نتبع سنتهم، ونعض عليها بالنواجذ.
وإذا حضر من لم يقاتل، لم يجز قتله، لأن عليا قال: إياكم وصاحب البرنس. يعني: محمد بن طلحة (السجّاد) وكان حضر طاعة لأبيه ولم يقاتل. ولأن القصد كفهم، وهذا قد كف نفسه.
قال الفقهاء: وإذا ترك البغاة القتال حرم قتلهم، وقتل مُدْبِرهم وجريحهم. فقد نادى منادى عليٌ يوم الجمل: لا يقتل مدبر، ولا يدقف (أي لا يجهز) على جريح، ولا يهتك ستر، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن. ولأن المقصود دفعهم، فإذا حصل لم يجز قتلهم، كالصائل.
وبهذا نرى تشديد الشرع في قضية سفك الدماء، لأن هؤلاء البغاة مسلمون، والأصل في دمائهم الحرمة، وأنها معصومة، فلا يجوز التوسع فيها بغير حق، كما يفعل الجبابرة من أهل السلطان.
وأما إن كان الخروج بمجرد إظهار رأي مخالف، والتعبير عنه باللسان أو القلم، فهذا من المعارضة المشروعة، ما دامت في إطار السلم.
ولا يجوز معارضة القلم أو اللسان بالسيف، وإنما تقابل الحجة بالحجة، والفكرة بالفكرة. أما مقابلة قوة المنطق بمنطق القوة، فلا يفيد إلا التمكين لأصحاب المنطق والحجة في قلوب الناس.
قال الفقهاء: إذا أظهر قوم رأي الخوارج كتكفير مرتكب الكبيرة، وسب الصحابة، ولم يخرجوا عن قبضة الإمام: لم يتعرض لهم. لأن عليا رضي الله عنه سمع رجلا يقول: لا حكم إلا لله ـ تعريضا بالرد عليه في قبول التحكيم ـ فقال علي: كلمة حق أريد بها باطل! ثم قال: لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله .. ولا نمنعكم الفيء (الحق المالي) ما دامت أيديكم معنا. (يعني: على الأعداء).. ولا نبدأكم بقتال..
وهذا يؤخذ منه مشروعية وجود حزب معارض لما تتبناه الدولة من أفكار وأحكام، ما دام عمله سلميا، ولا يشهر السلاح في وجهها. لإقرار علي رضي الله عنه للخوارج، مع مخالفتهم له ولأصحابه. وقد أقره الصحابة على ذلك ولم ينكروه، فهو ضرب من الإجماع السكوتي. والله أعلم.

فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي
__________________
عجباً، تلفظني يا وطني العربي وتقهرُني قهرا
وأنا ابنك أفدي طهر ثراك وأجعل من جسدي جسرا!
رد مع اقتباس