عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات العلمية > منتدى العلوم والتكنولوجيا

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 17-07-2011, 12:58 AM
ابراهيم الفيفي ابراهيم الفيفي غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Jun 2011
المشاركات: 92
افتراضي العلوم الاجتماعية الوضع الراهن وآفاق المستقبل ( دراسة متخصصة )




(( العلوم الاجتماعية الوضع الراهن وآفاق المستقبل ))

بسم الله والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
أما بعد
مقدمة: بيد ناقل هذه الدراسة


لقد أحببت أخواني أن أنقل لكم هذه الدراسة القيمة والتي تناقش الأزمة الكبيرة التي تواجهها العلوم الاجتماعية والتي كما يصفها كبار الباحثين في تاريخ وفلسفة العلوم بالطريق المسدود والتي يقف كبار علماء العلوم الإنسانية عاجزين عن تجاوزها ,والتي تكمن في أن البحوث و الدراسات في العلوم الإنسانية لا تفضي إلى الحقائق وقوانين كما يحدث في العلوم الطبيعية وهذا ماجعل كثير من كبار الباحثين في الغرب يؤكدون ومنذ منتصف القرن الماضي أمثال بيتريم سوروكين وجيروم رافتيز ابراهام ماسلو وتيدور وغيرهم من رواد العلوم الإنسانية إلى القول بأهمية إعادة النظر في منطلقات ومناهج البحث التي تم اتباعها في العلوم الاجتماعية منذ منتصف القرن التاسع عشر والتي تعتمد على التجريب والحواس وحدها في محاكاة لما هو معمول به في البحث في العلوم الطبيعية على الرغم من الفرق في الاتجاهين وإهمال المصادر الأخرى للعلم وعلى رأسها الوحي وذلك كرد فعل عنيف على الأحداث التي أصابت العلماء في أوروبا على يد الكنيسة وأدت على ظهور العلمانية ولقد أكد هؤلاء العلماء أن العلمانية التي أقصت الدين وأقصت أيضاً كلما هو وجداني وتعاملت مع الإنسان بشكل ميكانيكي كتعاملها مع الآلة قد أدى إلى تشويه ونتائج خطيرة في فهم ودراسة السلوك الإنساني , وما يهمنا كمسلمين أولاً وكعرب ثانياً أنه ما زال المتخصصون في العلوم الإنسانية في العالم العربي كعلم النفس والعلوم السياسية وعلم الاجتماع بفروعه مازالوا متمسكين بهذه الطريقة القديمة ويؤكدون عليها, وتناقش الدراسة ذلك وترجعه إلى عدم الجرأة في انتهاج طرق أخرى للوصول إلى الحقائق العلمية وتخندقهم أيضاً خلف درجات ومناصب أكاديمية وأيضاً ربما خوفهم من سخرية زملائهم وذلك لو حاول أحد الخروج عن الأسلوب المألوف وذلك في حين أن البحث للوصول إلى الحقائق واكتشاف علوم جديدة يحتاج إلى جرأة علمية لتحقيق ذلك من قبل أولائك الباحثين الذين أوقفوا أنفسهم في المكان الذي توقف فيه الغرب مجبراً لأنه لا يملك نور الهداية الذي نملكه نحن المسلمين آلا وهو كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وكنوز من الأحاديث الشريفة التي بذل العلماء جهوداً لا نظير لها في تمييز الصحيح منها من السقيم , والآن أترككم مع هذه الدراسة الموضوعية والرائعة والتي تناولت هذا الموضوع والتي سلطت الضوء على ماقام به العلماء الغربيون أنفسم وما توصلوا إليه, أيضاً يشير الباحث في دراسته إلى أهمية أنه لابد أن يبادر العلماء المسلمين وان يملكوا الجرأة في اكتساح هذا المجال فهم غير معذورين في ذلك ويملكون مالا يملكه الغربيون فعندهم كتاب الله الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وسنه نبيه عليه الصلاة والسلام ثم يقوم الباحث بوضع بعض الأسس و خطوط العريضة في هذا الاتجاه لمن أراد أن يبادر .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

والآن أترككم مع هذه الدراسة الشيقة ولكن قبل ذلك أريد أن أشير أن هذه الدراسة متخصصة جداً ولذلك قد تكون لغتها فيها نوع من الصعوبة لغير المتخصصين في بعض أجزائها ولكن طابعها بشكل عام إنشاء الله واضح , وأيضاً من حيث المصطلحات الواردة فبعضها يكون معنى المصطلح مكتوب بجانبه بن قوسين خاصة المصطلحات التي يكون فيها غموض أكثر وغير مألوفة ( ومن أشكل عليه احد المصطلحات فمجرد كتابه المصطلح في محرك البحث ستجد بأذن الله معناها مباشرة).


((بسم الله الرحمن الرحيم ))

إبراهيم عبد الرحمن رجب :

ملخص : لا يزال التوجه العلمي السائد في العلوم الاجتماعية في العالم العربي يعكس التوجهات الإمبيريقية (الوضعية ) المنطلق من التصور القديم للعلم ولفلسفة العلوم في القرن التاسع عشر، وذلك على الرغم من النقد الشديد الذي وجهه كبار المشتغلين في تاريخ العلم وفلسفة العلوم لتلك التوجهات .الذين أثبتوا أن النزعة الوضعية الإمبيريقية الغالبة التي اصطبغت بها العلوم الاجتماعية الحديثة التي تستبعد الوحي باعتباره مصدراً للمعرفة اقتصاراً على شهادة الخبرة الحسية وحدها إنما جاءت استجابة لتعسف الكنيسة في أوروبا واضطهادها للعلماء . وقد أدى هذا المنظور إلى تشويه خطير في محاولاتنا لفهم السلوك الإنساني إنتها إلى مايشار إليه الآن ((بأزمة)) العلوم الاجتماعية المعاصرة ، ولكن تلك النزعات التعالمية المادية التطورية قد تلقت سلسلة من اللطمات نتيجة التطورات الرائعة في علم الطبيعة وفي علوم الأعصاب مما أدى إلى ظهور الفلسفة الجديدة للعلم والتوجه الجديد في البحث ... والتي فتحت الباب أمام تبني نظرية معرفية متوازنة تقترب مما أطلق علية بيتريم سوروكين ((النظرية التكاملية للحقيقة والواقع ))والتي تقوم على تكامل الحقائق المستمدة من(( الوحي و العقل والحواس )) .

أولاً_ تمهيد :

لايزال التوجه العلمي (( السائد )) حتى اليوم في دراسة العلوم الاجتماعية وتدريسها وتطبيقها في الجامعات والمؤسسات البحثية العربية منطلقاً من التوجهات العامة والنظريات السائدة في الغرب بصفة عامة , والتي تستند في الغالب الأعم إلى نظرة وضعية / إمبريقية empiricist / positivist ونظرياتها وقبل ذلك بمناهجها وأدواتها البحثية إنما هي ((علوم)) عالمية universal تصدق وتنطبق بنفس الطريقة في كل مكان , دون إدراك واضح للحقيقة الثابتة في فلسفة العلوم والتي تقوم على أن تلك المناهج والأطر التصورية إنما هي مبنية على المنطلقات (( الإبستمولوجية )) ( المعرفية ) بل والمسلَمات ((الأنطولوجية)) (الوجودية ) التي يقوم عليها التي ينطلق منها التوجه العلمي أو(( السائد))
دون التعمق الواجب في فحص وتمحيص الأسس المعرفية ((الإبستمولوجية )) والوجودية (الأنطولوجية ) التي يقوم عليها ذلك التوجه العلمي ( أو النموذج القياسي ) بأسرة إنما يمكن أن يؤدي بنا ببساطة إلى الوصول إلى نتائج صحيحة ولكن في إطار خاطئ , ذلك أن النتائج البحثية مهما كانت دقتها إذا تم إنتاجها في نطاق أطر تصورية حصرت نفسها إبستمولوجياً (معرفياً ) في مساحة محدودة من الظواهر وأغفلت مساحات جوهرية من العوامل المؤثرة والفاعلة في تسبيب السلوك الإنساني فإنها بهذا إنما تكون قد اختارت لنفسها السير في طريق مسدود , يعوق إسهامها في خدمة العلم وفي خدمة مجتمعاتها بشكل فاعل .
إن الظن بأن مناهج العلوم الاجتماعية ونظرياتها المنطلقة من النظرة الوضعية / الإمبيريقية ذات طبيعة عالمية إنما ينطلق من التصور (( القديم )) للعلم , ولفلسفة العلوم , الذي ورثناه من القرن التاسع عشر الميلادي , والذي لايزال الكثيرون يتشبثون به حتى بعد أن رجع عنه كثير من كبار المشتغلين في تاريخ العلم وفلسفة العلوم , بعدما تبين لهم أن العلم والمنهج العلمي للبحث بالصورة التي إنتها إليها في القرن التاسع عشر وردحاً طويلاً من القرن العشرين إنما كان نتاجاً لظروف تاريخية (( خاصة )) أعطته (( خصوصية )) تتنافى مع توهم عالمية العلم _ لاسيما فيما يتصل بدراسة السلوك الإنساني والعلاقات الاجتماعية وفهمها . لقد أصبح الثابت اليوم أن النزعة الوضعية / الإمبيريقية الغالبة التي اصطبغت بها العلوم العلوم الاجتماعية الحديثة التي استبعدت الوحي ( الصحيح أو المنتحل ) بوصفة مصدراً للمعرفة اقتصاراً على شهادة الخبرة الحسية (( وحدها )) إنما ظهرت وتأصلت بوصفها رد فعل عنيف ضد الكنيسة وتعسفها في العصور الوسطى في أوروبا في تعاملها مع العلماء , ومما ترتب على ذلك من صراع رهيب , أدت فيه محاكم التفتيش دوراً شائناً في تعذيب العلماء والمفكرين أو حتى تحريقهم أحياء , ومن هنا فقد آلى العلماء الأوروبيون في تلك الحقبة على أنفسهم أن يكرسوا
(( نموذجاً )) للمنهج العلمي يعتمد على استخدام الحواس وحدها بوصفها أداة للمعرفة العلمية , وذلك على اعتبار أن الحواس مملوكة لكل أحد , ولايمكن لرجال الدين أن يزعموا أن لهم احتكاراً خاصاً عليها , ويعتمد على إجراء التجارب التي تكاد تقصر موضوعات المعرفة العلمية على الظواهر الطبيعية التي يمكن ملاحظتها باستخدام الحواس وذلك ليتم الاقتصار على دراسة الظواهر المادية الإمبيريقية وحدها دون أن يشمل مايتجاوز المادة .
وقد أدى تبني هذا النوع من المنهج العلمي للبحث _ بطبيعة الحال _ إلى نجاحات عظيمة في دراسة الظواهر الطبيعية المادية لأنها ظواهر ملاحظتها باستخدام الحواس , كم أنه يمكن إخضاعها بسهولة واضحة للمتطلبات الصارمة للتحكم التجريبي , لكن هذا النجاح الباهر قد أغرى المفكرين والعلماء الأوروبيين في القرن التاسع عشر بالدعوة إلى استخدام نفس (( هذا النوع )) من المنهج العلمي للبحث في محيط العلوم الاجتماعية , مدفوعين إلى ذلك بالرغبة في اجتياح آخر معقل من المعاقل التي كانت الكنيسة لاتزال تتحصن فيها _ ألا وهو الرغبة في توجيه شؤون الإنسان والرغبة في القيادة الأخلاقية للمجتمعات وفق رؤيتها .
وبالطبع فإن الانتقال إلى تطبيق ذلك المنهج العلمي للبحث المنقول حرفياً من دراسة الظواهر المادية المحسوسة إلى دراسة الإنسان والسلوك الإنساني والعلاقات الاجتماعية قد أدى إلى نتائج خطيرة , ذلك أن دراسة الإنسان على أنه كائن طبيعي كآلة مادية ( أو حيوان أكثر تطوراً عن الكائنات الحية الأخرى ) قد أدى إلى تشويه خطير في فهم السلوك الإنساني والتنظيمات الاجتماعية , نتيجة لإغفال الدور المحوري الذي تقوم به العوامل الروحية ( والتي يقصد بها هنا : نوع الصلة بالله عز وجل ) بوصفها عوامل سببية , ونتيجة لإهمال مايقدمة الوحي الصحيح من معرفة بالديناميات التي تسير تلك العوامل الروحية وفقاً لها في تأثيرها الكلي على السلوك مما يساعدنا على الوصول إلى تفسير أكمل للسلوك الإنساني , ولقد كانت الحصيلة المرة لهذا كله ما أشار إليه الكثير من المؤلفين (( بالأزمة )) crisis التي تواجهها العلوم الاجتماعية , أو إلى مايشير إليه آخرون بأنها (( الطريق المسدود )) impasse الذي تواجهه العلوم الاجتماعية في الوقت الحاضر ( stent , 1975 : 1052 ) ويمكن لمن شاء أن يراجع المصادر التالية حول الأزمة والتضارب النظري في العلوم الاجتماعية بصفة عامة , أو في علوم اجتماعية أو في مهن بعينها كعلم الاجتماع أو علم النفس أو الخدمة الاجتماعية , وقد اخترت هذه الفروع بحكم التخصص , لكن الاطلاع العام يدل أيضاً وبوضوح على أن نفس القضايا مثارة بقوة أيضاً في بقية العلوم الاجتماعية الأخرى على المستوى العالمي , انظر المصادر الأجنبية التالية على سبيل المثال ( وسأغفل هنا الكتابات الأسبق عهداً في نقد توجهات على الاجتماع مثل كتابات جولدنر وس . رايت ميلز ) : ( howard ,1985 : 259 : dawis , 1984 :467 , 469 : Dixon , 1973 : 26 : kimble , 1984 : 833 ) أما في عالمنا العربي فقد صدرت أيضاً ومنذ مايزيد على ربع قرن مؤلفات جديدة تناولت الأزمات المستحكمة أو (( حالة التردي التي تشهدها العلوم الاجتماعية العربية بشكل عام )) الغبراء , 1981 نقلاً عن : محمد الخواجة , 2001 : 234 _ 235 ) , (وانظر نبيل السمالوطي : ((الأيديولوجيا وأزمة علم الاجتماع المعاصر )) 1975 , وأحمد خضر : (( اعترافات علماء الاجتماع : عقم النظرية وقصور المنهج في علم الاجتماع )) 2000 ) , كما عقدت مؤتمرات مهمة تناولت مظاهر تلك الأزمة , والرؤى المختلفة المطروحة لمواجهتها , ولكن الجدير بالاهتمام هنا أن هذه البحوث وعلى الرغم من عمقها وثرائها الكبير لم تترك أثراً واضحاً على أرض الواقع في الجامعات والمؤسسات البحثية العربية فيما يتصل بتفعيل الإصلاح المنشود ( متعدد الإتجاهات ) سواء أكان ذلك من حيث المنهج أم التنظير مما يتطلب إفراد دراسة مستقلة لهذا الموضوع .
غير أن العلوم (( الطبيعية )) وما توصلت إليه في القرن العشرين من مراجعات جذرية للصورة التي تقدمها لنا عن الكون والإنسان قد اختلفت اليوم اختلافاً كبيراً عما كان يظنه العلماء في القرن التاسع عشر , وقد ادى ذلك إلى تطورات جديدة في فلسفة العلوم في القرن العشرين وذلك نتيجة لمجموعة من التطورات الرائعة في علم الطبيعة على أيدي ( أينشتاين , ونيلز بورو , وهيزنبرج ) إضافة إلى التقدم الكبير في علوم الأعصاب فيما يتعلق بفهم طبيعة المخ والجهاز العصبي والتي أظهرت دور الخواص العقلية في تأثيرها على السلوك , والتي ترتبط جميعها بظهور (( الفلسفة الجديدة للعلم )) the new philospoho of science و (( التوجه الجديد في البحث )) new paradigm research وما ارتبط بها مما أصبح يطلق عليه (( الفلسفة الجديدة للعلوم الاجتماعية )) the new philopophy of the social sciences , التي تتجاوز النزعة الوضعية / الإمبيريقية وتفتح الباب واسعاً أمام إعطاء العوامل العقلية والذاتية والروحية في الإنسان مكانها الطبيعي بوصفها موضوعات للدراسة (( العلمية )).
ومن هنا فإنه يبدو أنه لم يعد هناك مناص من التسليم بأن الأزمة الحقيقية التي تواجه العلوم الاجتماعية في العالم العربي ( وفي غيره ) إنما تكمن في جوهرها ( أو ضمن أحد أهم أسبابها على الأقل ) في أن المنهج العلمي التقليدي في البحث في صورته المطبقة حالياً في العلوم الاجتماعية _ والذي ينطلق من فلسفة (( قديمة )) للعلم ( بتعبير أجروس وستانسيو , 1984 ) تبلورت في القرن التاسع عشر في إطار دراسة الظواهر الطبيعية _ لايصلح في صورته تلك للتعامل الفاعل مع الظواهر الإنسانية والاجتماعية , وأن تحقيق التقدم المنشود في تلك العلوم ( في الجانب المنهجي على الأقل ) لا يمكن أن يتم إلا من خلال إعادة نظر جذرية في المسلمات الأنطولوجية ( الوجودية ) الإبستمولوجية ( المعرفية ) التي تقوم منهجية العلوم الاجتماعية عليها , وذلك على ضوء التقويم النزيه للإنجازات تلك العلوم حتى الآن من جهة , وعلى ضوء التطورات الحديثة في فلسفة العلوم من جهة أخرى , وهو مانفصل القول فيه في هذه الورقة , حيث ننتهي باقتراح خطة للإصلاح المنهجي تنطلق من التصور الإسلامي للإنسان والكون والمجتمع .


ثانياً _ إشكالية المنهج العلمي للبحث في العلوم الاجتماعية :
ينظر الكثير من المتخصصين في العلوم الاجتماعية إلى المنهج العلمي للبحث في صورته الحاضرة على أنه ماينبغي في الحقيقة أن يكونه , ينظرون إليه على أنه ذلك الطريق المنضبط للبحث عن الحقيقة , المصمم ليضمن بقدر الإمكان حماية الباحثين من الضلال أو الخطأ , والذي يتعالى من ثم عندهم على أن يكون هو ذاته مصدراً للضلال أو الخطأ أبداً ... ويتناسى هؤلاء أن العلم ليس إلا نشاطاً إنسانياً يتأثر في بناء منهجه وتوجيه بحوثه بما تتأثر به النشاطات البشرية الأخرى , وانه إن كانت الأنشطة العلمية والبحثية يتميز بالفعل عن غيرها من الأنشطة البشرية بأن هدفها المقصود هو الضبط الواعي للنشاط الفكري الإنساني , إلا أن العلم والمنهج لم يصلا بعد ( وقد لايصلان ابداً ) إلى ذلك المستوى من الصدق الذي يتوقه الباحثون الجادون ... ولعل في كتابات توماس كوهن , (1986 , 1970 ) ماقد يضع الأمور في نصابها إسهاماً في تخفيض تلك التوقعات العالية , بعد أن قام بعمله الشهير في دراسة تاريخ العلوم وتحليل التوجهات التي سادت في المراحل المختلفة , وبيان الديناميات التي يدور في نطاقها عمل العلماء والباحثين في واقع الأمر وحقيقته , وجلائه للعوامل التي تؤثر عليهم حال إسهامهم في بناء العلم وظهور التوجهات الجديدة فيه .
وقد أسهم جيروم رافيتز ( ravetz ,1975 ) في مقاله المهم في دائرة المعارف البريطانية عن (( تاريخ العلم )) _ من جانب آخر _ في تبديد وهم الصدق المطلق للعلم والمنهج العلمي , حين بين أن فكرة (( العلم )) بالصورة التي وصلتنا اليوم _ على حد تعبيره _ ليست إلا (( واحدة فقط من بين عدد من التصورات الممكنة للعلم )) وأن هذه الصورة المحددة للعلم والتي نمارسها اليوم لم تكن إلا نتاجاً لأوضاع تاريخية بعينها تتصل بالظروف التي أحاطت في أوروبا بنشأة العلم وتطوه في العصر الحديث وبخاصة ذلك الصراع المرير الذي احتدم بين الكنيسة ورجال العلم الأوروبي الوليد , وانه ينبغي أن ننظر للعلم في صورته المعروفة لنا اليوم على انه (( احد مراحل عملية متطورة من التطور )) (p.366 ) , ولقد قدم (( رافيتز )) الدليل التاريخي الناصع على صحة ماذكر من خلال التتبع المنظم للحقت التاريخية المختلفة التي مر بها تاريخ العلم , حيث وصف الصورة التي أتخذها العلم في كل عصر منها , ملخصاً العوامل التي ساعدت على تشكيل تلك الصورة إلى أن انتهى المطاف إلى الصورة الأخيرة (( للعلم )) الحديث بالمعنى المتداول بيننا الآن .
ولما كان المقام لايتسع في هذه العجالة للوقوف عند كل مرحلة من تلك المراحل التاريخية لبيان العوامل التي شكلت صورة العلم والمنهج فيها تفصيلاً , فإننا سنكتفي بعرض الخطوط العامة للموضوع مستفيدين من النتائج التي توصل إليها (( رافيتز )) وغيره من مؤرخي العلم من أمثال (( ستيفن تولمين )) ( toulmin , 1975 ) , و (( هيربرت فيجل )) ( feigl , 1975 ) والتي نشرت ضمن (( البحوث المتعمقة )) في دائرة المعارف البريطانية في طبعتها الخامسة عشرة والتي تعرضت لهذا الموضوع بالتفصيل , ويمكن لمن أراد الإستزادة الرجوع إلى تلك المصادر المباشرة , أو الرجوع إلى عمل سابق تعرضت فيه بشيء من التفصيل لتلك القضية ( إبراهيم رجب , 1993 ) . يقرر مؤرخو العلم في أوروبا أن أوروبا قد ظلت حتى بداية القرن الحادي عشر الميلادي تعيش في إسار مايعرف بالعصور المظلمة dark ages التي (( كادت تخلو من كل علم وفكر )) إلى أن بداشيئ من النهوض في القرن الثاني عشر الميلادي يرجع ( ضمن عوامل أخرى ) كما ذكر (( رافيتز )) إلى ((الإحتكاك بالحضارة الإسلامية الأرقى في اسبانيا وفلسطين )) ( p.368 ) , وبصفة عامة فقد كانت السلطة المعترف بها في حسم قضايا الفكر والمعرفة على مدى العصور الوسطى بأسرها ( القرون 14_5 الميلادية ) هي سلطة الكنيسة ورجال الدين , أما المنهج السائد فقد كان القياس الصوري الأسطوري syllogism. .

وعلى العكس من ذلك فإن عصر النهضة الأوروبية renaissance ( القرن 17_15 م ) قد تميز بالاهتمام بفهم الطبيعة ومحاولة إدراك أسرارها , باستخدام النظر والمشاهدة وإجراء التجارب بدلاً من الإقتصار على الأقضية القياسية المنطقية العقيمة التي لاتنتج علماً جديداً , كما تميز ذلك العصر بثورة علمية كبرى في مختلف ميادين العلم على أيدي أمثال (( ليوناردو دافنشي وكوبرنيكوس وجاليليو وكبلر )) , وكذلك بثورة موازية في مناهج البحث العلمي والفلسفي على أيدي أمثال (( فرانسيس بيكون وديكارت )) وقد ترتب على جهود هؤلاء العلماء التوصل إلى نتائج تعكس نظرة جديدة واقعية للعالم الذي نعيش فيه اختلف عما كانت الكنيسة تؤمن به وتفسر به نصوص الإنجيل , فبدأ صراع عنيف بين الكنيسة بوصفها مؤسسة ذات سطوة دينية وسياسية كبرى من جانب وبين أولئك العلماء الذين توصلوا ( بناء على المشاهدات الحسية والتجارب ) إلى نتائج مختلفة لما تبنته الكنيسة بمعاقبة أولئك العلماء بشدة وعنف بالغين , حيث قامت محاكم التفتيش بدورها المشئوم في التنكيل بهم على الوجه الذي تحفل الكتابات التاريخية بأخباره .
ولقد كان من المحتم في نهاية المطاف أن تنتصر الحقائق الإمبيريقية الناصعة على التأكيدات الكنسية المناقضة لما هو مشاهد ومحسوس , وكان الحصاد المر لهذا كله في النهاية أن الفكر في عصر النهضة قد اتسم بنزعة معادية للسلطة الدينية , وبرغبة جامحة للخلاص بكل طريقة ممكنة من الخضوع لقيادتها الفكرية والعلمية , ولم يكن هذا ممكناً إلا بتبني مصدراً آخر للمعرفة يكون بديلاً عن السلطة الدينية للكنيسة , ... مصدر بديلاً لما تزعم الكنيسة أن (( وحي السماء )) , وكلما كان هذا المصدر مؤدياً إلى معارف معارضة ومناوئة لتلك السلطة ازداد تشبث العلماء به , وقد وجد العلماء ضالتهم في اعتماد (( الخبرة )) الإنسانية واستخدام (( الحواس )) بوصفها أساساً (( وحيداً )) للمعرفة العلمية الحقة , لاسيما أن المصدر البشري يرفع قدر الإنسان ويزيد من حريته إلى أقصى حد من جهته , كما يقلل من قيمة المصادر الإلهية والدينية إلى أقصى حد ممكن من جهة أخرى , فيقول (( ألبرت ليفي )) في هذا الصدد: إن (( عصر النهضة قد أعلن التمرد على حكم الدين , ومن هنا كانت الثورة ضد الكنيسة وضد السلطة وضد الفكر المدرسي ( المسيحي ) , وضد أرسطو ( levi , 1975 : 261 ) , ويضيف (( رافيتز )) أنه (( لم ينتهي القرن السابع عشر إلا وكانت البيئة الثقافية في أوروبا بما فيها العلم قد اتخذت طريقها بقوة في اتجاه العلمانية الكاملة )) ( ravetz , 1975 : 370_371 ) .
ولقد كان (( للسير فرانسيس بيكون ))_ الذي يعد أبا العلم الحديث _ دور بارز في توجيه العلم والمنهج العلمي في اتجاه الإقتصار على الخبرة (( الحسية )) , إذ إن الرجل قد أراد أن يضع برنامجاً جديداً شاملاً لتقدم المعرفة وإصلاح المنهج العلمي , وذلك من خلال (( اعتبار الحقائق التي يتم ملاحظتها باستخدام الحواس هي نقطة البداية لكل خلا علم , مع عدم الإعتماد على النظريات إلا في حدود التي يمكن اشتقاقها من تلك الحقائق )) ( toulmin , 1975 :378 ) , ومن هنا فقد أصبح ينظر لبيكون على أنه أبو الإتجاه (( الحسي )) المتطرف في الإمبيريقية empiricism , بسبب إصراره الذي لايلين على اعتبار الخبرة المستمدة من المشاهدة الحسية هي المصدر (( الوحيد )) للمعرفة .
وإذا كان عصر النهضة قد أفلح في وضع حجر الأساس لمعرفة علمية لاتستند إلا سلطة رجال الدين (( المسيحي )) .. معرفة لاتعتمد إلا على مشاهدات الحواس , فإن عصر التنوير enlightenment ( القرن الثامن عشر الميلادي كما يقول رافيتز (( قد أدخل العلم في محيط السياسة لأول مرة .. وقد تمثلت رسالته في النضال ضد الكنيسة وعقائدها الجامدة .. مع استخدام حقائق العلم وطرقة العقلانية كسلاح أساسي في هذا السبيل )) ( p.372 ) وهذا يشير بالمناسبة إلى أن (( التنوير )) في الإصطلاح الأوروبي لايقصد به المعنى البريء الذي يتبادر إلى أذهان بعض البسطاء وإنما معناه يقترب من الحرب الشاملة على الدين باستخدام العلم لمحاولة استبعاد المؤسسات الدينية بالكلية من توجيه حياة الناس .
ولما كان العلم والمنهج العلمي بنزعته الإمبيريقية الغالبة قد حقق نجاحات عظيمة في محيط دراسة الظواهر الطبيعية المادية كما قدمنا , فقد كان من الطبيعي أن يتلقى العلماء بالترحيب آراء الفيلسوف الفرنسي (( أوجست كونت )) الذي طلب في منتصف القرن التاسع عشر بتطبيق نفس قواعد المنهج العلمي المستخدم في العلوم الطبيعية في دراسة الظواهر الاجتماعية , وقد انطلق (( كونت )) في ذلك من نزعة امبريقية ( حسية ) موغلة في التطرف , سار فيها على نهج (( بيكون ولوك وهيوم )) , وبشر بما أسماه بالفلسفة الوضعية positivism . ويقوم مفهوم الوضعية على التأكيدات الآتية ( feigl , 1975 : 877 ) :

1_ أن كل معرفة تتصل بالحقائق الواقية لابد أن تبنى على شواهد إيجابية positive الوجود مستمدة من واقع الخبرة الإنسانية .
2_ وإلى جوار الحقائق إيجابية الوجود يوجد مجال المنطق البحت والرياضيات البحتة التي تعد علوماً صورية تبحث في صور الفكر وليس في المحتوى المادي المتعين للأشياء .
3_ أما على الجانب السلبي negative فإن الوضعية ترى إنكار مجال ما وراء الوجود وكل مالا يمكن حسمه بالدليل الواقعي مثل المعارف ذات المصدر المتعالي الذي يتجاوز نطاق الحس transcendent كالمعارف الدينية .
وعلى ضوء ذلك فإن النظرة الوضعية قد أصرت على أن (( العلوم الاجتماعية )) لكي تستحق اسم (( علوم )) أصلاً فلا بد من أن تسير في نفس الخطوط التي تسير عليها العلوم الطبيعية على الوجه الذي اشرنا إليه فيما سبق ... من هنا فإننا نستطيع أن نرى من فيجل أن (( الوضعية من حيث موقفها الأيديولوجي الأساسي إنما هي علمانية مقصورة على هذه الحياة الدنيا , ومعادية للدين وللبحث فيما وراء الوجود , وأن أهم الشروط الوضعية إنما هو الإلتزام الصارم بشهادات الملاحظة والخبرة الإنسانية )) ( p.877 ) , كما نستطيع أن نفهم ما أشار إليه (( ليفي )) من أن الأثر الدائم الذي تركه (( كونت )) يتمثل في أنه قد أنشأ توجهاً مضاداً للدين ولما وراء الوجود في فلسفة العلوم استمر معنا حتى الوقت الحاضر ( levi , 1975 :270 ) , كما نلاحظ بالمناسبة أن (( كونت )) قد حاول تأسيس ديانة جديدة تسمى بالدين الإنساني the religion of humanity والتي تتوجه العبادة فيها إلى عظماء الرجال , ((.. ولكن آماله لم تتحقق على الوجه الذي أراده , وإنما كان الدور الأساسي للوضعية أنها كانت بؤرة لتجمع الأعداء النشطين للدين )) ( Stromberg , 1981 : 115 ) .
ولقد شهدت بدايات القرن العشرين تطوراً للوضعية في صورة مايسمى بالوضعية المنطقية logical positivism التي بنيت على التوجهات المتطرفة (( لهيوم )) والتوجهات الوضعية (( لكونت )) إضافة إلى فلسفة العم عند (( إيرنست ماك )) ولكن الثلث الثاني من القرن العشرين قد شهد تحولاً نحو استبعاد اصطلاح الوضعية واستخدام اصطلاح الامبريقية المنطقية logical empiricism بدلاً منه بسبب الارتباط الشديد للوضعية بفكرة (( كونت )) من جهة وموقف (( إرنست ماك )) المتطرف من جهة أخرى عندما بالغ في التأكيد على الحقائق الإيجابية الحسية للملاحظة حتى أنه اعترض بكل شدة على فرض وجود (( الذرة )) في علم الطبيعة على أساس أنه لم يكن من الممكن في ذلك الوقت مشاهدتها بالحواس ( feigl , 1975 : 88 ) .

وتقوم الامبريقية المنطقية _ التي تمثل كما يقول تيودور ( tudor , 198 : ) النموذج (( السائد )) في فلسفة العلوم اليوم _ على الأفكار الأساسية الآتية :
1_ كل كلام ذي معنى يتكون من إما من : أ _ عبارات صورية تنتمي إلى المنطق أو الرياضيات . ب_ قضايا تشير إلى حقائق علمية واقعية .
2_ أي قضايا تزعم أنها تشير إلى (( حقائق )) يكون لها معنى فقط إذا كان بالإمكان بيان الطريقة التي يمكن اتباعها للتحقق من صدقها بالرجوع إلى الواقع المحسوس .
3_ أي قضايا تتصل بما وراء الوجود ولا تقع في نطاق الفئتين السابقتين لا معنى لها meaningless .
4_ جميع العبارات المتصلة بالقيم الأخلاقية أو الجمالية أو الدينية لا يمكن التحقق من صدقها علمياً وهي بذلك لا معنى لها أيضاُ ( levi , 1975 : 273 _ 3 ) .


هذ1 هو النموذج السائد في فلسفة العلوم حتى اليوم , وتلك هي الظروف التاريخية الواقعية التي نشأ في إطارها منهج البحث العلمي المعاصر في صورته التي لازلنا نمارسها حتى اليوم في محيط العلوم الاجتماعية , والمتأمل لتلك التطورات لايمكن إلا الإعجاب بالجهود المضنية التي بذلها بناه العلم الحديث للخلاص من تأثير الضغوط الفكرية التي مارستها الكنيسة عليهم , متحملين مالحقهم في سبيل ذلك من قهر وتعسف , تمسكاً بما وجدوه صحيحاً من خلال مشاهداتهم الواقعية المحسوسة التي لا يمكن لعاقل أن يشكك فيها _ اللهم إلا أن يكون ذ1 مصلحة أو صاحب هوى _ ولكن هل سلم أولئك العلماء حقاً من تأثير (( الضغوط )) البيئية والثقافية التي جاهدوا لمغالبتها وهل نجحوا في النهاية في الانعتاق من رقبتها بالكلية ؟ إن جهود الكبيرة التي بذلها أولئك العلماء الذين اسهمو في توصيف أبعاد المنهج العلمي وإقامة أركانه ينبغي ألا يصرفنا عن رؤية الوجه الآخر للصورة _ ألا وهو أن أولئك العلماء أنفسهم في غمرة غيرتهم في طلب الحقيقة وحماستهم في لمقاومة المؤثرات فإنهم قد تجاوزوا الحقيقة ووقعوا تحت تأثير مؤثرات من وجه آخر .
فلقد أدت تلك الخصومة المريرة والعداء الشديد بين رجال العلم ورجال الكنيسة إلى تكريس الإستبعاد الكلي (( للوحي )) بوصفه مصدراً للحقيقة , اكتفاء بالرجوع إلى الواقع (( المحسوس )) بوصفه مصدراً (( وحيداَ )) للمعرفة (( العلمية )) , مما أدى إلى الفصام الحالي بين طريقين للمعرفة كان يمكن لو توحدا ( في إطار ديني مختلف _ كما في حالة الإسلام مثلاً ) أن يؤدي توحدهما إلى الخروج من الطريق المسدود الذي تقف أمامه العلوم الاجتماعية اليوم ... تلك العلوم التي تتعامل مع ظواهر إنسانية بعض جوانبها مادي امبريقي يمكن مشاهدته باستخدام الحواس ولكن بعض جوانبها الأخرى بطبيعتها غير مادية , أو غير إمبريقية , أو فوق إمبريقية super –sensory ( إذا استعرنا تعبير سوروكين )) ( sorokin , 1941 ) وهي لاتخضع للمشاهدة الحسية .



ثالثاً _ التوجه العلمي الجديد :

جاءت التطورات الحديثة في العلوم الطبيعية بنتائج عظيمة لم تكن تتشربها العلوم الاجتماعية بشكل جاد إلى الآن رغم أنها تشير في اتجاه مايمكن اعتباره ثورة علمية حقيقية , ولما كنا قد لخصنا في موضوع آخر بعض هذه التطورات ( إبراهيم رجب ,1996 ) فإننا سنفيد هنا من بعض ما أوردناه هناك , ( ومما جاء في غيره ) , وسيظهر لنا عرض بعض تلك التطورات ( بإيجاز ) أننا لسنا وجدنا في العالم العربي أو الإسلامي الذين نستشعر الحاجة الماسة إلى الإصلاح المنهجي والنظري في العلوم الاجتماعية , وأن القضية مطروحة في العلوم الاجتماعية عامة في الدول ذات الريادة في تلك العلوم .
لقد تحققت في محيط الفيزياء الحديثة ثورة كبرى في النصف الأول من القرن العشرين فيما يتعلق بفهم طبيعة الذرة وما دونها من جسيمات SUBNUCLEAR PHYSICS في إطار نظرية النسبية , ونظرية الكم QUANTUM THEORY , وقد أدت تلك التطورات إلى انهيار النظرة (( المادية )) الميكانيكية القديمة التي كانت ترى الكون نسقاً ميكانيكياً مكوناً من (( ذرات مادة صلبة )) حيث بينت تلك الكشوف الجديدة أن الذرة تتكون بدلاً من ذلك من فضاء شاسع جداً , تدور فيه باستمرار جسيمات متناهية في الصغر ( الإلكترونات ) حول نواة تتكون بدورها من بروتونات ونيوترونات , ولقد أوضحت نظرية الكم أن هذه الجسيمات ( الإلكترونات والبروتونات والنيتوترونات ) كما يقول علماء الفيزياء الشهير (( فرتجوف كابرا )) ليست من قبيل تلك الأجسام الصلبة التي كانت تحدثنا عنها الفيزياء الكلاسيكية ، وإنما هي كيانات مجردة ذات طبيعة مزدوجة تتوقف هويتها على الطريقة التي ننظر بها إليها فهي تبدو لنا أحياناً ( وفقاً لطريقة الملاحظة ) كجسيمات PARTICLES وأحيان كموجات WAVES من الطاقة , ومعنى ذلك أننا عندما ننزل ببحوثنا إلى مستوى مكونات الذرة فإننا نجد (( ... أن الأجسام المادية الصلبة التي كانت تحدثنا عنها الفيزياء التقليدية قد ذابت فاتخذت شكل أنماط احتمالية شبيهة _ بالموجات , وقد أدت هذه الاكتشافات المدهشة في الفيزياء الحديثة إلى إدراك العلماء (( لوحدة الكون )) كما فتحت الباب على مصراعيه _ كما يقول (( كابرا )) أما (( التوافق التام مع الأهداف الروحية والمعتقدات الدينية )) ( CAPRA , 1983 : 67-70 ) .
وقد دعم تلك الاتجاهات نفسها ذلك التقدم الكبير الذي تحقق من جهة أخرى منذ السبعينات في العلوم الأعصاب NEUROSCIENCE فيما يتعلق بفهم طبيعة المخ والجهاز العصبي وعلاقتهما بالسلوك الإنساني .. فلقد كانت كل الوظائف العقلية ووظائف المخ تفسر في الماضي _ كما يقول (( روجر سبيري )) _ بتفسيرات مادية بحتة , إلى أن جاء التوجه (( المعرفي _ العقلي )) الجديدة COGNITIVE – MENTALIST ليكشف عن أن الإنسان بوصفه (( وحدة حية )) ذات مستوى وجودي أرقى من مجرد مستوى الذرات والخلايا , يملك خواص (( عقلية )) تتفاعل وتؤثر بوصفها عوامل سببية على مستوى الخلايا العصبية ومكوناتها , ويقول (( سبيري )) معلقاً على ذلك (( إن هذا التوجه يدل على أننا وهذا الكون الذي نعيش فيه أكثر من مجرد أسراب راكضة من الذرات والالكترونات والبروتونات الدائبة الحركة , وهذه النظرة الجديدة للواقع تتقبل الخواص العقلية والروحية بوصفها حقائق سببية فاعلة )) ( SPERRY , 1988 ).
ولقد أدت تلك الكشوف العلمية الجديدة من جهتها إلى ثورة أخرى ولكنها تتصل هذه المرة بالنظرة إلى طبيعة الإنسان والعوامل المؤثرة في سلوكه , حيث أزيح كابوس التوجهات الميكانيكية المادية في النظر إلى الإنسان وانفتحت آفاق البحث العلمي المشروع في الجوانب العقلية والروحية والدينية في تأثيرها على السلوك مما يفتح الباب كما قدمنا أمام بصائر جديدة في فهم الإنسان وسلوكه لم يكن من الممكن التوصل إليها في إطار التصورات المادية الميكانيكية التقليدية . ويشير (( روجر سبيري )) ( SPERRY , 1991: 222 ) إلى أن هذه الثورات العلمية الجديدة تتضمن انقلاباً في الاعتراف بدور الحالات العقلية المعروفة بوصفها أسباباً للسلوك مما يقدم مفهوماً أفضل للتفسير في كل العلوم , ثم يضيف أنه إذا كانت هذه النظرة العقلية للوعي قد لاتكون قابلة للإختبار اليوم فإنها ستصبح مع مرور الوقت قابلة للاختبار مع مزيد من التقدم في العلوم التي تدرس العلاقة بين العقل والمخ ( P . 224 ) . غير أن تلك الثورة العلمية لا زالت لم تصل إلى جميع فروع العلم الاجتماعية بدرجة متساوية , فلقد تأثر بها علم النفس بدرجة أكبر من علم الاجتماع (قارن CATTON , 1983: ) كما أن بعض فروع علم النفس مثل علم النفس التعلم قد تأثر بها أكثر من غيرها ( قارن :JONASSEN, 1991 ) .
أما في علم النفس فلقد نادى (( إبراهيم ماسلو )) في العام 1969 م ببدء حدركة جديدة في علم النفس محورها ما أسماه (( الآفاق الأبعد للطبيعة البشر )) the farthe of human nature , وتركز هذه الحركة في علن النفس على الجوانب الأعلى والأرقى والأكثر تميزاً فيما يتعلق بإمكانات البشر لتحقيق النمو والتسامي بأنفسهم , وقد سمر (( ماسلو )) هذه الحركة (( بالقوة الرابعة )) أو نظرية تجاوز الذات transpersonal theory , والتي تتخطى القوى النظرية الثلاثة الأقدم منها عهداً , ألا وهي المدرسة الفرويدية , والمدرسة السلوكية , والمدرسة الإنسانية , وقد اكتشف أصحاب هذه المدرسة الجديدة أن كثيراً من الأشخاص الذين حققوا _ ذاتهم بالفعل self-actualized يقررون أنهم يمرون بخبرات متجاوزة _ لدواتهم trans-egoic لأنها تتجاوز حدود الشخص , أو الشخصية ... تتجاوز الشعور بالآنية المحدودة بالأنا ego , وقد ركزت نظريات تجاوز الذات على هذه الأنواع من الخبرات , وعلى عملية النمو التي تؤدي إليها في العقل البشري , وباختصار فإن نظرية تجاوز الذات تركز تحديداً على الجوانب الروحية من جوانب الخبرة الإنسانية والنمو الإنساني ( robbins , et al , 1998 : 360 ) فعندما تستمر عملية تحقيق الذات إلى أقصى مداها فإنها تنقل الإنسان إلى ما وراء انشغاله بنفسه أو بذاته أو بنزعاته النرجسية ... وهنا يصبح تحقيق الذات هو نفسه تجاوز الذات , أو (( التعالي _ على _ الذات )) وهي عملية مكملة ومشبعة لتحقيق الذات في معية وتشارك مع الكائنات الأخرى , ومع (( أصل الوجود )) ألا وهو ذلك الكائن المطلق المقدس , أو الحقيقة التي يطلق عليها البعض (( الله )) ( P. 362 ). ولقد حاول (( كارل جوستاف يونج )) أيضاً أن يثبت أن (( ... البعد الروحي هو جوهر الطبيعة الإنسانية ... وقد طور نظرية علم النفس التحليلي ونظرية في الشخصية لكي يضمنها إطار تصويراً يضم الجوانب البدنية والعقلية والروحية بوصفها جوانب تسعى بالإنسان للوصول إلى الوحدة والتكامل في داخل الفرد )) sermabeikian 1994 : 178 – 179 . ويرى يونج أن الروح spirit موجودة بشكل عالمي عام في التكون قبل _ الواعي per-conscious للنفس الإنسانية ( وهذا بالمناسبة معنى قريب جداً من معنى الفطرة على الرغم من تردد (( يونج )) في مسألة الإيمان , وحاول (( يونج )) أن يوضح المقصود بالروح فيقول : (( إننا نقول إن الروح هي مبدأ يقف على النقيض من المادة , ومن هنا فإننا نفهم أن هناك عنصراً غير مادي أو صورة من صور الوجود التي يمكن في أعلى صورها وأكثرها عمومية أن نسميها بالله )). وقد رفض (( يونج )) نظرية مبدأ اللذة عند فرويد , وافترض أن الإنسان لديه قوى دافعة روحية أولية تعد جزءاً من تكوينه الغريزي مثلها في ذلك مثل الجنس والعدوان والجوع ( p.180 ) ويلاحظ أن ماسلو قد سار أيضاً في طريق مشابه عندما لاحظ أن (( الكائن البشري يحتاج إطار للقيم , وفلسفة للحياة , ويحتاج ديناً أو بديلاً للدين يستطيع أن يحيا به وأن يفهم نفسه من خلاله , بنفس الطريق التي يحتاج بها ضوء الشمس أو الكالسيوم أو الحب )) ( p.181 ).
وقد ترتب على الاكتشافات المشار إليها في مجال علم الفيزياء الحديثة , وفي مجال العلوم البيولوجية وبخاصة علم الأعصاب , وعلم النفس أن بدأ الشك يحيط بقوة بالأسس التي يقوم عليها المنهج العلمي الحديث ذاته , خصوصاً فيما يتعلق بالمشروعية (( العلمية )) لتطبيقه بحذافيره في الدراسات المتصلة بالإنسان والمجتمع , وذلك بعد أن ثبت أن الإغراق في الإمبيريقية empiricism والاعتماد عل الحواس وحدها بوصفها أساساً للمعرفة عند دراسة السلوك الإنساني والترتيبات المجتمعية قد أدت ( ضمن عوامل أخرى ) إلى إعاقة تقدم العلوم الاجتماعية , وكانت من أهم أسباب أزمتها الحالية , فبدأت ثورة علمية موازية في عالم المنهج أيضاً تطالب بإعادة النظر إلى مسلمات المنهج العلمي التقليدي وفتح الباب أما ألوان أخرى من الإستبصار لم تكن واردة أبداً في نطاق فلسفة العلوم (( القديمة )) .
وقد أدى هذا كله إلى تطوير شامل بل تثوير واضح في فلسفة العلوم الاجتماعية , التي أصبحت الكتابات الحديثة فيها تتكلم اليوم عن (( الفلسفة الجديدة )) العلوم الإجتماعية , تلك الفلسفة التي تبدأ من إعلان وفاة الوضعية DEATH OF POSITIVISM على حد تعبير (( فاي )) الذي يبشر _ بالمناسبة _ بحلول الظرفية أو التأطيرية perspectivism محلها , وهي فكرة تقوم على (( التأكيد بأن كل نشاط معرفي بما في ذلك العلم إنما يتم في إطار وجهة للنظر تحددها الارتباطات والاهتمامات الفكرية والسياسية ... وكل نظر إنما يتم من خلال منظور معين perspective ( fay , 1996 : 2 ) , ويلاحظ أن (( فاي )) يتبنى فكرة التفاعلية interactionism التي يرى أنه يمكن من خلالها الاستجابة للمتطلبات الجارفة (( التعددية الثقافية )) multiculturalism دون الوقوع في شرك النسبية المتطرفة . أما (( بومان )) ( bohman , 1991 ) في مؤلفة بعنوان new philosophy of social science فإنه يصف الفلسفة الجديدة للعلوم الإجتماعية بأنها فلسفة متجاوزة للنزعة الإمبيريقية المغالية post-empiricist , تقوم على إدراك أن (( الظواهر الاجتماعية غارقة في (( عدم _القابلية_للتحديد_الدقيق )) indeterminacy وأنها مفتوحة لمختلف التفسيرات open-ended )) ( p.vii-viii ) , وذلك فمن الطبيعي أن نتحول بشكل براجماتي من فكرة السبب والنتيجة الناتجة عنه إلى البحث ((... عن أي عامل يمكن صياغته ضمن إطار تفسيري مفيد )) ( p.54 )
والآن بإمكاننا أن نلخص ماسبق أن انتهينا إليه حتى هذه النقطة فيما يلي :
1_ أن المنهج العلمي بصورته المطبقة تقليدياً في العلوم الاجتماعية قد شكلته عوامل وظروف تاريخية ( الصراع من الكنيسة ) وجغرافية ( أوروبية ) محددة إنتهت به إلى نزعة وضعية إمبيريقية لاتعتمد إلا مشاهدات الحواس مصدراً للمعرفة العلمية الحقة , كما انتهت به إلى قطيعة كاملة مع الوحي بوصفة مصدراً ممكناً للاستبصار بسلوك الإنسان خصوصاً في جوانبه غير المادية , التي تنتمي إلى عالم الغيب , أي الجوانب الروحية .
2_ أن إهدار هذا القطاع الحيوي من مكونات الظاهرة الإنسانية , واستبعاد الوحي الصحيح وكل المعارف الدينية بوصفها مصدراً لمعرفة الإنسان هي من أهم أسباب الصعوبات التي تواجهنا اليوم في فهم الإنسان والمجتمع وفي التضارب النظري الذي يعوق تقدم العلوم الاجتماعية .
3_ أن التطورات الحديثة في العلوم الطبيعية وعلوم الأعصاب وعلم النفس قد فتحت الطريق أمام الفلسفة جديدة العلم , وفلسفة جديدة للعلم الاجتماعية تتجاوز النزعات المادية التقليدية , وتتجه لإعطاء العوامل الذاتية والعقلية والروحية في الإنسان مكانها الطبيعي بوصفها موضوعات للدراسة (( العلمية )).
4_ أن فهم العوامل الروحية غير المادية التي تنتمي إلى عالم الغيب يتطلب اعتماد (( الوحي )) الصحيح بوصفه مصدراً متعالياً للمعرفة بهذا الجانب من تكوين الإنساني .
وإذا كان الوحي في رسالات سابقة قد أصابه تعديل وتبديل , وإذا كان البشر _ ممكن يسمون عند غيرنا برجال الدين _ قد أعطوا أنفسهم سلطة تفسر النصوص على أساس أنهم يتلقون حتى اليوم وحياً أو إلهاماً مقدساً , وإذا كان ذلك كله قد أدى إلى ما رأيناه من عزم قاطع لدى المنشغلين عندهم بالعلوم عامة وبالعلوم الاجتماعية خاصة على المباعدة بين أنفسهم وبين مثل هذا الوحي بكل طرق فلا يبدو أن لنا أي عذر بوصفنا منشغلين بالعلوم الاجتماعية في العالم الإسلامي وأمامنا كتاب كريم ((( لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ))) (فصلت:42 ) وأمامنا كنوز من الأحاديث الشريفة التي بذل العلماء الثقاة في تمحيصها جهوداً لانظير لها لتمييز الصحيح فيها من السقيم ... إن هذين المصدرين للمعرفة يحويان بصائر تتصل بالإنسان والسلوك الإنساني والمجتمع الإنساني يمكن أن تفتح آفاقاً لا نهاية لها لتقدم العلوم الإجتماعية عندنا .
فإذا صح هذا كله فإن هناك سؤالين يطرحان أنفسهما علينا الآن مباشرة وهما :
1_ كيف يمكن الجمع في دراسة الظواهر الإنسانية بين نوعين من مصادر المعرفة مختلفين , يتطلب كل منهما نوعاً مختلفاً من المناهج والأدوات البحثية , ألا وهما :
1_ الواقع المحسوس الذي يعتمد في دراسته على المشاهدة والتجربة . ب _ الوحي الذي يعتمد البحث فيه على الاستنباط من النصوص بعد التثبت من صحة عزوها التاريخي .
2_ وكيف يمكن أن يتم التكامل بين هذه المصادر والمناهج والأدوات على وجه لاينتهك أهم شروط التي تميز المعرفة (( العلمية )) عن غيرها من المعارف ألا وهو إمكان التحقق من صدق النتائج لاختبار مدى تطبيقها من الواقع ؟
إن الإجابة عن هذه التساؤلات ستكون هي موضوع ماتبقى من هذه الورقة .


رابعاً _ مؤشرات في اتجاه المستقبل :

إن توقعات المستقبل إنما هي فرع من أصل يتمثل في فقه الواقع الحالي على ضوء معطيات التاريخ القريب , أما إذا تجاوزنا التاريخ القريب إلى تحليل التحولات التاريخية الأشمل والأبعد فإن في هذا ضماناً ولا شك لنظرة شمولية أوثق , نظرة توجهنا نحو خطوط شهدت التحولات التاريخية بصدقها لأنها تكون ضابط على نفسها , ( بنفس الطريقة التي نراها عندما نقول أن تعدد القياسات وتعدد مجموعات المقارنة في تصميمات السلاسل الزمنية تزيد من الصدق الداخلي للتصميم بدرجة كبيرة لأن المقارنات العديدة تكاد تقترب من التحكم التجريبي إلا قليلاً ) , ولعل نظرية (( بيتريم سوروكين )) عن (( التحولات الثقافية / الاجتماعية )) sociocultural fluctuations من أفضل الأطر النظرية التي تساعدنا على وضع الماضي القريب والحاضر والمستقبل بالنسبة للعلوم الاجتماعية موضوعها ضمن الإطار الأشمل للتحليل الحضاري الثقافي الاجتماعي , ومن هنا فإننا سنبدأ بعض شديد الاختصار لبعض نتائج بحوث (( سوروكين )) فيما يتصل من قريب بقضايا مستقبل التنظير والبحوث في العلوم الاجتماعية , ثم ننتقل من ذلك لتقديم عرض مفصل لأبعاد التصور المطروح أفضل الإمكانات للاقتراب من الإطار الإستمولوجي والمنهجي الذي دعا إليه (( سوروكين )) ( مطبقاً في حالة المجتمعات الإسلامية ).


إرهاصات المنهجية (( التكاملية )) عند بيتريم سوروكين :
لعل (( بيتريم سوروكين )) يعد بحق (( أعظم علماء الاجتماع في العالم )) , وهذا بالمناسبة _ هو عنوان الكتاب الذي ألفه عنه زيمرمان (Zimmerman , 1968 ) , ولعل من أعظم تلك الدراسة الحضارية الكبرى التي استغرق إجراؤها عشر سنوات , ونشرت نتائجها في أربع مجلدات بعنوان (( ديناميات التحولات الاجتماعية والثقافية )) social and cultural , والتي استخدمت منهجاً تاريخياً / إحصائياً / مقارناً , فقام فيها (( سوروكين )) مع فريق من مساعديه بتحليل كل من : الكتابات الفلسفية والعلمية , والوثائق التاريخية والقانونية , والآثار والأعمال الفنية , التي أنتجتها الحضارة الغربية على مدى 2500 عام , حيث قام فريق بحثي فيها بتتبع التحولات الثقافية الكبرى التي تناوبت على المجتمعات الغربية ( مع المقارنة بغيرها من حضارات الشرق الأوسط والصين والهند واليابان وغيرها ) على مدى تلك الحقب , ليس فقط بهدف رصد أبعاد تلك التحولات الاجتماعية والثقافية وتوصيفها , بل لمحاوله فهم أسباب ومحركات تلك التحولات الكبرى أيضاً .
ولقد توصل (( سوروكين )) إلى أن أي ثقافة أو حضارة ليست كومة متناثرة من الأجزاء أو المكونات المبعثرة المتجاوزة في المكان فقط دون رابط يربطها , ولكن كل ثقافة إنما هي كل متكامل تنظم مكوناته حول مبدأ رئيس basic principle يتغلغل في كل تلك المكونات ويعطيها معناها ومغزاها , ويتمثل هذا المبدأ في (( قيمة أولية )) محورية تحدد نظرة تلك الثقافة إلى الحقيقة المطلقة ultimtate reality , وبذلك تحدد تصورها للوجود , كما تشكل فلسفة الحياة أو روية الكون weltanschauung التي تتبناها , وتكون إطار عاماً لأنساق الحقيقة , والمعرفة , والعلوم الخاصة بها ( sorokin , 1975 : 24 ) . وقد انتهى (( سوروكين )) من دراستة الضافية للمجتمعات والحضارات إلى أن هناك نوعين أساسيين من الثقافات لكل منها عقليته mentality المميزة (( ... ولكل منها نسقه المعرفي الخاص ورؤيته الخاصة للحقيقة ... )) وفيما يلي نبذه عن كل من هذه الأنواع من الأنماط الثقافية الرئيسة :

أولاً : الثقافة المعنوية الزهدية ( أو الفكرية ) ideational culture : في مثل هذا النمط الثقافي فإنه (( .. ينظر إلى الحقيقة على أنها : (1) غير محسوسة وغير مادية تتمثل في موجود خالد , (2) وأن الحاجات ( الإنسانية ) والغايات أيضاً روحية أساساً ...)) الله يعد هو الحقيقة المطلقة وهو المبدأ الأسمى , المتجاوز للمحسوس super-sensory , والمتجاوز _ للعقول البشرية super-rational , أما الدنيا فكلها تحول وزوال , والإنسحاب منها والخلاص من أدناسها رأس الفضائل , وأما الآخرة فهي الحياة الحقيقية الباقية , وحياة الرهبانية والزهد هي أقصر الطرق إلى تحقيق الخلاص من هذه الدنيا التي لاخير فيها على الحقيقة .

ثانياً :الثقافة المادية الحسية sensate culture : المبدأ الأول والحقيقة المطلقة للوجود كله في هذا النمط الثقافي وجود مادي إمبيريقي بحت , والكون يتمثل فقط فيما تدركه الحواس وحدها , ولا مكان فيه لعالم الغيب ولا مكان فيه لإله أو لأي مقدس , تشيع في هذا النوع من الثقافات الاتجاهات الغنوصية الاأدرية ) , أما حاجات الإنسان فهي حاجات مادية بحتة , وهذا النمط الثقافي يمر بثلاث مراحل : أولها المرحلة الحسية الفاعلة النشطة active sensate culture , يعمل المجتمع فيها بكل قوة لتغيير البيئة المادية وتطويعها لمطالبة , فيحقق تقدماً علمياً وتكلنوجياً عظيماً كما يحقق إنتصارات عسكرية كبيرة , لكن تلك المرحلة تسلم الزمام لمرحلة ثانية وهي المرحلة الحسية السلبية negative sensate culture التي تسودها عقلية تتسم بقصر النظر , يتحول فيها الناس إلى استغلال البيئة بكل طريق لإشباع حاجاتهم بصورة طفيلية , وكأن العلم ببساطة لم يوجد إلى لإشباع حاجات الناس إلى الطعام والجنس واللهو والترفيه والحث عن الجنس واللهو والترفيه والبحث عن اللذات الحسية ( sorokin , 1957 : 48 ) hedonism , وينتهي المطاف بالثقافة الحسية المادية إلى مرحلة أخيرة يسميها (( سوروكين)) بالمرحلة الحسية الكلبية أو الهزؤية cynical sensate culture التي تفتقر إلى أي نوع ذي بال من القيم , والتي تشيع فيها النفعية والعدمية nihilistic , يشبع الناس حاجاتهم فيها بطرق نفعية صرفة , مع التظاهر الشكلي بالإلتزام الأخلاقي دون إقتناع حقيقي , فيشيع استخدام المداهنة والنفاق والخداع فيها على نطاق واسع في المجتمع ( Johnston . 1990 : 100 ) .
ولكن (( سوروكين )) وجد أيضاً أنه في بعض الفترات التاريخية تظهر بعض المجتمعات التي تتبنى نمطاً ثقافياً ثالثاً , يتكامل فيه أفضل مافي النمطين السابقين من قيم ومبادئ محورية , أسماها نمط الثقافة المثالية idealistic culture وفيما يلي نبذه عن هذا النمط الأخير :

ثالثاً : الثقافة المثالية idealistic culture : إذا كانت النظرة إلى حقيقة الوجود في النمطين السابقين نظرة منقوصة وذات بعد واحد one-sided , فإن الحقيقة في هذا النمط الثقافي ينظر إليها على أنها عديدة الجوانب تضم في وئام وتكامل ماهو حسي مع ماهو متجاوز _ للحواس super-sensory , وينظر إلى العالم الذي نعيش فيه على أنه نتيجة للتفاعل بين الجوانب المادية والجوانب الروحية , وحاجات الإنسان في مثل تلك الثقافة ينظر إليها على أنها حاجات روحية وأيضاً مادية , ولكن مع تغليب الجوانب الروحية , وأساس المعرفة في هذا النمط الثقافي قيام العقل بالجمع بين معطيات الخبرة الحسية من جهة وبين نصوص الوحي المنزل من جهة أخرى ( sorokin , 1957 : 228-9 ) , فتتكامل في هذا النوع من المعرفة الحقائق الدينية ( المتعالية على العقلانية super-rational ) , والحقائق العلمية ( الحسية الإمبيريقية / empirical ) والأفكار الفلسفية ( العقلانية rational ) في اتساع بديع ( p . 682-4 ) .
ولقد تتبع (( سوروكين )) التقلبات التي طرأت على الحضارة الغربية خلال الحقب المختلفة , وانتهى إلى أن تلك الحضارة قد سادتها الثقافة الحسية المادية التي حققت على مدى خمسة قرون إنجازات علمية غير مسبوقة في محيط العلوم الطبيعية , كما توصل إلى عدد هائل من الإبتكارات التكلنوجية الرائعة , ولكنها في الوقت ذاته قد ضيقت نطاق رؤيتنا للوجود والحقيقة _ كما يقول (( سوروكين )) _ فاستبعدت كل ماليس مادياً وكل ماهو متجاوز للحواس بما في ذلك مفهوم الإله جل جلاله, بل مفهوم العقل ذاته , ثم إنها قد انتقلت من مرحلة الثقافة (( المادية الإيجابية النشطة )) إلى مرحلة الثقافة (( المادية السلبية )) وأخيراً (( المادية الكلبية )) , مما أدى إلى شيوع الإتجاهات المادية والميكانيكية المتطرفة , والتركيز على اغتنام الشهوات الحسية , وشيوع الاتجاهات الإمبيريقية السطحية , كما انخفضت قيمة الإنسان نفسه في هذه الحياة المعاصرة , فلم يعد ينظر إليه على أنه أكثر من مجرد كائن بيولوجي organism لاقيمة خاصة له , ولا كرامة خاصة تميزه عن بقية الكائنات الحية ( pp . 252-4 ) .
ولقد كرس (( سوروكين )) أحد مؤلفاته القيمة ( sorokin , 1992 orig . 1941 ) لدراسة المظاهر التفصيلية لتلك الأزمة التي تواجه الحضارة الغربية في مختلف جوانب الحياة فيها منذ أوائل القرن العشرين , والتي تنبأ باستمرارها بشدة وقسوة في المستقبل , اللهم إلا إذا عادت تلك الحضارة إلى رشدها باستعادة القيم الروحية والدينية لتتكامل مع ماتعتد به اليوم من الجوانب المادية / الامبريقية فيما يمكن أن يؤدي بها إلى بدء حقبة جديدة رائعة من حقب (( الثقافة المثالية )) يتم فيها (( تصحيح الأخطاء القاتلة للثقافة الحسية المادية بالإعداد بصورة متناغمة للثورة الفكرية الأخلاقية الثقافية / الاجتماعية المحتم حدوثها في المجتمع الغربي )) ( p . 255 ) .
ويقرر (( سوروكين )) أنه لاخلاص من سموم الثقافة المادية المعاصرة ( على حد تعبيره ) إلا بالتحول الكبير transformation إلى نمط الثقافة المثالية التي الحقيقة في صورتها التكاملية التي يطلق عليها (( سوروكين )) اصطلاح ( النظرة التكاملية للوجود والحقيقة integral theory of truth and reality ) والتي تقوم على رؤية ثلاثية الأبعاد للوجود والحقيقة تحسم قضايا المعرفة والمنهج بشكل متوازن وغير اختزالي ( sorokin , 1957 : 28-73 : 683-698 ) :

1_ الحقائق التي مصدرها الإلهام أو الوحي أو النبوات , intuition , revelation , prophesy والتي هي حقائق متعالية على ماهو عقلي وماهو حسي super-rational , super empirical .
2_ الحقائق التي مصدرها العقل reason , ذات الطبيعة الفلسفية philosophical , والتي تقدم لنا ماهو عقلاني rational .
3_ الحقائق التي مصدرها الحواس the senses , ذات الطبيعة العامية scientific ( بالمعنى الضيق ) , والتي تقدم لنا ماهو إمبيريقي / حسي empirico-sensory .

وقد بين (( سوروكين )) أن الجمع بين هذه المصادر للمعرفة والحقيقة يضمن لنا أفضل اقتراب من حقائق هذا الوجود , كما بين تفصيلاً الحقائق التي تحيق بالعلم والمنهج والمترتبة على الاقتصار على أي مصدر واحد أو جانب للحقيقة منها منفرداً , ولكنه أضاف إلى ذلك كله تحليلاً للمخاطر التي تحيق بالمجتمعات المعاصرة من جراء اعتماد النزعة الامبريقية وحدها فيقول ( p . 696 ) :
(( إن النزعة الإمبيريقية مسؤولة إلى حد كبير عن تلك الكوارث ( في البحث العلمي واستخداماته المأساوية على حد تعبيره ) , إضافة إلى مسؤوليتها عن الحط من قدر الإنسان والحط من شأن القيم الثقافية / الاجتماعية , وتجريد الإنسان من كل قيمة أو أي شيء مطلق أو متجاوز لما هو إمبيريقي أو أي شيء قدسي أو إلهي , فاختزل الإنسان إلى مجرد مركب من الالكترونات والبروتونات , أو مركب من الذرات ... وكان من نتيجة هذه الرؤية للوجود ما نشهده اليوم من القوة البالغة في معاملة البشر , إضافة إلى تلك الكوارث المتكررة , وما نشهده اليوم من سيادة القوة الغاشمة في العلاقات سواء أكان ذلك في داخل الدولة القومية أم في العلاقات الدولية ... ولم يعد هناك شيء مطلق أو مقدس وانتهى الأمر بكل شيء إلى رماد تذروه الرياح , ومن هنا نجد تلك الحروب والثورات , والفوضى الفكرية والأخلاقية والاجتماعية التي يشهدها عصرنا , إن هذه جميعاً مواليد أنجبتها تلك النزعة الامبريقية ذات البعد الواحد التي سادت ثقافتنا )) .

إن من يقرأ (( سوروكين )) اليوم ليتصور أن ذلك المفكر والعلم العظيم كان يقرأ أحوال عالمنا اليوم من كتاب مفتوح , ولكن الذي يعنينا أن فكره المتقدم على عصره يشير بوضوح في اتجاه يمكن أن يكون كثير من العلماء في عالمنا العربي والإسلامي قد( استشعروه ولكنهم قد ترددوا كثيراً قبل التفكير في السير فيه إشفاقاً من تجاوز المنظور الوضعي الامبيريقي المألوف , وخشية مما قد يصيبهم من السخرية من جانب زملائهم ممن لايزالون يعيشون في ماض معرفي بائد ولكنهم متخندقون خلف مناصب ودرجات أكاديمية , مما يعيدنا مرة أخرى إلى (( توماس كون )) وتشريحه المفصل لأحوال المجتمع العلمي مما أشرنا إليه , ومما يشير بقوة إلى أن التنظير والبحث العلمي في بعض الأحيان قد يتطلب شجاعة أدبية فائقة إذا أراد الباحث أن يتجاوز التوجه العلمي السائد , ولعل (( سوروكين )) نفسه أن يكون أول من خبر بشكل مباشر نوع المقاومة المتوقعة لنظرياته من جانب أصحاب الثقافة الحسية المادية , الذين أثبتوا باختياراتهم النظرية وانحيازهم إلى أصحاب التوجهات الامبريقية الغالبة صدق توصيفه لطبيعة الحضارة المعاصرة ... ولكن بأي ثمن) ؟


المنهج العلمي للبحث من وجهة إسلامية :

إن من الواضح أن إصلاح المنهج في العلوم الاجتماعية , وإصلاح الأطر المرجعية الموجهة لتكل العلوم في الوطن العربي أو في العالم الإسلامي إنما يكمن إلى حد كبير في مقاربة التصور الإسلامي , ذلك التصور الذي يقوم في مطلقاته الوجودية ( الأنطولوجية ) أساساً على وحدة الخالق , ووحدة الخلق , كما يقوم على عقيدة البعث والجزاء ... والذي يقوم في منطلقاته المعرفية ( الإبستمولوجية ) على وحدة الحقيقة ووحدة المعرفة , ومن ثم على التكامل بين أدوار كل من الوحي والحس والعقل في الوصول إلى الحقيقة , مما اقترب منه (( سوروكين )) اقتراباً كبيراً , وهي منطلقات تترتب عليها نتائج غاية في الأهمية نقتصر هنا على عرض أكثر اتصالاً بقضايا المنهج .
فوفقاً للتصور الإسلامي فإن الله جل وعلا هو خالق هذا الكون بكل مافيه ومن فيه , وهو مجري الكون على سنن وقوانين مضطردة في إبداع وأحكام , وهو _ سبحانه _ في الوقت ذاته منزل الكتاب الذي يضم بين دفتيه معرفه محيطة بهذا الكون كله بل بما وراءه , أن يكون وما فيه يعد بمثابة آيات الله المجلوة , والقرآن الكريم يحوي آيات الله المتلوة , فالمصدر الذي منه يتجلى كل منها مصدر واحد , ومن هنا فلايمكن تصور وجود أي تناقض بين الوقائع الكونية الثابتة والآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة بأي حال من الأحوال , اللهم إلا في الحالات التي يقع فيها الباحثون في أخطاء في أي من الاتجاهين الآتيين أو في كليهما :

1_ بالنسبة للوقائع والمشاهدات المتصلة بالكون : أخطاء في المشاهدة الوقائع ورصدها , أخطاء في تفسير المشاهدات والواقعية الصحيحة .
2_ بالنسبة للنصوص وفهمها : أخطاء في الإنتقاء من بين نصوص الكتاب والسنة , أخطاء في تفسير النصوص المختارة , أخطاء عند الجمع بين النصوص العديدة في إطار تصوري واحد .
وجميعها أخطاء يمكن التفطن إليها وتصحيحها وفق الأصول العلمية المرعية التي تتضمنها خاصية التصحيح _ الذاتي _ للعلم .
إن مفتاح الحل للقضية الرئيسة التي نحن بصددها وهي كيفية الجمع بين النتائج المستمدة من الدراسات الواقعية التي تنصب على الوجود المشاهد وبين معطيات الوحي المنزل , إنما يكمن فيما أسميناه في موضع آخر ( إبراهيم رجب , 1996 ) (( بثور التنظير في العلوم الاجتماعية )) , وهي تسميه وإن كنت قد تنطوي على شيء من المبالغة فإنها تشير إلى اتجاه صحيح , لأن مانتوخاه في الواقع إنما هو الإصلاح والإكمال وليس الإنقلاب أو الاستبدال لمجرد الإستبدال , مع رفض أي تفريط فيما هو متفق على صحته وصوابه , والإحتفاظ بما هو بمثابة الهيكل الأساسي الصادق لبناء العلم دون أي افتئات عليه , مع إزالة ركام المؤثرات التاريخية السلبية التي لايمكن إلباسها ثوب الصدق إلا عند من أضاع قدرته النقدية وبهرته الأشكال والرسوم التعاملية .

التنظير على ضوء التصور الإسلامي :
إنا لسنا بحاجة إلى بذل أي جهد لبيان المكانة المحورية التي تشغلها (( النظرية theory )) بالسبة لبناء العلم , فكل من كتبوا في المنهجية يجمعون على أن (( هدف العلم هو بناء النظريات )) ... أو مايشبه هذا من تعبيرات ( turner 1978 : 24 ) لأنه إذا كانت غاية العلم هي الفهم والتفسير والتنبؤ فإن النظرية هي مناط القيام بتلك المهام ( bailey , 1987 : 32 : kerlinger . 1979 : 15-16 ) . والنظرية في أبسط تعريف لها عبارة عن نسق (( نسق من المفاهيم المترابطة )) ( HAGE , 1972 : 171 ) أما إذا أمعنا النظر في مكونات النظرية فإننا نجدها تتكون من مفاهيم ومتغيرات ترتبط ببعضها في شكل قضايا propositions وقد تتخذ هذه القضايا شكل
أ_ بديهيات أو مصادرات أو مسلَمات . ب _ تعميمات إمبريقية أو فروض ( bailey : 1987 : 33-38 ) ويشير (( والتر والاس )) إلى أن النظرية تعد بمثابة المستودع الذي يضم توليفة التعميمات الامبريقية empirical generalizations التي للصدى النظرية للربط بينها وتفسيرها , والتي يتكون كل تعميم منها بدوره من توليفة من المشاهدات المحققة observations ( Wallace 1969 : ix-x ) وإذن فالنظريات العلمية تضم ثلاثة أنواع من المكونات :
1_ مكونات تم التحقق من صدقها بالرجوع إلى الواقع المحسوس , وهي المشاهدات المحققة والتعميمات الإمبيريقية .
2_ مكونات لم يتم التحقق من صدقها بعد , وتتضمن التفسيرات التي تربط بين التعميمات الامبريقية وتضفي عليها معنى وتعد بمثابة الفروض hypotheses إلى أن تثبت صحتها .
3_ مكونات يسلم أصحاب النظرية بها دون إخضاعها للإختبار الواقعي المباشر , وتضمن المصارات أو المسلمات التي تعد بمثابة القاعدة التي تنطلق منها النظرية والتي تضع الحدود التي يفترض أنها تصدق في نطاقها .
وبطبيعة الحال فإن النوع الأول من المكونات وهو المشاهدات المحققة والتعميمات الامبريقية وهو جوهر مايضفي على النظرية صفة (( العلمية )) وكلما ازداد رصيد النظرية منها كانت النظرية أقوى وأدعى لإمكان الاعتماد عليها , وأما النوع الثالث من المكونات , أي مايتصل بالمصادرات أو المسلمات التي تقوم عليها النظرية فإن خطورته تكمن في أنه في كثير من الأحيان يترك دون تحديد وإظهار , بشكل يصل إلى حد التعمية أحياناً , مما يجعله مستغلقاً أمام تحولات تنفيذ النظرية ونقدها , اللهم إلا بالاستنتاج واستنطاق الصياغات الضمنية , مما يكون له أوخم العواقب على بناء العلم .
ولكن مايهمنا الوقوف عنده طويلاً من المكون الثاني من مكونات النظرية والذي يتمثل في التفسيرات التي يقدمها العلماء للربط بين المشاهدات والتعميمات الامبريقية , وفهمها وإعطائها المعنى , وبيان العلاقات السببية بينها إذا كان ذلك ممكناً , فما المصدر الذي يستقي منه العلماء تلك التفسيرات ؟ يقول (( أبراهامسون )) ( Abrahamson , 1983 : 23 ) : إن (( النتائج التي تتوصل إليها البحوث تقدم لنا قوالب الطوب الازمة لعملية بناء النظرية , ولكن تلك العملية لايمكن لها أن تتم بدون القدرات الإبتكارية للعلماء )) . ويقرر (( جورج هومانز )) ( humans , 1980 : 19 ) من جهته بأن النظرية تتطلب (( قفزة في الخيال )) لتفسير المشاهدات الامبريقية , أما (( كارل بوبر )) ( see feigl , 1975 : 880 ) فإنه يرى أن النظريات عبارة عن (( تخمينات .. جريئة أحياناً )) bold conjectures . ( التأكيد على بعض العبارات مضاف ) .
ويقرر (( روبرت دوبين )) الذي يعد من أشهر من كتبوا في بناء النظريات العلمية أن (( أي نموذج نظري لايحده شيء إلا حدود الخيال imagination صاحب النظرية )), وهو لايرى في ذلك أي غضاضة على الإطلاق وإنما يقرر أن (( الخيال البناَء )) constructive imagination يزيد قدرة الإنسان على فهم العالم المشاهد , ( dubin , 1987 : 12 , 221 ) بل إن بعض من كتبوا في مناهج البحث يرون ضرورة فتح الباب على مصراعيه أمام جميع الأفكار النظرية دون حرج حتى يرى بعضهم أنه ينبغي اعتبار النظريات كالسلع في سوق حرة مفتوحة ((.. فكلما وجد طلب على نظريات من نوع معين كان من صالح المستهلك السماح بأكبر قدر ممكن من المعروض منها ( dawis , 1984 : 468 ) . وقد يمكن تفسير هذا الاتجاه على أساس مايمكن أن يتولد لدى الباحثين المتمرسين من خلال خبرتهم المباشرة من شعور بمدى محدودية قدرتنا بوصفنا بشراً على إدراك حقائق هذا الوجود , حتى إن بعضهم يشبه عمل المنظرين بحل ألغاز الصور المقطعة jigsaw puzzle , معلقاً بعد ذلك بقوله (( إننا نعمل في حدود ماهو متاح لنا )) , ( hage , 1972 : 182 – 183 ) , ولهذا فإنه لامانع لدى هؤلاء العلماء _ على الرغم من نزعتهم الامبريقية المتأصلة _ من استخدام أفكار (( ميتافيزيقية )) بوصفها أساساً للنظريات ( العلمية ) مادام من الممكن استخدام تلك الأفكار باستنباط فروض يمكن اختبارها في الواقع المحسوس , فينقل لنا (( والتر والاس )) ( pp. 402-403 ) عن (( كارل بوبر )) قوله إن النظريات تتفاوت فيما بينها من حيث مستوى التجريد والعمومية , وإن كل مستوى يقود إلى آخر أعم منه ... وهكذا إلى أن تأتي (( نظريات تبلغ حداً من العمومية تبتعد منه عن المستويات التي يصل إليها العلم القابل للاختبار في الوقت الحاضر , مما يمكن أن يوصلنا إلى نسق ميتافيزيقي ))..., بل إن بعضهم يطرق قضية العلاقة بين النظرية والأطر التصورية الدينية , فيشير (( دوبين )) إلى أن (( الدين والنظرية متطابقان من حيث البناء , فكل منهما عبارة عن صورة كاملة للعالم المحسوس أو المتخيل كما يراه البشر , كما أن هناك تشابه جوهري بين قواعد النطق المتبع في بناء النماذج النظرية والتصورات الدينية )) ( dubin , 1978 : 222-3 ) كما يسير (( هوفر)) ( hoover , 1980 : 38 ) في نفس الخط إذ يرى أن النظريات الدينية والفلسفية هي أوسع النظريات نطاقاً , لكن يراها ذات طبيعة مطلقة في حين أن نظريات العلوم الاجتماعية تقوم في رأيه على أساس نفعي براجماتي , بمعنى أن قيمة النظرية تقاس فقط بمدى قدرتها على تفسير المشاهدات , تلك هي الحدود التي يتوقف عندها الكتاب الغربيون بسبب طبيعة المعتقدات الدينية السائدة في مجتمعاتهم .

ولكن لنا هنا أن نتساءل عما يدعونا بوصفنا مسلمين حباهم الله سبحانه وتعالى بعقيدة صحيحة بريئة من التحريف والخرافة , وأنعم عليهم بكتاب لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه , وبسنه يتميز فيها الصحيح من السقيم .. نتساءل عما يدعونا إلى التوقف بمحض اختيارنا عند النقطة التي اضطر علماء الغرب للوقوف عندها بسبب ظروفهم وواقع مجتمعاتهم وديانتهم على الرغم من الاختلاف الكبير بين واقعنا وواقعهم .
إن المحور الذي تدور حوله ثورة التنظير في العلوم الاجتماعية أنما يتمثل في إجراء ميسور لايتجاوز كثيراً ماسبق أن عرضناه فيما يتعلق ببناء النظرية , ألا وهو إمكانية اعتماد الأطر التصورية المتصلة بالإنسان والمجتمع (( المستمدة من الكتاب والسنة الصحيحة )) لتحل محل (( خيال الباحث )) أو لتضاف إليه بوصفها مصدراً للتفسيرات التي تستخدم للربط بين الحقائق والتعميمات الواقعية عند بناء النظرية في العلوم الاجتماعية ... مع عدم التوقف عند مجرد التوصل إلى أطر نظرية جامعه لما يصح من نتائج العلوم الاجتماعية الحديثة وما تتضمنه المصادر الشرعية , بل الاستمرار في اختبار تلك الأطر في أرض الواقع , التزاماً بالقواعد العامة لبناء العلم وبناء النظرية بالصورة المتعارف عليها تقليدياً , وذلك عن طريق :
1_ اشتقاق فروض من تلك الأطر التصورية ( المستمدة من المصادر الشرعية منجيهة وما صح من نتائج العلوم الحديثة من جهة أخرى ) يتم اختبارها في ارض الواقع للتحقق من مدى مطابقتها للواقع مع ملاحظة أن (( الواقع )) هنا إنما يقصد به (( الواقع الكلي )) total reality وليس مجرد الواقع الامبيريقي الذي كان يقتصر عليه النموذج التقليدي للعلم , بمعنى أن الواقع هنا إنما يتضمن كلاً من الجوانب الامبريقية وغير الامبريقية للوجود البشري .
2_ إذا ثبتت حصة الفروض ( أو فشلنا في رفضها كما يعبر عن ذلك إحصائياً ) تزداد ثقتنا في الأطر التصورية التكاملية المبنية على ماصح من مفاهيم العلوم الحديثة وأيضاً على فهمنا لنصوص الكتاب والسنة عندما تضم إلى بعضها وصولاً إلى التصور الإسلامي للقضية المطروحة في الفرع العلمي المحدد الذي نعمل في إطاره .
3_ إذا لم تثبت صحة الفروض فإن هذا يستدعي القيام بإجراءات في أحد الإتجاهين التاليين أو كليهما وفقاً لهذا الترتيب .
أ _ مراجعه الإجراءات المنهجية في البحث وبخاصة ما اتصل منها بالإجراءات المستخدمة في قياس المتغيرات في التأكد من عدم الوقوع في أخطاء جوهرية فيها , وللتأكد أيضاً من عدم استخدام تقريبات غير كافية من النموذج المثالي لتصميم البحث أو اختيار العينة .. الخ , ثم إعادة إجراء البحوث بعد تلافي تلك الأخطاء .
ب _ إذا ثبت أن الإجراءات المنهجية للبحث صحيحة تماماً بيقين ( وهو أمر شديد الندرة في العلوم الإجتماعية ) فإنه يتعين علينا إعادة النظر في الأطر التصورية التي تم (( استنباطها )) من المصادر الشرعية وبخاصة فيما يتعلق باختبار النصوص أو إختيار الشروح , أو ما يتصل بضم تلك النصوص والشروح إلى بعضها , أو مايتصل بضم ماتم استبقاؤه من العلوم الحديثة إلى ماتم استنباطه من المصادر الشرعية ... وهدف هذه المراجعة تعرف مصدر الخطأ أو التجاوز , ثم تعديل الإطار التصوري ( الموجه إسلامياً ) على ضوء ذلك , مما يزيد اقتراباً من التطابق مع النتائج الواقعية ( الممحصة على الوجه المذكور في أ ) .
والثمرة المتوقعة لهذه الثورة التنظيرية أنها تسمح لنا بالاستفادة من البصائر المستمدة من الوحي في توجيه بحوثنا .


قضية التصميمات المنهجية والأدوات البحثية :
إن وضع الأمور في نصابها من جهة استلهام المصادر الشرعية في توجيه الأطر النظرية التي تنطلق منها العلوم الاجتماعية _ على الوجه الذي قدمناه _ لايعني لأي حال مخالفة الإجراءات الصحيحة والضوابط السليمة للمنهجية العلمية , فكما ذكرنا فإنه لا يمكن أن يقبل من أي باحث أن يطالب _ دون اختبار واقعي _ بقبول اجتهاداته في محاولة إيجاد التكامل بين ماثبتت صحته عنده من أنظار العلوم الاجتماعية الحديثة وبين ما توصل إليه من فهم لآيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية وضمها إلى بعضها في إطار يظن أنه يتمثل (( الرؤية الإسلامية )) الصحيحة للموضوع لمجرد أنه (( يظن )) ذلك أو يعتقد أنه قد جاء بالحق دون جدال , فكل تلك التأكيدات تحتاج إلى (( دليل )) على صحتها , لأننا لو قبلنا مجرد التأكيدات لكنا قد أسقطنا أول اعتبار تعد على أساسه العلوم الإجتماعية (( علوماً )) .. ألا وهو الإختبار (( الواقعي )) لتلك الإجتهادات التي لاتخرج عن كونها فروضاً يتطلب الأمر التحقق من صدقها سواء أكان بطريقة مباشرة أم غير مباشرة .
لقد أوضحنا فيما سبق أن منهج العلوم الاجتماعية المنطلق من التصور الإسلامي يتضمن اختبار الفروض في (( الواقع بمعناه الشامل )) أو الواقع الكلي total rcality المتضمن لما هو إمبيريقي قابل للملاحظة الحسية المباشرة من جانب الباحث ولما هو غير إمبيريقي لايقبل الملاحظة الحسية المباشرة ( أو يقبلها ولكن بطرقة غير مباشرة ), وهذا يثير قضية جوهرية ولا شك حول ما إذا كانت تصميمات البحوث وأدوات جمع البيانات الحالية قادرة على ارتياد هذه الآفاق الجديدة التي تتصل بالحياة الداخلية للإنسان في أدق جوانبها وأكثرها حساسية مثل النواحي الروحية , والجوانب المتصلة بنظرة الإنسان إلى العالم worldview ونوع صلته بربه وخالقة , وآثار ذلك كله على سلوكه , ولقد كان من الممكن أن تمثل تلك القضية عقبة كأداء أمام جهود المهتمين بتطبيق التصور الإسلامي في إجراء البحوث في العلوم الإجتماعية , ولكن من حسن الحظ أن الطالع أن التوجه الجديد في البحث قد قدم خدمة جليلة للعلم من خلال مراجعته النقدية للتصور التقليدي للمنهجية , ثم من خلال إبتكاره لمجموعة من الأدوات البحثية المصممة لخدمة ذلك التوجه الجديد _ وهذا يحتاج شيئاً من التفصيل .
إن معظم التصميمات البحثية التقليدية تنطلق كما قدمنا من مسلمات وضعية / إمبريقية وهي من ثم تقوم على استخدام أدوات ومقاييس (( موضوعية )) أو فالنقل خارجية , بمعنى أن أحد شروطها الرئيسة ألا يكون للمبحوث أي دور في العملية البحثية ذاتها , فالمبحوث يفترض أن يكون مجرد مشارك سلبي في تلك العملية , وكلما أمكن إجراء القياس أو الوصول إلى الملاحظات دون مشاركته ( أو حتى دون وعيه بالعملية البحثية ) كان ذلك أدعى إلى تحقيق الدقة العلمية في نظر أصحاب هذا التصور , ولما أبدى كثير من الباحثين اعتراضات أخلاقية على هذا المسلك البحثي فقد أصبحت مسألة إعلام المبحوثين بأهداف البحث وطلب تعاونهم ينظر إليها على أنه شر لابد منه .. من وجهة النظر البحثية الخالصة أو النقية .

ومن هنا فإن مجرد الجهود التي بذلها العلماء والباحثون على مدى قرن من الزمان لبلورة أبعاد التصميمات التجريبية وشبه التجريبية , وتحديد المخاطر التي يتعرض لها كل تصميم من جهة الصدق الداخلي والخارجي , وابتكار الأساليب التي تمكن الباحثين من تجاوز تلك المخاطر أو على الأقل حساب مدى تشويهها للنتائج , وكذلك تلك الجهود التي بذلت لبلورة المقاييس وأدوات الملاحظة وصحائف الاستبيان وغيرها مما يتناسب مع تلك التصميمات ومن نوع البيانات التي تتطلب البحوث الامبريقية التقليدية جميعها ... كل تلك الجهود تستحق التقدير ولاشك .

ولكن التوجه الجديد الذي أصبح يتبناه الكثير من المشتغلين بفلسفة العلوم منذ منتصف السبعينيات , والذي يقوم على إدراك (( القصور الجوهري للتوجه التقليدي للعلم وعدم إمكان الدفاع عنه )) ( polklinghorne , 1984 : 420 ) قد أعطى مشروعية لدراسة الإنسان بوصفه سبباً فاعلاً بذاته active agent , منشئاً للسلوك على مستواه الوجداني الإنساني من خلال تأثير العوامل العقلية المعرفية الذاتية التي توجه المتغير الأدنى في الرتبة كالعوامل الفيزيقية والكيميائية , يقول (( دونالد فورد )) في هذا المعنى (( إن الناس عناصر فاعلة محدثة لأفعالها people are active agents of their actions )) , ومن هنا فإنه لفهم السلوك الإنساني لابد لنا من أن نأخذ نيَاتهم في الإعتبار ( ford , 1984 : 462 ) , ولما كان هذا يتنافى بطبيعة الحال مع الاتجاهات الإختزالية التقليدية reductionist التي ترد السلوك الأعلى إلى فعل العوامل المادية الأدنى فإن الأمر قد اقتضى إعادة نظر جوهرية في التصميمات البحثية التقليدية وفيما يرتبط بها من أدوات جمع البيانات لكي تستجيب لمتطلبات هذا التوجه الجديد .

ولقد ظهر اتجاهان واضحان في هذا الصدد يختلفان في المدى الذي يذهب إليه كل فريق منهما في رفض التصميمات والأدوات البحثية التقليدية ذات الإنحياز الوضعي / الإمبيريقي , وسنشير فيما يلي إلى موقف كل فريق واتجاهاته العامة :


الاتجاه الأول : التوجه الجديد في البحثnew parading research :
ينادي أصحاب هذا الاتجاه باستبعاد المناهج أو الطرق الكمية quantitative methods وإحلال الطرق الكيفية محلها , ويشن هؤلاء أحياناً هجوماً شديداً على من يستخدمون الطرق الكمية ليتهموهم (( بسوء النية )) , وتبني قيم ميكانيكية , وبالإفلاس الفلسفي )) ( polkinghorne , 1991 : 106 ) أو يتهمون مناهجهم (( بالسطحية وضعف الصدق )) ( fry , 1981 : 146 ) , ويحبذ هؤلاء استخدام المداخل الفينومينولوجية phenomenological quantitative والتأويلية quantitative hermeneutical التي يرون أنها الأقرب للوصول إلى الحقيقة من خلال (( المعاني )) التي يضفيها المبحوثون على الواقع وعلى سلوكهم .

ويمثل هذا الاتجاه _ وبشكل متشدد _ ذلك الكتاب المرجعي الذي حرره (( بيتر ريزون وجون روان )) ( reason & rowan , 1981 ) , وجمعا بين دفتيه عدداً كبيراً من الإسهامات التي تصف أو التي تطبق المنهجيات الجديدة المنطلقة من ذلك الاتجاه الكيفي ( أو التي يرى المحرران أنها _ أكثر من ذلك _ تتجاوزه ) , مثل منهجية البحث بالمشاركة participative research , والمنهجية الباطنة endogenous research والمنهجيات الخبراتية methodologies endogenous والمنهجية الحوارية dialogical research , وغيرها من المنهجيات والأدوات التي تنظر في الجوانب الداخلية للخبرات الإنسانية الذاتية توصلا إلى تعميمات موضوعية , وذلك باعتبار أن تلك المنهجيات تمثل البديل الصحيح لمنهجيات الملاحظة من الخارج التي تفاخر بالالتزام بموضوعية مزعومة في الوقت الذي ( لا تستطيع فيه الوصول إلى الحقيقة الداخلية أصلاً ) كما تمثل هذا الاتجاه أيضاً إسهامات بحثية لاحقة حاولت تطبيق هذا الاتجاه وتعميقه في مجالات متنوعة . ( heron & reason , 1984 : reason & heron , 1986 : reason , 1994 : heron , 1996 ) .


الاتجاه الثاني : اتجاه التنوع المنهجي methodological diversity :
وهو اتجاه يقوم لا على استبعاد المناهج والطرق الكمية ولكن على استكمالها بالطرق الكيفية , وعلى الوجه الذي يعطي كل جوانب الحقيقة الواقعية , ويرى أحد مؤيدي هذا الاتجاه وهو (( بولكنجهورن )) أن (( السبب الأساسي في حاجتنا إلى التنوع المنهجي هو أن هناك مسائل تتصل بالخبرة البشرية والفعل البشري لا يمكن التوصل إلى إجابات عنها باستخدام الطرق التقليدية , وإضافة إلى ذلك فإن التطورات الحديثة في فلسفة العلوم . تتطلب قيام العلوم المعنية بدراسة الإنسان بتبني مجموعة متنوعة من المناهج أو الطرق التي تلزمها في عملية بناء قواعدها العلمية )) ( polkinghorne , 1984 : 104 ) , كما يضيف في موضوع آخر قوله : إنه (( لا تعارض هناك بين الطرق الكمية والكيفية , بل إنهما نوعان مختلفان من الطرق البحثية , وهما يشتركان في الإلتزام بتطوير مقترحات لتحصيل المعرفة تقوم على الفحص المتعقل والمتدبر للبيانات الامبريقية وتعريض مايتم التوصل إليه للنقد والإختبار من جانب مجتمع العلميين )) ( p. 112 ) , وبطبيعة الحال فإنه ينبغي أن يكون واضحاً أن أصحاب الاتجاه الكيفي يرون أن المعاني التي يعبر عنها المبحوث ( أو الشريك في البحث co_researcher حسب اصطلاحهم ) تعد ذات وجود إمبيريقي واقعي لايقل في مشروعية اعتباره هدفاً للدراسة العلمية عن السلوك الخارجي .

وفي هذا السياق فإن (( جيرجين )) ( gergen , 1985 ) قد عقد مقرنه بين (( المنهجية الامبريقية التقليدية التي تقوم على اعتبار الخبرة ( الحسية ) المحك النهائي لموضوعية حيث قال : إن الفروض يمكن قبولها أو دحرها عن طرق البيانات المستمدة من المشاهدة ( الحسية ) وبين التوجه البنائي أو التركيبي constructionism الذي (( يثير عدداً من التساؤلات حول مسألة المفاهيم المستمدة من الخبرة وكذلك حول البيانات الحسية , مثلاً ما الأساس الذي تستند إليه تلك المصادر ( في الزعم ) بأنها تتضمن الوصول إلى الحقيقة ؟ أليس تقرير الباحث عن خبرته عبارة عن بناءات لغوية موجهه ومتشكلة بأعراف التواصل البشري المتأثر بظروفه التاريخية ؟ )) ثم يقرر بعد ذلك أن الاتجاه البنائي ( أو التركيبي ) لا يعترف بفكرة (( إثبات الحق من خلال الطرق البحثية )) truth through method , فلقت أفتتنت العلوم ردحاً من الزمن بوهم أن التطبيق الدءوب للطرق البحثية لابد أن يسفر عن حقائق صادقة _ (( كما لو كانت الإجراءات المنهجية الامبريقية بمثابة مفرمة اللحم مهمتها تصنيع الحقيقة كتصنيع المفرمة لأنواع المقانق )) , ويشير إلى أن عدداً من العلماء قد أثبتوا أن هذا الإفتتان لايقوم على أساس موثوق , كما وجد أن ذلك الشعور بالأمان ( من خلال الأدوات والطرق ) لا ينهض على أسس متينة .
غير أن (( جيرجين )) يتساءل من جهة أخرى عمى إذا كان الاتجاه البنائي ( أو التركيبي ) يقدم لنا معياراً بديلاً للصدق يصلح ليكون محكاً للحكم بمطابقة البيانات الكيفية الواقع , ويرى أنها لم تقدم محكاً بديلاً , ولكنه يعود ليشير إلى أن ذلك لايعني رفض الاتجاه البنائي ( أو التركيبي ) للطرق البحثية الازمة لتمحيص النتائج , فذلك الاتجاه باعتباره (( يؤدي إلى فهم سلوك الكائنات ( البشرية ) فإن الطرق البحثية يمكن أن تستخدم للتوصل إلى الاقتراب من الموضوعية أو إلى تقديم صورة إيضاحية تستخدم لزيادة الاستفادة من النتائج العلمية للبحث , وبهذا المعنى فإن بإمكاننا استخدام أي منهجية طالما كانت تمكن الباحث من تأييد موقفه , فإذا كان لبعض الطرق جاذبيتها المستمدة من استخدام عينات كبيرة فإن بعضها الآخر قد يكسب جاذبيته من نقائه , أو من حساسيته للفروق الدقيقة , أو من قدرته على النفاذ إلى العمق )) كما يقول ( p . 273 ) .

أما (( فورد )) ( ford , 1984 : 464 ) فإنه يلخص آراء بعض أصحاب التوجه الجديد بقوله : إنهم يرون أنه (( بمقرنة النتائج التي نتحصل عليها من عدد من التجارب التي تجري على الأفراد أو من دراسات الحالات يمكن تحيد أوجه الاتفاق وأوجه الاختلاف بين الحالات الفردية )) , كما يبين أن أصحاب هذا التوجه يركزون على المتغيرات التي تتصل (( بالخبرات الخاصة )) للأشخاص الذين تجرى عليهم الدراسة والتي لا يمكن أن يلاحظها إلا هم أنفسهم , ولكن لما كان المبحوثون بشراً (( قادرين على توجيه سلوكهم self-directing فإنهم يقررون ماذا يفشون وماذا يخفون وماذا يحرفون في تعبيرهم عن تلك الخبرات , ولهذا فإن إجراءات جمع البيانات ينبغي أن تصمم وتنفذ بوصفها جهداً تعاونياً collaborative بين الباحث والمبحوث إذا أردنا الحصول على بيانات صادقة )) .

وبين (( فورد )) أن النظرة الميكانيكية التقليدية للإنسان قد ارتبط بها وجود اهتمام كبير (( ببلورة وصقل التصميمات البحثية والأساليب الإحصائية التي تلائم هذه الوجيهة الميكانيكية )) فرأينا التصميمات التجريبية التي تحاول الوصول إلى العلاقات السببية بين المتغير المستقل والمتغير التابع , ورأينا اهتماماً بالأساليب الإحصائية الملائمة لدراسة تلك العلاقات السببية مثل تحليل التباين المتعدد ( manova ) , ولما كانت تلك الأساليب الإحصائية قد طورت في الأصل لخدمة التوجه الميكانيكي فإنها قد أقيمة على أساس افتراض أن العلاقات تتسم بالخطية والتجميعية والاستقلال
Linearity , additivity , independence ثم يتساءل عما يكون عليه الحال إذا وجدنا _ ما وجده عدد من العلماء بالفعل _ أن هذه الافتراضات لا تصدق في دراسة البشر , فإذا وجدنا مثلاً أن المتغيرات لاتدخل في علاقات تتخذ شكل سلاسل سببية خطية بل هي شبكة من العمليات السببية المتبادلة , هنا لابد لنا من (( تصميمات بحثية مختلفة وطرق مختلفة للقياس ونماذج رياضية مختلفة تلائم تحليل هذا النوع من البيانات )) ( p . 465 ) , ثم ينتهي على التأكيد إلى التأكيد على أنه لابد من اختيار وإيجاد طرق بحثية جديدة تلائم طبيعة الظواهر المدروسة , ويقرر أننا نعيش (( فترة من الزمن تشهد تطورات وتحولات مثيرة في جوانب عديدة في محيط العلم , غير أننا لا نستطيع التنبؤ بما ستسفر عنه تلك التحولات )) .

ومن الواضح أن المطالبين بمقاربة مناهج العلوم الاجتماعية مع التصور الإسلامي يتفقون تمام الاتفاق مع تصور (( فورد )) للموقف فيما يتصل بالتصميمات المنهجية والأدوات البحثية وفي دعوته إلى بلورة تصميمات وأدوات جديدة قادرة على سبر أغوار الجوانب الروحية والخبرات الذاتية للمبحوثين بكفاءة , وإذا كانت التصميمات والأدوات التقليدية قد احتاجت أكثر من قرن من الزمان لتتبلور وتصل إلى المستوى الحاضر من الضبط , فإننا نتوقع أن تحتاج التصميمات والأدوات الجديدة بعض الوقت أيضاً ليتم بلورتها وصقلها على الوجه المطلوب , ولكن هذا يتطلب أولاً وقبل كل شيء جهوداً جماعية وفردية ومؤسسية كافية يتم فيها تكريس الجهود لهذا الهدف , فهذا فوق أنه واجب علمي فإنه في الوقت ذاته واجب ديني يؤجر المرء عليه إذا صح التوجه وخلصت النية لله عز وجل , وتلك خاصية يتميز بها التصور الإسلامي عن غيره غاية التميز , فالباحث _ إذا كان متوجهاً لله بعلمه وعمله فله جزاء الحسنى في الدنيا والآخرة , وأما من كان همه الدنيا فله ما أراد في الدنيا ( إذا شاء الله ) وليس له في الآخرة من نصيب . ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .


هذه الدراسة منقولة من كتاب ( مذكرة ) بعنوان النظرية السياسية التحليلية وعنوان هذه الدراسة هو ( العلوم الاجتماعية : الوضع الراهن وآفاق المستقبل ) الدكتور محمد الحارثي أستاذ العلوم السياسية بجامعة الملك سعود .

منقول بيد : إبراهيم الفيفي متخصص في العلوم السياسية











المصادر :

_ إبراهيم عبد الرحمن رجب ( 1996 ) . والتأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية . الرياض : دار عالم الكتب .
_ إبراهيم عبد الرحمن رجب ( 1993 ) . المنهج العلمي للبحث من وجهة إسلامية : المسلم المعاصر , العدد 68/67 , فبراير_ يونيو .
_ أحمد خضر ( 2000 ) . اعترافات علماء الاجتماع : عقم النظرية وقصور المنهج . لندن : المنتدى الإسلامي .
_ أجروس روبرت , وجورج ستانسيو ( 1984, 1989 ) . العلم في منظوره الجديد . ترجمة كمال خلايلي , الكويت : المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب .
_ توماس كوهن ( 1986 ) . بنية الثورات العلمية ( 1970 ) , ترجمة علي نعمة , بيروت : دار الحداثة .
_ سهير لطفي ( محرر ) ( 1998 ) . إشكالية العلوم الإجتماعية في الوطن العربي . القاهرة : المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية ,ط2
_ محمد ياسر الخواجة ( 2001 ) . إشكالية التعدد المنهجي واستخدامها في علم الاجتماع . مجلة العلوم الإنسانية , البحرين , العدد4 , صيف 2001 .
_ مركز دراسات الوحدة العربية ( 1986 ) . نحو علم الاجتماع عربي : علم الاجتماع والمشكلات العربية الراهنة . بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية .
_ نبيل محمد توفيق السمالوطي ( 1975 ) . الأيديولوجيا وأزمة علم الاجتماع المعاصر : دراسة تحليلية للمشكلات النظرية والمنهجية . الإسكندرية : الهيئة المصرية العامة للكتاب .

_Abrahamson , m. ( 1983 ). Social research methods . Englewood cliffs , new jersey : prentice-hall
_ bailey,k.( 1987 ) . methods of social research . new york : ferr press.
Bohman, j . ( 1991 ) . new philosophy of social science . Cambridge : polity pres.
_ capra , f . ( 1983 ) . the turning point : science , society and the rising culture . London : flamingo .
_catton , w.r. ( 1983 ) . need for anew paradigm . sociological perspectives , 26 (1 ) : 3-15 .
_ dawis , r. v . ( 1984 ) . of old philosophies and new kids on the blok . journal of counseling psychology , 31 , ( 4 ) : 467-469 .
_ Dixon , k . ( 1973 ) . sociological theory : pretense and possibility . London : routledge & kegan paul .
_ dubin , r . ( 1978 ) . theory building . new york : free press .
_ fay , b . ( 1996 ) . contemporary philosophy of social science . Cambridge , Massachusetts : black well .
_ feigl , h . ( 1975 ) . positivism and logical empiricism . in encyclopedia Britannica 15 ed . , vol . 14 : 877-883.
_ ford , d . h . ( 1984 ) . reexamining guiding assumptions : theoretical and methodological implications . journal of counseling psychology , 31 , ( 4 ) 461-466 .
_ fey , Gerald , et al . ( 1981 ) . merging guantiative ang qualitative research techniques : toward a new research paradigm . anthropology & education quarterly , 12 ( 2) : 145-158.
_ gergen , k . j . ( 1985 ) . the social constructions movement in modern psychology . American psychologist , 40 ( 3) : 266-275 .
_ hage , j . ( 1972 ) . techniques and problems of theory construction . new york : jojn wiley .
_ heron , j . ( 1996 ) . cooperative inquiry : research into the human condition . London : sage .
_ heron j . , & peter r. ( 1984 ) . new paradigm research and holistic medicine . british journal of holistic medicine , 1 ( 1 ) , 86091 .
_ humans , g ( 1980 ) . discovery and the discovered in social theory . in Herbert blalock , ( ed ) , sociological theory and research , new york : free pre : s .
_ hoover , k . ( 1980 ) . the elements of social scientific thinking . new york : st . martin .
_ howard , g . ( 1985 ) . the role of values in the science of psychology . American psychologist , 40 , ( 3 ) : 259 .
_ Johnston , b ( 1990 ) . integralism and the reconstruction of society : the idea of ultimate reality and meaning in the work of pitrim sorokin : ultimate reality and meaning , 13 , ( 2 ) : 96-108
_ jonassen , d . h . ( 1991 ) . objectivism verus constructivism : do we need a new philosophical paradigm ? educational technology research & devel-opment , 39 , ( 3 ) : 5-14 .
_ kerlinger , f . ( 1979 ) . behavioral research . new york : holt , rienhart & Winston .
_ kimble , g . a . ( 1984 ) . psychology s two cultures . American psychologist , 39 , ( 8 ) : 833-839 .
_ levi , a w . ( 1975 ) . history of western philosophy . in : encyclopedia Britannica , 15 ed ., vol . 14 : 257-274 .
_ polkinghorne , d . e . ( 1991 ) . further extensions of methodological diversity for counseling psychology . journal of counseling psychology , 31 , ( 4 ) : 416-429 .
_ ravetz , j . r . ( 1975 ) . history of science . in : encyclopedia Britannica , 15 ed ., vol . 16 : 366-375 .
_ reason , p . ( 1994 ) . participation in human inquiry . London : sage .
_ reason , p . , & john h . ( 1986 ) . the human capacity for intentional self-healing and enhanced wellness . holistic medicine , 1 , ( 1 ) 123-134 .
_ reason , p . ( 1984 ) . reflections on sacred experirnce and sacred science . journal of management inquiry , 2 , ( 3 ) : 273-283 .
_ reason , p , . & john r . ( eds . ) , ( 1981 ) . human inquiry : a source book of new paradigm research . new york : john wiley .
_ robbins , s . p ., et al . ( 1998 ) . contemporary human behavior theory : a critical perspective for social work . boston allyn & bacon .
_ semabeikian , p . ( 1994 ) . our clients , ourselves : the spiritual perspective and social work practice . social work , 39 : 178-183 .
_ sorokin , p . a . ( 1992 ) . ( orig . 1941 ) . the crisis of our age . oxford : oneworld publications , 2 ed .
_ sorokin , p a . ( 1957 ) . social and cultural dynamics ( 1985 ed ) . new Brunswick , nj : transaction publishers .
_ sperry , r . w . ( 1991 ) . in defense of mentalism and emergent interaction . the journal of mind & behavior , 12 ( 2 ) : 221-246 .
_ sperry , r . w . ( 1988 ) . psychology s mentalist paradigm and religion / science tension . American psychologist , 43 , ( 8 ) : 607-613 .
_ stent , g . ( 1975 ) . limits to the scientific understanding of man . science , 187 : 1052-1057 .
_ stromberg , r . ( 1981 ) . European intellectual history since 1789 . Englewood cliffs , new jersey .
_ toulmin , s . e . ( 1975 ) . philosophy of science . in : encyclopedia Britannica , 15 ed . , vol . 16 : 376-393 .
_ turner ,j . ( 1978 ) . sociology . santa monica , California : good-year .
_ tudor , a . ( 1982 ) . beyond empiricism . London : runtledge & kegan paul .
_ Wallace , w , l . ( ed. ) ( 1969 ) . sociological theory . London : Heinemann .
_ Zimmerman , c. ( 1968 ) . sorokin : the world s greatest sociologist . Saskatoon : university of Saskatchewan .
مقدم في إبريل 2001
أنجز في : إبريل 2002
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تنمية مهارات الكفاءة الاجتماعية . قطر الندي وردة منتدى العلوم والتكنولوجيا 2 28-11-2010 07:07 PM
الإجهاد النفسي للمعلم و مدى علاقته بمستوى أدائه قطر الندي وردة منتدى العلوم والتكنولوجيا 4 24-11-2010 10:49 PM
تنمية مهارات الكفاءة الاجتماعية والأخلاقية للمعلم قطر الندي وردة منتدى العلوم والتكنولوجيا 0 23-10-2010 10:41 PM
تنمية مهارات الكفاءة الاجتماعية والأخلاقية للمعلم قطر الندي وردة منتدى العلوم والتكنولوجيا 2 02-04-2010 08:18 PM
التعلم البنائي قطر الندي وردة منتدى العلوم والتكنولوجيا 0 22-03-2010 09:10 PM


الساعة الآن 10:09 PM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2018 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com