عرض مشاركة واحدة
  #11  
قديم 10-11-2002, 08:45 AM
ابو زيد ابو زيد غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Apr 2001
المشاركات: 150
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم

جزاكم الله خير الجزاء وضاعف لكم الأجر والثواب .

---
الأهداف التي تريد الدعوة الإسلامية أن تصل إليها أهداف شريفة ، فمنها توجيه الناس إلى ربهم وخالقهم -سبحانه- ليعبدوه ويوحدوه، لقوله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}، ولقوله تعالى أيضا: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} ومنها إقامة العدل في الأرض وفرض السلام والأمن لقوله تعالى: {ولقد أرسلنا رسلنا بالبيِّنات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط}، فالعدل بين الخلق مقرون بتحكيم شريعة الله والإذعان لأمره.
ومن الغايات أيضاً إصلاح النفوس ، وإشاعة المحبة والتآلف والتعاطف بين أخوة الدين والعقيدة، والحق أن منافع الدين وغاياته الشريفة الطيبة كثيرة وعظيمة، ولكن السبل إلى تحقيق هذه الغايات في عالم الواقع شاق وصعب وطويل، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى قد شاءت حكمته أن يبتلى الرسل والدعاة بال جرمين والمنافقين، كما قال تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين}، وقال: {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين}، ولكن مع وجود العقبات العظيمة التي تقف في طريق الدعوة، فإن الله سبحانه وتعالى أمر المسلمين بطهارة الوسيلة التي يجب عليهم اتخاذها للوصول إلى أهدافهم، ونعن بطهارة الوسيلة استقامتها وبعدها عن المكر والخديعة إلا في الحروب، والبعد عن المداهنة والغدر والكذب مطلقاً، وكل هذا بالطبع حرام مع الأعداء والكفار كما هو مع الأصدقاء والمسلمين، ومن أهم الوسائل التي حرَّمها الله سبحانه وتعالى:

1 - المداهنة:
وهي إظهار الرضا عن باطل الخصم مع الاعتقاد أنه باطل، وانتظار فرصة أخرى لإعلان ذلك، قال تعالي لنبيِّه ا كريم: {ودّوا لو تُدهن فيدهنون} أي لو تصانعهم في دينك فيصانعوك في دينهم، كما قاله الحسن البصري -رحمه الله- والمداهنة غير اللين في الدعوة فاللين مطلوب والمداهنة مذمومة.. قال تعالى في اللين: {فقولا ل قولاً لينا لعله يتذكر أو يخشى} وهذا في دعوة فرعون إلى الإسلام.

2 - الغدر:
والمقصود بالغدر نقض العهد بالسلم والهجوم على العدو مع قيام العهد بالأمان.. وفي صحيح البخاري أن هرقل سأل أبا سفيان عن النبي صلى الله عليه وسلم هل يغدر؟ قال: لا. وهذه شهادة من أبي سفيان رضي الله عنه حال كفره وقبل إسلامه. وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم طيلة حياته فلم يغدر قط وأوفى الأعداء عهودهم وقد أمر الله بذلك حتى مع تبييت نية الخيانة عندهم، كما قال تعالى: {وإما تخافن من قكم خيانة فانبذ إليهم على سواء، إن الله لا يحب الخائنين} ومعنى انبذ إليهم على سواء: أي أعلمهم أن عهدهم معه مقطوع ومرفوض قبل أن تفاجئهم بقتل أو قتال، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيان إثم الغادر: [يرفع لكل غادر لواء تحت استه يوم القيامة يقال فيه: هذه غدرة فلان ابن فلان]، وهذه فضيحة على رؤوس الأشهاد للغادرين. ولاشك أن المقصود بالغدر في الآيات والأحاديث السابقة هو نقض العهود مع الأعداء ولو كانوا كفاراً.

3 - الكذب:
ولا شك في تحريم الكذب كأسلوب من أساليب الدعوة إلى الله، ولم يُجِز النبي صلى الله عليه وسلم للمسلم أن يكذب على الكافر إلا في الحرب فقط، كما قال صلى الله عليه وسلم: [الحرب خدعة]، والحق أن الخداع والمكر في الحروب ممدوح وليس بمذموم، وأما المكر والخداع فيما عدا ذلك فهو مذموم، كما قال تعالى: {يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} ولاشك أن من أعظم صفات النبي صلى الله عليه وسلم أثرا في قبول دعوته أنه كان صادقا أمينا حتى مع أعدائه ولذلك شهدوا بذلك قبل الرسالة وبعدها.
ولاشك أن الدعاة إلى الله إذا اتصفوا بأضداد هذه الصفات المذمومة فكانوا صرحاء صادقين لا يبطنون غير ما يظهرون ولا يغدرون ولا ينقضون عهداً ولا يخفرون ذمة ولا يفترون كذباً فإنهم بذلك على درب الرسول سائرون.

* - حذار من الأخطاء:
الإسلام مبدأ حق وعدل، لم يعتمد وسيلة في انتشاره إلا الإقناع والحجة والمنطق، وهذا ما يسمى في لغة الإعلام بالانتشار الذاتي.
وذلك أن هناك ثلاث وسائل فقط لنشر أي مبدأ وشيوعه وهي: الترغيب، وذلك بأن نقول مثلا للشخص إذا دخلت في هذه الجماعة أو اتخذت هذا المبدأ أعطيناك كذا وكذا، فيدخل الشخص في العقيدة أو الحزب رغبة فيما سيدر عليه ذلك من مال أو جاه أو منصب، والثاني هو التهديد كأن يقال للناس ادخلوا في هذا الدين وإلا أوقعنا بكم من العقوبة كذا وكذا، والثالث هو الاقناع بالفكرة والمبدأ أو الدين، فالشخص يدخل ديناً ما أو يعتقد عقيدة ما إذا علم مقدار الخير الذاتي الذي سيناله منها، أو مقدار الشر الذاتي الذي يناله من جراء تركها، ونعني (بالذاتي) هنا الذي تحققه نفس العقيدة.
فالمسلم يدخل في الدين راغباً وراهباً، راغبا في الثواب المترتب على القيام بتكاليف هذا الدين، وخائفا من العقوبة الحقيقية المترتبة على ترك هذا الدين.

والنبي صلى الله عليه وسلم بمكة لم يكن عنده من المال والمناصب ما يستطيع توزيعه ليدخل الناس في دينه، ولم يكن يملك السيف أو السوط الذي يرهب به من لا يستجيب له، ولذلك دخل من دخل في دينه اقتناعاً وإيماناً، ولم يظهر0النفاق إلا في المدينة لا لأن الرسول كان يوزع هناك المناصب لمن يدخل الدين، ولا لأنه كان يرهب من يعارضه، ولكن لأن النفوس الضعيفة تنحاز إلى من يرجون عنده النفع أو يخافون منه الضر.

وإذا كان الدين ينتشر بالاقتناع الذاتي أو هكذا ينبغي أن يكون، فإن الأمور التي ينبغي أن يقتنع الناس بها كثيرة، وأهمها أمران:
الأمر الأول مجموع العقائد والشرائع والأخلاق التي يدعو إليها الدين، والأمر الثاني هو السلوك العملي للدعاة بهذا الدين، وإذا كانت مجموعة العقائد والشرائع والأخلاق التي جاء بها الدين معصومة من الخطأ لأنها من الله سبحانه وتعالى، فإن الأفراد الذين يقومون بتطبيق هذه العقائد والشرائع والأخلاق غير معصومين، بل هم معرضون دائما للخطأ والصواب.
وإذا كان العدو الذي تحاول إقناعه بمبدئك ويحاول هو صرفك عن عقيدتك حريصا على معرفة أخطائك وتلمس عثراتك، فإن الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى يجب عليهم أن يكونوا حذرين من الأخطاء لأنها محسوبة عليهم، وإذا ارتكب الدعاة خطأ لا يستطيعون التخلص منه ولا تبريره ولا العبور فوقه، فمعنى ذلك أنهم قد وصلوا إلى طريق مسدود في حربهم الإعلامية، أعني أن أعداء الإسلام إذا نشروا مجموعة الأخطاء التي يرتكبها الدعاة إلى الله ولم يستطع هؤلاء الدعاة أن يتخلصوا من هذه الأخطاء، فإنهم بذلك يشلون حركتهم ويصرفون الناس عن طريقهم. وإذا كان أعداء الإسلام يلجؤون عادة إلى الكذب والافتراء والتشويه، فكيف إذا وجدوا من واقع أحوال الدعاة إلى الإسلام ما يكفيهم عناء الكذب والافتراء.

باختصار إذا أراد أصحاب أي دعوة أن يقفلوا الطريق في وجوه أنفسهم، وأن يفشلوا في رسالتهم الإعلامية، فما عليهم إلا أن يرتكبوا مجموعة من الأخطاء المتعمدة لا يستطيعون الاعتذار عنها، وبذلك يحصلون على تقاعد دائم وإلى الأبد.

وكفار مكة الذين جابهوا دعوة النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يتمنون أن يجدوا خطأ واحدا يستطيعون إشهاره وتطييره مع الركبان في كل مكان ليحجبوا الناس عن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكنهم لم يجدوا هذا الخطأ، فقد التزم النبي والمسلمون معه بمكة جانب الصبر على الأذى، والرد بالحسنى على إساءة المجرمين {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً} والدعوة والجدال بالتي هي أحسن، وبذلك جرَّدوا أعداءهم من أي ذريعة يستطيعون التذرع بها لقتلهم وإفنائهم، فما للمسلمين عندهم من جرم إلا أن قالوا ربنا الله!! وهل هي جريمة أن يعرف إنسان ربه، وأن يعبده دون ضغط أو إكراه أو إغراء من أحد.

وعندما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم وتغيَّر تبعاً لهذه الهجرة موقف النبي صلى الله عليه وسلم وابتدأ إرسال السرايا والبعوث لقطع طريق قريش الشمالي إلى الشام والجنوبي إلى اليمن، كان من هذه السرايا الجنوبية سرية عبدالله بن جحش رضي الله عنه التي التقت بعير قادمة من اليمن لقريش عليها عبدالله بن الحضرمي، وكان ذلك في الليلة الأخيرة من شهر رجب، وهو شهر محرم فيه القتال في الجاهلية، وقد جاء الإسلام بإقرار هذا العرف الجاهلي لما فيه من مصالح عظيمة، وجد عبد الله بن جحش أنه إن هاجم قافلة ابن الحضرمي هاجمها في شهر حرام وإن صبر إلى الليلة التالية دخلت أرض الحرم ولا يجوز فيها قتال أبدا فاستشار أصحابه واستقر على مهاجمة القافلة فقتلوا ابن الحضرمي واستاقوا الغنائم إلى المدينة، ووجدت قريش بغيتها في هذا الأمر، وطيَّرت الركبان بأخبار اعتداء النبي صلى الله عليه وسلم على قافلتها في الشهر الحرام، وكانت العرب تُعظِّم الشهر الحرام أيما تعظيم ويلقى الجاهلي فيه قاتل أبيه وأخيه فلا يسل السيف في وجهه، وكان هذا الخطأ كافياً في صد الناس عن دعوة الإسلام.. ولما وصلت السرية المدينة قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام!!] وحزن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكن الله أنزل قرآنا ليعلمنا كيف نخرج من أخطاء الاجتهاد فقال تعالى: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه، قل قتال فيه كبير} أي القتال في الشهر الحرام كبيرة من الكبائر وبهذا الاعتراف امتص النبي صلى الله عليه وسلم غضب الناس ونقمتهم فمهما كان ذنبك عظيما ولكنك مستعد للاعتراف به والتنازل عنه فإنه يتحول إلى مخالفة صغيرة... وبعد هذه الامتصاص للنقمة قال تعالى: {وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله، والفتنة أشد من القتل} أي لقد ارتكبتم أيها الكفار (كفار مكة) ذنوبا أعظم من ذلك فقد صددتم الناس عن سبيل الله وكفرتم به وكفرتم بالمسجد الحرام والشهر الحرام، وأخرجتم أهل هذا المسجد الحرام منه واستحللتم دماءهم وفتنتوهم عن دينهم، هذه الفتنة أي التعذيب أكبر من القتل فهل تعدون أخطاء غيركم وتنسون أخطاء أنفسكم وبهذا رد الله سبحانه وتعالى سلاحهم عليهم وقتلهم به، ثم مسح الله سبحانه على أخطاء المجموعة المجتهدة فقال: {إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك سيرحمهم الله، والله غفور رحيم}.

وبذلك استطاع المسلمون العبور السريع فوق هذا الخطأ، فلم يتبجحوا بأنه صواب ويكابروا بالباطل، ولم تستطع دعاية العدو وأكاذيبه أن تصيبهم بعقدة الذنب وتقعدهم عن الدعوة، وإنما اعترفوا بخطئهم وتجاوزوه بمقارنته بالأخطاء العظيمة التي يرتكبها عدوهم معهم.

واليوم ابتلينا بمن يتصدر الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى فيستحلون الاغتيالات السياسية والأعمال الهمجية الغوغائية، والاستعانة على الباطل بالباطل، وإذا جئت تنصحهم وتقول لهم إن هذه أخطاء اتهموك بالكفر والزندقة والمروق ومخالفة سبيل المؤمنين والمجاهدين، وإن قلت لهم اعترفوا بأخطائكم لتتجاوزوها زعموا لأنفسهم وقادتهم العصمة أو أنكروا الحقائق وجادلوا بالباطل، ولولا أن الدين الذي يحتمون فيه عظيم -وقد نشره غيرهم- لما وجد أمثال هؤلاء طريقاً إلى قلوب الناس وعقولهم.

(( فصول من السياسة الشرعية في الدعوة إلى الله - ص : 40 ))


---

لا يجوز أن يكون الهجر نقضاً للموالاة في الله والأخوة بين المسلمين.
فليتدبر المؤمن الفرق بين هذه النوعين، فما أكثر ما يلتبس أحدهما بالآخر، وليعلم أن المؤمن تجب موالاته، وإن ظلمك، واعتدى عليك، والكافر تجب معاداته، وإن أعطاك، وأحسن إليك، فإن الله سبحانه بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله، فيكون الحب لأوليائه، والبغض لأعدائه، والإكرام لأوليائه، والإهانة لأعدائه، والثواب لأوليائه، والعقاب لأعدائه.
وإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر، وفجور وطاعة، ومعصية، وسنة، وبدعة استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة، فيجتمع له من هذا، وهذا كاللص الفقير تقطع يده لسرقته، ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته (أرجو أن يتدبر الأخوة المؤمنون هذا الكلام النفيس حتى لا يكونوا من الجاهلين. الذين يريدون إقامة أمر من أمور الذين فيهدمون غيره، كالخوارج الذين أرادوا إقامة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فهدموا أخوة الدين، وقتلوا أهل الإسلام).
هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة، وخالفهم الخوارج، والمعتزلة، ومن وافقهم عليهم، فلم يجعلوا الناس لا مستحقاً للثواب فقط. ولا مستحقاً للعقاب فقط. وأهل السنة يقولون: إن الله يعذب بالنار من أهل الكبائر من يعذبه، ثم يخرجه منها بشفاعة من يأذن له في الشفاعة بفضل رحمته، كما استفاضت بذلك السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
والله سبحانه وتعالى أعلم، وصل اللهم على محمد، وعلى آله وصحبه وأجمعين. أ.هـ (الفتاوى 28/203-210).

(( موقف أهل السنة من البدع والمبتدعة - ص : 36 ))

==

والله يرعاكم ويحفظكم ..
رد مع اقتباس