عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات العلمية > منتدى العلوم والتكنولوجيا

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 10-08-2002, 10:22 PM
مجموعه انسان مجموعه انسان غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Aug 2001
المشاركات: 700
Question " صدام " هل يدمر المنطقه اذا ضرب ؟؟




المحللون في الولايات المتحدة يرون ان اسواق النفط تواجه احتمالات عدة في حال توجيه ضربة اميركية الى العراق قد تزعزع استقرار حكومات الدول المصدرة للنفط او تؤدي الى قطع الامدادات النفطية او حتى تدفع الرئيس العراقي صدام حسين الى تدمير آبار النفط في الدول المجاورة .. فاي ضربة توجه الى العراق من شأنها، في نظر ((فيليب فرليجر الخبير في مجلس العلاقات الخارجية)) اما ان تزعزع حكومة او اكثر من حكومات الدول المصدرة للنفط او ان تتسبب بانخفاض اسعار النفط على فترة طويلة او انها تؤدي على العكس الى قطع الامدادات .. كذلك يتوجب الاخذ بالحسبان ردة فعل الرئيس العراقي صدام حسين الذي قد يسعى على سبيل المثال الى تدمير ابار الدول المجاورة مثل الكويت او السعودية مما سيؤدي الى وقف العرض والى ارتفاع كبير في اسعار النفط في السوق العالمية ..
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 10-08-2002, 10:56 PM
بصراحــة بصراحــة غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jun 2002
المشاركات: 35
افتراضي عزيزى العاقل

لقد بات واضحاً الآن أن القضية الأساسية التى تهيمن على مجريات الأحداث و التي توليها الولايات المتحدة و الدول الكبري بل و الدول العربية أيضاً اهتماماً أكبر ليست ((غزة أولاً )) بل (( بغداد أولاً ))!!!!!
علماً بأن ليس هناك من يستطيع القول بأن ضرب العراق قد أصبح قضية محسومة و نهائية ،، فالرئيس الأمريكي يتحدث بلهجة المصر على ضرب العراق و الأطاحة بالنظام العراقي ،، إلا أنه ينهي حديثه بكلمة أو أكثر يبدي فيها بعض المرونة التي قد تتيح له التراجع مراعاة للأنتقادات الدولية و العربية بل و الأنقسامات داخل الأدارة الأمريكية و المجتمع الأمريكي نفسه و ذلك حينما يتحدث عن (( الصبر و التشاور ))‍‍‍!!!!
على كل حال الأيام كفيلة بأزاحة الستار عما يتم تخطيطه الآن لتقسيم العراق
..
..
و تحياتي
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 11-08-2002, 01:22 AM
مجموعه انسان مجموعه انسان غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Aug 2001
المشاركات: 700
افتراضي

اقتباس:
على كل حال الأيام كفيلة بأزاحة الستار عما يتم تخطيطه الآن لتقسيم العراق
نعم اخي الكريم بصراحه .. ولكن نحن لانحب المفاجات المزعجه لذا ينبغي
توقع اي أمر من صدام في هذه الفتره .. واعتقد انه لن يمرر عمليه ابعاده عن السلطه
بدون جريمه عظمي في حق الشعب العراقي او المنطقه عموما
تحياتي لك ..
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 11-08-2002, 01:25 AM
ROMANTIC ROMANTIC غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jun 2001
المشاركات: 142
افتراضي

نحن نتوقع من صدام كل شي فهو صاحب سوابق خطيره في المنطقه ودمر آبار النفط الكويتيه خلال انسحابه من الكويت .
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 11-08-2002, 01:55 AM
افراح افراح غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Jul 2002
المشاركات: 1,847
افتراضي

كل شي متوقع من صدام وتبقى التكهنات والاحتمالات واردة .. ولكن لا اعتقد في حال قيام الضربة ان صدام يسيتطيع ان يفعل شيئا .. فهو محاصر عسكريا والقوى الكبرى ستتعامل معه على اساس هذه الاحتمالات وبالتالي لن تعطيه فرصه لارتكاب حماقة او جريمة اخرى

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 11-08-2002, 02:14 AM
مجموعه انسان مجموعه انسان غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Aug 2001
المشاركات: 700
افتراضي

اقتباس:
باقتباس من مشاركة ROMANTIC
نحن نتوقع من صدام كل شي فهو صاحب سوابق خطيره في المنطقه ودمر آبار النفط الكويتيه خلال انسحابه من الكويت .
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 11-08-2002, 03:04 AM
الوافي2000 الوافي2000 غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Aug 2002
المشاركات: 40
افتراضي

الله يهديكم هو اصلا عند العراق اسلحه علشان يقدر يرد
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 11-08-2002, 03:12 AM
متملق متملق غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Apr 2002
المشاركات: 745
افتراضي

منقول من العام


اقتباس:
باقتباس من مشاركة البدر الساطع
عباد الله اقرأوا ما يقوله الأنجاس من كلاب الروافض عما حصل في أفغانستان
كتب هذا الموضوع رافضي خبيث في منتدى خبيث وقذر من منتدياتهم الخبيثة

(اذهب إلى آخر تعقيب غير مقروء
شبكة هجر الثقافية واحة الحوار المعاصر فيما كانت الفئران تهرب الى جحور قندهار كنت احتفل أنا في البحرين على انغام الموسيقى
الكاتب الموضوع
مجموعة انسان
عضو متميز

سجّل في: May 2000
المشاركات: 1090
( حرر في: 16-11-2001 م 06:12 PM )

--------------------------------------------------------------------------------

احتفلت وبعض الاصدقاء في دولة البحرين وبطريقتنا الخاصة جدا بهزيمة طالبان وأذنابهم من الباكستانيين وفئرانهم العرب تلك البهائم الهائمة دون هدى .

احتفلنا وعلى أنغام الموسيقى .
إنها هزيمة طالبان ...... يالا الروعــة .

لم يحالفني الحظ لأعيش لحظات هزيمة بني عثمان ولكن الله سبحانه تعالى وفقني لأعيش لحظات سحق طالبان كالفئران القذرة .

ولم ينقص من نشوتي العارمة سوى خبر نجاة تيسير طالباني من قصف الأمريكان .

آه لو كان هذا القبيح أول الأفغان العرب المسحوقين كالفئران بأقدام تحالف الشمال .

في الحقيقة كنت أتمنى أن يقع في قبضة التحالف الشمالي أو سكان كابل ليتذوق طعم المعاناة والعذاب على يد من كان يكذب في حقهم ليل نهار بتحاليله وتقاريره وعنصريته وطائفيته التي كانت تفوح رائحتها النتنه .

ذهبت انا وبعض الاصدقاء الى دولة البحرين الجميلة وكان كل حديثنا اثناء الطريق هو الشأن الافغاني وكيف ستصبح الامور .

لم يخفي احدنا تخوفه من تكرار تجربة تحالف الشمال عندما كان في كابل ولكننا اتفقنا على انه مهما كانت الامور فكابل خير لها ان تكون تحت سلطت متخاصمين يملكون قابلية التحاور فيما بينهم من ان تكون تحت سلطة طغمة حاقده متخلفه لا تفقه غير فرض ارادتها على الآخرين .
سلطة هي في شكلها افغانية ولكنها في الحقيقة باكستانية بشتونية وعربية اجرامية هاربة من القانون .

كل شيء كان جميلاً لي من خلال شاشات التلفزيون .
حتى منظر ذلك الافغاني الذي كان يركل جثة أحد الطالبانيين ، كان منظراً جميلا بالنسبة لي .

وجثة ذلك الباكستاني المرمية تحت الشجرة بعد أن ظفر به السكان العاديين و أردوه قتيلاً برصاصات أصابته وهو فوق الشجرة حيث يطلق عليهم النار من كلاشنكوف كان في حوزته .

ومنظر ذلك المصري الذي القي عليه القبض وهو يحاول الفرار بسيارة من كابل وكان يحاول اخفاء وجهه عن كامرات التصوير .
كانت علامات الخوف والهلع واضحه على ملامح وجهه لأنه يعلم الذنب والاثم الكبير الذي اقترفه بحق هذا الشعب المسكين عندما شارك في قهره وسحقه والتحكم في ارادته لذلك كان من الطبيعي أن يكون خائفاً .

لم أرى أي حرمه لهؤلاء حتى وهم جثة هامدة .
قرأت للبعض هنا ما معناه أن من يفرح لهزيمة طالبان فهو كمن يقف مع الامريكان .

لأقول له ان كان هذا التصور الأبله صحيح فالأصح هو أن من لا يفرح لهزيمة طالبان فهو كمن يقف ضد فرحة ومصلحة الشعب الافغاني .
وكمن يدوس على حقوق من سحقتهم طالبان .

وعودة الى تيسير طالباني .
مما ورد على لسان تيسير التالي :
( وعند الساعة 11 سمعنا في اللاسلكي يقولون انسحبوا من كابل انسحبوا فورا وانسحبنا ولم نكن نعرف إلى أين ننسحب؟". ))

وأنا اقول :
الى جهنم وبئس المصير .
الى حيث حط رحلهم امثالك من فئران التاريخ .
الى حيث ذهبت فئران طالبان من كل جنسية .
ولكن ستلاحقون في جحر تدخلونه وأول من سيلاحقكم هم الشعب الافغاني رجاله ونسائه واطفالة وشيوخه .

والسؤال :
لو لم يكن يعلم نوع وحجم جريمته فلماذا ينسحب مع المنسحبين ؟
ألم يكن صحفياً ؟
اذاً لماذا لم يبقى ليصور للعالم لحظات دخول التحالف ولينقل للعالم كيف فرح أهالي كابل بهروب فئران طالبان من المدينة ؟
ربما كان الكلام في اللاسلكي موجها الى كل الطالبانيين لذا فهو فهم من الكلام أنه معني بمه .
وسيصيبه ما اصاب طالبان وفئرانها الهاربه الى جحور قندهار .

في صحة الحبايب ...... والطالبانيين لا . ))


منقول شبكة الفجر
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 11-08-2002, 10:23 AM
ديما ديما غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Mar 2002
المشاركات: 30
افتراضي

أسرار حرب الخليج

خرج العراق من الحرب مع إيران قوياً ولكن مستنزف الموارد وكان لا يزال أقوى دولة في المنطقة: 55 فرقة مقابل عشر فرق عام 1980 مليون جندي مدرب تدريباً جيداً 500 طائرة و5500 دبابة.
عندما بدأت الحرب كانت لديه مدخرات قدرها ثلاثون بليوناً من الدولارات. وعندما انتهت كانت ديونه قد بلغت مئة بليون دولار.
ولهذا السبب لم يترك صدام حسين مناسبة واحدة إلا واغتنمها ليقوم بابلاغ جميع زواره الأجانب الذين كان يستقبلهم في قصره الفخم وسط بغداد أنه كان خلال الأعوام الثمانية الماضية " الدرع الواقي للأخوة العرب من التهديد الفارسي " وأنه يتوقع أن تقوم " أكثر الأقطار العربية ثراء وهي السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت بالعون والمساعدة في تسديد كامل ديوننا " .
في التاسع من آب عام 1988 ، غداة وقف إطلاق النار بين العراق وإيران أخذت الكويت قراراً بزيادة انتاجها النفطي مخالفة بذلك الاتفاقات المعقودة في اطار منظمة الأوبيك.
وقد تم التركيز الكويتي في تحقيق هذه الزيادة الانتاجية على آبار الرملية الواقعة في المنطقة الحدودية المتنازع عليها مع العراق والتي كانت موضوعاً في السابق لمناقشات دبلوماسية صاخبة.
واعتبر صدام حسين مبادرة الكويت إلى زيادة انتاجها من النفط استفزازاً وخيانة ومن شأنه أن يزيد أزمة زيادة الانتاج وانخفاض الأسعار حدة وأن يؤدي إلى انخفاض دخل العراق الذي يعتمد في 90 % من موارده على النفط بمقدار 7 بلايين دولار أو ما يساوي فوائد ديونه. وكان هذا بمثابة خنقه ببطء.
في العراق تتركز السلطات في شخص حاكم مطلق التصرف يعيش هوس أحلام السلطة والقوة.
تتربع إمارة الكويت على الثروة والوفرة حيث يتقاسم ما يوازي الألف من أفراد أسرة آل الصباح الحاكمة المناصب المختلفة إضافة إلى السلطة والأرباح وكأنهم أعضاء مجلس الإدارة في أي شركة من الشركات المزدهرة.
أما الاستثمارات الكويتية في الخارج فكانت تتجاوز 100 مليار دولار وتؤمن للإمارة حوالي 6 مليارات من الدولارات سنوياً، أي أكثر من عائدات البترول ذاتها.
المستفيدين من هذه العوائد 700000 شخص يحملون الجنسية الكويتية . أمام غير الكويتيين من فلسطينيين وإيرانيين وباكستانيين وغيرهم البالغ عددهم حول 1200000 شخص والذين يديرون اقتصاد البلاد فلم يكن نصيبهم منها إلا فتات الموائد.
والمال في الغالب يجعل صاحبه متعجرفاً أعمى البصيرة . وهذا هو ما أصاب زعماء الكويت وجعل بالتالي وقوع المأساة أمراً حتمياً . لقد عجزوا عن قراءة النذر بوقوعها فكانت الحرب المأساوية.

تدور تقارير الإدارة الأميركية عن الزعيم العراقي حول ثلاثة محاور رئيسية:
أولا: قدرته ورغبته في أن يصبح الزعيم الحقيقي للعالم العربي.
ثانياً: إعجابه الشديد بجمال عبد الناصر وسحر زعامته وحبه في أن يكون مثله.
ثالثاً: تقاربه مع الغرب.
وكانت النقطة الثالثة الأكثر أهمية فعندما هاجمت القوات العراقية إيران عام 1980 كان النظام البعثي يعتبر من أقوى حلفاء موسكو في المنطقة. وبعد توقيع اتفاقيات كامب ديفيد عام 1978 رئس العراق جبهة الرفض التي استهدفت عزل القاهرة ومعاقبتها على تقاربها مع الدولة اليهودية.
وفي ذلك الوقت كان العراق ملجأ لأكثر الجماعات الفلسطينية الإرهابية عنفا وفي مقدمتها أبو نضال ورجاله.
خرج العراق من حرب السنوات الثمانية مع إيران أقرب إلى الغرب من أي وقت مضى.
إذ كان اقتصاده أكثر ارتباطا بالأقطار الغربية منه بالاتحاد السوفييتي وفي ترسانة أسلحته من الغرب وخصوصاً من فرنسا لا تقل حجما عن الأسلحة السوفييتية.
ودفع هذا كله الأميركيين إلى المجازفة بأموالهم في العراق بوصفه قوة ضخمة تعمل على الاستقرار في المنطقة.



بداية الخداع الأمريكي للعراق :

استقبل صدام حسين جون كيلي بعد ظهر الثاني عشر من فبراير 1990 وكانت المقابلة هي الأولى مع أحد الرسميين الأميركيين منذ زمن بعيد.
وبادر المبعوث الأميركي مضيفة خلال تبادل التحيات بقوله : " انتم قوة اعتدال في المنطقة وتتمنى الولايات المتحدة إقامة أوثق العلاقات مع العراق ".
لقد سرّ صدام حسين بهذا الاطراء وغمره شعور بالفخر كما قال لدى سماعه ذلك وقام بعد ساعات من المقابلة بنقل ما دار فيها إلى عدد من زعماء الدول العربية وكان أول من اتصل به هاتفياً هو الملك الأردني حسين.
وبهذا أبلغ كيلي الرسالة الأولى من سلسلة طويلة من الرسائل المبهمة والمتناقضة التي سوف تكون لها نتائج خطيرة.

وفي 15 فبراير وبعد المقابلة بثلاثة أيام بثت اذاعة " صوت أميركا " برنامجاً قالت إنه يعكس وجهة نظر الحكومة الأميركية وأهابت فيه بالرأي العام العالمي أن يتحرك ضد الدكتاتوريين الذين يحكمون في مختلف اقطار العالم. وذكرت العراق وأدانت صدام حسين بوصفه أسوأ دكتاتور في العالم.
فغضب الرئيس العراقي غضباً شديداً ولم ينفع معه الاعتذار الذي قدمته واشنطن عبر سفارتها في بغداد ورفض قبول القول بأن إذاعة " صوت أميركا " قد تعبر عن رأي يخالف الرأي الرسمي وإذ جاء هذا الحادث بعد أطراء كيلي عليه مباشرة فقد اتخذه صدام دليلاً على أن الأميركيين يقومون بلعبة مزدوجة.
ومما رسّخ قناعته هذه قيام وزارة الخارجية الأميركية يوم 21 فبراير بنشر تقرير عن حقوق الإنسان خصّت العراق بعدد من صفحاته تجاوز 12 صفحة وصفت فيها الحكومة العراقية بأنها أسوأ منتهك لحقوق الإنسان وأشارت إلى ممارسة هذه الحكومة المتكررة للتعذيب والاعدامات السريعة دون محاكمة.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد لأن لجنة الشؤون الخارجية في الكونجرس الأميركي أرادت بعد صدور هذا التقرير تبني قرار يدين " العراق لخرقه الفاضح لحقوق الإنسان " مما دفع بإدراة الرئيس بوش إلى الاحتجاج على هذه الخطوة والحؤول دون تبنيها من قبل مجلس النواب.

وكشفت جميع هذه الاشارات المتناقضة عن أن الادارة الأميركية لم تكن مهتمة اهتماماً جديا بما يحدث في الشرق الأوسط وأن العراق والمنطقة ليسا بين أولوياتها. فالرئيس بوش وزملاؤه وعلى الأخص جيمس بيكر وزير الخارجية كانوا يركزون اهتمامهم وطاقتهم في الحوار الأميركي السوفييتي وفي تفجر الديمقراطية الرائع في أوروبا الشرقية.


تحذير صدام للعرب من الهيمنة الأمريكية على المنطقة بعد تراجع النفوذ السوفيتي واقتراح بديل آخر ( الهيمنة العراقية ) :

في 23 فبراير 1990 وصل صدام إلى عمان وبقي مسار الرحلة وموعد الوصول سراً حتى اللحظة الأخيرة. فخوفاً من الاغتيال ركب طائرة خاصة بلا إشارات مميزة.
أما الطائرة التي كان يستخدمها في الرحلات الرسمية فكانت قد هبطت في عمان قبل ساعات وعلى متنها زملاؤه وحرسه.
وعندما استقبله الملك حسين كان يبدو قلقاً ومتوترا وكان قد جاء إلى عمان للمشاركة في احتفالات الذكرى السنوية الأولى لمجلس التعاون العربي.
وفي حين أن الملك حسين كان يعلق آمالاً كبيرة على المجلس الذي كان يضم العراق والأردن ومصر واليمن فإن صدام حسين لم يكن يعيره اهتماما خاصاً.
والواقع أن لم تثر أيضاً اهتمام العرب والصحفيين الأجانب في عمان. ومما يذكر أنه لم يكن بوسع أحد عندئذ أن يتنبأ بما سيقال في الاجتماع وخصوصاً وراء الكواليس.
وألقى صدام خطاباً شديد اللهجة تنبأ فيه بأن تراجع قوة موسكو سوف يطلق يد الولايات المتحدة في الشرق الأوسط خلال السنوات الخمس القادمة على نطاق لم يسبق له مثيل.
قال: " ألا تقوم واشنطن الآن بمساعدة اليهود السوفييت على الهجرة إلى إسرائيل ؟ ألا تقوم كذلك بتسيير دورياتها في الخليج بالرغم من انتهاء الحرب العراقية الإيرانية ؟ "
وقال صدام في خطابه الذي أذيع من عمان بأن دوافع أميركا واضحة. قال : " إن البلاد التي ستمارس أكبر نفوذ في المنطقة وتهيمن على الخليج وبتروله سوف توطد تفوقها كقوة عظمى لا تُنافس. وهذا يبرهن على أن أهل الخليج وسائر العرب الآخرين في غفلة عما يجري وأن المنطقة ستحكم وفقاً لمشيئة الولايات المتحدة. وستقوم هذه بتحديد سعر البترول بشكل يخدم مصالحها لا مصالح الآخرين ".
كانت رسالة صدام لزملائه واضحة وهي أن هيمنة العراق على الخليج لا هيمنة الولايات المتحدة هي التي تخدم مصالح العرب على أفضل وجه.

غضب حسني مبارك عميل أمريكا في المنطقة من كلام صدام :

على أن ما قاله صدام أثار غضب الرئيس المصري حسني مبارك حليف أميركا الرئيسي في المنطقة.
فالقاهرة كانت تتلقى سنوياً من واشنطن أكثر من ملياري دولار على شكل مساعدات.
واقترح صدام في خطابه أن تسحب أرصدة البترول المستثمرة في الغرب لتغيير السياسة الأميركية.
وقال : " ليس هناك مكان بين العرب الأخيار للجبناء الذين يذهبون إلى أنه ينبغي أن يترك أمر اتخاذ القرارات لقوة عظمى هي الولايات المتحدة وأن على الجميع الرضوخ لها ".
خرج مبارك الذي اعتبر هذه الكلمات هجوماً شخصيا عليه من القاعة ولحق به الوفد المصري. وقال للملك حسين الذي بدت على محياه علائم القلق كان قد تبعه بعد وقت قصير : " لا يمكن السكوت على كلام كهذا . سوف أعود إلى مصر ".
وفي محاولته تلطيف الأجواء اقترح الملك حسين تنظيم لقاء مع الرئيس العراقي لازالة سوء التفاهم.
فرفض مبارك أول الأمر هذا الاقتراح بشدة ثم عاد واقتنع بالحجج التي قدمها الملك الأردني.
وهكذا اجتمع الثلاثة مساء 24 في القصر الهاشمي حيث كان الملك حسين يقطن قبل مصرع زوجته الملكة عالية إثر حادث تحطم طائرة هليكوبتر.
كان جو اللقاء متشنجاً شديد الوطأة وبدل أن يحاول صدام حسين تهدئة الأمور أعلن مطالب محددة وتكلم بلهجة لا مجال للمسايرة فيها وأشار إلى 30 مليار دولار من الديون التي كانت العربية السعودية والكويت قد منحتها للعراق خلال الحرب مع إيران.
وقال : " إذا لم يلغوا تلك الديون ويقدموا لي 30 مليار دولار إضافية سوف أقوم بالانتقام ".
ولما استبد الغضب بمبارك قال: " إن مطالبك غير معقولة وسوف تخلق متاعب كثيرة ".
ثم خرج من الاجتماع وعاد إلى القاهرة. فاضطر الملك حسين إلى الغاء اليوم الثاني من مناقشات المجلس.
على أن خطاب صدام أثار موجة عارمة من الاعجاب والاستحسان لكنه في الوقت ذاته أثار القلق وخصوصاً في الكويت والسعودية اللتين كانتا تخشيان قيام بغداد بهجوم مباغت بالصواريخ يتبعه اجتياح شامل أو القيام بسلسلة من الأعمال الارهابية تستهدف أفراداً من الأسرتين المالكتين.


بداية الاستنجاد بالاستخبارات الأمريكية ( الشكوى لغير الله مذلة ) :

وفي الرياض بادر المسؤولون السعوديون إلى الإتصال بشعبة وكالة الاستخبارات المركزية فيها وأبلغوها تهديدات صدام حسين.
وقامت هذه الشعبة بدورها بنقل المعلومات إلى مركز القيادة العامة في لانغلي قرب واشنطن.
ولكن لم يصدر أي رد فعل من الادارة الأميركية. وكانت النتيجة العملية الوحيدة هي قرار وكالة الاستخبارات المركزية بوضع العراق تحت الرقابة الدائمة وتكثيف عملية جمع المعلومات حوله.
وقد واجهتها في تحركها هذا صعوبة الركون إلى مصادر معلومات جديرة بالثقة.
لأن السيطرة التامة على قنوات السلطة في بغداد كافة كانت معقودة بحزم لصدام حسين ولأفراد أسرته عن طريق البوليس السري الذي يتمتع بحضور كثيف وفعالية كبيرة.
وكان وليم كيسي مدير وكالة الاستخبارات المركزية في عهد ريغن قد اعترف بأنه ليس للوكالة عميل ماهر واحد في العراق وأن الوضع لا يزال على حاله.


سوء الوضع الاقتصادي للعراق :

وفي تلك الأثناء كانت العواصم العربية الرئيسية تتداول تقريراً سرياً حول الوضع الاقتصادي في العراق وضعه مصرفين من أصحاب النفوذ في الشرق الأوسط.
يستهل المصرفي تقريره بالتذكير بالفترة من 1972 إلى 1980 ـ أي السنة التي شهدت بداية الحرب ضد إيران ويشير إلى ارتفاع عائدات البترول العراقية فيها من مليار إلى 25 مليار دولار. ويضيف أن الوضع في بداية 1990 لم يكن يبشر بالخبر . ثم يقول :
" إن صورة السبعينات البراقة تلاشت وحل محلها وضع اقتصادي مظلم وخراب واسع في جميع أنحاء البلاد وضياع الأمل بالنسبة للأجيال القادمة ".
ترى هل هناك ما يمكن عمله لتغيير هذا الواقع المؤلم ؟ يحزنني أن أقول إنه في ظل الحكومة الحاضرة لا بد وأن يسير الوضع من سيء إلى أسوأ ".
ثم يشير صاحب التقرير إلى أن تراكم الديون وعجز بغداد حتى عن دفع فوائدها " سوف يحمل الحكومة على انتهاج سياسة متهورة خطرة فتقبل على الاستدانه بفائدة تبلغ 30 % في السنة ".
ويكشف التقرير عن حقيقة تثير الدهشة وهي أن العراق كان في عام 1989 أكبر مستفيد في العالم من " برنامج المجتمع الأميركي لتقديم التسهيلات المالية " الذي يستهدف بيع المنتجات الزراعية الأميركية في الخارج.
ولعل أكثر فقرات التقرير أهمية هي الفقرة الأخيرة التي تنبأت بكثير من وضوح الرؤية بوقوع ما وقع بالفعل.
فقالت " إن صدام حسين يدرك الآن تماماً حقيقة وضعه المالي ". فما هي الخيارات المتاحة له في العراق ذاته ؟ إنها محدودة جداً.
لكن الكويت موجودة دائماً على بعد أمتار من حشود قواته المرابطة على شط العرب. والعراق بحاجة إلى منفذ إلى مياه الخليج المفتوحة.
وكانت هناك دلائل على المصاعب التي تواجهها بغداد في كثرة من مشروعاتها الطموحة والمتعثرة مثل بناء شبكة من الطرق تحت أرض بغداد ومن أكثر من 1800 ميل من السكك الحديدية وبناء سدين مائيين الكترونيين.

إحساس الملك حسين بالخطر من زوال ملكه من على الخارطة :

وهناك مراقب آخر للخلافات المتفاقمة داخل " الأسرة العربية " التي كان صدام كثيراً ما يشير اليها في خطاباته وأحاديثه الخاصة وهو الملك حسين ، فخلال حكمه الذي امتد 37 عاما ولفت الأنظار بضعفه من ناحية وبقدرته على البقاء من الناحية الأخرى كان اكثر إحساساً من أي شخص غيره بالمؤشرات التي تنذر بالأزمات الوشيكة.
كان يدرك أن تعرض المنطقة لهزة سياسية أخرى قد تعرض وجود بلاده ذاته للخطر.
فالأردن الذي يضم ثلاثة ملايين من السكان ـ 60 % منهم من الفلسطينيين ـ ويفتقر إلى الموارد يمكن إزالته عن الخريطة بسهولة.
وقال الملك حسين لأحد زائريه بصوت رزين لا أثر فيه للانفعال :
" إنني أشعر بتزايد التوتر على نحو شبيه بما حدث قبيل حرب عام 1967 . ولم أشعر خلال السنوات الأربعين الماضية بأن المنطقة بلغت مفترق الطرق الذي تشهده الآن ".
وكان الملك حسين يتحدث ووراءه صورة لصدام حسين.
كان الرئيس العراقي حليفا وفي الوقت ذاته مصدر قلق للملك حسين إذ كان شريكاً لا يمكن للأردن الضعيف أن يسيّره وزعيماً قد يزعزع توازن القوى الهش في المنطقة بطموحاته المعلنة.
وبعد فشل لقاء عمان في 24 فبراير اقترح الملك على الرئيس العراقي أن يقوم بنفسه بجولة تشمل دول الخليج في محاولة منه للسعي إلى اتفاق بين الكويت والعربية السعودية والعراق.
وبالفعل قام في 26 فبراير برحلة استغرقت ثلاثة أيام وشملت مختلف عواصم المنطقة وأجرى خلالها محادثات مكثفة مع الزعماء الخليجيين ثم عاد إلى عمان في الأول من آذار منهوك القوى.
وفي صباح الثالث من آذار اتصل به صدام حسين وقال : " الطائرة في طريقها إليك أنا في انتظارك ببغداد ".
اجتمع الرجلان أربع ساعات قدم خلالها الملك حسين تقريراً مفصلاً عن جولته وسرعان ما تبين ان المفاوضات وصلت إلى الطريق المسدود لأن الملك الهاشمي لم يتلق أي اشارة إيجابية من زعماء الخليج فيما يتعلق بأهداف صدام حسين الثلاثة:
تسوية الخلافات الحدودية مع الكويت وبالأخص حقول الرملية الغنية التي تقع في المنطقة المتنازع عليها.
الموافقة على تأجيره جزيرتي وربة وبوبيان اللتين تؤمنان له منفذاً على الخليج.
تسوية مشكلة الديون المتراكمة على العراق خلال الحرب مع إيران.
وأبلغ الملك حسين الرئيس العراقي أن أمير دولة الكويت يرفض المفاوضات المباشرة حتى يعترف العراق رسمياً بسيادة واستقلال الكويت. ومن الجدير ذكره هنا ان حكومة بغداد كانت قد اعترفت عام 1963 باستقلال الكويت إلا أن مجلس الثورة لم يلبث أن الغى هذا القرار.
لم يظهر الغضب على وجه صدام حسين الذي كان جالساً على كنبة واسعة ومريحة ، يشعل بين الحين والآخر سيجارة ويتابع باهتمام شديد ما يقوله الملك الهاشمي كما لو كان يتوقع تلك النتيجة السلبية.
وعند نهاية الاجتماع عبر صدام عن جزيل شكره لزائره على الجهد الذي بذله وأبلغه أنه يأمل " مع الوقت أن تسود الحكمة والارادة الطيبة بالنسبة لهذا المسألة " ولم يكن من الأمور العادية صدور مثل هذه الكلمات الرصينة التي تغلب عليها روح التوفيق عن رجل عود زملاءه على الخوف من نوبات غضبه ( وكان حسني مبارك الذي لم يُخف نفوره من صدام قد وصفه أمام عدد من الزعماء العرب بأنه " مضطرب الشخصية " ).

بداية النهاية للكويتيين :

لم تكد تمضي ثلاثة أيام على عودة الملك حسين حتى دعا صدام جميع أعضاء القيادة العليا إلى اجتماع سري وأمرهم بأن يضعوا الخطط لحشد القوات على الحدود مع الكويت.
وسرعان ما اشتد التوتر وفقد الكويتيون بعد النظر الذي كانوا يتحلون به. فبالرغم من أن الفرق العراقية لم تكن قد تحركت بعد باتجاه الحدود فإن مسؤولاً كويتيا كبيراً أسر للأردنيين خلال مروره بعمان بأن " صدام حسين لا يريد الجزيرتين وحدهما بل الكويت برمتها ".


تاريخ الكويت والعراق :
ظلت لندن طوال قرن من الزمن تعتبر الخليج أرضا بريطانية تتيح لها السيطرة على الطريق إلى الهند والشرق الأقصى. وتضافر عزم بريطانيا الواضح على أن لا يكون لغيرها نفوذ في المنطقة مع دهاء دبلوماسييها على زرع بذور النزاع الحالي.
وحتى الحرب العالمية الأولى كان العراق والكويت يشكلان جزءاً من الامبراطورية العثمانية. والواقع أن الكويت بمساحتها الصغيرة البالغة حوالي 10000 ميل مربع كانت تابعة لولاية البصرة.
وفي عام 1913 وبينما كان يشتد قرع طبول الحرب في أوروبا وقع الانجليز والأتراك اتفاقية تمنح الكويت الحكم الذاتي.
وفي خضم الحرب التي قاتل فيها الأتراك إلى جانب الألمان اعترفت لندن بامارة الكويت وبحدودها واستقلالها عن الامبراطورية العثمانية.
على أن تجزئة هذه الامبراطورية الذي أوجد لبريطانيا حليفاً استراتيجيا لم ترض العراقيين الذين انكروا حرمانهم من منفذ إلى الخليج وفقد منطقة لم يسبق أن كانت تتمتع بوجود مستقل.
ثم إنه كان هناك سبب آخر لغضب العراق الذي وقع عام 1918 تحت الانتداب البريطاني.
ففي عام 1925 أجبرت حكومة بغداد على توقيع اتفاق مع كونسورتيوم ضخم للشركات باسم شركة البترول العراقية (lpc ).
وأكدت الاتفاقية على أن الشركة ستظل بأيدي البريطانيين وعلى أن يكون مديرها من رعايا بريطانيا وأن يظل الامتياز نافذاً إلى عام 2000 وهكذا أطلقت يد الشركة في استغلال أكبر حقل للنفط في التاريخ والحصول على أرباح خيالية.
والواقع أن الكيان العراقي كان كياناً مصطنعاً كالكويت وكحدود الدول في المنطقة.
ففي أعقاب اتفاقية سايكس بيكو التي قسمت الغنائم من الدولة العثمانية بين بريطانيا وفرنسا جرى إنشاء العراق من ثلاث ولايات تركية وهي بغداد والبصرة والموصل.
وقد لخص أحدهم هذا الوضع تلخيصا رائعا بقوله : " لقد كان العراق من صنع تشرتشل الذي خطرت له فكرة جنونية وهي الجمع بين حقلي نفط متباعدين وهما كركوك والموصل وذلك بدمج ثلاث فئات من الناس وهي الأكراد والسنة والشيعة ".
وربما كانت هذه الولادة الصعبة غير المتوازنة هي التي جعلت من تاريخ العراق الحديث سلسلة متواصلة من أعمال العنف.
وفي عام 1958 أطاحت الثورة بالحكم الملكي الموالي للغرب وقتلت الجماهير الغاضبة الملك فيصل ورجمت رئيس وزرائه نوري السعيد وقضت عليه.
وبعد ذلك بسنتين نجا عبد الكريم قاسم زعيم الثورة بصعوبة من محاولة لاغتياله وكان بين الذين حاولوا اغتياله شاب في الثانية والعشرين من عمره وهو صدام حسين الذي استطاع الهرب إلى سوريا بالرغم من إصابته بجروح.
وفي عام 1962 رفعت الجماهير الغاضبة رأس قاسم على منخس وطافت به الشوارع وفي عام 1968 استولى حزب البعث على السلطة.
وكان هذا انتصاراً لصدام الذي اعتبر رجل النظام القوي وبالرغم من أنه احتل منصب نائب رئيس مجلس الثورة فإنه كان أقوى رجل في البلاد.


تاريخ صدام الدموي :

وكان ولا يزال يسيطر على مختلف دوائر الأمن ثلاثة من اخوته غير الاشقاء وهم برزان وسبوي ووثبان. أما صهره حسين كمال المجيد فكان المسؤول المباشر عن المذابح التي تعرض لها الأكراد وعن استخدام الأسلحة الكيماوية ضد السكان المدنيين.
وهو مفتاح كل مشتريات الدولة من السلاح ويتقاضى عمولة على كل صفقة ويقال إن مكاسبه من شراء 120 من صواريخ سكود عام 1987 بلغت ستين مليون دولار.
كان يجمع بين هذه المجموعة الصغيرة المتربعة على سدة الحكم لا دمها فقط بل ودم الآخرين.
فعُدي الابن البكر لصدام ظل يضرب حارسا من حراس أبيه أمام ضيوفه حتى قضى عليه فغضب صدام وهدد بقتله. فطلبت زوجته ساجدة من أخيها عدنان خير الله وزير الدفاع التوسط لدى صدام وبالرغم من أن هذا عفا عن ابنه فلم يغفر إطلاقا لوزير الدفاع مع أنه صهره وقريبه. فأمر بقتله لكن قيل إنه قتل بحادث تحطم طوافة.
إن العنف هو سلاح صدام حسين الرئيسي وعندما بلغ قمة السلطة احتفل بالمناسبة بإعدام 21 من أعضاء وزارته وبينهم واحد من أقرب أصدقائه إليه وقال عنه " كان أقربهم إليّ لكنه ابتعد عني ".
وبعد سنة دعا عددا من وزرائه وزملائه إلى سجن بغداد المركزي لكي يشكلوا فريق إعدام. وكان ضحاياهم من السجناء السياسيين. وكانت هذه طريقته في جعل من تحدثهم انفسهم بمعارضته يرون ما سيحل بهم. ووصف هذا المشهد بعبارة شديدة السخرية بقول : " إن اولئك الأشد إخلاصاً هم الذين نكتشف أنهم مذنبون ".
لم يكن صدام في الأصل جندياً لكنه يكن للجيش إعجاباً شديداً مشوبا بالحذر فهو يريد له أن يكون قوياً ولكن مطيعاً في الوقت ذاته. ويحب أن يظهر في زي قائد الجيش لكن الضباط الكبار يشعرونه بالنقص ويعتبرونه مدعياً.
وهذا هو السبب في الاكثار من تطهير الجيش على نطاق واسع وخلال الحرب العراقية الإيرانية أشيع أنه جرى إعدام كثرة من كبار قادة الجيش. وقال بصراحة : " لم يعدم سوى قائدي فرقتين وقائد وحدة ميكانيكية وهذا أمر عادي في الحروب ".
ومع هذا انبرى له أحد الضباط في اجتماع للقيادة العليا وأخذ ينتقد خطته الهجومية فاستمع صدام إلى انتقاداته ثم سحب مسدسه الذي يحمله دائما في حزامه وأطلق النار على رأسه.
وفي عام 1988 بعد وقف المعارك بقليل زج بالمئات من الضباط في السجون وتمّ إعدام العديد منهم فيما بعد.
وفي عداد الذين اختفوا إلى الأبد بطل من أبطال الحرب هو الفريق ماهر عبد الرشيد والد زوجة أحد أبنائه.
من ناحية أخرى صدر تقرير عن حقوق الإنسان عام 1990 يؤكد واضعوه أن " العراق أصبح في ظل حزب البعث أمة من المخبرين ". وهذا التعريف مؤلم وصحيح في الوقت نفسه لأن 25 % من سكان العراق يعملون لحساب أجهزة الأمن المختلفة.
وقد تم تنظيم معظمهم وتدريبهم بواسطة خبراء البوليس السري الألماني الشرقي LA STASI .
وفي حياته الخاصة يطلب صدام حسين على الدوام وبشكل دوري أن يعرضوا عليه فيلمه السينمائي المفضل " العراب ".
كما يرتاح إلى مقارنة نفسه بملك بابل نبوخذ نصر الذي حكمها بين 605 و562 قبل الميلاد.
وسبب ذلك هو إيمان سلفه هذا بالحكم بالقوة واحتلاله للقدس وتهديمه الهيكل وأسره الشعب اليهودي.
قال نابليون إنه ببني خطط معاركه على أحلام جنوده النائمين أما صدام حسين فيبدو أنه يضع خططه وأحلامه بفضل ترحيب الديمقراطيات الغربية وتواطئها.
ففي 1984 انفق العراق 14 مليار دولار على شراء الأسلحة أي ما يوازي نصف انتاجه الوطني.
وبين 1982 و 1985 استورد العراق ما يعادل 8 , 42 مليار دولار من الأسلحة. ولم تنخفض مشترياته بفعل وقف إطلاق النار مع إيران.
وكانت بغداد خلال السنوات القليلة الماضية أكبر مستورد للعتاد الحربي في العالم واحتكرت لنفسها ما يقارب 10 % من الأسلحة التي بيعت على وجه الأرض.
بعد أن تحالف صدام حسين مع موسكو وعقد معها معاهدة " صداقة وتعاون " في عام 1972 أخذ يقيم علاقات مع الأقطار الغربية لأنها هي وحدها القادرة على تزويده بما يحتاجه.



بداية السلاح النووي :

فعندما اعتزم في أواسط السبعينات إنشاء صناعة نووية زوده الفرنسيون بالمفاعل المطلوب ضاربين عرض الحائط بمخاطر الانتشار النووي.
ولم يخف صدام رغبته في حيازة أسلحة ذرية. ( وقد أصيبت أحلامه بنكسة في 1981 عندما أغارت الطائرات الإسرائيلية على المفاعل النووي العراقي أوزيراك ).
وكانت لديه ترسانة ضخمة من الأسلحة الكيماوية التي استخدمها ضد القوات الإيرانية والقرويين الأكراد.
وهنا أيضا لعبت المساعدات الغربية دورا أساسيا . وقد أعد الخبراء قائمة بأسماء ثلاثمئة شركة أسهمت بدرجات متفاوتة في تسلح العراق وخصوصا في صنع الأسلحة الكيماوية . وكانت أكثر الشركات نشاطا في هذا الباب ألمانيا والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وسويسرا والنمسا وبلجيكا . بالرغم من أن الولايات المتحدة كانت دائما تنفي أنها تزود العراق بالأسلحة فإن كثرة من الشركات الأميركية الخاصة باعت مواد حربية لبغداد عبر شركات أخرى لعبت دور الوسيط.
إن العملية التي كشف النقاب عنها في مطار هيثرو اللندني يوم 28 آذار 1990 اظهرات اتساع هذه التجارة . فقد وضعت الجمارك البريطانية عندئذ يدها على قطع كهربائية لأغراض عسكرية تدخل في تركيب الصاعق الخاص بالقنبلة النووية .وقد تطلبت هذه المصادرة 18 شهراً من التحقيقات المشتركة للأجهزة الامنية البريطانية والجمارك الأميركية . وقد تم صنع تلك القطع في شركة أميركية تقع ضمن ولاية كاليفورنيا وبالتحديد في سان دييغو .
بدأت العملية عندما اتصل وسطاء يعملون لحساب العراق بهذه الشركة فسارع مدراؤها إلى إبلاغ أجهزة الجمارك الأميركية التي دست أحد رجالها بين المفاوضين .
وسارت الإجراءات بشكل طبيعي جداً حتى تم نقل القطع المطلوبة إلى لندن بواسطة طائرة شحن تابعة لشركة TWA حيث بقيت لمدة أسبوعين في عنبر التخزين التابع لمنطقة مطار هيثرو الحرة . وعند نقل البضائع إلى طائرة عراقية تدخلت الجمارك وأوقفت عملية النقل وألقت القبض على خمسة عاملين في شركة الطيران بينهما عراقيان ولبناني وبريطانيان .
وفي سان دييغو ، فقد أدت متابعة خيوط الشبكة إلى القبض على عدد من البريطانيين العاملين في فروع شركات بريطانية في أميركا .
وشكلت القطع المصادرة مفاجأة للسلطات . فمنذ سنة أو سنتين والتقارير تتالى عن اعتزام بغداد صنع أسلحة نووية . فأكدت القطع المصادرة أسوأ مخاوف الخبراء وتساءلوا عما إذا كان العراق قد اقترب أكثر مما توقعوه من صنع القنبلة .
ورد صدام على ذلك بخطاب أشار فيه إلى " القوى المعادية للعرب التي تحاول وقف تقدم العراق " . لقد كان في موقف حرج .
وفي أيلول من العام 1989 هز انفجار ضخم المجمع العسكري للإسكندرية الواقعة جنوبي بغداد حيث يتم تصنيع السلاح الكيميائي . وبالرغم من التعتيم التام على ما حدث فإن صور الاقمار الصناعية للتجسس وما أدلى به بعض الشهود العيان أظهرت ضخامة الكارثة : أكثر من 700 قتيل ومئات المصابين بعاهات دائمة . وفي شباط 1990 حاول أحد الصحافيين التابعين لمجلة الاوبزرفر البريطانية التحقيق في تلك الماسأة . وكان اسمه فرزاذ بازوفت ، من اصل إيراني ويحمل الجنسية البريطانية . ولم يكد هذا الصحافي يبدأ بجمع المعلومات حتى ألقت المخابرات العراقية الرهيبة ، التي يديرها سبوي الأخ غير الشقيق لصدام ، القبض عليه . وبعد ان اتهم بالتجسس لحساب إسرائيل عرض على شاشة التلفاز حيث أدلى باعترافات بدا انها فرضت عليه وانتزعت منه بالقوة . ولقد أدى حكم الاعدام الذي صدر بحقه إلى موجة احتجاج لا في أوروبا والولايات المتحدة فقط بل من قبل بعض المسؤولين العرب .
وبعد أيام قليلة من صدور الحكم اغتنم وزير الخارجية الأردني مروان القاسم فرصة تواجده في تونس للإتصال بطارق عزيز وزير خارجية العراق المشارك بدوره في اجتماع وزراء الخارجية العرب . وقال القاسم لعزيز أثناء مقابلة جرت بينهما على هامش الاجتماعات " إنه لمن الخطأ الفادح ان تقدم الحكومة العراقية على إعدام بازوفت . لأن الصحافة سوف تستغل القضية وسوف تصبح الصورة التي يكونها الغرب عن العراق سلبية جداً " . ومما أثار دهشة مروان القاسم ، الذي يعرف طارق عزيز منذ سنوات ، هو ردة فعل الوزير العراقي الغاضبة والقاطعة والحاسمة " يجب إعدامه وإلاّ سوف يكون في العراق الاسبوع القادم أكثر من 1000 جاسوس " .
وإعدم بازوفت شنقا في 15 آذار 1990 . وأغضبت موجة الادانة لإعدامه صدام الذي لم يستطع أن يفهم كيف أن العرب الذي طالما أظهر تسامحاً كبيراً نحوه انقلب فجأة وأمعن في انتقاده . وهكذا تضافرت قضية بازوفت ومصادرة القطع في مطار هيثرو وتحول كثرة من الأميركيين ضده على اقناع بأن هناك مؤامرة دولية عليه . وهكذا فإن هذا الرجل البسيط الحذر والفخور المصاب بجنون القوة أخذ ينظر إلى العراق بوصفه قلعة محاصرة قادرة على تحدي العالم الذي أمده بقوته.


بداية التحدي العراقي لدراسة ردات الفعل الأمريكية :

في 2 نيسان ألقى صدام حسين أمام قيادات جيشه خطاباً تم نقله بكامله على موجات الإذاعة العاملة.
وقد كان حاسر الرأس يرتدي زياً كاكيا تزينه شارات رتبة الجنرالية. واستغرق خطابه أكثر من ساعة إلا أن بعض الجمل التي وردت فيه أذهلت العالم بأسره.
فبعد أن شرح ما توصل إليه العلماء والباحثون العراقيون في مجال انتاج الأسلحة الكيمائية أضاف : " والله ، إذا حاولت إسرائيل القيام بشيء ضد العراق سوف نعمل على جعل النار تلتهم نصفها … إن الذين يهددوننا بالقنبلة النووية سوف يبادون بالأسلحة الكيماوية ".
لم يتلق صدام حسين أي إنذار رسمي. والواقع أن صدور عدد من الاشارات المشجعة الأميركية ساعد على زيادة غموض الموقف الأميركي.
وفي 12 نيسان أي بعد ستة أيام من الخطاب العنيف الذي ألقاه صدام وصل وفد يضم خمسة من أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي برئاسة روبرت دول.
وعليه فإنه كان على صدام حسين أن يخاطب رجلا يعتبره مهماً وصاحب نفوذ وتتفق آراؤه مع آراء بوش.
جرى الاجتماع في مدينة الموصل شمالي البلاد قرب الحدود السورية. وحضر صدام وهو يرتدي بزة رمادية أنيقة وربطة عنق قاتمة اللون. وجلس وسط غرفة صغيرة على كنبة مغطاة بالحرير الاخضر وأمامه طاولة زجاجية في حين توزعت المقاعد الباقية بشكل دائري حوله.
بدأ مترجم بقراءة رسالة جلبها الشيوخ وتقول : " إننا جئنا لأننا نؤمن بدور العراق الأساسي في الشرق الأوسط ، فإن سعيكم إلى الأسلحة الكيماوية والبيولوجية لا بد وان يعرض بلدكم لمخاطر جمة بدل تأمين الحماية له. إن مبادرات كهذه تهدد أيضا بلدانا أخرى وتثير اضطرابات خطيرة في الشرق الأوسط. ثم إن تصريحاتكم الأخيرة التي تهدد باستخدام السلاح الكيماوي ضد إسرائيل أحدثت دويا في العالم أجمع. ومن الأجدى بالنسبة لكم وللسلام في الشرق الأوسط ان تعيدوا النظر في مثل هذه المشاريع الخطرة والتصريحات والمواقف التي تستفز الآخرين ".
استمع صدام إلى الرسالة بدون أي انفعال ظاهر وعند الانتهاء من قراءتها هز رأسه والتفت إلى دول الذي كان يجلس على يمينه وقال بهدوء : " إنني أدرك أن هناك حملة واسعة علينا تشنها الولايات المتحدة وأوروبا ".
قال دول : " إن بوش ليس مصدر هذه الحملة وقد قال لنا البارحة إنه ضدها ".
وأعاد دول إلى الذاكرة موقف الولايات المتحدة الذي أدان إسرائيل عام 1980 على أثر الهجوم الجوي الذي شنته على المفاعل النووي العراقي.
هنا قاطعه صدام حسين وقال : " لقد أدنتموها ولكنني اطلعت على تقارير عديدة تفيد ان الولايات المتحدة كانت على معرفة مسبقة بالهجوم ".
وتدخل السيناتور الجمهوري آلان سمبسون وقال : " ان مشكلتكم ليست مع الحكومة أو الشعب الأميركي وإنما مع صحافتنا المتعجرفة التي يصعب إرضاؤها ".
وانتقل دول في حديثه إلى البرنامج المعادي للعراق الذي بثته إذاعة صوت أميركا في فبراير وقدم اعتذاره وبلغ صدام ان المسؤول عن البرنامج قد طرد من وظيفته.
وختم حديثه بقوله : " اسمح لي أن أذكر أنه منذ 12 ساعة فقط أبلغني الرئيس بوش أن حكومته تأمل في تحسين العلاقات مع العراق وأنه سوف يعارض فرض عقوبات على العراق. وإذا لزم فإنه الأمر سوف يستخدم الفيتو ضد أي قرار مثل هذا ما لم يحدث أي عمل استفزازي ".
وهنا تدخلت السفيرة ابريل غلاسبي التي لزمت الصمت طوال الوقت وختمت الاجتماع بقولها : " إنني كسفيرة أستطيع أن أؤكد يا سيدي الرئيس أن هذه في الحقيقة هي سياسة الولايات المتحدة".
على أنه كانت هناك دوافع انتخابية وراء لهجة المصالحة التي سادت الاجتماع. فأعضاء الوفد كانوا يمثلون ولايات أميركية زراعية. فروبرت دول يمثل ولاية كنساس التي تصدّر كميات كبيرة من القمح إلى العراق. وعلى هذا الاساس تصدرت المصالح التجارية لائحة الاسباب الداعية للاعتدال الأميركي.
فالولايات المتحدة الأميركية تبيع بغداد بما يقارب المليار دولار سنويا من القمح والدواجن والذرة. ومنذ 1983 تم تمويل غالبية المشتريات بواسطة قروض بلغت 5 مليارات دولار بضمانة الحكومة الأميركية.
ولخص ممثل كانساس الوضع بجملة واحدة فقال: " نحن نلبي حاجة العراق من الغذاء بأسعار مدعومة ".
ولم يكن لدى أحد رغبة في إفساد تبادل للمنافع من هذا النوع. وعندما استقبل بوش في البيت الأبيض الوفد العائد من العراق أصغى بعناية شديدة إلى آراء روبرت دول التي يسودها الاعتدال والتفاؤل وسمع منه كلاما عن صدام حسين يصفه بالقائد الذي يمكن للولايات المتحدة أن تؤثر عليه.
وكمؤشر على هذا الاعتدال انتهز بوش فرصة انتهاء شهر رمضان ووجه ( في 25 نيسان ) رسالة ودية لصدام حسين عبر فيها عن أمله " في أن تسهم الروابط بين الولايات المتحدة والعراق في السلام والاستقرار في الشرق الأوسط ".
وبعد وقت قصير أدلى جون كيلي بشهادة أمام لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ استخدم فيها اسلوباً مختلفا تماما عن الأسلوب العنيف الذي استخدمه في 2 نيسان للرد على تهديدات صدام حسين . قال :
" لا تزال الادارة الأميركية تعارض فرض العقوبات التي توقع على المصدرين الأميركيين وتزيد العجز في الميزان التجاري سوءاً. ثم إنني لا أرى كيف يمكن للعقوبات أن تقوي امكان مماررسة نفوذ مهدئ على أعمال العراق ".
إن هذه الكلمات التي صدرت عن المسؤول عن الشرق الأوسط عكست الموقف الرسمي لوزارة الخارجية الذي يمكن تلخيصه بالعبارة التالية وهي أنه ليس مطروحا في الوقت الراهن اتخاذ إجراءات اكثر صلابة ضد العراق . وكان جيمس بيكر نفسه قد تحول إلى هذا الاتجاه.
فبينما كان في موسكو التقى بالرئيس المصري الذي كان يقوم بزيارة رسمية ، وناقش معه تهديدات العراق . فأشار الرئيس المصري إلى أن التهدئة أفضل وسيلة لنزع فتيل حركات الزعيم العراقي الاستفزازية.

بداية تغير الموقف الأمريكي ضد العراق :

وفي بداية أيار وصلت إلى واشنطن اشارتان تنذران بالخطر . لكن لم يكن أحد من المسؤولين بوزارة الخارجية لأخذهما بعين الاعتبار .
وجاءت الأولى مفاجأة للبيت الأبيض . وكانت عبارة عن رسالة تلقاها من وكالة المخابرات المركزية تقول فيها إن بحوزتها معلومات عن " هجوم عراقي محتمل على الكويت " وكان البيت الأبيض قد تلقى إشارة إلى احتمال وقوع الهجوم ولكن على إسرائيل . وبالرغم مما أثارته معلومات الوكالة من تشاؤم شديد ، فقد بقي الموقف الرسمي كما هو .
وفي هذه الأثناء وصل وفد من الخبراء العسكريين والسياسيين الإسرائيلين إلى واشنطن . وكان في جعبته تحليل قاتم للوضع يقول بأن طبيعة النظام العراقي المعتدلة والإصلاحية الظاهرة ليست سوى ستار من الدخان . ويضيف بأن صدام حسين دأب منذ شهر فبراير على اتخاذ مواقف متصلبة : إذ طالب بانسحاب السفن الأميركية ، وحث العرب مرة أخرى على استخدام النفط كسلاح سياسي ؛ ولم يكتف بالتهديد بمهاجمة إسرائيل حليفة الولايات المتحدة ، بل تحدث عن احتمال استخدام الأسلحة الكيماوية . وختموا تحليلهم بقولهم إن إنهماكه في بناء آلته العسكرية على نطاق واسع دليل آخر على غرائزه العدوانية.
ومن الواضح أنه كانت لدى الوفد الإسرائيلي معلومات نقلوها في 15 نيسان للسفير الأميركي في إسرائيل وليم أ . براون وذلك على مائدة غداء في عيد الفصح . وكان بين الحضور شيمون بيريز زعيم حزب العمل والجنرال ايهود باراك نائب رئيس أركان القوات الإسرائيلية . وبينما كانوا يتحدثون عن تهديد صدام حسين بشن هجمات على إسرائيل بالأسلحة الكيماوية إذا هاجمت إسرائيل العراق قال باراك : " إن صدام حسين يحاول خداع العالم . فخطته ليست الهجوم على إسرائيل . عليكم أن تحولوا أنظاركم إلى ما هو جنوب العراق . فالحقيقة هي أن أنظاره مشدودة إليه " .
وواضح أن باراك كان يشير إلى الكويت والإمارات.
لم ينجح الإسرائيليون في جعل الآخرين يشاطرونهم قلقهم فبعض الذين استمعوا إليهم فسروا التصريحات العراقية بأنها تعبير عن الخوف من غارة إسرائيلية جديدة على مصانع الأسلحة الكيماوية وشدد البعض الآخر على رغبة صدام في تكريس زعامته للعالم العربي.
لقد غشي واشنطن عمى غريب فقد اعتبر صدام حسين ضيق الأفق في نظرته إلى العالم فلم يكن يعرف لغة أخرى غير العربية ولم يكن قد قام إلا بزيارة واحدة إلى الغرب . وكان ذلك في عام 1975 عندما ذهب إلى فرنسا لمفاوضة جاك شيراك رئيس الوزراء الفرنسي على شراء مفاعل نووي . ولم يكن يعرف شيئاً عن الولايات المتحدة . وحدث مرة خلال حديثه مع زائر غربي أنه فوجيء عندما علم من هذا الزائر ان الانتقاد البسيط للرئيس الأميركي لا يعد انتهاكاً خطيرا للقانون كما هو الحال في العراق حيث قد يعاقب بالإعدام .
لم يكن في واشنطن من يدرك أن ضيق أفق صدام حسين فيما يتعلق بنظرته إلى العالم هو الذي يجعله خطراً . فقد كان يتصرف مع العالم كما يتصرف في العراق ذاته متجاهلاً القواعد والقيود التي تحكم العلاقات الدولية.
في 21 أيار حصلت حادثة عملت على ازدياد شدة التوتر . ذلك أن أحد الإسرائيليين قتل سبعة من الفلسطينيين العزل . وبالرغم من أن الحكومة الإسرائيلية بادرت إلى إدانتها فإن القلاقل عمت الأراضي المحتلة . فالانتفاضة التي كانت تتربص بالإسرائيليين انفجرت بعنف لا مثيل له . ولم يكن من الممكن أن تقع هذه المأساة في وقت أسوأ من الوقت الذي وقعت فيه . فقد وقعت قبل اسبوع فقط من انعقاد مؤتمر القمة العربية في بغداد لشجب تدفق اليهود السوفييت على إسرائيل بأعداد كبيرة . وفي اعقاب المجزرة استخدمت الولايات المتحدة الفيتو ضد اقتراح قدمته منظمة التحرير الفلسطينية لهيئة الأمم المتحدة لإرسال مراقبين دوليين إلى الأراضي المحتلة . وأدى هذا إلى انفجار الغضب على أميركا في العالم العربي . وشهد الأردن مظاهرات دموية

اجتماع القادة العرب وتهديد صدام للإمارات والكويت والخيانة الإماراتية :

وفي 24 أيار بدا الملك حسين في حفل استقبال أُقيم في حدائق قصره الرائعة في غاية القلق بالرغم من انه طاف على المدعوين وشاركهم الحديث ورحب بكل فرد منهم . وكان يتصرف بإباء ولباقة وكأن ما يجري في المنطقة لا يستطيع النيل من حكمه . لكن هذا لم يخدع أحداً فخلال الحفل ذاته كشف هو نفسه عن مدى تأثره بالأحداث قال : " اعتزم أن أطالب في مؤتمر القمة القادم ببغداد بمساعدة مالية ليس لي فقط ، بل ولمنظمة التحرير . " وكان صدام قد قال له : " اترك الأمر لي . سوف أجبرهم على الدفع " .
وفي صباح 28 أيار التقي الملوك والرؤساء العرب الممثلون لاحدى وعشرين دولة وهم لا يعرفون ما خبّئ لهم . فما كانوا يعرفونه هو أنهم يجتمعون لشجب تدفق اليهود السوفييت وتأييد تهديد صدام حسين . فمنذ عهد جمال عبد الناصر لم يُظهر زعيم عربي بأنه قادر على نشر الرعب في الدولة اليهودية.
على أن الاجتماع أخذ منحى مقلقا عند نهاية جلسة الافتتاح عندما فاجأ صدام حسين الحضور باقتراح عقد جلسة مغلقة . وحاول الملك فهد معارضة الاقتراح لكنه لم ينجح فاضطر إلى القبول . وطلب صدام أن يقتصر الاجتماع المغلق على الرؤساء والملوك وحدهم دون أعضاء وفودهم لأنه ـ كما قال صدام ـ لا داعي لسماعهم ما سيقال.
وتحدث صدام بكلمات بليغة موزونة لكي يثبت حجته . وبالرغم من أن موضوع القمة كان هجرة اليهود السوفييت إلى إسرائيل فقد أصبح من الواضح أن الموضوع الذي أخذ يتحدث عنه هو دول الخليج . قال :
" إنهم يستخرجون كميات هائلة من البترول مما يساعد على الابقاء على أسعارها المنخفضة . وكلما انخفض سعر البرميل دولاراً واحداً ، يخسر العراق بليون دولار في السنة . فأنتم في الواقع تشنون حربا اقتصادية على بلادي " .
وسيطر الذهول على الحاضرين . وكان أول من تصدى للدفاع الشيخ زايد رئيس دولة الإمارات الذي كان يرتدي عباءة بيضاء موشاة بأسلاك الذهب ، لكنه لم يكن خطيبا موفقا . فأجابه صدام بقوله:
" إنني اشكر الإمارات العربية على موقفها الإيجابي منا . لكنني احذركم من إنني لم انس إطلاقا شحنات الأسلحة والاعتدة العسكرية التي شحنت من دبي إلى إيران خلال الحرب . وسوف يأتي يوم الحساب ".
كان مبارك في هذه الأثناء منحنيا بعض الشيء إلى الأمام يحدق في الطاولة أمامه وهو يشتعل غضبا وبدا القذافي وهو يجول بنظره بين الحضور وكأنه يشاهد شيئا مسليا في حين ان الملك فهد الذي سبق له ان انشأ علاقات ودية مع الرئيس العراقي كان يستمع بكثير من القلق . فقد ادرك على الفور أن ما يجري في المنطقة قد اصبح مصدر خطر كبير.
كان خطاب صدام خليطا مزعجا من المطالب العدوانية والاتهامات المحدودة والنوادر العربية ذات المغزى . وكان يستخدم الكلمات المفخمة والحركات . قال :
" ايها الاخوة دعوني ، أروي لكن اسطورة قديمة قد يعرفها البعض منكم . ذات يوم ، حلت كارثة بقرية صغيرة فطلب من القرويين ان يساهم كل واحد منهم بقدر معين لتعويض الخسائر . وكان يعيش في هذه القرية رجل فقير اتفق السكان على ألا يطلبوا منه المساهمة . ولكن الرجل الفقير ابى ذلك وقال لهم إن الإهانة سوف تلحق به ، وقدم لهم الشيء الوحيد الذي يملكه وهو وعاء من النحاس . والفقير في هذه القمة هو العراق . ولكننا لن نخل بواجباتنا . سوف نمنح الأردن 50 مليون دولار ومنظمة التحرير 25 مليونا . ونحن نريد من وراء ذلك ممارسة الضغط الاخلاقي والمعنوي على كل من تسول له نفسه عدم المشاركة . وانتم تعرفون التضحيات التي قدمناها سنوات في حين لا يحترم الآخرون الاتفاقات المعقودة .
وهنا توجه صدام حسين بحديثه إلى جابر الصباح أمير الكويت الجالس على بعد امتار منه ، وكان النفور يطغى على شعور الواحد منهما تجاه الآخر ، وقال :
" يقضي تقسيم اوبيك للحصص أن لا تتعدى حصة الكويت 5 , 1 مليون برميل يومياً . ولكنها تستخرج باستمرار 1 , 2 مليون برميل ونحن هم الذين يعانون من هذا . إننا نريد العودة إلى الوضع الاقتصادي الذي كان سائدا في عام 1980 قبل الحرب مع إيران . وفي الوقت الراهن نحن بحاجة ماسة إلى عشرة مليارات دولار بالإضافة إلى الغاء 30 مليار دولار من الديون التي منحتنا إياها الكويت والإمارات العربية المتحدة والعربية السعودية أثناء الحرب . والحقيقة أيها الاخوة العرب ، أننا نعيش في فترة أخرى من النزاع … " ثم تغيرت نبرته وقال :
" إن الحرب لا تعني الدبابات والمدفعية والسفن فقط . فقد تأخذ أشكالاً أخرى أقل ظهورا وأكثر عدوانا مثل زيادة انتاج البترول واستخدام التخريب والضغوطات لاستعباد أمة " .
قيلت هذه الكلمات الأخيرة وسط صمت ثقيل خيم على الحضور ، فتدخل الملك حسين وقال : " ينبغي ألا يحصل شيء يضر باقتصاد العراق " .

احتقار الوفد الكويتي للوفد العراقي :

ثم جاء دور من جرى اتهامهم وعلى رأسهم الملك فهد والشيخ جابر أمير الكويت . لكنهما قالا كلاما مبهما لا اثر فيه للتشجيع أو الوعد بالمساعدة . ومما اثار عجب الحضور هو هدوء الشيخ جابر وعدم مبالاته شبه التامة . بل ان موقفه وموقف وفده الذي انضم إليه بعد قليل كانا ينمان عما هو اقرب إلى الاحتقار لمركز العراق ومطالبه .
لقد تضاعف انتاج الأوبيك ثلاث منذ الحرب الإيرانية العراقية وفي كل مرة بضغط من الكويتيين الذين كانوا ينكرون أمام ممثلي العراق أي دور لهم في ذلك . وكان الكويتيون يحبون أن يصفوا بلادهم بسويسرا الشرق الأوسط متناسين بأن العراق كان يصف بلادهم بأنهم " دولة انشئت من بئر بترول . " ونسوا أيضا محاولة غزو بلادهم عام 1973 عندما اجتاحت العراق شمال الكويت قبل ان يجبروا على التراجع بضغط من العالم العربي . هذا في حين ان المسؤولين العراقيين ينفذون سياساتهم بالاشارة دائما إلى خمسة آلاف سنة من التاريخ المجيد الذي تحيط به هالة من الرومانطيقية .
على ان الكويتيين كانوا رجال اعمال مهرة يعيشون في الحاضر ويركزون اهتمامهم في استثماراتهم الهائلة في العالم . وكانوا يعتقدون بأن ذلك هو اقصى ما يمكن ان تبلغه تهديدات العراق ، وانه يتجاوزها لسبب واحد واضح وهو انه لم يسبق لدولة عربية ان اجتاحت أخرى . ويمكن تلخيص موقفهم بدقة بمثل تشتم منه رائحة الموت وهو " إن العالم الذي يفقد ذاكرته لا بد وان يصبح عالما بلا مستقبل " .
وفي اعقاب خطاب صدام حسين شهدت غرف القصر ودهاليزه مناقشات طويلة جعلت كل شخص من رؤساء الدول والوزراء والدبلوماسيين المستشارين يرى بوضوح شيئا واحدا وهو ان النظام العراقي وزعيمه يمران في فترة صعبة . لكن بعضهم فقط تنبأ بأن الحل الوحيد أمام صدام هو الاستيلاء على الكويت .

ابن سعود يناشد شركات النفط الأمريكية لاستغلال نفط الجزيرة ومرض العيون الوراثي لدى آل سعود :

في نهاية حزيران قام سعدون حمادي نائب رئيس الوزراء العراقي بجولة في بلدان الخليج قبل شهر واحد من اجتماع الأوبيك الهام الذي استهدف اقناع زعماء الخليج بالقبول بانتاج كميات اقل من النفط والتقيد بذلك من اجل رفع سعره إلى مستواه العالي السابق.
وفي 25 حزيران وصل إلى الرياض حيث حث الملك فهد على تأييد موقف العراق وذلك لأن السعودية كانت في موقع يمكنها من العمل على تطبيق هذه الاستراتيجية.
وكان ابن سعود مؤسس المملكة العربية السعودية قد اعترف في عام 1930 أنه فقير إلى حد لا يملك معه حجرا يركن رأسه إليه.
وبعد ذلك بسنتين كان المورد الوحيد للمملكة التي أسسها بتوحيد القبائل البدوية هي رسوم الحج. وكانت هذه تنخفض في بعض السنوات بشكل يجر الدولة إلى حافة الافلاس.
ودفعته الحاجة الملحة إلى مناشدة شركات النفط الكبرى وأكثرها بريطانية لاستغلال نفط بلاده وقال لرجل أعمال بريطاني : " سوف أمنحهم كل الامتيازات التي يريدونها مقابل مليون دولار ".
وبالرغم من أن هذا المبلغ كان قليلا لدرجة لا تصدق فإن مناشدته لم تجتذب أحداً . فقد كان البترول متوافراً بكميات كبيرة وخصوصا من شركة النفط العراقية ، مما دفع شركات النفط الكبرى إلى الاتفاق على شيء واحد وهو أنه لا بد من إبقاء نفط السعودية في الأرض إذا أريد تجنب زيادة الفائض من النفط . وعليه فإنه لم يكن في شبه الجزيرة العربية شيء سياسي أو اقتصادي يثير الاهتمام.
وفي غضون خمسين سنة دار الزمن دورته وأصبحت السعودية قطباً بتروليا يستطيع بموارده الضخمة انتاج من ثمانية إلى عشرة ملايين برميل في اليوم . ولم يعد من الممكن اتخاذ أي قرار بشأن السياسة البترولية بدون السعودية. على أن الملك فهد ليس بالشخص الذي يتخذ قرارات سريعة أو جذرية . فمملكته مليئة بأصحاب الثروات الخاصة التي تبلغ 150 بليون دولار كسبوها بسهولة وسرعة تنعكسان في السياسات السعودية الإقليمية التي يشوبها الحذر وأحيانا التردد.
والملك فهد كغالبية افراد الأسرة الملكية يعتبر الكويتيين شعبا متغطرسا ينتهز كل فرصة للادعاء بأنه أقدر على التكيف من جيرانه السعوديين وأكثر تأثرا بالحياة الحديثة.
وفي حين أن السعوديين كانوا منذ انشاء بلادهم يعتبرونها مسجدا كبيرا ويتجهون بأنظارهم إلى مكة فإن الكويتيين ركزوا أنظارهم في الغرب. وعليه فإن علائم القلق في الكويت لم تكن تزعج الملك فهد لكنه كان يعلم أن تهديدات صدام حسين قد تسقط في النهاية جميع الملكيات في المنطقة.
استقبل الملك فهد المبعوث العراقي سعدون حمادي في قصره واجتمع به مدة طويلة واستمع إلى مطالبه بانتباه . وانفرجت شفتا الملك البدين ذي اللحية القصيرة والعينين المتعبتين ( كعيون غالبية أفراد أسرته الذين يعانون من مرض وراثي ) عن ابتسامة لطيفة وحبذ فكرة دعوة الأوبيك إلى اجتماع خاص لإرساء نظام ثابت بين الأقطار المنتجة للنفط . ولكنه أضاف على الفور وباللهجة الودية الهادئة ذاتها أنه لا حاجة للاستعجال . ويمكن لوزراء الدول النفطية بحث المسألة عندما يجتمعون في جنيف في الشهر التالي . وحتى ذلك الحين من الأفضل ترك الأمور على حالها.
وكان الملك بطيئا في كلامه وعمله إلى حد أن الوقت لديه قد يطول إلى ما لانهاية . أما العراقيون فكان الشيء الذي ينقصهم هو الوقت , وعليه فكان من الصعب عليهم قبول رد الملك.
وذكّر سعدون حمادي الملك والشيخ زايد بالبلايين العشرة التي طلبها صدام حسين . لكنهما تهربا من الدخول في صلب الموضوع.
وعندما توقف في الكويت طلب الشيء ذاته من الأمير جابر فأجابه هذا بقوله : " لكن هذ غير معقول . فليس لدينا ذلك المبلغ من المال.
وكان حمّادي خلال النقاش يحمل صفحتين مطبوعتين على الآلة الكاتبة فيهما قائمة مفصلة بالأموال الكويتية المستثمرة في العالم والبالغة 100 بليون دولار . وعندما اطلع الأمير على ما فيها اقترح أن يدفع مبلغ خمسمائة مليون دولار ثلاث سنوات كصدقة على العراق ، وقال : " دعونا نتحدث أولا عن الحدود . وعندما نوقع الاتفاق نتحدث عن الأمور الأخرى ".


ترسيخ القناعة لدى العراقيين على وجود مؤامرة ضده :

ولم يكد سعدون حمادي يصل إلى بغداد حتى بلغه أن وزير النفط في الكويت صرح بأن بلاده سوف تواصل إنتاج كمية النفط الاضافية حتى أكتوبر . وأدى هذا التصريح ورفض السعودية الدعوة إلى عقد اجتماع خاص للأوبيك إلى اقناع صدام حسين بأن هناك كما قال لأحد زملائه " محاولة لتركيع العراق ".
وفي 16 تموز وصل طارق عزيز وزير الخارجية العراقية إلى تونس للمشاركة في اجتماع القمة الذي دعت إليه جامعة الدول العربية . وطارق عزيز في الستين من عمره وله شاربان كثيفان ونظارتان سميكتان . وهو من المسيحيين القلائل الذين احتلوا مراكز عالية في الجهاز الحاكم . (واسمه الحقيقي يوحنا ) . وهو دمث الطباع ويستطيع تبليغ الرسائل العدائية بلباقة وتهذيب . وإذ كان سفير صدام الذي ينقل أفكاره إلى مختلف الجهات في العالم فقد مثل العراق أكثر المفاوضات دقة سواء في المحادثات مع الأقطار الأوروبية لإعادة جدولة الديون أو في الضغط من أجل الحصول على قروض أخرى لشراء الأسلحة . وكان في هذا كله يعبر عن أفكار صدام ورغباته بحماسة شديدة ومهارة ، وأحيانا بقسوة .
وكان الهدف من اجتماع القمة هو الحصول على تأييد الدول العربية لمنظمة التحرير . فبعد أن حمل عرفات منظمة التحرير على اتخاذ موقف أكثر اعتدالاً من إسرائيل ويقضي بالاعتراف بها والدخول في حوار مع الولايات المتحدة الأميركية ، اخذ يشعر مرة أخرى بالعُزلة. وكانت الولايات المتحدة قد أوقفت المحادثات مع المنظمة رداً على هجوم قام به أبو العباس في 30 مايو على الشاطئ الإسرائيلي . وأبو العباس هذا هو الذي سبق له أن قام بنشاطات مشابهة عندما دبر في عام 1985 خطف السفينة الإيطالية " أكيل لورو " . ومع هذا فإنه ظل عضوا في المجلس الوطني الفلسطيني . فأصرت الولايات المتحدة على أن يقوم عرفات بطرده وشجب هجومه ، ولكنه لم يفعل .
ومما أغضب عرفات عدم حضور دول عربية كثيرة الاجتماع المقرر في ذلك اليوم لكن حضور طارق عزيز لم يكن مفاجئا . فرئيسه صدام كان قد لعب دوراً مهما في إقناع عرفات بتبني الاعتدال والدخول في محادثات مع الولايات المتحدة. وهاجم عرفات في خطابه بعض الدول التي لم تشارك في الاجتماع وخصوصا السعودية ومصر . وختم خطابه بقوله:
" إن القضية خطيرة ولكن كثرة من الدول العربية لا تكترث لها . ترى ما الذي تفعله ؟ هل تقوم بتحديد أسعار البطاطا " .
قال عرفات هذا وخرج من القاعة وانتهى الاجتماع . فذهب طارق عزيز إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية الشاذلي القليبي وقال له : " لقد أحضرت معي مذكرة مهمة ينبغي توزيعها على الأعضاء . ولا بد من الاجتماع في صباح الغد " فوافقه القليبي والتقى وهو خارج بمروان القاسم ممثل الأردن فأخبره عن المذكرة وقال :
" نحن مقتنعون بأن بعض الدول تتآمر بالفعل علينا . ولكن اود أن أقول لك بأن بلادي لن تركع وأن نساءنا لن يجبرن على التحول إلى حومات وأن اولادنا لن … يحرموا من الطعام " .
وصدم مروان القاسم ، وقال لعزيز : " حاذر أن تقع في الشرك الذي نصب لك " . ولم يقل عزيز شيئا وخرج .


اتهام صريح للامارات والكويت على خيانة الامة العربية :

وفي صباح 17 يوليو حضر طارق عزيز إلى مكتب أمانة الجامعة ومعه سفير العراق إلى تونس ، وقدم المذكرة للقليبي الدبلوماسي التونسي المتزن الذي يبدو كمفكر خجول . وجاءت المذكرة صدمة له لأنها كانت في حقيقتها اعلان حرب حقيقية على الكويت . فالشكوى فيها لم تقتصر على تجاوز الحد في انتاج النفط بل تجاوزت ذلك إلى اتهام الكويت بإقامة نقاط عسكرية على الأراضي العراقية وسرقة ما يساوي 4 و 2 بليون دولار من النفط الذي تستخرجه من حقل الرميلة العراقي . واتهمت المذكرة الكويت والإمارات العربية صراحة بأنهما ضالعان في " مؤامرة صهيونية استعمارية على الأمة العربية " .
وقرر القليبي أن يحاول التريث في توزيع المذكرة . وقال لعزيز بأنه في حاجة إلى 24 ساعة يجري خلالها مشاورات مع الكويت والسعودية قبل أن يقوم بتوزيعها . وأضاف أنه يرغب في أن يتحدث إلى صدام . فقال عزيز : " ليس باستطاعتك التحدث إليه الآن لأنه في طريقه إلى القاء خطاب سوف يشتمل على بعض التهديدات الموجودة في المذكرة . ولم يعلم بذلك إلا في وقت لاحق من ذلك اليوم . والواقع أن طارق عزيز لم يكن هناك للمفاوضة ، بل لتنفيذ أوامر صارمة من صدام . فانتهى الاجتماع .
وبعد أن خرج عزيز قام على الفور بإرسال نسخة من المذكرة للسفارة الكويتية بتونس . وبعد ذلك بساعة اتصل السفير الكويتي بالقليبي وسأله عما إذا كان سيوزع المذكرة . فاجابه القليبي بأنه ليس أمامه خيار آخر . وطلب من السفير أن يبلغ ذلك إلى وزير الخارجية الكويتي الشيخ صباح وأنه يود أن يتحدث مع أمير الكويت وولي العهد .
وعندما تسلم الشيخ صباح المذكرة أصابه ـ كما يقول شاهد عيان ـ ذهول شديد فالعراقيون يتهمونه بأنه عميل يتقاضى أموالا من الأميركيين . فقرر أن يلغي جميع مواعيده .
منذ أواخر شهر مايو أخذ العاملون في أسواق هونغ كونغ وسنغافورة المالية يحسون بتحركات غير عادية . فمكتب الاستثمارات الكويتية بلندن وهو هيئة مقرها لندن وتدير استثمارات الكويت العالمية الضخمة كان قد أخذ يبيع بعض ممتلكاته الكبرى بلا سبب ظاهر . ولم تكد تمضي بضعه أيام على اجتماع تونس الذي ابتدأ في 19 يوليو بدأ المكتب عملية تصفية كاملة لاستثماراته الآسيوية وتحويلها إلى سيولة نقدية . وكان رجال الأعمال الكويتيون يتصرفون بسرعة وبكثير من الحكمة لكي لا تتسرب أخبار أعمالهم فتحدث ما يشبه الانهيار في الأسواق التي تحتل الأموال الكويتية فيها موقعا مهما .
وفي 17 يوليو وبينما كان طارق عزيز مجتمعا مع الشاذلي القليبي كان يجري الاحتفال بالعيد السنوي للثورة العراقية . واعتلى صدام حسين المنصة وحوله أعضاء مجلس قيادة الثورة بزيهم العسكري . وجرت العادة كلما ظهر الرئيس أمام الجمهور أن يضرب حصار شبه كامل على بغداد . لكن تدابير الأمن في ذلك اليوم كانت أشد من أي وقت مضى . قال صدام في خطابه الذي أذيع فيما بعد :
" يعود الفضل إلى اسلحتنا الجديدة في أن الامبرياليين لن يستطيعوا بعد الآن شن هجوم عسكري علينا . ولهذا اختاروا شن حرب عصابات اقتصادية بمساعدة عملائهم من زعماء دول الخليج . فسياستهم التي ترمي إلى الابقاء على أسعار البترول المنخفضة خنجر مسموم مغروز في ظهر العراق ".

بداية طلائع القوات العراقية بالتحرك وزوال الكويت :

وفي ذلك اليوم نفسه بدأت طلائع القوات العسكرية العراقية بالتحرك باتجاه الحدود الكويتية . وفي وقت متأخر من بعد ظهر 18 تموز اجتمعت الوزارة وبدا التوتر على وجوه الوزراء وهم يخرجون من سيارات الليموزين والشمس تنحدر نحو المغيب . فالتهديد كان هناك ، ولا يبعد سوى بضعة أميال ، وتمثل في دبابات ت 62 التي كانت في طريقها إلى بلادهم . ولكن بالرغم من شعورهم بالخطر كان أكثرهم يفضل أن لا يصدق بأن وقت الانقاذ قد فات .
كان آخر من وصل هو الأمير جابر يرافقه ولي العهد ورئيس الوزراء الشيخ سعد العبد الله الصباح . وكان الأمير قد عاد لتوه من السعودية حيث عرض الملك وساطته . فتداول في الأمر مع رئيس وزرائه قبل الاجتماع . ورأى كل منهما أن العراق قد يهاجم الكويت لكنهما اعتقدا أن العملية ستنحصر في المنطقة الحدودية المتنازع عليها . وعليه فإنه لم يخطر ببالهما أن الكويت مجرد فاصلة على وجه الزوال.
كان الغرض من اجتماع الوزارة الاتفاق على صيغة الرد على مذكرة طارق عزيز التي اتهم فيها الكويت بسرقة ما قيمته 4 , 2 بليون دولار من النفط العراقي . لكن الكلمات التي ألقيت لم تكشف عن القلق والفوضى الكبيرين اللذين كان كل منهم يشعر بهما . كان أول المتكلمين هو الشيخ علي خليفة الصباح وزير النفط السابق ووزير المالية الحالي المغامر الذي يتصرف كرجال البنوك الغربيين ويتمتع بالاحترام في الأوساط المالية الدولية . قال :
" أعتقد أن العراق يحاول إنقاذ اقتصاده ويحمل دول الخليج مسؤولية فشله . لكن ينبغي أن لا نخدع انفسنا . فالعراق لن يتغير حتى بعد اجتماع الأوبيك في جنيف . وسوف يتواصل التصعيد".
وهز عدد من الوزراء رؤوسهم علامة على موافقتهم على ما قاله . لكنه تقدم باقتراح أقل واقعية فاقترح أن يصدر الحل عن مجلس التعاون الخليجي ، وهو هيئة دفاعية تضم الكويت والإمارات العربية المتحدة وعُمان وقطر والبحرين والسعودية ـ أي جميع الدول التي وصفها العراق بأنها اعداء له .
وأصر بعض الوزراء كالوزير المسؤول عن البرلمان والوزير المسؤول عن شؤون الوزارة على أن الغرض الوحيد للتهديدات العراقية هو " ابتزاز المال بل ابتزاز الكثير منه من الكويت ." حتى ان أحدهم أضاف يقول : " علينا أن نحتفظ بهدوئنا . " وذهب سليمان المطوع وزير التخطيط إلى حد القول بأن المذكرة " علامة ضعف من السهل الرد عليها " .
على أن هذه الآراء لا تمثل وجهة نظر الأغلبية الذين عبر عن رأيهم وزير الدفاع عندما قال : إنه لا يكفي أن نرفض اتهامات العراق بقولنا إن العراقيين حشدوا قواتهم على الحدود . فكان ما ينبغي معرفته ـ كما قال الأمير ـ هو مدى جدية التهديد العراقي . وقال الشيخ صباح الأحمد الصباح وزير الشؤون الخارجية الذي أذهلته مذكرة طارق عزيز وما جاء فيها من اتها مات " إن العراق قد يهاجم الكويت وإن الوضع على الحدود متفجر ، وإننا نجري محادثات مكثفة مع إخواننا في مجلس التعاون الخليجي " .
كلمة واحدة كانت على كل لسان : المفاوضة . كانت الأمل الأخير لتفادي الكارثة . لكنهم نسوا الاجتماعات الكثيرة بين مبعوثي العراق والكويت ورفض الكويتيين من حين إلى آخر ولكن بكل حزم مطالب العراقيين . وعلى أي حال فإن ولي العهد قال :
" أعتقد أن العراقيين قد يقومون بعمل عسكري ولكن العملية سوف تنحصر في الحدود في منطقتي الرتقة وأم قصر " .
وعندما أشرف الاجتماع على نهايته كان الحاضرون قد شعروا بالاطمئنان ولم تُلفت نظرهم كثيراً أهم كلمات قيلت في الاجتماع وهي كلمات وزير الدفاع الذي قال :
" ليست المذكرة العراقية سوى البداية . فالله وحده يعلم إلى أي حد سوف يذهبون . فمسألة أسعار النفط لا تخرج عن كونها حجة . فالواقع أن العراق هو الذئب ونحن الحمل " .
وعندما تحول المجتمعون إلى مناقشة الجوانب الاقتصادية اختلطت عليهم الأمور فهل كان عليهم أن يستجيبوا لطلب العراق عشرة بلايين دولار وإلغاء جميع الديون ؟
لم يتخذوا قرارا بشأن هذا الموضوع بالرغم من أن الوضع لم يكن يحتمل التأجيل . وعهد إلى الشيخ صباح الأحمد بالدعوة إلى اجتماع طارئ لمجلس التعاون الخليجي وذلك للدعوة إلى جامعة الدول العربية . لكن لم تتخذ أية إجراءات عسكرية .
وفيما كان الاجتماع منعقداً تلقى الشاذلي القليبي في تونس رسالة تبلغه أن الحكومة الكويتية سترسل إليه طائرة سويسرية خاصة لتنقله إلى الكويت للاجتماع بزعمائها . وحال وصوله إلى الكويت دعي إلى القصر لمقابلة الأمير . وأبلغه الأمير أنه فوجئ تماما بمذكرة طارق عزيز التي كانت قد قدمت له بتونس قبل أيام . ثم قال :
" ما هي المشكلة ؟ إن المذكرة قاسية ، ولا صحة لما ورد فيها . لقد قدمنا لصدام حسين الكثير من المال والنفط خلال الحرب مع إيران ".
وفيما بعد قال أحد رجال الأمير للقليبي بأن الكويت قدمت إلى العراق خلالها 17 بليون دولار وكانت تزوده ب 000 , 300 برميل من النفط يوميا . وقيل له أيضا إن هذه المعلومات لم تنشر من قبل خوفا من غضب إيران وخلق المشكلات . وعند نهاية الاجتماع قال الأمير للقليبي : " حاول أن تحل المشكلة . نحن على استعداد لحل المشكلة بطريق الحوار " .
وقرر القليبي أن يقوم بزيارة بغداد . لكن بينما كان يهم بمغادرة الفندق علم أن الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودية في طريقه إلى العاصمة العراقية . فقرر أن يبقى في الكويت ثقة منه بأن الأمير سعود الفيصل سوف يتوقف في الكويت ويخبره بما جرى في اجتماعاته مع صدام حسين.

الاحساس الكويتي بأن أمريكا لن تتخلى عنهم :

لكن الذي لم يُطلع الكويتيون القليبي عليه هو شيء آخر كانوا يفكرون فيه . فمن المرجح أنهم كانوا يعتقدون بأن الورقة الأخيرة في أيديهم هي دعم الولايات المتحدة لهم . ذلك انهم اولا لم ينسوا أن الأميركيين سمحوا لهم خلال الحرب العراقية الإيرانية أن يرفعوا الأعلام الأميركية على ناقلاتهم . وأن ذلك كان بمثابة دليل على وقوفها إلى جانبهم . وهناك وثيقة غريبة مؤرخة في 22 نوفمبر 1989 يدعي العراقيون أنهم عثروا عليها في وزارة الخارجية الكويتية في أعقاب استيلائهم على الكويت . لكن بيتر ايرنست الناطق باسم وكالة الاستخبارات المركزية ( السي آي إي ) أصدر في 30 تشرين أول 1990 تصريحا وصف فيه الوثيقة بأنها مزورة . لكنه اعترف في تصريحه بأن الشيخ الصباح نائب مدير أمن الدولة الكويتية قام في نوفمبر 1989 ـ كما تقول الوثيقة ـ بزيارة للقاضي وليم وبستر مدير الوكالة . على أن الحكومة العراقية واصلت القول بأن الوثيقة صحيحة . ومهما يكن من أمر صحتها فإنها وثيقة طريفة .
إن هذه الوثيقة عبارة عن مذكرة قيل إن فهد أحمد الفهد مدير أمن الدولة الكويتية أرسلها إلى وزير الداخلية وتقول الفقرة الخامسة منها :
" إتفقنا مع الجانب الأميركي على أهمية الاستفادة من الأوضاع الاقتصادية المتدهورة في العراق لممارسة الضغط على الحكومة العراقية لرسم الحدود المشتركة . وقد أطلعتنا وكالة الاستخبارات المركزية على وجهة نظرها حول الوسائل المناسبة للضغط قائلة بأنه لا بد من إرساء التعاون بيننا على نطاق واسع بشرط أن يجري تنسيق النشاط على المستويات العليا " .
ويشير مدير أمن الدولة أيضا أنه قام بزيارة لوانشطن استغرقت ستة أيام . ( 12 ـ 18 نوفمبر ) وعقد خلالها عدة اجتماعات سرية للغاية مع كبار المسؤولين في وكالة الاستخبارات المركزية الذين عبروا عن عدم رضاهم عن أداء الحرس الأميري المكلف بحماية الأمير . وكان الأمير قد تعرض لمحاولات لاغتياله . وتقول المذكرة بان الوكالة أيدت استعدادها لتدريب 123 شخصا تختارهم السلطات الكويتية لكي يقوموا بعد ذلك بحماية الأمير وولي العهد .
ترى هل تجاوز الكويتيون الحد لأنهم كانوا على يقين من أن واشنطن لن تتخلى عنهم ؟ كان زعماؤهم واثقين من الدعم الأميركي منذ زمن طويل وخصوصاً منذ عام 1987 أي منذ أواسط فترة الحرب العراقية الإيرانية عندما رفعت الأعلام الأميركية على ناقلاتهم لحماتيها.
وفي ذلك الوقت تماماً أعلن البرلمان العراقي قراره الذي اتخذ بالإجماع برئاسة صدام حسين مدى الحياة.

تواطؤ حسني مبارك لكي يتورط العراق أكثر :

في 24 تموز وصلت أخبار إلى مقر وكالة الاستخبارات المركزية ( السي آي إي ) مفادها أن فرقتين عراقيتين غادرتا قواهما للتمركز على الحدود الكويتية .
وفي صباح ذلك اليوم وصل حسني مبارك إلى بغداد في مهمة وساطة . ولم يكن اختيار الجامعة العربية له الأفضل نظرا للشكوك المتبادلة بين صدام حسين وبينه . ومهما يكن من أمر فإن صدام حسين قال له :
" لن استخدم القوة … لن استخدمها قبل استنفاد جميع الإمكانات عبر المفاوضات . لكن يا أخ مبارك لا تقل هذا للكويتيين لأنه لن يزيدهم إلا غروراً ".
وفي أعقاب هذا مباشرة غادر مبارك العراق إلى الكويت حيث أبلغ بعض ما سمعه إلى الأمير . قال له : " لا تقلق يا صاحب السمو فقد سمعت من صدام نفسه أنه لن يرسل قوات وأنه لا يعتزم مهاجمة الكويت ." وهكذا فإنه لم يضف إلى ذلك عبارة " قبل إستنفاد جميع الامكانات عبر المفاوضات " . ونقل مبارك العبارات المجتزأة ذاتها لواشنطن .


المقابلة بين صدام والسفيرة الأمريكية :

وفي 25 تموز استدعى صدام ابريل غلاسبي السفيرة الأميركية . ولما كانت قد أبلغت بموعد المقابلة قبل ذلك بساعة فقط فإنه لم يكن لديها الوقت الكافي لإبلاغ وزارة الخارجية بواشنطن والتزود بتعليماتها . وأدخلت السفيرة على الرئيس العراقي في الساعة الواحدة بعد الظهر . وبدا عليها التوتر وهي تهم بإجراء مقابلتها الخاصة الأولى معه . وجاء الحديث الذي جرى بينهما مفاجئا وحتى مزعجا . واستطاعت شبكة " إي بي سي " الحصول على تسجيل للحديث الذي يعتبر وثيقة كبرى بالنظر إلى ما يشتمل عليه من دلالات بعضها غير عفوي ولكن تستحق أن نوردها
حضر المقابلة طارق عزيز . واستهلها صدام بالترحيب بغلاسبي ودعاها إلى الجلوس قائلا : " لقد استدعيتك لإجراء حوار سياسي شامل معك ، وفيه رسالة موجهة إلى بوش " . قال صدام :
" تعلمين انه لم يكن هناك علاقات بيننا وبين الولايات المتحدة إلى عام 1984 . كما أنك تعرفين الظروف والأسباب التي أدت إلى قطع العلاقات . على أن قرار استئناف العلاقات اتخذ عام 1980 أي خلال الشهرين اللذين سبقا حربنا مع إيران .
" وعندما بدأت الحرب ولتجنب أي سوء تفسير أجّلنا إقامة العلاقات على أمل أن تنتهي الحرب في الحال .
" فلما تبين أن الحرب ستطول ، وللتأكيد على أننا دولة غير منحازة ، كان من المهم أن نعيد إقامة علاقاتنا بالولايات المتحدة . وكان هذا في عام 1984 .
" ومن الطبيعي القول بأن الولايات المتحدة ليست كبريطانيا مثلا . ذات العلاقات التاريخية مع الشرق الأوسط ، بما فيه العراق . ثم إنه لم تكن هناك علاقات بين العراق والولايات المتحدة بين عامي 1967 و 1984 . ويمكن للمرء أن يستنتج أنه من الصعب على الولايات المتحدة أن تتوصل إلى تفاهم تام مع العراق حول كثرة من الأمور . على أنه عندما جرى استئناف العلاقات كنا نأمل في تفهم أفضل وفي تعاون أفضل لأننا أيضا لا نفهم خلفيات كثرة من القرارات الأميركية.
" وتعامل أحدنا مع الآخر خلال الحرب وعلى مستويات مختلفة أهمها مستوى وزيري الخارجية . وكنا نأمل في تفاهم مشترك أفضل وفي فرصة أكبر للتعاون وذلك لفائدة شعبينا وباقي الأمم العربية . لكن هذه العلاقات أصيبت بشروخ . ووقع الأسوأ منها في عام 1986 وبعد سنتين فقط من إرساء تلك العلاقات خلال ما يعرف " بإيران غيت " التي وقعت سنة احتلال إيران لشبه جزيرة الفاو .
" ومن الطبيعي القول بأن قدم العلاقات وتعقد المصالح المتبادلة قد يمتصان الأخطاء . لكن عندما تكون المصالح محدودة والعلاقات حديثة العهد فإن التفاهم يصبح سطحيا وقد تؤدي الأخطاء إلى نتائج سلبية . وقد يحدث أحيانا أن يكون تأثير الخطأ اكثر خطورة من الخطأ ذاته .
" وبالرغم من ذلك فإننا قبلنا اعتذار الرئيس الأميركي عبر موفده عن " إيران غيت " وأزلنا جميع الشوائب . وينبغي علينا أن لا نستعيد الماضي إلا عندما لا تكون الأخطاء الماضية وليدة والصدفة.
" وتزايدت شكوكنا بعد تحرير الفاو . فقد أخذت وسائل الإعلام الأميركية تدس أنفها في سياسة بلادنا . ودفعتنا الشكوك إلى التساؤل عما إذ كانت نتيجة الحرب وتحريرنا لبلادنا قد أقلقا الولايات المتحدة .
" وكان من الواضح لنا أن تحريرنا لبلادنا لم يرُق لبعض الجهات في الولايات المتحدة . وليست أشير بهذا إلى الرئيس الأميركي نفسه بل إلى جهات معينة على صلة بدوائر الاستخبارات ووزارة الخارجية باستثناء وزير الخارجية . وبدأت بعض الجهات تعد دراسات بعنوان " من سيخلف صدام حسين ؟ " وأخذت تتصل بدول الخليج وتثير مخاوفها من العراق وتقنعها بعدم تقديم المساعدات الاقتصادية له . ولدينا شواهد على نشاطها هذا .
" لقد خرج العراق من الحرب وعليه دين قدره 40 مليار دولار . ولا يشمل هذا المبلغ المساعدات التي قدمتها الدول العربية . ومما يذكر أن بينها دول لا تعتبر المساعدات دينا مع أنها تعلم كما تعلمون أنتم أنه لولا العراق لما كانت لديها تلك المبالغ ، ولما كان مصير المنطقة على النحو الذي نراه .
"وبدأنا نواجه سياسة تخفيض أسعار النفط . ثم رأينا الولايات المتحدة التي تتحدث دائما عن الديمقراطية لا تعير وجهة نظر غيرها أي اهتمام . ثم بدأ الإعلام الرسمي الأميركي حملته على صدام حسين . واعتقدت الولايات المتحدة أن الوضع في العراق كالوضع في بولندا ورومانيا وتشيكوسلوفاكيا . لقد أثارت هذه الحملة قلقنا ولكننا لم نبادر إلى الرد لأننا كنا نأمل أن تتاح الفرصة لصانعي القرار في أميركا للوقوف على الحقائق ومعرفة ما إذا كان للحملة الإعلامية أي تأثير شعب العراق . كنا نأمل في أن تبادر السلطات الأميركية إلى اتخاذ القرار الصحيح بشأن علاقاتها مع العراق . فالعلاقات الجيدة تساعد على تجاوز الخلافات .
" لكن عندما تقضي السياسة المرسومة بتخفيض سعر النفط بدون سبب تجاري معقول ، فإن ذلك يعني شن حرب أخرى على العراق . فالحرب العسكرية تقتل الناس بإسالة دمائهم ، والحرب الاقتصادية تدمر إنسانيتهم بحرمانهم من فرصة التمتع بمستوى حياتي لائق . وإننا كما تعلمون نزفنا انهاراً من الدم في الحرب التي دامت ثماني سنوات لكننا لم نفقد إنسانيتنا . وللعراقيين الحق في العيش بكرامة ولا نسمح لأحد بأن ينال من كرامتهم أو من حقهم في الاستمتاع بمستوى حياتي عال .
" لقد كانت الكويت والإمارات على رأس واضعي هذه السياسة التي استهدفت النيل من مكانة العراق وحرمان شعبها من المستويات الحياتية العالية . وأنتم تعلمون أن علاقاتنا مع الإمارات والكويت كانت قبل ذلك جيدة . وفوق هذا كله وبينما كنا غارقين في الحرب أخذت الكويت تتسع على حساب أرضنا ".
وهنا أخذ صدام يشير بوضوح إلى الكويت بوصفها هدفه الرئيسي . قال :
" قد تقولون بأن هذا مجرد دعاية . لكنني الفت نظركم إلى الوثيقة التي تحدد خط الدوريات العسكرية الذي يشكل الحدود التي صدقت عليها جامعة الدول العربية عام 1961 . لقد نصت الوثيقة على أنه لا يجوز اختراقها .
" اذهبي وشاهدي بنفسك ما يجري . سترين دوريات الحدود والمزارع والمنشآت النفطية الكويتية قائمة في أقرب نقطة من الحدود وذلك لإثبات أن تلك الأراضي كويتية .
" ومنذ عام 1961 والحكومة الكويتية مستقرة ، في حين أن الحكومة العراقية تعرضت لتعديات كثيرة . وحتى بعد عام 1968 (الذي استولي فيه البعث على الحكم ) وطيلة عش سنوات كنا غارقين في مشكلاتنا مثل مشكلة الأكراد في الشمال ومشكلة حرب أكتوبر وغيرهما .
" إننا نعتقد أنه ينبغي على الولايات المتحدة أن تفهم أن الشعب الذي يعيش في رخاء وأمن اقتصادي يمكنه أن يتوصل إلى تفاهم معها حول المصالح المشتركة المشروعة لكن الشعب الجائع والمحروم اقتصاديا لا يستطيع ذلك .
" إننا لا نقبل تهديدا من أحد لأننا لا نهدد أحداً . ونقول بوضوح بأننا نأمل في أن لا تكثر الولايات المتحدة من الأوهام وأن تسعى إلى كسب الأصدقاء لا إلى زيادة أعدائها .
" لقد قرأت تصريحات أميركية عديدة عن أصدقائها في المنطقة . وبالطبع من حق الجميع ان يختاروا أصدقاءهم ولا اعتراض لدينا على ذلك . ولكنكم تعرفون جيداً انكم لستم الذين حميتم هؤلاء الاصدقاء خلال الحرب مع إيران . وأستطيع التأكيد لكم أنه لو اكتسح الإيرانيون المنطقة لما كان في استطاعة القوات الأميركية وقفهم إلا باستخدام الأسلحة النووية .
" ما اقوله لا يهدف إلى التقليل من شأنكم وانما انا آخذ بعين الاعتبار العوامل الجغرافية وطبيعة المجتمع الأميركي التي ترفض التضحية بأكثر من عشرة آلاف قتيل في المعركة الواحدة .
" تعلمون أن إيران قبلت بوقف اطلاق النار . ولكن لم يحصل ذلك بسبب قصف الولايات المتحدة لمنشأة نفطية إيرانية واحدة ، وانما حصل بعد تحرير الفاو . أهكذا يكافأ العراق لأنه ساهم في تامين استقرار المنطقة وقام بحمايتها من مدِّ لا مثيل له ؟
" ثم ماذا تعني أميركا عندما تقول الآن بأنها ستحمي أصدقاءها ؟ ليس لذلك معنى سوى التحامل على العراق .
" أقول لكم بوضوح إننا سوف نحصل على كل حق من الحقوق الواردة في المذكرة . وقد لا يحدث هذا الآن أو خلال شهر أو بعد سنة لكننا سنحصل عليها كلها . لسنا بالشعب الذي يتخلى عن حقوقه . فليس هناك حق تاريخي أو حاجة تبرر قيام الإمارات والكويت بحرماننا من حقوقنا . وإذا كانت هاتان الدولتان في حاجة إلى ذلك فنحن أحوج منهما إليه .
" ينبغي أن يكون لدى الولايات المتحدة تفهم أفضل للوضع . وعليها أن تذكر اولئك الذين تريد أن تقيم معهم علاقات وأن تقول من هم أعداؤها . وعليها أن لا تعتبر أحدا عدوا لا لسبب إلا لأنه يختلف معها في الرأي حول النزاع العربي الإسرائيلي .
" إننا نفهم بوضوح قول أميركا بأنها تريد تأمين تدفق سهل للنفط . ونفهم أميركا عندما تقول بأنها تسعى إلى صداقة دول المنطقة ، وترغب في تعزيز المصالح المشتركة . لكن ما لا نفهمه هو أن تقوم أميركا بتشجيع بعض الجهات على الحاق الضرر بمصالح العراق .
" إن الولايات المتحدة تريد أن تضمن تدفق النفط . هذا مفهوم . لكن ينبغي عليها أن لا تستخدم أساليب ثم تنكرها . إن ذلك من قبيل ليّ العضلات والضغط . فإذا استخدمتم الضغط فسوف نستخدم الضغط والقوة .
" إننا نعلم أنه باستطاعتكم إلحاق الضرر بنا حتى ولو لم نهددكم . لكن باستطاعتنا أيضا أن نلحق الضرر بكم ففي وسع كل شخص أن يسبب ضررا يتناسب مع قوته وحجمه . ليس باستطاعتنا أن نزحف على بلادكم لكن باستطاعة الأفراد من العرب الوصول إليكم

تهديد مباشر :

وهنا ضرب صدام حسين بالمجاملات الدبلوماسية عرض الحائط وأخذ يهدد الولايات المتحدة بموجة من الهجمات الارهابية . ولكي يجعل الأمور أكثر وضوحا قال :
" في استطاعتكم المجيء إلى العراق ومعكم الصواريخ والطائرات لكن لا تدفعونا إلى الحد الذي لا نعود عنده نهتم بما يحدث . وعندما نشعر بأنكم تريدون جرح كرامتنا وحرمان العراق من فرصة تحقيق مستوى حياتي أفضل فإننا لن نأبه لشيء وسيكون خيارنا الموت . ولن نخاف عندئذ إذا أطلقتم مئة قذيفة مقابل كل قذيفة من قذائفنا . فالحياة بلا كرامة لا قيمة لها .
وكان هذا تهديداً للرئيس بوش بأن صدام حسين مستعد لمحاربة أميركا بالرغم من أنه كان يعلم أنه يرجح أن يخسر المعركة . وأضاف يقول :
" ليس من المعقول أن يًطلب من الشعب العراقي نزف أنهار من الدم خلال الاعوام الثمانية الماضية ثم يُقال له : عليك الآن أن تقبل بعدوان الكويت والإمارات العربية والولايات المتحدة وإسرائيل . نحن لا نضع جميع هذه البلدان في سلة واحدة . ومما يؤذينا ويزعجنا أن تكون هناك خلافات بيننا وبين الكويت والإمارات . لكن ينبغي أن يكون الحل في الإطار العربي وعبر العلاقات الثنائية المباشرة . نحن لا نضع الولايات المتحدة أيضا في خانة الأعداء . نحن نضعها في الموقع الذي نريده لاصدقائنا ونبذل الجهد كي تكون في عداد أصدقائها . ولكن تصريحاتكم المتكررة في العام الماضي تظهر جليا ان أميركا لا تعتبرنا اصدقاء لها ، حسنا ، فهم أحرار فيما يفعلون .
" وعندما نبحث نحن عن الصداقة فإننا نطلب الشرف والحربة وحق الاختيار . وكما نريد التعامل مع غيرنا على مستوانا ، نتعامل مع الآخرين على مستواهم . نحن نأخذ مصالحنا ومصالح الآخرين بعين الاعتبار ونطلب من الغير مقابلتنا بالمثل . ماذا يعني استدعاء وزير الدفاع الصهيوني ، هذه الأيام ، إلى الولايات المتحدة الأميركية ؟ وما هو معنى التصريحات النارية لإسرائيل مؤخراً ؟ وماذا يعني تكاثر الحديث عن الحرب إلى درجة لا مثيل لها ؟ " .
يبدو واضحا أن الرئيس صدام كان لا يزال يعاني من صدمة ضرب مفاعل اوزيراك النووي . فلم يتردد عن الإفصاح عن مخاوفه من هجوم إسرائيلي وشيك وربما بمساعدة الولايات المتحدة الأميركية وقال :
" نحن لا نريد الحرب لأننا نعرف ما تعنيه . لكن لا تدفعونا إلى اعتبارها الحل الوحيد للعيش في كرامة وعلى مستوى حياتي لائق .
" نحن نعلم أن الولايات المتحدة الأميركية تمتلك السلاح النووي . ولكننا مصممون على العيش بكرامة أو الموت حتى آخر فرد فينا. ولا نعتقد أنه يوجد شخص واحد في العالم لا يفهم ما أعنيه . نحن لا نطلب منكم حل مشاكلنا . لقد قلت إن المشاكل العربية تحل بين العرب وإنما المطلوب منكم عدم تشجيع أحد على فعل لا يقوى على تحمل عواقبه . ولا أعتقد بأن صداقة العراق تؤذي أحدا . وفي رأيي أن الرئيس بوش لم يقترف أخطاء مع العرب ، مع اعتقادي بخطأ تجميد الحوار مع منظمة التحرير الفلسطينية . ويبدو أنه اتخذ هذا القرار لتهدئة اللوبي الصهيوني أو أنه كان جزءا من استراتيجية ترمي إلى استيعاب الغضب الصهيوني قبل إعادة الحوار من جديد مع منظمة التحرير . وأتمنى ان يكون الاستنتاج الثاني هو الصائب . على أننا سنظل نعتبره قرارا خاطئا .ترى متى سيأتي الوقت الذي تمتدحون العرب فيه مرة واحدة مقابل كل ثلاثة تصريحات تصدرونها لإرضاء الصهيونية . ومتى ستسعى البشرية إلى حل أميركي يقيم التوازن بين حقوق مئتي مليون من البشر وبين حقوق ثلاثة ملايين يهودي .
" نحن ننشد الصداقة ولكننا لا نجري وراء أحد من أجلها , وكذلك فإننا نرفض العدوان المسلح أيا كان مصدره . وإذا جوبهنا بالعدوان فإننا سنقاوم . وهذا حقنا سواء أجاء العدوان من أميركا أم من الإمارات أو الكويت أو إسرائيل . لكنني لا أضع هذه الدول على مستوى واحد . فإسرائيل اغتصبت الأرض العربية بمساعدة الولايات المتحدة . ثم ان الكويت والإمارات لا تؤيدان إسرائيل , وعلى أي حال فإنهما تظلان عربيتين . لكن عندما تحاولان إضعاف العراق فإنهما انما تساعدان بذلك الأعداء وللعراق الحق عندئذ في الدفاع عن نفسه " .
وهنا ولكي يزيد من كلامه أعاد إلى الذاكرة حدثين سابقين من شأنهما أن يساعدا الولايات المتحدة على التفكير ، فقال :
" التقيت في عام 1974 بإدريس ابن الزعيم الكردي الراحل الملا مصطفى البرازاني . وجلس عندئذ على الكنبة ذاتها التي تجلسين عليها الآن . جاء عندئذ ليطلب مني تأجيل تطبيق الحكم الذاتي في كردستان العراقية الذي اتفق عليه في 11 مارس 1970 . وكان جوابي له : " إننا مصممون على الوفاء بالتزاماتنا . وعليكم انتم أيضا أن تلتزموا بالاتفاق . " وعندما أحسستُ بأن لديه نوايا عدوانية قلت له : " بلغ تحياتي لأبيك وقل له بأن صدام حسين يقول ما يلي . " ثم أطلعته على ميزان القوى مدعما بالإحصائيات تماما كما فعلت مع الإيرانيين في رسائلي المفتوحة لهم خلال الحرب وختمت حديثي معه بتلخيص العواقب بجملة واحدة وهي " إذا حاربنا فإننا سننتصر " أتعرفين لماذا ؟ شرحت له جميع الأسباب بما فيها السبب السياسي . فالأكراد ( في عام 1974 ) كانوا يعلقون الآمال على خلافاتنا مع شاه إيران . وكان سبب النزاع مع إيران هو مطالبها في شط العرب . ولم نكن على استعداد للقيام بتنازلات . لكن لو أجبرنا على الاختيار بين
نصف شط العرب وبين العراق كله فإننا نتنازل عن شط العرب للحفاظ على العراق كما نريده .
" ونحن نأمل أن لا تدفعوا الأحداث إلى الحد الذي نجد فيه أنفسنا مضطرين إلى تذكر الاختيار الذي اضطررنا له في علاقاتنا مع إيران . وبعد اجتماعنا مع ابن البرازاني تنازلنا عن نصف شط العرب ( بموجب اتفاق الجزائر عام 1975 ) . وتوفي البرازاني ودفن خارج العراق وخسر الحرب .
ثم توجه صدام بحديثه إلى السفيرة وقال :
" نأمل في أن لا ندفع إلى هذا . فكل ما يقف في طريق علاقاتنا مع إيران هو شط العرب . فإذا كان علينا أن نختار بين شط العرب والعيش بكرامة فإننا سنفاوض معتمدين على الحكمة التي أظهرناها عام 1975 . وكما أن البرازاني أضاع الفرصة التاريخية فسوف يضيع الآخرون فرصتهم .
وختم صدام هذا السرد التاريخي بقوله بدون مجاملة :
" وفيما يختص بالرئيس بوش آمل أن يقرأ هذا بنفسه وأن لا يترك في أيدي إحدى عصابات وزارة الخارجية التي استثني منها وزير الخارجية وكيلي لأنني أعرفه وتبادلت الرأي معه .
وأخيرا استطاعت غلاسبي أن تجيب فقالت :
" أشكرك أيها السيد الرئيس ، إنه يسر أي دبلوماسي أن يجتمع بك ويتحدث معك . إنني أفهم رسالتك بوضوح . لقد درسنا التاريخ وعلمونا أن نقول : " الحرية أو الموت " .
" أعتقد انك تعلم جيداً أننا شعب كانت لنا تجربتنا مع المستعمرين .
" يا سيدي الرئيس ، ذكرت خلال هذا الاجتماع أشياء كثيرة لا أستطيع التعليق عليها نيابة عن حكومتي . لكن إذا سمحت فسوف أعلق على نقطتين . لقد تحدثت عن الصداقة ، وأعتقد أنه اتضح من الرسائل التي بعثها رئيسنا أنه بمناسبة اليوم الوطني يؤكد …
وهنا قاطعها الرئيس قائلا: " لقد كان لطيفا وظفرت كلماته بتقديرنا واحترمنا . " فقالت غلاسبي : " كما تعلمون فإنه طلب من الادارة الأميركية رفض اقتراح تطبيق العقوبات التجارية ." فقال صدام وهو يبتسم : " لم بعد في أميركا ما يمكننا شراؤه سوى القمح . فكلما أردنا شراء شيء آخر قالوا لنا إن بيعه محظور عليهم . وأخشى أن تقولوا لي يوما : " إنكم ستصنعون البارود من القمح " . وهنا سارعت غلاسبي إلى طمأنته بقولها : لدي تعليمات مباشرة من الرئيس الأميركي تقضي بالسعي إلى إقامة علاقات أفضل مع العراق . " وهنا تساءل صدام حسين : " لكن كيف ؟ ونحن أيضا راغبون في ذلك لكن الأمور تجري على نحو يناقض رغبتنا . " فأجابت غلاسبي بقولها :
" كلما واصلنا المحادثات كلما قل احتمال حدوث ذلك . فمثلا أشرتم إلى قضية المقال الذي نشرته وكالة الإعلام الأميركية . لقد كان الأمر محزنا وقد م لكم اعتذار رسمي بشأنه " .
وهنا مال صدام نحوها بطريقة ساحرة وقال : " كان موقفكم كريما . ونحن عرب يكفينا أن يقول لنا أحدهم : ( آسف . لقد أخطأت) وتعود الأمور إلى مجاريها . لكن الحملة الإعلامية استمرت وحفلت بكثرة من القصص . ولو كانت هذه القصص صحيحة لما أغضبت أحدا . لكن ما نستخلصه من استمرارها هو أن هناك تصميم على ( إفساد علاقاتنا ) . ووافقت غلاسبي على ما قاله ومضت تقول :
" لقد شاهدت بنفسي برنامج ديان سواير على قناة ( أي بي سي ) وما حدث فيه رديء ويفتقر إلى الموضوعية . إنه صورة حقيقية لما يحدث في الاعلام الأميركي حتى السياسين الأميركيين أنفسهم . تلك هي أساليب الإعلام الغربي . ويسرني انكم تضمّون صوتكم إلى أصوات الدبلوماسيين الذين يواجهون وسائل الإعلام بشجاعة . إن ظهوركم ولو لدقائق قليلة في وسائل الاعلام يساعد على فهم الشعب الأميركي للعراق ، ويعزز التفاهم المتبادل ولو كان الرئيس الأميركي يملك رقابة على الاعلام لكان عمله أسهل .
" إن الرئيس بوش يا سيدي لا يريد إقامة علاقات أفضل وأعمق معكم فحسب ، بل وإسهامكم في السلام والرخاء في الشرق الأوسط . والرئيس بوش رجل ذكي . ولن يقوم بإعلان حرب اقتصادية على العراق .
" ما تقوله صحيح . وأنت مصيب في قولك إننا لا نريد أسعارا أعلى للنفط . لكنني اطلب منك أن تنظر في إمكان عدم تقاضي أسعار باهظة للنفط " .
فقال الرئيس صدام بلهجة ودية :
" نحن لا نريد أسعارا عالية جدا . ودعيني أذكرك بأنني في عام 1974 أوحيت لطارق عزيز بفكرة المقال الذي كتبه منتقدا سياسة الابقاء على أسعار النفط المرتفعة . وكان أول مقال عربي يعبر عن ذلك الرأي " .
وتدخل طارق عزيز لأول مرة وقال : " إن سياستنا في منظمة الأوبيك تعارض في القفز المفاجئ للأسعار " . فقال الرئيس :
" إن 25 دولار للبرميل ليس بالسعر المرتفع " . فقالت السفيرة :
" لدينا كثرة من الأميركيين الذين يريدون سعرا أعلى لأنهم من المناطق التي تنتج النفط " . وكان
هذا هو الضوء الأخضر الثاني الذي جعل صدام حسين يعتقد أن السفيرة ، ومن خلالها الرئيس بوش ، يوافقان على طلبه رفع الأسعار . فقال صدام :
(( كان السعر في إحدى المراحل 12 دولارا للبرميل الواحد . وتخفيض الميزانية العراقية بمقدار 6 ـ 7 كارثة )) فأجابت السفيرة :
(( أعتقد أنني أفهم هذا . لقد عشت هنا سنوات . وأنا معجبة بجهودكم الخارقة لبناء بلادكم . أعرف أنكم بحاجة إلى الاموال . إننا نفهم ذلك . ورأينا هو أنه ينبغي إتاحة الفرصة لكم لاعادة بناء بلادكم . لكن ليس لنا رأي في نزاعات العرب فيما بينهم مثل نزاعكم مع الكويت حول الحدود.
" لقد كنت في السفارة الأميركية بالكويت في أواخر الستينات . وكانت تعليماتي تقضي بعدم إبداء الرأي في هذه القضية التي لا شأن لنا فيها . لقد أصدر جيمس بيكر أمرا إلى الناطق الرسمي للتأكيد على ذلك . إننا نأمل في أن تحلوا القضية بالوسائل المناسبة عبر القليبي أو الرئيس مبارك . وكل ما نرجوه هو حلول سريعة لهذه القضايا " .
( وهذا ضوء أخضر آخر فيما يتعلق بالخلافات حول الحدود مع الكويت ) .
وأضافت غلاسبي :
" هل لي ياسيادة الرئيس أن أتحدث عن صورة هذا كله في أذهاننا ؟
" في تقديري ـ بعد خمس وعشرين سنة من الخدمة في هذه المنطقة ـ أنه ينبغي أن تظفر أهدافكم بتأييد اخوانكم العرب . وأنا الآن أتحدث عن النفط . لكنك يا سيادة الرئيس خضت حربا مريرة مؤلمة . وأقول بصراحة إنني الآن لا أرى سوى قواتكم المحتشدة في الجنوب . وذلك في الاحوال العادية ليس من شأننا . لكن عندما يحدث هذا في إطار ما قلته في عيدكم الوطني ، وعندما نقرأ التفصيلات الواردة في رسالتين من الإمارات والكويت هي بعد التحليل الدقيق بمثابة عدوان عسكري على العراق ـ عندما نقرأ هذا لا بد وأن يساورنا القلق . ولهذا السبب تلقيت تعليمات تطلب مني أن أسألكم بروح من الصداقة لا بروح من المواجهة عن نواياكم .
" إنني في هذا لا أعدو وصف قلق حكومتي . ولا أعني أن الوضع سهل لكن قلقنا مجرد قلق " .
فقال الرئيس صدام :
" نحن لا نطلب من الناس أن لا يشعروا بالقلق عندما يكون السلام على المحك . فذلك شعور إنساني نبيل نشعر جميعا به . ومن الطبيعي أنكم بوصفكم قوة كبرى أن تشعروا بذلك . لكن ما نطلبه هو أن لا تعبروا عن قلقكم على نحو يمكن أن يحمل المعتدي على الاعتقاد بأن عدوانه يظفر بالتأييد .
" نريد التوصل إلى حل يضمن لنا حقوقنا ولا يحرم الآخرين من حقوقهم . وفي الوقت ذاته نريد من الآخرين أن يعلموا أن لصبرنا حدودا فيما يتعلق بأعمالهم التي تضر بحليب أطفالنا ومعاشات الأرامل اللواتي فقدن أزواجهن خلال الحرب ، ومعاشات اليتامى الذين فقدوا والديهم .
" نحن كدولة لنا الحق في الازدهار . لقد أضعنا فرصا كثيرة بسبب الحرب ، وعلى الآخرين أن يقدروا دورنا في حمايتهم . وحتى هذا العراقي ( وأشار صدام إلى المترجم ) يشعر بالمرارة كسائر العراقيين . لسنا معتدين ولا نقبل العدوان . لقد ارسلنا مبعوثين ورسائل مكتوبة . وفعلنا كل ما بوسعنا عمله فطلبنا من خادم الحرمين الشريفين الملك فهد أن يعقد مؤتمر رباعية . لكن الملك اقترح اجتماعا لوزراء البترول . وقبلنا . وجرى الاجتماع في جدة كما تعلمين . وتوصل المجتمعون إلى قرارات لا تعبر عما اردناه . ومع ذلك قبلناها .
" وبعد الاجتماع بيومين فقط أصدر وزير النفط الكويتي تصريحا يناقض الاتفاق . وبحثنا المسألة خلال قمة بغداد . وأخبرت الملوك والرؤساء بأن بين اخواننا من يشنون علينا حربا اقتصادية وأن بعض الحروب لا تستخدم فيها الأسلحة وأننا نعتبر هذا النوع من الحرب عملا عسكريا موجها ضدنا . فإذا ضعفت قدرة جيشنا ، وإذا عادت إيران إلى الحرب فإنها قد تحقق الأهداف التي عجزت عن تحقيقها في الماضي . ثم إن ضعف قدراتنا الدفاعية قد يشجع إسرائيل على مهاجمتنا . قلت هذا أمام الملك والرؤساء العرب ولم أذكر اسمي الإمارات والكويت لأنهما كانا في ضيافتنا.
" وكنت قبل ذلك قد أرسلت مبعوثين لتذكيرهم بأن حربنا ضد إيران اشتملت على الدفاع عنهم . وعليه فإنه ينبغي عليهم أن لا يعتبروا الأموال التي قدموها لنا ديونا . لقد فعلنا أكثر مما كانت الولايات المتحدة ستفعله مع من يهاجم مصالحها .
" وتحدثت عن هذه المسألة مع عدد من الدول العربية الأخرى وشرحت الوضع لأخي الملك فهد عدة مرات عبر المبعوثين والهاتف . وتحدثت مع أخي الملك حسين ومع الشيخ زايد بعد مؤتمر القمة . ورافقت الشيخ زايد إلى الطائرة عندما كان في الموصل ، فقال لي : " انتظر حتى أصل إلى بلادي " . لكن ما حدث بعد وصوله هو صدور تصريحات في غاية السوء لا عنه وانما عن وزير نفطه.
" وبعد اتفاق جدة بلغنا أنهم يتحدثون عن الالتزام بالاتفاق لمدة شهرين فقط يقومون بعدها بتغيير سياستهم . والآن قولي لنا : ماذا كان سيفعل الرئيس الأميركي لو وجد نفسه في موقف كهذا . لقد ذكرت أنه كان من الصعب على أن اتحدث عن هذه القضايا علنا . لكن علينا أن نخبر الشعب العراقي الذي يواجه المصاعب الاقتصادية عن المسؤول عن ذلك ."
وإزاء هذه الكلمات القاسية فضلت غلاسبي تغيير الموضوع فقالت : " لقد قضيت أربعة أيام في مصر . " فقال صدام :
" الشعب المصري لطيف وطيب وعريق .ويفترض في دول النفط أن تساعده لكنهم لؤماء إلى حد لا يتصوره المرء . ومن المؤلم الاعتراف بذلك . والعرب يكرهون بعضهم بسبب جشعهم . " فقالت السفيرة :
" إنك تساعدنا يا سيدي الرئيس لو شرحت لنا تقديرك للجهود التي بذلها إخوانك العرب وما حققته " . فقال الرئيس "
" فيما يتعلق بهذا الموضوع اتفقنا مع الرئيس مبارك على قيام رئيس وزراء الكويت بالاجتماع مع نائب رئيس مجلس قيادة الثورة في السعودية لأن السعوديين بادروا إلى الاتصال بنا بفضل جهود الرئيس مبارك . وقد اتصل مبارك بي قبل قليل وأبلغني موافقة الكويتيين على الاقتراح . " فقالت السفيرة بارتياح " تهانينا ! "
فواصل صدام كلامه قائلا :
" سوف يعقد اجتماع بروتوكولي في السعودية ، ثم ينتقل المجتمعون إلى بغداد لإجراء مناقشات أعمق بين الكويت والعراق مباشرة . ونأمل في أن يتغلب بعد النظر والحرص على المصالح الحقيقية على جشع الكويتيين . " فسألته السفيرة : " هل لي أن أسألك متى تتوقع أن يصل الشيخ سعد إلى بغداد ؟ " فأجاب الرئيس :
" أعتقد أنه سيصل يوم السبت أو الاثنين على أبعد تقدير ( 28 أو 30 ) تموز وقد أبلغت الأخ مبارك أن الاتفاق سيتم في بغداد يوم السبت أو الاحد . وأنت تعرفين أن زيارات مبارك كانت دائما تبشر بالخير " فقالت السفيرة "
" هذه أخبار جيدة ، تهانينا " وهنا توقف صدام حسين عن اللعب بأوراقه وقال :
" ابلغني أخي مبارك أنهم ( الكويتيين ) في خوف شديد . وقالوا إن القوات العسكرية على بعد عشرين كيلو مترا فقط من خط الجامعة العربية ( الحدود ) . فقلت للرئيس المصري إنه بغض النظر عمن هناك وسواء ، أكانوا من البوليس أم حرس الحدود أم الجيش ، وبغض النظر عن عددهم وعما يفعلونه يمكنك أن تطمئن الكويتيين وأن تعدهم بالنيابة عنا بأننا لن نفعل شيئا إلى أن نجتمع بهم . فإذا وجدنا عندما نجتمع بهم أن هناك أملا فلن يحدث شيئا . ولكن إذا تعذر التوصل إلى حل فسيكون من الطبيعي أن لا يقبل العراق بالموت حتى ولو كانت الحكمة فوق كل شيء وهذه أخبار جيدة " فقال طارق عزيز : هذا للصحافة وحدها ."
على أن كل ما بقي في ذهن غلاسبي من المقابلة هو هذه الخاتمة المتفائلة ونسيت التهديدات والانذارات التي أطلقها صدام حسين خلال حديثه . واستأذنت السفيرة بعد أن طمأنت الرئيس العراقي مرة أخرى إلى أن رسالته ستصل إلى الشخص الموجهة إليه . قالت :
" أعتزم الذهاب إلى الولايات المتحدة يوم الاثنين القادم ( 30 تموز ) . وآمل أن اجتمع مع الرئيس بوش في واشنطن خلال الاسبوع القادم. وقد خطر ببالي أن أؤجل سفري بسبب المصاعب التي تواجهنا . وعليه فإنني سأسافر يوم الاثنين ."
وأخيرا تبادلت هي وصدام التحيات والتمنيات .


اطمئنان كويتي غير عادي وعدم ثقة بالعراقيين والسعوديين :

أمضى الشاذلي القليبي 48 ساعة في الكويت بانتظار وصول وزير الخارجية السعودي لإبلاغه ما جرى في اجتماعاته ببغداد لكنه تركها وهو يشعر بالإحباط لأن الوزير لم يظهر . وعندما انتهت مقابلة غلاسبي للرئيس صدام توجه طارق عزيز بعد أن حضر المقابلة إلى فندق الرشيد لتناول الغداء مع القليبي الذي كان قد وصل إلى بغداد في ذلك اليوم . وفيما كان عزيز ينفث دخان سيجاره ويشرب كأسا من الويسكي واصل التصلب الذي أظهره في 17 تموز عندما سلمه المذكرة.
تحدث عزيز عن المؤامرات التي ضد العراق وقال بأن الولايات المتحدة ضالعة فيها . وقال : " إن عدالة موقف العراق شيء مؤكد " ، وأضاف بأن على الاسرة الحاكمة في الكويت أن ترحل وأنهم يسرقون النفط ويحاولون تدمير الشعب العراقي .
كان القليبي قد سمع حسني مبارك يقول للكويتيين والأميركيين بأن صدام حسين قال له لن يكون هناك عزو للكويت . فسأل القليبي طارق عزيز : " ماذا قال صدام حسين لمبارك ؟ "
أجابه عزيز وهو ينفث دخان سيجاره : " لا أعرف ما الذي قاله له . لكن ما أعرفه هو أن كل شيء يعتمد على اجتماع جدة في 31 يوليو مع الكويتيين . فكل شيء يتوقف عليه . "
وفي مساء ذلك اليوم توجه القليبي إلى الكويت لابلاغ الأمير .
في 26 تموز وهو اليوم الذي اكتشفت فيه المخابرات احتشاد أكثر من 000 ,30 جندي عراقي على حدود الكويت قام القليبي بإبلاغ أمير الكويت وولي العهد ووزير الخارجية الكويتيين ما جرى في اجتماعه ببغداد . فساور القلق الزعماء الكويتيين ولكنهم ظلوا مقتنعين بأن الغزو لن يقع . وذكر القليبي اجتماع القمة بجدة في 31 يوليو . فقيل له بأن السعوديين والمصريين سوف يعملون على انجاحه .
لكن ما لم يعرفه القليبي خلال وجوده في هذه الاجتماعات هو أن الأمير تلقى في اليوم ذاته رسالة هامة من الملك فهد يرحب هذا فيها بحضوره إلى جدة في 31 يوليو للمشاركة في مؤتمر جدة . وجاء فيها :
" في الوقت الذي اتطلع فيه إلى هذا الاجتماع الأخوي أود أن أقول بأنني على يقين تام من أن حكمتكم وبعد نظركم سوف يحققان أهدافنا بمشيئة الله ويرسخان الحب والتفاهم بين الدولتين الشقيقتين ."
ومن الواضح أن الملك قصد التأكيد للأمير على أهمية توصله في مؤتمر الكويت إلى اتفاق مع العراق . لكن الأمير كان قد قرر عدم حضور المؤتمر مما أغضب صدام حسين فيما بعد . ودون ملاحظة على رسالة الملك فهد إليه يطلب فيها من أخيه الشيخ سعد ولي العهد أن يمثله في ذلك المؤتمر . وورد في الملاحظة قوله :
" ينبغي أن نحضر الاجتماع وفقا للشروط السابقة . ومن المهم أن لا ننسى مصالحنا ، وعليه فلا تأبه لما قد يقوله لك السعوديون والعراقيون عن الأخوة والحفاظ على التضامن العربي فلكل طرف مصالح عليه أن يرعاها . إن السعوديين يريدون إضعافنا واستغلال تنازلاتنا للعراقيين وذلك لكي نقدم لهم تنازلات في المنطقة المنزوعة السلاح . أما العراقيون فيريدون تعويض خسائر الحرب من مواردنا . ولن نستجيب لمطالب أي منهما … وذلك أيضا هو موقف أصدقائنا في مصر وواشنطن ولندن . ونتمنى لك حظا سعيدا ".
وبعث الأمير برسالة إلى الملك فهد يشكره فيها على دعوته ويبلغه بأن أخاه سيمثله ويبدو فيها في غاية التفاؤل بقوله :
" دعني اشكرك وأثني على مجهودك الأخوي وحكمتك وبعد نظرك . ونحن على يقين من اجتماعنا برعايتكم ودعمكم سوف يؤدي بمشيئة الله إلى النتائج المرجوة والى التخلص من المصاعب والى المتبادلة والحب للجميع ".
وكانت الرسالتان والملاحظة لولي العهد مؤشرات هامة على أن قمة جدة لن تنجح.

تحذير واشنطن لعملائها في المنطقة :

وفي 27 تموز ارسلت وكالة المخابرات المركزية الأبيض صورا جوية لحشود متزايدة من الرجال والتعاد . فبادرت واشنطن إلى تحذير الكويت ومصر والسعودية . لكن ردود هذه الدول على التحذير أجمعت على استبعاد فكرة الغزو وتحدثت عن " ابتزاز عراقي " للحصول على جزيرتين كويتيتين في الخليج وعلى حقل نفط متنازع عليه . وشاركتهم الرأي وزارة الخارجية الأميركية ومجلس الأمن القومي .
وفي 18 يوليو أخذت تقارير وكالة الاستخبارات المركزية تبدو أكثر دقة وتنذر بالمزيد من الخطر . إذ ذكرت أن الرئيس العراقي أنشأ خطوط إمداد واسعة لقواته العسكرية المتمركزة على الحدود ، كما أشارت بوجه خاص إلى العدد الكبير من الشاحنات الذي يوفر الدعم اللوجستي . وكان وليم وبستر مدير الوكالة مقتنعا بأن مثل ذلك الدعم اللوجستي ضروري إذا كان الغرض من العملية مجرد الترهيب .
وأخذت وكالة الاستخبارات تتلقى معلومات جديدة في كل ساعة تقريبا . وكان مصدر اكثر هذه المعلومات هو من وكالة الأمن القومي.

فينك ما شفناك في غزوة سبتمبر التدريبية :

كانت هذه الوكالة التي تفوق وكالة الاستخبارات كثيرا في حجمها وميزانيتها أكبر وأحدث مركز للمعلومات في العالم . وهي تقوم في " فورت ميد " بالقرب من واشنطن وتتألف ، كالدماغ البشري ، من منطقتين : منطقة اليمين المسماة " كاريبون " ومنطقة اليسار " لودستون " . وكانت لديها أجهزة كومبيوتر ضخمة قادرة على استيعاب 200 مليون كلمة في الثانية أي ما يعادل 2500 من الكتب التي يحوي كل واحد منها 300 صفحة . وبفضل مراكز التنصت التابعة لها والموزعة في أرجاء العالم وأقمار تجسسها ، كانت قادرة على التقاط الأحاديث السرّية وعلى تحديد تحركات الفرق العسكرية ، مهما صغرت ، في كل نقطة من الأرض . وهي بفضل محلليها ورياضييها ومترجمي رموزها ، وكلهم من أفضل الجامعيين الأميركيين ، تستطيع حتى معرفة دقائق حديث يجري في غرفة مقفلة وذلك بقياس الكتروني لذبذبات زجاج النوافذ بواسطة أشعة غير مرئية .

إهانة الأمير جابر لعرفات ( يستاهل ) والدليل على تنفيذ الكويت لأوامر عليا :

في 28 تموز نفسه ، قابل ياسر عرفات صدام حسين الذي طلب منه الذهاب إلى الكويت وقال له : " تحدث مع الأمير وأبلغه أنه إذا دفع عشرة مليارات دولار مقابل استثماره حقل الرميلة النفطي على الحدود ، فسوف اسحب بعض قواتي " .
ولم يقل صدام حسين لعرفات بأنه لا يعتزم غزو الكويت .
وفي 29 تموز وصل رئيس منظمة التحرير الفلسطينية إلى الكويت . واضطر إلى انتظار ساعات طويلة قبل مقابلته الأمير . وما أن بدأ عرفات بعرض الاقتراح العراقي حتى قاطعه الأمير جابر بفظاظة : " لا أريد النقاش في هذا الموضوع . فخلال ثمانية وأربعين ساعة سأكون في طريقي إلى جدة لعقد قمة مع العراق ولنتكلم بدلا من ذلك عن الهجرة اليهودية السوفييتية إلى إسرائيل ".
كان الاحتقار والجفاء يطغيان على لهجة الامير . وبالرغم من المهانة التي شعر بها عرفات فإنه لم يستطع أن يقول شيئا . فالكويت كانت الممّول الرئيسي لمنظمة التحرير الفلسطينية .
وعند نهاية الاجتماع حاول عرفات العودة إلى الاقتراح العراقي ولكن الامير قاطعه من جديد : " قلت لك بوضوح ، لا أريد الخوض في الموضوع " .
"عليكم دفع مبلغ عشرة ملايين دولار . فالعراقيون خطرون . وأنت تعلم أنني أنا من الكويت وعشت فيها عدة سنوات . حاولوا أن تحلوا المشكلة . " فأجاب الأمير سعد : " أنا ذاهب إلى جدة . " فقال عرفات :
" لا تذهب خالي الوفاض . اقترح حلاً . " فأتى الأمير بحركة تدل على الضجر وقال : " القرار الأخير للأسف ليس بأيدينا " . وكان من الواضح أنه في غاية القلق بسبب تطور الأحداث على ذلك النحو . فسأله عرفات : " هل أنتم مستعدون لمجابهة عسكرية " . فهز سعد رأسه وقال : " لا لسنا أقوياء كالعراق . ونحن لا ننوي القتال " .

ضوء أخضر أمريكي للعراق باجتياح الكويت :

وبحلول 30 تموز صار بمقدور وكالة الاستخبارات المركزية تكوين صورة تقديرية واضحة للحشود العراقية قرب الحدود الكويتية : ( مئة ألف ) جندي عراقي بينهم قوات النخبة التابعة للحرس الجمهوري ، 300 دبابة و 300 مدفع ثقيل . وكانت واشنطن لا تزال تلتزم الصمت .
ولم يقطع حبل الصمت إلا عندما دخل جون كيلي في اليوم التالي مبنى الكابيتول ليدلي بشهادته أمام لجنة الشرق الأوسط الفرعية التابعة لمجلس النواب . وبعد أن أدلى بها أجاب بهدوء على الأسئلة التي وجهت إليه وخصوصا أسئلة النائب لي هاملتون الذي قال :
" ورد في الصحف تصريح لوزير الدفاع ريتشارد تشيني يقول فيه إن الولايات المتحدة ملتزمة بالدفاع عن الكويت إذا هوجمت . فهل هذا هو ما صرح به ؟ هل يتفضل السيد كيلي بتوضيح هذا الأمر ؟ " فرد كيلي بقوله :
" لا أعرف التصريح الذي تشير إليه . ولكنني واثق من موقف الحكومة من هذه القضية . ليست هناك معاهدة بيننا وبين دول الخليج . هذا واضح . ونحن ندعم استقلال وأمن جميع الدول الصديقة في المنطقة . ولنا قوات بحرية في المنطقة منذ عهد ادارة ترومان وذلك لأن استقرارها يخدم مصالحنا . ونحن ندعو إلى حل سلمي لجميع النزاعات ونعتقد بوجوب احترام سيادة كل دولة في الخليج " . فقال لي هاملتون :
" وماذا سيكون موقفنا من استخدام القوات الأميركية إذا تجاوز العراق مثلا الحدود الكويتية ؟ فرد كيلي بقوله :
" هذا سؤال افتراضي لا أستطيع التعرض له . واكتفي بالقول بأن هذا سيكون موضع اهتمامنا الشديد ولكني لا أستطيع الخوض في ميادين الافتراض " . فسأله لي هاملتون :
" لكن إذا حدث شيء من هذا فهل يكون موقفنا صحيحا إذا قلنا بأنه لا توجد معاهدة أو التزام يوجب استخدام القوات الأميركية ؟ " فأجاب كيلي :
" هذا صحيح تماما " .
وأذاعت محطة الاذاعة البريطانية (بي بي سي) تصريحات كيلي وسُمعت في بغداد . وعليه ففي هذا الوقت الحرج وعندما السلم والحرب في الميزان أرسل كيلي إشارة إلى صدام يمكن اعتبارها تعهدا بعدم تدخل الولايات المتحدة .

هل هو خطأ مقصود :

ولا يوجد في تاريخ الدبلوماسية الأميركية الحديث سوى خطأ واحد في الحسابات مثل هذا وذلك عندما قال دين أتشيسون وزير الخارجية للكونجرس عام 1950 بأن " كوريا الجنوبية ليست في مجال الدفاع الأميركي . " وفي اعقاب ذلك قامت كرويا الشمالية بغزو كوريا الجنوبية.
وفي اليوم ذاته غادر ثلاثة من المسؤولين العراقيين بغداد إلى جدة للاجتماع بالوفد الكويتي ومواصلة المفاوضات . وكان هذا الاجتماع آخر خيط رفيع يربط العالم " بمنطق السلم " وكان هذا الخيط على وشك الانقطاع . وقبل موعد الاجتماع بثلاث ساعات فقط أعلن أمير الكويت بأنه لن يحضره وأن ولي العهد سوف يمثله فيه .
وكان لهذا النبأ وقع " الإهانة القاتلة " على صدام حسين ، وقرر هو الآخر عدم الذهاب إلى جدة وإرسال عزت إبراهيم الرجل الثاني في حزب البعث.


مؤتمر جدة وفصل الخطاب :

كان مؤتمر جدة حدثا مضطربا مأساويا أدى إلى الحرب لأنه لم يكن بمقدور أحد أن يتجنبها . كما أنه لم يكن لدى أحد رغبة في ذلك .
واجتمع الوفدان في غرفة بمركز المؤتمرات الحديث في العاصمة السعودية في الساعة السادسة من مساء 31 تموز .
وضم الوفد الكويتي الشيخ سعد ولي العهد ورئيس الوزراء ووزير العدل الذي كان قد أظهر حكمة وبعد نظر في خطابه في اجتماع مجلس الوزراء قبل ذلك بثلاثة عشر يوما .
وضم الوفد العراقي بالاضافة إلى عزت ابراهيم ـ نائب رئيس مجلس قيادة الثورة والرجل الثاني في حزب البعث ـ سعدون حمادي رئيس الوزراء ، وعلي حسن المجيد ابن عم صدام حسين الذي سوف يُعين بعد ذلك بأسابيع قليلة حاكما للكويت .
وبقي الكويتيون والعراقيون في جدة حتى اليوم التالي أي الأول من أغسطس ، لكن المفاوضات الحقيقية لم تدم على أكثر تقدير أكثر من ساعة ونصف من السادسة إلى السابعة والنصف من مساء اليوم الأول ورفعت الجلسة بعد ذلك وذهب المشاركون إلى الجامع للصلاة .
وحيا الأمير عبد الله ولي العهد السعودي الوفدين لكن لم يكد يبدأ الاجتماع حتى غادر القاعة .
بدأ العراقيون بالكلام فتلا عزت ابراهيم بياناً مُعدا كرر فيه الاتهامات العراقية للكويت واحدا تلو الآخر . لكن بيانه خلا من أي اتهام محدد. وقرأه ببطء وعناية شديدة وبدون أن يزيد عليه كلمة واحدة . وجاءت لغته غريبة تتخللها التعابير الدينية . وقال أحد الكويتيين ممن حضروا الاجتماع : " لقد ولد لدينا شعورا غريبا . ان عليه مسحة من التزمت بدا معها وكأنه موعظة في أحد الجوامع. "
أحدثت هذه المقدمة في البداية ارتباطا لدى الكويتيين . لكن ما لبث الشيخ سعد ولي العهد أن أخذ يفند بهدوء المظالم العراقية واحدة بعد أخرى . وبالرغم من أن الجو لم يكن قد توتر كثيراً فان احتمال فشل المؤتمر بدا واضحا للجانبين .
قال سعدون حمادي : " إن هذا الاجتماع الذي علقنا عليه الآمال الكبيرة تكشف عن خيبة أمل شديدة . لقد اعتبرناه فرصتنا الأخيرة ، وتوقعنا أن يحمل لنا الكويتيون مشروع حل . كنا على اتصال بهم وشرحنا لهم كل شيء بوضوح . ولكن لم يكن لديهم أي شيء ملموس يعرضونه . ولم يخرج ما كان لديهم من حجج يدافعون بها عن أنفسهم وادعاءات ببطلان اتهاماتنا لهم " .
وقال الشيخ سعد ولي العهد الكويتي : " دار النقاش حول البترول . وقال العراقيون أيضا بأن الكويتيين بدأوا بوضع قوات من الشرطة داخل الأراضي العراقية، وأن الكويت قد غيرت سياستها وأن سياستها الجديدة تعرض مستقبل الامارة للخطر وردت على جميع الملاحظات والأسئلة بطريقة مباشرة " .
في إحدى مراحل الاجتماع انتقل المفاوضان الرئيسان إلى غرفة جانبية وتحدثا لمدة 10 دقائق . ثم سأل عزت ابراهيم ، رئيس الوفد العراقي الامير سعد : " ما رأيكم بدعوة أعضاء الوفدين كي يسمعوا ما عندكم ؟ " فوافق رئيس الوفد الكويتي . وقد بدا الجو غير العدائي السائد متناقضا مع خطورة المواضيع المطروحة .
بدأ الجو بالتوتر عند طرح الأمور المالية . وبالرغم من نفي الفريقين ، فإن الأمور المالية كانت موضع نقاش حاد طويل .
طلب عزت ابراهيم مبلغ 10 مليارات دولار ، وعلى شكل قرض إن استحال تقديمها كهبة . وبعد أخذ ورد وافق ولي العهد على تقديم قرض بمبلغ تسعة بلايين دولار . وأحسّ العراقيون بأن المقصود من إنقاص المبلغ ملياراً واحدا هو محاولة مقصودة لإذلالهم ، فأجابه عزت ابراهيم بقوله : " لا لست مخولا من قبل الرئيس صدام حسين بقبول أقل من 10 بلايين دولار " .
وبعد رفع الجلسة في السابعة والنصف وتأدية الصلاة ، عاد الوفد الكويتي إلى الفندق بانتظار حفل العشاء الذي يقيمه الملك فهد .
يقول عبد الله بشارة أمين سر مجلس التعاون الخليجي الذي حضر المناقشات : " اقترحنا على ولي العهد السعودي تقديم اقتراح يتفق بموجبه الطرفان على النقاط الاربع التالية : وقف جميع الدعايات العدائية في وسائل الاعلام وخاصة العراقية ؛ وانسحاب القوات المرابطة على الحدود بين البلدين ، ثم ، وهذا هو الأهم سياسيا ، اعتماد إجراءات كفيلة بزرع الثقة المتبادلة بين البلدين بواسطة الحوار والزيارات … الخ ، وأخيرا التوصل إلى اتفاق حول الاجتماع المقبل " .
وهكذا تقرر مواصلة المفاوضات في بغداد ، الأمر الذي رسّخ اعتقاد الكويتيين بأن العراقيين لن ينفذوا أيا من تهديداتهم . والواقع أننا إذا أخذنا بعين الاعتبار خطورة الوضع والقلق الدولي المتزايد وجدنا أن النقاط الأربع التي وافق الوفد الكويتي لا تخلو من مسحة خيالية .
وكانت ردود فعل أسواق النفط العالمية على الحشود العراقية على الحدود الكويتية قد بدأت تظهر . ففي ذلك اليوم الذي كان الوفدان يستعدان فيه لمغادرة القصر الملكي السعودي حيث كان الملك فهد في انتظارهم ، ارتفع سعر برميل النفط 45 سنتا وبلغ سعر نفط برنت حوالي عشرين دولاراً.
بدأ تقديم العشاء في التاسعة والنصف . وحضر الملك فهد ومعه الملك حسين الذي كان قد وصل قبل بضع ساعات . وجلس الملك وعلى يمينه ولي العهد الكويتي وعلى شماله عزت ابراهيم . وأحيط الملك فهد قبل جلوسه إلى المائدة علما بمجرى المفاوضات وخصوصا برفض الكويتيين رفع مبلغ القرض من تسعة إلى عشرة بلايين دولار . وساد المكان جو ثقيل حاول الملك فهد جهده أن يخفف من وطأته بالحديث عن مباهج تربية الخيول الأصيلة وتوالدها . لكن تبادل الحديث انقطع . وظل الملك يتحدث وكأنه يتحدث مع نفسه ـ إذ لاذ العراقيون بالصمت وخيم على الكويتيين جو من الكآبة وتشتت الفكر ـ وكان الفريقان يحاولان إخفاء شعورهما بخيبة الأمل بالرغم من أن أحد المفاوضين الكويتيين ادعى فيما بعد بأن العراقيين كانوا في قرارة نفوسهم مسرورين ـ قال : " كانوا على وشك الانتهاء من اجتماع انتهى إلى الجمود . وهذا بالضبط ما كانوا يريدونه " .
وقبيل انتهاء المأدبة التفت الملك فهد إلى ضيوفه وعلى شفتيه ابتسامة عريضة وأعلن أن السعودية ستدفع البليون دولار المختلف عليه ـ " كهدية من بلادي للعراق وبدون أية شروط " .
فشكره العراقيون بحرارة . وبعد قليل انسحب إلى داخل القصر . ولا بد أنه ظن أن مبادرته كافية لتنفيس الاحتقان لدى الوفدين . وكان هذا أيضا تقدير الملك حسين الذي نهض أيضا وترك الكويتيين والعراقيين وحدهم .
فقال الشيخ سعد لعزت ابراهيم : " قبل أن نضع التفاصيل المتعلقة بالقرض علينا أن نطرح للبحث مسألة أخرى . علينا أن نرسم بالضبط الحدود بين البلدين ـ ويمكننا أن نقوم بذلك الآن وفي هذا الاجتماع . ومن ثم يكون المبلغ بين أيديكم " . فاستولى الغضب على عزت ابراهيم واتهم الكويتيين بسوء النية وسأل ولي العهد الكويتي : " لماذا لم تطرحوا مسألة الحدود في بداية الاجتماع ؟ " .
وجاء جواب ولي العهد الكويتي غريبا . قال : " لم تكن لدينا أوامر من الأمير بمعالجة هذه القضية عند بدء الاجتماع " .

تواطؤ بريطاني فهو شريك في اللعبة الكبيرة وتصريح كويتي باطمئنانه إلى وجود من يحميهم :

فاشتدت حدة النقاش وقال ولي العهد الكويتي بأن الكويت تلقت تأكيدات من الحكومة البريطانية بأن العراق لن يهاجم . ولا ريب في أن عبارته هذه كانت مؤسفة واستفزازية ـ وقال له عزت ابراهيم : " إننا نعرف تماما كيف نحصل على المال الذي نحتاج إليه منكم ومن السعوديين ".
وعندما قال هذا كان هو وسعد يقفان أحدهما قبالة الآخر وهو يصيح غاضبا . فأجابه سعد : " لا تهددنا . فالكويت لها أصدقاء أقوياء جداً ( ومن المؤكد أنه كان يقصد الولايات المتحدة وبريطانيا ) . ولدينا حلفاء أيضا . وسوف تضطرون إلى تسديد ما عليكم من ديون لنا ".
كانت هذه التهديدات آخر ما صدر عن الطرفين . وافترق الوفدان بدون أن يتبادلا التحيات الرسمية وعادا إلى فندقيهما . وكانت الساعة قد تجاوزت الواحدة والنصف بعد منتصف الليل والملك فهد غارق في النوم .
وفي العاشرة من صباح الأول من أغسطس وبينما كان سعدون حمادي في غرفته بالفندق تلقى مكالمة هاتفية من وزير خارجية الكويت الذي اقترح إصدار بيان مشترك ، وذكر النقاط التي يرى أن يشتمل عليها . وأصغى حمادي باهتمام . وفوجئ بعبارة وردت فيها وتشير إلى " إحراز تقدم " فقال بأن عليه أن يتصل برئيس وفده .
وذهب سعدون إلى غرفة عزت ابراهيم وأبلغه الاقتراح الكويتي . فقال عزت ابراهيم : " هذا ليس صحيحا . لم نستطع تسوية شيء . لا نستطيع أن نفعل ذلك " .
واتصل حمادي بالوزير الكويتي وأبلغه بأن لكل وفد أن يصدر بيانه ويصرح للصحافة بما يشاء .
وغادر الوفد الكويتي جدة في الساعة الرابعة بعد الظهر . وحال وصوله إلى الكويت توجه ولي العهد إلى مكتب الأمير بقصر بيان الذي شيد عام 1986 ليكون مقراً للمؤتمرات . وكان خلال رحلة العودة يبدو قلقا وقال لاعضاء الوفد : " إنني أرى في الافق شبح الكارثة " .
في صباح الأول من أغسطس أيضا كان الشاذلي القليبي في القاهرة . وكان قد وصل إليها قبل ذلك بيومين للمشاركة في مؤتمر إسلامي يهدف إلى العودة إلى وحدة الصف العربي . وعندما أفاق في صباح ذلك اليوم قرأ في أخبار الصباح أن قمة جدة لم تسفر عن أي اتفاق . وكان قبل ذلك على يقين بأن الاجتماع سيسفر عن التوصل إلى اتفاق . فأقلقته الأخبار الواردة من السعودية . فرفع سماعة التلفون واتصل بالشيخ صباح وزير الخارجية الكويتية . فهدأ الشيخ صباح مخاوفه وقال له بأن اجتماع جدة لم يكن سوى اجتماع بروتوكولي وأنه سيكون هناك في الرابع من أغسطس اجتماع آخر ببغداد حيث ـ كما أضاف ـ سيجري التوصل إلى حل . وأعاد القليبي السماعة إلى مكانها وهو يشعر بتفاهة ما سمعه . فأجرى مكالمة ثانية مع الأمير عبد الله بالسعودية ، وسأله عما جرى في اليوم السابق . وجاء الجواب صريحا : " كان أصدقاؤنا العراقيون كالكويتيين في غاية التشدد . وما هذا سوى البداية . فلننتظر ما سيجري في بغداد " .
وغادر العراقيون السعودية بدون حتى وداع مضيفهم . تركوا جدة قبل الظهر . وبعد أن توقفوا قليلا في المدينة المنورة ( لأن سعدون حمادي كان شيعيا تقيا ) واصلوا رحلتهم ، فوصلوا بغداد في الرابعة بعد الظهر . وتوجه عزت ابراهيم على الفور للاجتماع بصدام حسين الذي كان ينتظره بفارغ الصبر وأطلعه على أسباب فشل الاجتماع بالتفصيل . فاستدعى صدام حسين أعضاء مجلس قيادة الثورة . وقبل مرور نصف ساعة كان قد اتخذ قرار غزو الكويت في تلك الليلة .


تحرك أمريكي مزعوم :

أخذت الاحداث تتوالي بسرعة ، وبدأت الولايات المتحدة تنفض عن نفسها غبار الخمول وتولي تطور الاحداث اهتماما شديداً . وعقد اجتماع في وزارة الخارجية لمديري مختلف الوكالات المعنية ففشل مؤتمر جدة وحجم الحشود العراقية على الحدود أقنع المسؤولين الأميركيين بان هدف صدام ليس مجرد الضغط على الكويت . وتلقى المجتمعون معلومات من وكالة المخابرات المركزية مفادها أن غزو الكويت صار وشيك الوقوع .
وفي البنتاغون عقد الجنرال كولن باول رئيس الأركان اجتماعا مغلقا مع كبار العسكريين في غرفة مجاورة لمقر القيادة العسكرية . وكانت الغرفة هي غرفة المؤتمرات المعروفة باسم ( المصفحة ) هي صومعة نظام الدفاع الأميركي المحصنة ضد أي محاولة للتنصت .
حتى 30 تموز لم يكن البنتاغون يعتبر الغزو العراقي أمرا محتمل الوقوع . فقد ذهب المحللون بأن العراق يفتقر إلى أربع أمور أساسية وهي : نظام للاتصالات ، ومدفعية ، وذخيرة ووسائل لوجستية ضرورية لدعم الهجوم . وبالرغم من توافر هذه العناصر في الأول من أغسطس فإنه لم يتنبأ أحد بالغزو . والواقع أن أحد الحاضرين ـ وهو الجنرال نورامان شوارز كوف ـ عاد إلى مقره في فلوريدا .
وفي تلك الأثناء دعا مضر بدران رئيس الوزراء الأردني إلى عقد جلسة مغلقة للبرلمان وسبق لمضر أن رافق الملك حسين في رحلاته إلى العواصم العربية للوساطة . وكان قبل ذلك بيومين قد زار بغداد والكويت بالتعويض عن خفض أسعار البترول . وهو لا يريد الغاء ديونه فقط . إنه يصر على تجاوز الكويت والإمارات الحد في الانتاج عملا أسوأ من الحرب مع إيران " .
وواصل عرضه لمواقف العراقيين لمدة ثلاث ساعات . وقال أحد الحاضرين فيما بعد : " كان من الواضح أنه يعرف بأن الغزو سيقع في الساعات القليلة المقبلة وأنه أراد أن يهيئنا لذلك " .
ومن المصادفات الغربية أن المخابرات العسكرية الإسرائيلية علمت بأن الغزو وشيك الوقوع من مصادر أردنية بعد ظهر اليوم ذاته . وعملا بالاتفاقات القائمة منذ عدة سنوات قامت في الحال باخطار المركز المحلي لوكالة المخابرات المركزية الأميركية .
كانت الساعة تشير إلى السادسة والنصف مساء في واشنطن عندما خرج ريتشارد هاس المدير الأعلى لشؤون الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي من الاجماع بوزارة الخارجية وعاد إلى البيت الأبيض للاجتماع مع رئيسه الجنرال برنت سكوكورفت . وهناك قدم تقريرا مفصلا عن مختلف بيانات ووجهات نظر الذي حضروا الاجتماع . وتبين شيء واحد وهو أنه ليس هناك إجماع على أن العراق هو مجرد عرض للعضلات لإجبار الكويت على تقديم تنازلات في المفاوضات .
وبعد نصف ساعة غادر سكوكروفت وهاس مكاتب مجلس الأمن القومي بالدور الأرضي وصعدا للاجتماع ببوش في مسكنه بالدور الأول من المبنى الرئيسي . وبينما كان ثلاثتهم يناقشون نتائج الاجتماع ودلالاته رن جرس التلفون وعندما رفع سكوكروفت السماعة سمع صوت روبرت كيميت سكوكروفت أنه تلقى معلومات لم تتأكد بعد عن وقوع أول إطلاق نار بالكويت .
كان كيميت قد اتصل قبل ذلك بوقت قصير ببيكر في اركوتسك حيث كانت الساعة تشير إلى السابعة من صباح الثاني من أغسطس . وبما أن خط التلفون لم يكن مأموناً بسبب امكان التنصت إليه كان عليه أن ينقل معلومات محدودة بعبارة غامضة . لكن بيكر فهم فحوى الرسالة : جميع الدلائل تشير إلى أن الغزو أصبح وشيكا .

صدمة كويتية :

في مدينة الكويت استيقظ ولي العهد في الساعة الواحدة والنصف صباحا ( العاشرة والنصف مساء بتوقيت غرينتش ، والسادسة والنصف مساء بواشنطن ) عندما تلقى مكالمة مقلقة من وزير الدفاع الذي كان يتكلم من مركز القيادة العسكرية يقول فيها بأن صدام يريد الاستيلاء على آبار النفط القريبة من الحدود وربما أيضا على جزيرتي بوبيان ووربة عند مدخل الخليج اللتين كان يطمح إلى الحصول عليهما منذ سنوات .
اتصل ولي العهد سعد على الفور بعدد من افراد الاسرة الحاكمة . وكان الذهول قد سيطر عليهم جميعا . وازدادت حدته عندما أخذت الأنباء ترد بالتدريج عن تحرك مئات الدبابات الثقيلة السوفييتية الصنع من طراز ت 62 إلى الكويت . وكانت على بعد 35 ميلا من العاصمة ترافقها شاحنات تحمل مئات الجنود والعربات المساندة المليئة بالبترول والماء .

تمويه عراقي :

أذاع راديو بغداد بيانا أعلن فيه أن " جماعة كانت تحاول قلب الحكومة الكويتية " . وقبل مضي وقت طويل أصدر مجلس قيادة الثورة بيانا يقول إن المحاولة نجحت وإن " الثوار الشباب يطلبون المساعدة من العراق . وردا على نداء الحكومة المؤقتة الجديدة في الكويت قرر العراق تلبية طلبهم للمساعدة " . وأضاف البيان بشكل محدد : " لقد دعا العراق إلى منع كل إمكان للتدخل الأجنبي في شؤون الكويت وفي مصير الثورة " . وأدانت إذاعة بغداد آل الصباح وقالت " إنهم خونة وعملاء للصهيونية ".
وتم بسرعة تحييد القاعدتين الجويتين الرئيسيتين في الكويت . فاحتلت وحدات المظليين قاعدة أحمد الجابر قرب المطار بدون أية مقاومة .
وقصفت قاعدة علي السالم قرب الحدود السعودية قصفا ثقيلا قبل نزول المروحيات المحملة بالجنود .
ولم يبد الجيش الكويتي المؤلف من 25000 جندي سوى مقاومة ضئيلة لآلة الحرب العراقية .

هرب الأسرة الحاكمة :

في الرابعة صباحا تبين لولي العهد وباقي أسرة آل الصباح أنه لا أمل في وقف الحرب . وكانوا على اتصال دائم بواسطة التلفون بالسفارة الأميركية . وعندما عُلم بأن طلائع القوات أصبحت على بعد بضعة أميال من العاصمة قرر الأمير وأقرب أفراد أسرته إليه مغادرة قصر دسمان المسوّر حيث كان يعيش عدد من أفراد الأسرة الحاكمة . وأخذ أفراد الحرس الأميري مواقعهم حول القصر . لكن لم يكن لدى أي منهم أمل في الدفاع بشكل فعال ضد النيران العراقية . وأخذ الخوف يحل محل الذعر . وصارت تتلو الأوامر أوامر مضادة : فهل كان عليهم مغادرة القصر في الحال أو الانتظار ؟ وهل كان عليهم الاتصال بإحدى القاعدتين الجويتين العسكرية لإعداد طائرة ؟ وكان الأمير قد فقد ثقته بالقوات الجوية ، فقال بأنه يحتمل أن يكون العراقيون قد حيدوها.
ربما كان آل الصباح عندئذ يعيشون في غرف القصر التي تتلألأ أضواؤها اللحظات الأخيرة من عهد امارة دامت قرنين ونصف قرن من الزمن . فبفضل الذهب الأسود والدخل القومي الذي لا يقل عن عشرين بليون من الدولارات كانت الكويت قد أصبحت أغنى دولة في العالم . لكن النفط الذي عاد عليها بالثروة طيلة سنوات أصبح سبب سقوطها . ففي حين أن الجميع كانوا يحسدونها ، فإن المسؤولين فيها فقدوا القدرة على الرؤية ، والرغبة في التوصل إلى حلول وسط . ولم يدركوا أنهم كانوا فريسة سهلة تنتظر من ينقض عليها . وكان صدام حسين بالمرصاد .
وأرعب صوت القذائف من في القصر . وأخذ تبادل نيران الأسلحة الأتوماتيكية يقترب . ولاحت أعمدة الدخان المتصاعدة . وتعرضت المباني والمستودعات لإصابات مباشرة . ولم يعد لدى آل الصباح أدنى شك فيما يحدث : لقد كان قصر دسمان أحد الأهداف وربما الهدف الأول الذي حدده صدام لقواته . إذ كان يدرك أن الاستيلاء على الكويت لن يتم بدون إزالة المسؤولين عن امارة تافهة .
وانهمك الخدم في تحميل عدد من السيارات المتوقفة عند مدخل القصر . وفي الساعة 45: 4 صباحا انطلق آل الصباح ربما لآخر مرة مسرعين بسيارات الليموزين عبر الحدائق الرائعة المحيطة بالقصر . وشق الموكب طريقه عبر الشوارع المهجورة إلا من بعض الوحدات المدرعة المتجهة إلى جبهة القتال الزاحفة عليهم .
كانت جميع التفصيلات قد وضعت وأجريت آخر مكالمة تلفونية قبل الانطلاق مباشرة . فتوقفت السيارات أمام باب السفارة الأميركية حيث كان السفير بانتظارهم فحيا الأمير وحاشيته . وكانت بانتظارهم على بعد خطوات مروحية أميركية متأهبة للانطلاق . ولما لم يكن فيها متسع للجميع فقد استقلها الأمير وولي العهد وعدد من افراد الحاشية ، وتوجه الأخرون بالسيارات جنوبا إلى السعودية . وكانت الحدود على بعد 30 ميلا فقط والطرق إليها لا تزال آمنة . وعندما أقلعت الطائرة بالأمير الذي كان قد أضناه ما مرّ به ويشعر بالانهاك ، ألصق وجهه بزجاج إحدى النوافذ وأخذ يراقب طوابير الجنود العراقيين وهي تدخل ضواحي عاصمته .

أثر الغزو على العالم يبدأ :

وبسبب الفارق في التوقيت فإن اليابان كانت أول دولة صناعية ومالية كبرى تعرف تفاصيل الاجتياح . فبينما كانت الولايات المتحدة تستعد للنوم وأوروبا غارقة فيه ، أخذت اليابان تتابع الأحداث ساعة فساعة . فبالنسبة لليابان التي تستورد 80 % من حاجاتها النفطية من الخليج بسبب عدم توافر المواد الخام فيها ، اعتبرت ما يجري من أحداث مأساوية أمرا في غاية الخطورة . وفي الاسواق حيث تجري عمليات بيع النفط وشراؤه ارتفقت أسعاره كثيرا ، وسرت آثار ذلك إلى الاسواق المالية في الشرق الاقصى كما تسري النار في الهشيم . ولم يلبث ذلك أن انعكس في الثاني من أغسطس على العالم كله .
كان الملك حسين نائما في قصره وسط عمان رن الهاتف الموضوع إلى جانب سريره . فنظر إلى المنبه وهو شبه نائم فوجده يشير إلى السادسة صباحا . وكان وزراؤه والمقربون إليه قد تلقوا منذ زمن طويل تعليمات صارمة بأن لا يزعجوه أو يوقظوه بالتلفون إلا في حالات الطوارئ .
كان صوت المتحدث على الطرف الآخر يطغى عليه الانفعال إلى حد أن الملك لم يعرف للوهلة الأولى صاحبه الذي كان يصرخ : " هل سمعت ؟ هل سمعت ؟ " فأدرك الملك حسين أن المتحدث هو الملك فهد . وكان هذا يتحدث إليه من جدة فأضاف : " لقد غزوا الكويت ولا يبعد الكويتيون سوى بضعة أميال عن العاصمة . عليك أن تتصل بصدام حسين وأن تطلب منه أن ينسحب إلى منطقة الحدود المتنازع عليها " .
حاول الملك حسين تهدئة الملك فهد الذي قد حاول جاهداً الاتصال بصدام حسين . فوعد الملك بالتدخل في الحال .
عندما نشبت الحرب كان الشاذلي القليبي غارقا في النوم بالقاهرة فلم يستطع حتى ان يسمع جرس التلفون عندما بدأ يدق في جناحه حوالي الساعة الرابعة والنصف صباحا . وحدث عندئذ بالضبط أن عاد مساعده شوقي المرزوق من حفلة فوجد التلفون يرن أيضا في غرفته . وكان المتحدث عبد الرحمن العوضي وزير الصحة الكويتي الذي قال : " أحاول الاتصال بالقليبي ولكنه لا يجيب. أرجو أن توقظه " . فسأله المرزوق : " وهل الأمر خطير؟ فقال العوضي : " اجل وخطير جداً " .
وعندئذ أسرع المرزوق إلى جناح القليبي وأيقظه ووصله بالعوضي . فأبلغه هذا خير الغزو . فقاطعه القليبي : " لا بد أن يكون ذلك للاستيلاء على المناطق الحدودية فقط " فقال العوضي : " لقد اجتاح الكويت بأسرها . ونحن بحاجة إلى عقد اجتماع في الحال لوزراء خارجية الدول الأعضاء بالجامعة العربية " .
ووضع القليبي السماعة والتفت إلى المرزوق وقال : " إنه يبالغ، إنه يحاول إخافتنا . " فعلق المرزوق على ذلك بقوله إنه يصدق العوضي . على أنهما عندما فتحا الراديو بعد ذلك لم يسمعا شيئا عن الموضوع .
وحوالي السادسة والنصف صباحا استطاع القليبي أخيرا أن يتصل بالأمير فيصل وزير الخارجية السعودية . فقال الأمير : " يا لها من كارثة . انهم يستولون على البلاد ، ولا ريب على البلاد برمتها " . وعندئذ صدق القليبي خبر وقوع الكارثة . فاتصل تلفونيا بمروان القاسم وزير الخارجية الأردنية الذي كان قد غادر القاهرة في الليلة السابقة ، وطلب منه إبلاغ الخبر للملك حسين . وعندئذ قرر مروان القاسم أن يخالف القواعد ويتصل بالقصر بالتلفون بالرغم من عدم وثوقه من الطريقة التي سيُستقبل بها اتصاله . ففوجئ بأن لدى الملك علم بذلك .
وفي السادسة والنصف حاول الملك الاتصال ببغداد . وكانت لديه عدة أرقام توصله عادة بصدام حسين . فطلبها كلها ولكنه لم يوفق في الاتصال به . ولم يستطع الاتصال إلا بطارق عزيز وزير الخارجية .
لم يعلم صدام شيئا عن محاولات الملك الاتصال به . فقد كان مرابطا في الحصن المنيع الذي بناه قرب بغداد . وكان يتوسط أعضاء مجلس قيادة الثورة وكبار ضباط الجيش وهو يتابع تقدم قواته داخل الكويت . وبحلول الساعة السادسة والنصف كان الغزو قد نجح ، وسيطرة قواته فعليا على البلاد بأسرها ، وبدأت بالقضاء على جيوب المقاومة في العاصمة . ولم يستطع صدام أن يخفي سروره وهو يستمع إلى ما تورده الاذاعات عن أخبار الجبهة . فالدولة التي استولى عليها كانت صندوقا بداخله كنوز خيالية . هذا بالإضافة إلى أنها كانت في نظره جزءا لا يتجزأ من الاراضي العراقية . لكن يرجح أنه لم يدرك أنه بإصلاحه الخطأ الذي اقترفته الدول الاستعمارية كان يتحدى باقي العالم.


ردة الفعل الأمريكية بعد الغزو :

في واشنطن كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة والنصف من مساء الأول من أغسطس . وفي حوال التاسعة من ذلك المساء توجه ريتشارد هاس وبرنت سكوكروفت مباشرة بعد اجتماعهما بجورج بوش إلى قاعة المؤتمرات في الدول الأرضي . كانت تحيط بها عدة غرف على جدرانها خرائط ضخمة لمختلف المناطق قي العالم . وكانت المعلومات التي ترد إلى البيت الأبيض كل صباح من دوائر المخابرات تنقل على تلك الخرائط . وكانت القاعة مجهزة بالكمبيوترات الاكثر تطورا والتي تمكن من في القاعة من الاتصال فورا بأي بقعة على وجه الأرض .
وأقيم في الحال فيديو للاتصالات بين البيت الأبيض ووزارة الدفاع ( البنتاغون ) ووزارة الخارجية ووكالة المخابرات المركزية ومقر رؤساء الاركان .
وكان المشاركون في الاجتماع إلى جانب سكوكروفت وهاس ، جون روبسون وكيل وزير المالية ، وروبرت كيميت نيابة عن جيمس بيكر ، ووليم وبستر مدير وكالة المخابرات المركزية ، ونائبه ديك كير ، والأميرال ديف جيرميه نائب رئيس الأركان ، وبول ولوفثر وكيل وزير الدفاع .
كان باستطاعة هؤلاء جميعا وكل منهم في مكتبه أن يتحدثوا وأن يتبادلوا ويقارنوا المعلومات بواسطة فيديو الاتصال . وسرعان ما أكدوا من وقوع الغزو ونطاقه . وقام برنت سكوكروفت بتنسيق مختلف الآراء والمعلومات مما أسبغ على الاجتماع ما يتميز به من وكان سكوكروفت يغادر القاعة بانتظام للاتصال بجورج بوش الذي كان قد بقي في مسكنه . وفي الساعة الحادية عشرة اتصل به للمرة الأخيرة قبل أن يذهب للنوم .
اتفق المشاركون على اتخاذ عدة إجراءات منها عقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن القومي في الثامنة من صباح اليوم التالي . وتقرر تجميد جميع الأرصدة العراقية والكويتية قبل أن يضع الغزاة أيديهم عليها . ولكن تنفيذ القرار كان يستدعي عملية تنسيق فورية على نطاق العالم كله .
وكانت السلطات الكويتية قد جرت منذ عدة سنوات على تخصيص 10 % من دخول النفط من أجل قضيتين : إحداهما ويا لسخرية القدر وقدرها 2 % لتقديم قروض للعراق خلال الحرب مع إيران ، أما الـ 8 % الباقية فكانت تحول إلى " صندوق الاجيال المقبلة " الذي يديره مكتب الاستثمارات الكويتية ، وهو شركة قابضة عملاقة مركزها لندن .
وحسب التقديرات كانت القيمة الكلية للاستثمارات التي يديرها مكتب الاستثمارات تبلغ مئة إلى مئة وعشرين بليون دولار . وكان نصيب الولايات المتحدة 10 % من جميع تلك الاستثمارات . إذ كانت الكويت قد استثمرت بين 25 و 30 بليون دولار في أميركا في الأسهم وسندات الخزينة والعقارات . وكانت الكويت المستثمر الأكبر في اسبانيا حيث كان الكويتيون أعضاء في مجالس عدد من الشركات الكبرى وفي بعض الميادين الحساسة كالصحافة والدفاع والمركبات الهيدروـ كربونية . ولعب مكتب لندن للاستثمارات دورا حيويا في الحياة الاقتصادية ومجال الأعمال ببريطانيا . فقد كان بحيازته عدد كبير من الأسهم وخاصة أسهم شبكات البنوك والفنادق . ومضى وقت كان بحيازته 22 % من أسهم شركة " بريتش بتروليوم " فاضطر إلى تخفيضها إلى 9 , 9 % بسبب غضب الحكومة البريطانية وموقفها العدائي . وفي ألمانيا كان مكتب الاستثمارات مساهما في كثرة من الشركات الكبرى مثل دملر ـ بنز وهوست . وكانت الكويت أيضا أكبر مستثمر أجنبي في اليابان وذلك في سندات الخزينة والاسواق المالية . ويمكن القول بأن المكتب تمكن هو وفروعه من اختراق الأقطار الرأسمالية الرئيسة بما فيها جنوب افريقيا في غضون بضع ساعات غير صدام ميزان القوى . فباستيلائه على آبار النفط الكويتية صار يسيطر على أكثر من خمس ما ينتجه العالم من النفط . وعلاوة على ذلك كانت الاستثمارات الكويتية كفيلة بتزويد صدام بموارد مالية ضخمة لطموحاته العسكرية ، وبوسائل إضافية لممارسة الضغط على الاقتصاد في الغرب .
ولمواجهة هذا الخطر تحرك المسؤولون الأميركيون بسرعة . فجرى ايقاظ عدد من المسؤولين الذين يعيشون في واشنطن وضواحيها في منتصف الليل واستدعوا إلى البيتالأبيض. وكان جميعهم من المحامين الذين يعملون في وزارة العدل . ولم يكن أحد مهم يعلم تماما وهو يتقدم نحو ضباط الأمن على باب البيت لماذا استدعي . وفي غضون دقائق عرفوا أن المطلوب منهم هو القيام بأقصى سرعة ممكنة بإعداد وثيقة قانونية يوقعها الرئيس وتجيز تجميد جميع الأرصدة العراقية والكويتية على أراضي الولايات المتحدة . وكانت هذه خطوة معادية لبغداد تهدف إلى حماية مصالح الحكومة الكويتية التي أصبحت الآن في المنفى .
وبينما كان المحامون منكبين على عملهم أخذ روبسون وكيل وزير المالية يتصل بالتلفون بحكام البنوك المركزية في العواصم الأوروبية والآسيوية . وعلم غالبيتهم بالغزو عندما فاجأهم روبسون بالاتصال بهم في مثل ذلك الوقت المبكر من صباح اليوم . روبسون يطلب منهم اتخاذ إجراءات مماثلة بأسرع ما يمكن لتجميد جميع الأرصدة قبل أن تأخذ بغداد بزمام المبادرة عبر الوسطاء الذين يهيمنون على الكويت .
وأوقظ جورج بوش في الساعة 45 : 4 صباحا بعد أن تم إعداد الوثيقة . فوقعها وبذلك أصبحت الأرصدة مجمدة بالفعل . وقام مكتب الصحافة بالبيت الأبيض بصياغة بيان يعلن ذلك .
وبينما كان بوش يوقع الوثائق التفت إلى الجنرال برنت سكوكروفت رئيس مجلس الأمن الذي جمع الحضور وقال : " تأكد من قيام وزارة الخارجية بالاتصال بالدول العربية لضمان قيامها بإدانة غزو العراق للكويت " فقال سكوكروفت بانه سيقوم بذلك على الفور .
اتسع الوقت خلال الجلسة التي عقدت في غرفة المؤتمرات واستغرقت الليل كله لاتخاذ قرار بشأن خطوة أخرى . إذ كان وقت الدهشة ـ لانه لم يكن أحد يعتقد بأن صدام حسين سوف ينفذ تهديداته ـ قد مضى ، وأخذ الحاضرون في الغرفة والمتصلون بها بالفيديو يضعون أسس الرد.
ولم يكن الخيار العسكري قد طرح للمناقشة . لكن الخيارات الدبلوماسية كانت أوضح . فجرى الاتصال بالأمير وزملائه الذين لجأوا إلى السعودية بمجرد وصولهم إلى جدة . وعمل المسؤولون الأميركيون معهم على دعوة مجلس الأمن الدولي لجلسة طارئة .
وشهد مقر الأمم المتحدة بمنهاتن نشاطا غير عادي لم يعهد في مثل تلك الساعة المبكرة . فأخذت السيارات تفد تباعا وهي تحمل السفراء والوفود . وفي الساعة الرابعة صباحا اتخذ أول قرار بشأن الأزمة العراقية وهو القرار رقم 660 الذي دعا العراق إلى الانسحاب من الكويت بلا شروط ، وإلى اعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل الغزو. ولم يمتنع عن التصويت سوى اليمن ، في حين أن الصين وحتى كوبا صوتتا إلى جانب الاتحاد السوفييتي وفرنسا وبريطانيا . ورد سفير العراق إلى الأمم المتحدة بأن حكومته استجابت لنداء من " الثوار الكويتيين الشبان " من أجل المساعدة .
ودعا القرار العراق والكويت إلى " البدء في الحال بإجراء مفاوضات مكثفة لحل خلافاتهما " . ورحب بأية جهود أخرى تبذل في هذا السبيل وخصوصا من قبل جامعة الدول العربية .
في واشنطن لم يكن أمام سكوكروفت وهاس وغيرهم ممن شارك في الاجتماع الماراثوني الذي استمر من التاسعة مساء إلى الخامسة صباحا سوى ثلاث ساعات للعودة إلى بيوتهم والاستحمام وتغيير ملابسهم . فقد كان عليهم حضور اجتماع مجلس الأمن القومي مع بوش في الثامنة من صباح اليوم التالي .
وفي اركوتسك وعند تمام العاشرة والنصف صباحا ( أي التاسعة والنصف من مساء اليوم الفائت في واشنطن ) توجه وزيرا الخارجية الأميركي والسوفييتي بعد مؤتمرهما الصحفي إلى المطار ، ليعود السوفييتي إلى موسكو وليتابع نظيره الأميركي رحلته إلى اولان باتور عاصمة منغوليا . أما دنيس روس زميل بيكر فقد رافق شيفارنادزة إلى موسكو.
وتلقى بيكر خلال رحلته اتصالا من واشنطن عبر الخط الخاص وجرى إبلاغه أخبار الغزو بالتفصيل . وفيما كانت طائرته لا تزال في طريقها إلى منغوليا وهي دولة حدودية يبلغ عدد سكانها مليونين وتفصل بين الاتحاد السوفييت والصين بعيدا عن الجنون والذعر اللذين على باقي العالم ـ ذهب إلى مؤخرة الطائرة حيث كان يجلس الصحفيون وأخبرهم عما حدث .
كان أبو اياد، الرجل الثاني في منظمة التحرير والمسؤول خصوصاً عن شؤون الأمن والمخابرات، نائماً في الفيلا التي يسكن بها في ضواحي تونس. وكانت زوجته التي تعيش عادة في الكويت قد وصلت قبل وقت قصير . وأيقظتهما مكالمة تلفونية من أفراد أسرتهما في العاصمة الكويتية. وعلما منهم بأن القتال كان يجري غير بعيد من بيتهم . وقت متأخر من الليل في بيته بمنطقة صامد. وكان عرفات على علم بما يجري . إذ كان أفراد أسرته الذين يعيشون في الكويت قد زودوه بأخبار الغزو. فقررا زيارة عدد من العواصم العربية في اليوم التالي .


وأصيب أهل الكويت بالذعر :



حاول كثرة من السكان الهرب إلى السعودية ، لكن الطرق كانت قد قطعت وصارت تخضع لسيطرة القوات العراقية . وأوقفت الأسر الهاربة عند الحواجز وأخرجت بالقوة من السيارات وانتزعت الهواتف اللاسلكية التي كانت شائعة بالكويت من السيارات وذلك للحيلولة دون استخدامها في نقل المعلومات عن مواقع القوات العراقية .
كانت المروحيات تحلق فوق المدينة ، بينما كانت 300 دبابة تقوم فيها بأعمال الدورية . وكانت النار مشتعلة ببعض عربات النقل ، وطلقات المورتر والأسلحة الاتوماتيكية تسمع في السوق المالي وقرب قصر الامير الذي كان محاطا بخمسين دبابة ثقيلة . وفي هذا القتال الذي كان الاعنف خلال الاجتياح كله قتل الشيخ فهد أصغر إخوة الامير ورئيس اللجنة الاولمبية الكويتية . وكان قد بقي في الكويت . وقامت زوارق السواحل الكويتية المزودة بالقذائف بتدمير بضع آليات عراقية . إلا أنه لم تكن هناك سوى بضعة جيوب مقاومة للجيش العراقي . ولم يكد ينتصف بعد الظهر حتى كان إطلاق النار قد توقف . وقتل أكثر من مئتي كويتي .
لقد حقق صدام حلمه خلال بضع ساعات . فصار يسيطر على 20 % من احتياطي العالم من النفط وعلى مئة كيلو متر من السواحل المطلة على الخليج .

واكتشف العالم العربي الذي كان يسيطر عليه الذهول مدى تصميم صدام حسين . فلم تعد أية دولة مجاورة للعراق تشعر بالامان . ولم يقتصر هذا الشعور على الأردن وحده بل شمل العدوى سوريا والسعودية الثرية الضعيفة التي كانت عندئذ في الواجهة . وكان لدى صدام الوسائل العسكرية التي تمكنه من اجتياح المزيد من الأراضي . وصدرت رسالة عن إذاعة سرية بضواحي الكويت تقول : " أيها العرب . لقد اعتدي على دم الكويت وشرفها . فهبوا لنجدتها . " وأضاف المتحدث وهو يبكي : " إن الاطفال والنساء والشيوخ يستغيثون بكم ".

فوضى الوضع العربي :

لكن العالم العربي الذي خيم عليه الصمت لم يحرك ساكنا . ولم يكن السبب الرئيسي في ذلك الخوف بل الاضطراب والفوضى اللذين سادا على أثر الاجتياح .
على أن الملك حسين بدأ منذ الثاني من أغسطس يبذل جهودا مكثفة للحيلولة دون التصعيد .
بعد أن أجرى الملك حسين مكالمته الأولى مع صدام حسين بسبع ساعات تقريبا وفي الواحدة بعد الظهر اتصل صدام بالملك . ولم يكن هناك أثر للتوتر أو التصلب في حديثه . قال : " كان علينا أن ندخل الكويت وهي الآن تحت سيطرتي التامة . لقد حملونا على القيام بذلك . على أنني ملتزم بالانسحاب من الكويت . وسيبدأ الانسحاب في غضون أيام قليلة لكنه سيستغرق عدة أسابيع . أرجوك أن تفعل ما بوسعك لإقناع العرب بأن الإدانات والتهديدات لا تؤثر علينا . فقد ينتهي الأمر بأن تصبح الكويت جزءا من العراق . ومن المهم أن لا يوفروا غطاء للتدخل الخارجي " . فقال الملك بأن اجتماعهما أمر ضروري . واتفقا على أن يطير الملك إلى بغداد ذلك المساء أو في الصباح الباكر .
وعلى أثر الحديث تأكد اعتقاد الملك بأنه من الممكن التوصل إلى تسوية سريعة في إطار عربي . فقام على الفور بالاتصال بالتلفون بالرئيس المصري الذي كان سيغادر القاهرة إلى الاسكندرية وأطلعه على حديثه مع صدام وعلى اعتزامه الدعوة إلى قمة مصغرة في القاهرة أو الرياض صباح الرابع من آب . وأصر الملك أنه حتى ذلك الحين ينبغي تجنب التصريحات المعادية للعراق كي لا تعرقل القمة . فقال حسني مبارك : " سوف أؤيد اقتراحك " . واتفقا على أن يعرج الملك على الاسكندرية وهو في طريقه إلى العراق وذلك لمناقشة الخطط بمزيد من التفصيل . وقيل أن يختم الملك مكالمته اقترح على مبارك أن يتحدث مع صدام . فقال : " صدام ! لا . لقد خيب أملي فيه " .
في التاسعة صباحا بدأ وزراء الدول العربية بالتجمع في القاهرة في قاعدة بفندق سميراميس . وكان الشاذلي قد أصبح مقتنعا بضرورة الاجتماع بوزير خارجية مصر الذي انتدب له رجلين لمساعدته على الاتصال بالوزراء . واتصل القليبي أيضا بوكيل الخارجية العراقي الذي كان يمثل بلاده في المؤتمر الإسلامي . وأخبره عن اجتماع مجلس جامعة الدول العربية المزمع عقده في التاسعة . فاحتج الوكيل العراقي قائلا : " لماذا الاجتماع بمثل هذه السرعة ؟ لماذا لا ننتظر إلى أن تقرر حكومتي ما ستفعله ؟ " إلا أن القليبي رفض قائلا بأن الاجتماع ضروري جدا . وأبطأ الوزراء في الوصول ولم تبدأ الجلسة فعليا حتى الساعة 15 : 12 بعد الظهر .
وعندما افتتحت الجلسة في جو من الاضطراب والفوضى كانت قد مضت على بدء الغزو عشر ساعات تمت خلالها سيطرة الجيش العراقي على الكويت .
ورئس فاروق القدومي مدير الدائرة السياسية بمنظمة التحرير الجلسة وذلك بموجب النظام الدوري الذي يقضي بأن يترأس كل جلسة وزير مختلف .
وطالب الوفد الكويتي بتطبيق معاهدة الدفاع العربي على الفور للدفاع عن الدولة المشاركة التي تعرضت للهجوم . لكن الوزراء الحاضرين باستثناء وزير الإمارات آثروا الانتظار والترقب .
وألقى وزير الخارجية السورية فاروق الشرع خطابا مثيرا للدهشة صرح فيه بأن علاقات بلاده مع الكويت سيئة ( وذلك أيضا بسبب عدم دفع المال ) ولكن علاقاتها مع العراق آخذة في التحسن . ومع هذا ـ كما قال ـ " فإن سوريا تلتزم بميثاق جامعة الدول العربية الذي يعتبر غزو دولة عربية لأخرى عملا غير قانوني " .
وألقى الأمير فيصل ـ وزير الخارجية السعودية ـ أيضا خطابا مثيرا للدهشة . إذ تحدث عن العلاقات الخاصة بين بلاده وبين العراق ، وأضاف أن هناك صداقة بين الملك فهد وصدام حسين . ثم قال " إن السعودية لا توافق على غزو الكويت ، لكننا مقتنعون بأن صدام حسين سوف ينسحب " .
كان الشاذلي القليبي قد اقنع وكيل الخارجية العراقي بحضور الاجتماع ، لكن هذا رفض الإجابة على الاسئلة التي وجهها وزراء الخارجية إليه بقوله : " لست مخولا بالتحدث . عليكم أن تنتظروا وصول وفدنا " . وأعلن أن الوفد سيكون برئاسة سعدون حمادي نائب رئيس الوزراء الذي سيصل في أوائل المساء ، وأضاف بأن الوفد سيكون كبيرا . ورفعت الجلسة في الساعة الثانية بعد الظهر بعد أن اتفق الحاضرون على العودة إلى الاجتماع في السادسة مساء . وكان الجميع يتطلعون بلهفة إلى الرسالة التي كانوا جميعا متأكدين من أن حمادي سيحملها .

اجتماع واشنطن :

وفي الثامنة من صباح الثاني من أغسطس ، وبينما كان وزراء الخارجية العرب يغادرون قاعة الاجتماع بالقاهرة دخل جورج بوش غرفة المؤتمرات المجاورة للمكتب البيضاوي بالبيتالأبيض. وكان جميع الذين دعوا للاجتماع قد جلسوا على مقاعدهم حول الطاولة الضخمة التي كانت تحتل الحيز الأكبر من الغرفة .
وضم الاجتماع : نائب الرئيس دان كويل ؛ سكرتير البيت الأبيض جون سنونو ؛ وزير الخزانة نيكولاس برادي ؛ وزير العدل ريتشارد ثورنبورغ وزير الدفاع ريتشارد تشيني ؛ مدير المخابرات المركزية وليم وبستر ؛ رئيس الاركان كولن باول ؛ الجنرال شوارزكوف رئيس القيادة العامة الأميركية ( سنتكوم ) الذي سيتولى قيادة القوات الأميركية المرسلة إلى الخليج فيما بعد؛ والجنرال سكوكروفت ومساعده هاس وروبرت كيميت . وحضر الاجتماع كبار رجال إدارة بوش لمواجهة أخطر أزمة منذ توليهم مناصبهم . وسمح للصحفيين بدخول الغرفة لمدة بضع دقائق ليستمعوا إلى أول تصريح لبوش عن الأزمة . قال بوش :
" دعوني أقول لكم إن الولايات المتحدة تدين بشدة الغزو وتدعو إلى الانسحاب الفوري فلا مكان لهذا النوع من العدوان الوحشي في عالم اليوم " . ثم أغلقت الأبواب ليبدأ الاجتماع السري الذي استغرق اكثر من ساعة .
وتركزت المناقشة في موضوع العقوبات الدبلوماسية والاقتصادية التي ستتخذ ضد العراق . وعند بداية الاجتماع التفت رئيس موظفي البيت الأبيض جون سنونو ـ وهو رجل ممتلئ الجسم ومعروف بحبه لإصدار الأوامر ـ إلى ريتشارد تشيني وزير الدفاع واقترح " إرسال طائرات بي 2 (B 2 ) ( التي تستطيع الافلات من شاشات الرادار ) لقصف العراق " . لكن الحاضرين لم يكونوا يعرفون مدى جديته .
وبدا على تشيني الحرج . وقال بعد لحظة صمت : " ليس لدينا سوى طائرة واحدة من ذلك الطراز . أما الطائرات الباقية قلم تختبر إلى حد يسمح باعتبارها صالحة للقتال " .
والواقع أن إدارة بوش وجدت نفسها بمواجهة مشكلة من النوع الاستراتيجي : فمنذ عشر سنوات لم يغب التدخل العسكري في الخليج عن الاحتمالات الواردة في ذهن الادارة الأميركية . وعلى أثر سقوط شاه إيران عام 1979 أنشأ جيمي كارتر قوة تدخل سريعة لحماية حقول النفط .
ووضعت عندئذ خطة سرية تحمل الرقم 90 ـ 1002 . ولكن فات واضعيها أن يأخذوا أمرين بعين الاعتبار وهما لاجتياح العراقي وضياع الكويت . إذ لم تستهدف الخطة سوى مواجهة الاتحاد السوفييتي . وعهد بتنفيذها للسنتكوم ـ أي القيادة العسكرية التي أنشئت عام 1983 . لكن بالرغم من صرف 2000 مليار دولار خلال السنوات الثمانية الماضية على تحديث القوات الأميركية قد دربت على القتال في ميادين عمليات مثل أوروبا أو كوريا ولكن ليس للقتال في الصحراء . يضاف إلى ذلك أن البنتاغون أخذ على حين غرة ولم يكن مستعدا . فقد كان قد أمضى عدة أشهر في الاستعداد لـ " عملية القضية العادلة " التي أدت إلى ارسال قوات إلى بنما للقبض على الجنرال نورييجا . وعليه فقد كان عندئذ كما قال أحد الحاضرين فيما بعد " قد عاد إلى نقطة الابتداء " .
واصبح ذلك واضحا عندما سأل جورج بوش عن القوات الجاهزة . إذ كان الجواب : " هناك 25000 من الفرقة 82 المحمولة جوا والمتمركزة في " فورت براغ " بكارولينا الشمالية يمكن إرسالهم في الحال . أما إرسال أعداد أكبر فسوف يستغرق أربعة أسابيع على الاقل . وحتى عندئذ لن يكون ميزان القوى في صالح الأميركيين بالنظر إلى أنه كان لدى صدام حسين مليون جندي و 5500 دبابة وكما قال أحد القادة العسكريين ممن حضروا الاجتماع فإنه لم يكن هناك " خيار عسكري مرض . فليس لدينا جنود في الميدان " والواقع أنه بالرغم من الجهود المتواصلة التي بذلتها واشنطن ، فإن السعودية كانت دائما ترفض فكرة وجود قواعد عسكرية أميركية على أرضها .
كانت الساعة تشير إلى التاسعة صباحا عندما أمر بوش بأن تعرض عليه جميع الخيارات العسكرية الممكنة في مقره الصيفي بكامب ديفد قبل يوم السبت الموافق في الرابع من أغسطس . ونوقش كذلك احتمال إرسال روبرت تشيني وزير الدفاع إلى السعودية لكن لم يجر التوصل إلى قرار محدد بهذا الشأن .
في التاسعة والربع صباحا خرج بوش من الاجتماع وذهب إلى مكتبة البيضاوي لدرس بضعة ملفات . ثم توجه بسرعة إلى حديقة البيت الأبيض الجنوبية . وكانت في انتظاره هناك مروحية نقلته إلى قاعدة أندروز حيث كانت طائرة بوينغ الرئاسية التابعة للقوات الجوية على أهبة الانطلاق . فاستقلها الرئيس إلى آسبن لإلقاء خطاب حول شؤون الدفاع . وكان الرئيس قد فكر بإلغائه بالرغم من أن موعده حدّد قبل أشهر وذلك بسبب الأزمة المتفاقمة . لكنه قرر في آخر لحظة التقيد بالموعد لأنه كان يريد الاجتماع بمارغريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا . وقد قدر لها أن تؤثر كثيرا على بوش . وخلال الرحلة قام بوش بمساعدة برنت سكوكروفت بتعديل نص الخطاب بحيث ربط بين أزمة الخليج وحاجة الولايات المتحدة إلى الحفاظ على وسائل دفاع ملائمة.


تحرك مصري أردني :

قبل ذلك بنصف ساعة وصل الملك حسين بطائرته الخاصة إلى الاسكندرية . وكانت الساعة بمصر تشير إلى الرابعة بعد الظهر . وبدأ محادثاته مع الرئيس مبارك بالتذكير باعتقاده الثابت بأنه يمكن حل المشكلة وبأنه يمكن إقناع صدام حسين بالخروج من الكويت شرط عدم إدانة الجامعة العربية له . وأوضح أنه ينبغي عدم إصدار تصريحات تهاجم العراق قبل القمة المقرر انعقادها في الرابع من أغسطس . فوافق مبارك على ذلك .
وفي أثناء محادثاتهما رأيا أنه من المهم الاتصال بالرئيس بوش . فاتصلا به عبر البيت الأبيض وهو على علو 000 , 37 قدم وبينما كان في الطريق بين واشنطن وآسبن بكولورادو . وكان صوته مسموعا . فأطلعه الملك على حديثه مع صدام حسين وعلى اعتزامه التوجه إلى بغداد . وقال بأن التوصل فورا إلى حل عربي أمر أساسي . وحث الرئيس بوش على عدم خلال الساعات الثماني والاربعين التالية لإفساح المجال له لوضع مشروع حل . وأضاف الملك " يمكننا تسوية الأزمة يا جورج . باستطاعتنا معالجتها . وما نحتاج إليه هو بعض الوقت " . فقال بوش : " الوقت امامك . والامر متروك لك " .
كان أمام الغرفة التي يتحدث فيها الملك ومبارك شرفة تطل على البحر ، وأمامهما الاسكندرية الوادعة التي توحي بالسلام والتفاؤم . وبدا أن توقف الملك فيها أقنعه تماما بأن النزاع الكويتي العراقي كان نتيجة خطأ في الحسابات ولن يلبث أن يطويه النسيان . وبالرغم من شكوك مبارك فإنه تظاهر بالاقتناع أو حاول الاقتناع بالشيء ذاته .

تحرك اسرائيلي :

في الخامسة مساء افتتح الكنيست الاسرائيلي بالقدس جلسة طارئة خصصها للعراق .وكان موشى أرينز وزير الدفاع الإسرائيلي قد استقبل قبل ذلك بقليل السفير الاميركي وعرض تزويد الولايات المتحدة بكل المساعدات التي تطلبها من المخابرات الإسرائيلية .
والواقع أن الغزو العراقي كشف عددا من مواطن الضعف لدى إسرائيل . فلم تكن هناك " تغطية كافية " للعراق من قبل الاستخبارات الإسرائيلية التي كانت تواجه مشكلة تجنيد العملاء وعدم وجود أقمار صناعية للتجسس لديها في تلك المنطقة .
فمنذ عام 1981 والأميركيون يرفضون تزويد اسرائيل بأية صور فوتوغرافية أو معلومات يحصون عليها بواسطة أقمار التجسس الصناعية خارج منطقة تمتد 30 ميلا من حدود اسرائيل . إذ اعتبرت واشنطن قد اتخذت هذه المسافة " حزاما أمنيا كافيا لتجنب جميع الاخطار المباشرة " . وكانت واشنطن قد اتخذت ذلك الاجراء في أعقاب الغارة الإسرائيلية على المفاعل الذري العراقي أوزيراك .
وكانت الوزارة الإسرائيلية قد عقدت في الثامنة والنصف من صباح ذلك اليوم اجتماعا خيم عليه جو من التوتر . إذ انتقد بعض الوزراء وبينهم شارون نقاط الضعف التي أشرنا إليها بشدة ؛ واحتدم النقاش حول بيان قدمه البريغادير ـ جنرال داني روتشيلد نائب رئيس المخابرات العسكرية ( لأن الرئيس كان يقضي شهر العسل ) . إذ شعر غالبية المسؤولين الإسرائيليين بأنها فوجئت تماما بتوقيت الغزو ونطاقه .

عودة للعرب :

وقبل أن يغادر الملك حسين عمان حاول عبثا الاتصال بالملك فهد . فأمر مروان القاسم وزير الخارجية بترتيب لقاء له مع الملك فهد والسفر إلى جدة . وبعد أن قام الوزير بمحاولات عدة لذلك الغرض وانتظر طويلا تلقى رسالة من السعودية تقول : " لا تحضر " .
وكان حسني مبارك أحسن حظا . ففي السادسة مساء وقبل ان يغادر الملك حسين عمان إلى بغداد اتصل به وطلب منه ان يتصل تلفونيا بعدد من الزعماء العرب وبينهم الملك فهد وأن يطلب منهم ان يتريثوا وأن لا يناصروا طرفا على آخر خلال الساعات الثماني والاربعين التالية . واتصل مبارك بالفعل بالملك فهد الذي وافق على ذلك .
وفي تلك الاثناء كان وزراء الخارجية العرب مجتمعين في فندق سمير اميس بانتظار وصول الوفد العراقي . لكنه تأخر كثيرا . واستولى الغضب الشديد على مندوبي دول الخليج لأن باقي المندوبين وبينهم مندوب سوريا عدوة العراق رفضوا إدانة الغزو . وانتظر الحاضرون وصول الوفد العراقي ثلاث ساعات ونصف في جو من التوتر المتزايد . وأخيرا وفي التاسعة والنصف مساء دخل سعدون حمادي القاعة واتجه إلى المنصة .
وعندما تأهب لإلقاء بيانه توقع الحضور ان يشتمل على خطة سلام . لكنهم لم يلبثوا ان شعروا بخيبة امل مريرة إذ استهل بيانه بقوله : " لا مفاوضة حول الوضع في الكويت وأخذ على مدى نصف ساعة يكرر الحجج العراقية المألوفة . وقال ان بعض الدول العربية والولايات المتحدة دبرت مؤامرات اقتصادية على العراق بإبقاء اسعار النفط منخفضة وذلك لمنع العراق من استعادة عافيته الاقتصادية التي انزلت بها الحرب العراقية الإيرانية افدح الاضرار . وخلا بيانه من الاشارة إلى أي تنازل . وشدد على ان العراق هو الذي منع إيران من اجتياح المنطقة ، وانه طوال سني الحرب " شكل العراق ترسا لحماية دول الخليج . لكن بالرغم من تلك الحماية فان هذه الدول رفضت منحنا المساعدة المالية التي نحن في اشد الحاجة اليها " .
وعندما عاد حمادي إلى مقعده خيم الذهول على الحضور . إذ بدا ان بغداد تغلق الباب امام كل التسويات . وفجأة ازدادت ازمة الكويت تعقيدا . وحل التشاؤم الشديد محل التفاؤل السابق .
وعندما رفعت الجلسة إلى التاسعة من صباح اليوم التالي لم يعد لدى الحاضرين أي شك حول مصير الجلسات القادمة . وعليه فان الامل الوحيد في حل عربي صار معلقا على اجتماع صدام حسين والملك الأردني .
بقي الملك حسين في الاسكندرية حتى وقت متأخر من المساء على امل ان يستطيع التوقف في السعودية للاجتماع بالملك فهد قبل ان يتوجه بطائرته إلى بغداد . الا انه عندما علم ان الملك فهد لن يجتمع به عاد إلى عمان . بعد ان نام بضع ساعات توجه إلى بغداد في وقت مبكر من صباح الثالث من أغسطس . لكنه قبل ان يبدأ رحلته اتصل بالتلفون مرة اخرى بالرئيس مبارك وسأله : " هل تسير الامور على ما يرام ؟ " فأجابه مبارك بأنه يرجح ان لا تحضر الكويت القمة المصغرة ، ولهذا فانها سوف تقتصر على مصر والسعودية والأردن واليمن والعراق .

عودة للغرب :

قبيل هبوط طائرة بوش في آسبن اتصل ببيكر الذي كان يستعد لمغادرة منغوليا وقال له : " جيم ، ينبغي ان يظهر البيان المشترك مستوى عاليا جدا من التعاون بين الاتحاد السوفييتي وبيننا ، والا فلن تكون هناك فائدة في ذهابك إلى موسكو .
وفور وصول بوش إلى آسبن اجتمع ـ وذلك للمرة الأولى ـ مع مارغريت تاتشر وصافحته وهي تحمل كعادتها حقيبتها تحت ابطها . قالت : " عليك ان تعرف يا جورج انه لن يتوقف " . وكان هذا يثير مخاوف متزايدة لدى بوش . وبينما كان المؤتمر حول الدفاع منعقدا على بعد ياردات اتصل بوش تلفونيا بالرئيس اليمني علي عبد الله صالح الذي كان واحدا من حلفاء صدام القلائل . وكانت جبال كولورادو القريبة الشامخة تسبغ على المناسبة جوا شبيها بجو الدروس الصيفية في احدى الجامعات .

اتصال بوش بفهد :

وبعد ان ألقى بوش خطابه اتصل بمقر الملك فهد بالسعودية وكرر له التأكيد على عزم الولايات المتحدة الدفاع عن المملكة . فشكره الملك كثيرا . لكن قلق بوش أحرجه بدلا من ادخال السرور على نفسه . وكان الملك خجولا ضعيف الصحة . وبدا عندئذ في وضع لا يحسد عليه . إذ حدث ما كان يخشاه فأصبحت بلاده في خط المواجهة . وكانت مملكته منذ انشائها قبل ثلاثة وستين عاما واحة استقرار لكن غزو الكويت كان ـ كما قال ـ " مأساة " . إذ اصبح اميرها وافراد اسرته ضيوفا عليه . وبذلك يكون التاريخ قد اكمل دورته بطريقة غريبة . ففي عام 1902 وجد مؤسس المملكة المشرد ابن سعود ملجأ لدى آل الصباح في الكويت .
وقبل عودة بوش إلى نيويورك عقد اجتماعا مغلقا مع مارغريت تاتشر في شاليه فخمة بمساكن كاتو يملكها سفير الولايات المتحدة في بريطانيا . فنصحت تاتشر الرئيس الأميركي بإظهار أكثر حزم ممكن وتجنيد العالم كله برعاية الأمم المتحدة . ولم تطرح الخيارات العسكرية للنقاش لكن ـ كما قال شاهد عيان ـ " قالت في صدام حسين ما قاله أنتوني ايدن خلال أزمة السويس في جمال عبد الناصر فقارنه بهتلر " .

البدء في إنشاء جسر جوي مع السعودية :

وبحلول الساعة الرابعة بعد الظهر وعندما أقلعت الطائرة الرئاسية من آسبن إلى واشنطن كانت وزارة الدفاع الأميركية قد اتخذت عددا معينا من الاجراءات . فاستدعي على عجل طواقم طائرات الشحن سي 141 العملاقة . وألغيت جميع الاجازات وصدر أمر لجميع الطيارين بالعودة إلى قواعدهم خلال ثلاث ساعات . واعترت هؤلاء الدهشة وهم يودعون أسرهم وأصدقاءهم بطرية مفاجئة . فقد كانوا لا يعرفون سبب استدعائهم . ولم يكد يحل المساء حتى كانوا في الجو فوق الاطلنطي . ونقلت طواقم عشرين طائرة من طراز سي 141 إلى القاعدة الأميركية " راين مين " بألمانيا الغربية . ونقل 26 طاقما إلى طوريجون في إسبانيا . وشكل هؤلاء أول حلقات الجسر الجوي الضخم الذي سيقام مع السعودية خلال الأيام القليلة التالية .
وقُطع حفل كبير راقص في أحد المعسكرات فجأة عندما أعلن أحد الضباط بأنه على جميع الحاضرين أن يستأنفوا عملهم في الحال . ولم تقدم لهم أية ايضاحات . ولم يعد أحد منهم بعد ذلك . وكان هؤلاء ينتمون إلى وحدات العمليات الخاصة ويقومون بالمهمات الخطرة مثل غارات الكوماندوز والرد على أخذ رهائن . وكانوا سيرسلون في تلك الليلة ذاتها إلى الشرق الأوسط .

الكويت تستغيث يائسة :

وأذيعت من الكويت المحتلة استغاثة يائسة جاء فيها : " ماذا حدث للاتفاقات المعقودة بين الدول العربية ، والاتفاقات بين دول الخليج ، والاتفاقات بين الدول الإسلامية . يا اخوة اللغة والدم والعروبة والإسلام ان الكويت تناشدكم المساعدة ".
وخرج الكويتيون الذين ابقتهم الحرب في القاهرة إلى الشوارع والدموع في اعينهم . وقال ضابط مصري لاحدهم : " ان هذا الوضع عار على العالم العربي . اننا نجلس هنا ونتفرج وكأنه لم يحدث شيء " .
ومن يقرأ الصحف من العرب لم يصدق ما يرى . إذ لم تقم صحيفة واحدة بادانة الغزو العراقي للكويت . فقد كان محررو الصحف قد تلقوا أوامر مشددة بالوقوف على الحياد . وكانت الصحف الوحيدة التي أيدت صدام حسين علنا هي صحف الأردن .

محاولات حسين اليائسة :

في التاسعة والنصف صباحا وصل الملك حسين إلى بغداد واستقبله صدام على الفور في القصر الرئاسي . واستغرق الاجتماع عدة ساعات لكنه انتهى بالتوصل إلى اتفاق . وطرح الملك خلالها اسئلة محددة على الزعيم العراقي : " هل تعتزم حضور القمة المصغرة غدا ؟ " فهز صدام رأسه موافقا وقال : " سأكون هناك " . وسأله : " هل ستخرج من الكويت ؟ " فأجاب " نعم إذا جرى حل خلافاتي مع تلك الامارة " . وأضاف في أواخر المقابلة : " لا اريد ان يحضر القمة أحد من آل الصباح . أفضل التفاوض على اتفاق مع الملك فهد . فقد كانت لي دائما علاقات أفضل معه " .
وترك صدام لدى زائره انطباعا بأنه زعيم طيب مستعد لتقديم تنازلات كبرى وكانت لحظة غضبه الوحيدة عندما ذكر الملك تهديدات الجامعة العربية بالتنديد بالغزو . قال : " ينبغي ان نزيل الغشاوة عن أعيننا . إذا سارت الامور في ذلك الاتجاه فسوف أقول بان الكويت جزء من العراق وسأضمها إلى بلادي " . ثم مال على الملك وخفض صوته كما لو كان يريد الادلاء بسر وقال : " على أي حال فانني وقعت معاهدة عدم اعتداء مع السعودية ".
وقبل ان يفترق الزعيمان تعانقا بحرارة وخرج الملك متفائلا ومقتنعا بأنه استطاع معالجة الازمة . وبعد بضع ساعات أصدر صدام بيانا أعلن فيه أنه سيبدأ بسحب قواته من الكويت يوم الاحد الموافق في الخامس من أغسطس ولكن لا مجال لعودة الاسرة المالكة .
وفيما كان الملك حسين يهم بالعودة إلى عمان ، كان ياسر عرفات قد وصل إلى طرابلس الغرب قادما من تونس . وكان يعتزم زيارة مصر والعراق والسعودية في مهمة توسط مشابهة . إذ كان عدد الفلسطينيين المقيمين في الكويت كبيرا ويحتلون مناصب مهمة ويتبرعون بجزء كبير من ميزانية منظمة التحرير .


تفلسف ليبي كالعادة :

وفي طرابلس الغرب وجد عرفات القذافي في غاية التأثر بسبب الغزو . وقال باصرار : " أبو عمار ، لا بد من التوصل إلى حل سلمي . ولدي حل يقوم على نقطتين ." ثم سحب ورقة عن الطاولة التي كانت أمامه . واستمع إليه عرفات بتفهم وانتباه . وكانت العلاقات بين القذافي والفلسطينيين منذ سنوات كثيرة معقدة وأحيانا غامضة . وواصل القذافي كلامه فقال : " أولا على العراق ان ينسحب إلى المنطقة المتنازع عليها . ويعود بعد ذلك شخص من الاسرة الكويتية الحاكمة غير الامير إلى الكويت . ويمكن للشعب بعد ذلك انتخاب حاكمه ". على ان النقطة الثانية لم تكن واقعية . لكن عرفات لم يعلق بشيء .
في ذلك اليوم ـ وهو الثالث من أغسطس ـ أخذ زمام السيطرة على الازمة يفلت تدريجا من ايدي العرب .

استعدادات عسكرية :

في البيت الأبيض افتتح بوش في وقت متأخر من بعد الظهر اجتماعا لمجلس الامن القومي . وحضر الاجتماع ريتشارد تشيني وزير الدفاع ، وبرنت سكوكروفت رئيس مجلس الامن القومي ونائبه ريتشارد هاس ، ورئيس هيئة الاركان المشتركة كولن باول .
وأكد الجنرال باول للرئيس ان جميع الخيارات العسكرية يجري درسها وانها ستقدم له في اليوم التالي حسب الخطة . وكان باول في الخامسة والثلاثين من عمره . وسبق له ان حارب في فيتنام وشارك في خمس ازمات بما فيها غزو بنما ونزول قوات المارينز في ليبيريا لاجلاء الاميركيين منها . واعتاد ان يقول " ليس هناك استخدام شرعي للقوة " . وكانت هذه وجهة نظر لم يجد بوش بدا من الموافقة عليها .
وكان لدى اعضاء هذه الهيئة التنفيذية عدد من القطع التي تحل أحجية الخليج بما فيها دعم هيئة الأمم المتحدة وحلف شمال الاطلسي . وما كانوا بحاجة إليه هو عدد من الخيارات العسكرية ودعم العالم العربي .
وعندما سأل بوش باول عن المخاطر التي ستتعرض لها طلائع القوات الأميركية التي ترسل إلى الميدان أجاب باول بلا تردد : " ان المخاطر كبيرة جدا . فسوف تتعرض قواتنا لهجمات العراقيين . فإذا قررت أخيرا يا سيدي الرئيس ان تزج بالقوات الأميركية في المعركة فانه ينبغي علينا ان نرسل اكبر عدد ممكن منها وبأسرع ما يمكن . اختر الهدف ركز عليه وحاول أن تسحقه " . فهز بوش رأسه ولم يعلق بشيء .
وانتهى الاجتماع بعد ساعتين .

تخويف أمريكي لفهد واستسلامه لطلبات أمريكا:

وفي حين ان المجتمعين تفرقوا لاخذ قسط من الراحة اتصل بوش مرة أخرى بالملك فهد وحاول ان يقنعه بان المعلومات المتوافرة لديه تدل على ان الزعيم العراقي سوف يزحف على السعودية . فقال الملك فهد معترضا بأنه لا يزال واثقا من نجاح الجهود التي يبذلها الملك حسين للتوصل إلى تسوية عن طريق المفاوضات ولاقناع الرئيس العراقي بالانسحاب . وذكر بوش بأن القمة العربية المصغرة ستعقد في اليوم التالي أي الرابع من أغسطس .
فقال بوش : " لكن إذا ساء الوضع يا صاحب الجلالة فهل تقبل مساعدات أميركية ؟ " . فلم يجب الملك . وطال الصمت إلى حد أن بوش اعتقد بأن الملك لم يسمع السؤال بسبب عطل طرأ بخط التلفون فكرر السؤال . وأخيرا أجاب الملك على نحو يدل على الاستسلام : " أجل سنقبلها " .

اعتراف أمريكي بتجسس حسين وحسني لصالحه :

هناك عامل آخر في أزمة الخليج أثار غضب بوش وهو أنه اتبع أسلوبا مضللا . إذ كان منذ زمن طويل يعول على اهمية العلاقات الشخصية بين الزعماء . ووصفه واحد من أقرب زملائه إليه بقوله انه " يتبع نوعا من الدبلوماسية الشخصية " ، وخصوصا الإكثار من المكالمات التلفونية غير الرسمية مع رؤساء الدول . ويقول صديق له : " يحب جورج ان يُعرف بـ " جورج العزيز " وان يحبه الجميع بسبب دفء مشاعره " . لكن بالرغم من أنه بالنسبة إلى الكويت تلقى تقارير محددة تنذر بالخطر الشديد من وكالات المخابرات فإنه ظل حتى آخر ساعة يعتقد أن العراق لن تقوم بالغزو لسبب بسيط وهو ان اثنين من الزعماء الذين كان يثق بهم وهما الملك حسين والرئيس المصري حسني مبارك كانا يؤكدان له ذلك باستمرار . وكان يعتمد عليهما كمصدر للمعلومات أكثر مما يعتقد على التقارير السرية وصور الاقمار الصناعية التي كانت تصل إلى مكتبه كل ساعة .
والواقع ان ادارة بوش اقترفت الخطأ في الحكم الذي وقع فيه الاسرائيليون قبل نشوب حرب أكتوبر 1973 . ففي كلا الحالين كانت جميع المعلومات الضرورية لتوضيح الموقف . لكن الذي شوه المعلومات الافتراض الخاطئ بأن العراق ، كمصر عام 1973 ، لن يقوم بالهجوم .

تهديد أمريكي لمصر لحل الأزمة أو تواطؤ مصري أمريكي لإخراج الحل من أيدي العرب ووضعه في أيدي أخرى :

كان هناك شخص في ناحية أخرى من واشنطن سيلعب دورا هاما في تصلب الموقف الاميركي وهو جون كيلي . ففي الثامنة من ذلك الصباح كان في مكتبه . وبدا عليه الانزعاج لانه كان يحاول عبثا الاتصال بالسفير المصري في واشنطن . فلم يكن احد يعرف مكانه واخيرا وبعد نصف ساعة اكتشف انه هو والقائم بالأعمال في القاهرة . فبعث على الفور برسالة تلفونية إلى وزير الخارجية المصري . وكانت عنيفة اللهجة إلى حد لا يحتمل معه أن يكون قد أرسلها بدون ضوء أخضر من رؤسائه . قال في رسالته :
" لقد قام الغرب بواجبه ؛ لكن الدول العربية لا تفعل شيئا . لقد باعت الولايات المتحدة أسلحة كثيرة للأقطار العربية وخصوصا لمصر . وإذا لم تتحرك وتتخذ موقفا حازما من قضية الكويت عليها أن تتأكد من أنها لن تستطيع الاعتماد من الآن فصاعدا على الولايات المتحدة " .
وتنفي وزارة الخارجية الأميركية ان هذه المكالمة جرت في ذلك اليوم . لكن مصدرا مصريا رفيع المستوى وموثوقا به يصر على أنه اطلع على تلك الرسالة . والأمر الغامض هو ما إذا كانت وزارة الخارجية الاميركية قد احيطت علما بتفاصيل الحديث بين الرئيس بوش والملك حسين عندما وافق بوش على عدم الاتصال بالدول العربية خلال الثماني والأربعين ساعة التالية . فإن لم تكن على علم بذلك فانه من المنطق ان يكون بوش قد أمر برنت سكوكروفت في الساعة الخامسة من صباح الثاني من أغسطس أن يطلب منها أن تضغط على الدول العربية لكي تدين غزو صدام للكويت .
واستولت الدهشة على المسؤولين المصريين ولكن الملك حسين هبط بطائرته في عمان وهو لا يعلم شيئا عن ذلك . وكانت الساعة عندئذ في عمان تشير إلى الثانية بعد الظهر .
وعندما نزل الملك من الطائرة أُبلغ أن وزير خارجيته مروان القاسم يريد أن يتحدث معه في أمر ملح . وعندما رفع سماعة التلفون قال للوزير : " لدي أخبار جيدة جدا . لقد أخبرني صدام حسين بأنه سينسحب من الكويت " .
وقبل أن يدخل الملك في تفاصيل محادثاته مع صدام قاطعه الوزير بقوله : " إنك لم تسمع ! فقد أصدرت وزارة الخارجية المصرية بيانا تدين فيه الغزو العراقي للكويت " . وكان هذا صدمة للملك حسين الذي قال : " إن هذا يهدم كل شيء ، وربما وسع نطاق النزاع " .
وأسرع الملك في العودة إلى القصر حيث حاول الاتصال بالرئيس مبارك . ووجد صعوبة في الوصول إليه . وعندما تم له ذلك أخبره عن اتفاقه مع صدام على انسحابه من الكويت وحضوره القمة المصغرة . وسأله : " لماذا أصدرتم ذلك البيان ؟ لقد اتفقنا على أن لا نفعل شيئا من ذلك حتى تجتمع القمة المصغرة " .
وبدا الاضطراب على مبارك وقال : " لقد تعرضت لضغط هائل من وسائل الاعلام ومن الشعب . إن عقلي لا يشتغل ، فصرخ الملك : " حسنا اتصل بي عندما يعود إلى العمل " .
وفيما بعد روى هذا مبارك بطريقة مختلفة جدا فقال: " سألت الملك حسين : هل وعد صدام حسين بالانسحاب من تلقاء نفسه ؟ فأجابني الملك : " لا ولكنه قال بأنه سيفعل ذلك إذا جرى التوصل إلى حل في القمة المصغرة وخصوصا إذا حصل على تنازلات كويتية بوساطة السعوديين " . وعندما سئل مبارك عما إذا كان صدام قد التزم بالانسحاب أجاب بالنفي .
ويدعي مبارك أن حديثه مع الملك أقنعه بأنه طالما أن صدام حسين لم يقدم أي ضمانة بأنه سينسحب حتى ولو جرى التوصل إلى اتفاق في القمة المصغرة فإنه لا مبرر لاجتماع هذه القمة.

عدم رغبة الأمريكين في حل المشكلة التي افتعلوها أساسا :

وأخبرنا مسؤولون عراقيون من ذوي الاطلاع أن الرئيس العراقي وافق خلال محادثاته مع الملك على الذهاب إلى جدة في السابع من أغسطس لحضور قمة مصغرة وأنه سيجري مفاوضات مع الملك فهد وأنه في حال نجاحها سينسحب من الكويت .
وقبيل نشوب الحرب وبينما كان صدام حسين مجتمعا مع دي كويار أمين عام الأمم المتحدة أعاد التأكيد على قراره الانسحاب من الكويت في الخامس من أغسطس إذا نجحت القمة المصغرة التي تقرر اجتماعها بجدة في الرابع من الشهر ذاته . وقد تأكدنا من مراجع رفيعة المستوى في العاصمة الأردنية بان صدام حسين أبلغ الملك بالفعل بأنه على استعداد للانسحاب من الكويت وأن الملك حسين أبلغ ذلك إلى الرئيس المصري . ويدل هذا على انه عندما أخبر مبارك عرفات بأن الملك حسين أبلغ ذلك إلى رئيس المصري . ويدل هذا على انه عندما أخبر مبارك عرفات بأن الملك حسين ابلغه أن صدام حسين لم يوافق على الانسحاب من الكويت لم يقل الحقيقة .

الإعداد للبيان الأمريكي الروسي المشترك :

في موسكو اخذ دنيس روس نائب بيكر يفقد صبره . وكان في تلك الأثناء يقيم في مقر السفير الأميركي ويعمل بصعوبة بالغة على التوصل إلى اتفاق حول التغييرات التي سيتم إدخالها على البيان المشترك الذي سيصدره بيكر وشيفارنادزه . وكان مشروع البيان الذي أحضره تراسنكو معه غير صالح ويتسم إلى حد كبير بالغموض والاعتدال . فقال لتراسنكو : " لا بد من إعادة كتابته . إذ ينبغي أن يكون أقوى من ذلك " . فخرج تراسنكو وعاد بعد ثلاث ساعات ومعه نص جديد غير مرض أيضا . فعندما أطلع روس عليه قال :
" إنك تعرف ما الذي سيحدث إذا اعتمدنا هذا النص. اننا لن نوصل الرسالة المطلوبة إلى صدام حسين. فهو لن يجد في هذا النص ما يدل على اتحادنا وتصميمنا فأجابه تراستكون اننا نواجه مقاومة لذلك . فخبراء الشؤون العربية في وزارتنا يعارضون فكرة التخلي عن شريك ثابت كالعراق " .
وخرج تراسنكو مرة أخرى وعاد بعد بضع ساعات وعلى وجهه علائم النجاح . فلم يكن أمامهما وقت يضيعانه . فطائرة بيكر كانت على وشك الهبوط . فركب الرجلان سيارة ليموزين واتجها إلى المطار بأقصى سرعة ممكنة . وعندما قرأ روس النص وجده مرضيا . ولاحظ أن فيه فقرة تدعو إلى حظر مشترك على بيع الاسلحة فحذفت . وقال لتراسنكو : " إنه لا قيمة لها " . فعلق زميله السوفييتي بقوله : " يمكن لوزير خارجيتكم أن يبحث ذلك مع زميله شيفارنادزه .
ووصلا أثناء هبوط الطائرة . وكان شيفارنادزه بانتظاره على المدرجات . وتصافح الوزيران . فقال شيفارنادزه وعلى شفتيه ابتسامة تنم عن الاحراج : " كنت مخطئا يا جيم عندما أبلغتك أنه لن يكون هناك غزو " . ثم توجها ومعهما روس وتراسنكو في الحال إلى غرفة عليها حراسة مشددة.
استهل بيكر الحديث بقوله : " ينبغي أن يكون واضحا لصدام حسين وباقي العالم أننا متضامنان في هذا " . فوافقه شيفارنادزه الذي كان يميل إلى الاسهاب ولكن بدون حماسة كبيرة . وبعد أن استمع إلى ما لدى بيكر قال: " نحن نصر على أن الاتحاد السوفييتي لن يقبل قيامكم بأي شكل من أشكال دبلوماسية المدفع " .
وحاول بيكر طمأنته فقال : " لن تتخذ الولايات المتحدة إجراء من طرف واحد إلا إذا تعرض مواطنوها للخطر " .

عودة للعرب مرة أخرى :

وصل إلى جدة في وقت مبكر من مساء ذلك اليوم ، عزت ابراهيم ، الشخصية الثانية في العراق ، لإجراء محادثات مع الملك فهد . وفي الوقت نفسه أظهرت صور الأقمار الصناعية أن وحدات من الحرس الجمهوري العراقي وصلت إلى الحدود المشتركة بين الكويت والسعودية .
في عمان ، كان الملك حسين محطما ويشعر بالمهانة واليأس ، فقد اعتبر الملك البيان الذي يدين الغزو مؤامرة واسعة مدبرة من بعض الدول العربية لعرقلة جهوده ولتخريب القمة المصغرة المرتقبة ليوم الغد .
بقي الملك الذي اعتاد الكفاح والعمل عدة ساعات وحيدا في قصره . وكان الزائر الوحيد الذي سمح باستقباله هو شقيقه الأمير حسن . وقال له بصوت حزين : " كان ينبغي على العرب أن يثبتوا قدرتهم على حل الأزمة بأنفسهم ـ لقد كان علينا أن لا نفشل . والآن علينا أن نتوقع الأسوأ ".
وتوقف رنين الهاتف في القصر الذي كاد أن يكون خاليا . فلم يتصل أي من الزعماء العرب بالقصر . وفي تلك الساعات التي انعزل فيها وأخذ يشك في كل شيء وحتى في نفسه خطر بباله أن يتنازل عن العرش .
وكان باستطاعته سماع الضجة في المدينة . إذ كانت المدينة مسرحا للمظاهرات المؤيدة لصدام حسين والتي كانت تهتف باسمه إلى جانب اسم صدام . وكان المتظاهرون وغالبيتهم من الفلسطينيين يعلنون عن حقدهم على دول الخليج ، " فالكويت " في نظرهم ليست قطرا ، وليست شعبا وليست عاصمة وليست حتى بلدة . فهي بئر نفط وسط الصحراء . فالدول الخليجية المتعجرفة ترفض منح الجنسية للعرب الذين يعملون فيها والذين خدموها بإخلاص مدة طويلة . وينبغي على صدام أن يغزو السعودية أيضا " .
كانت مظاهرات التأييد هذه في نظر الملك حسين " نصراً مراً " . وعندما أسدل الظلام ستاره على التلال المحيطة بعمان كان لديه إحساس بالفرقة التي كانت ستمزق العالم العربي .
وفي تلك الأثناء ، كان مجلس الجامعة العربية بالقاهرة ينهي الهدنة التي طلبها الملك لإفساح المجال له للتوسط . وتبنى وزراء الخارجية العرب قرارا يدين العراق ويدعو إلى انسحاب قواته إلى الحدود دون شرط . ورفض سبعة من الأعضاء البالغ عددهم واحدا وعشرين أن يصوتوا إلى جانب القرار . وهم بالإضافة إلى الممثل العراقي وزراء الأردن وليبيا واليمن والسودان وجيبوتي ومنظمة التحرير الفلسطينية . وكان الوزير الليبي قد انسحب من القاعة قبيل التصويت.
وكان المندوبون العرب على علم بالضغط الأميركي الذي تعرض له حسني مبارك طوال اليوم بوسائل مثل الرسالة التلفونية التي بعثها جون كيلي . وكانت مصر بعد إسرائيل هي المستفيد الأكبر من المساعدة الأميركية المالية في المنطقة وتبلغ نحو بليوني دولار .
وبالرغم من أن القرار دعا إلى عقد قمة عربية " لبحث العدوان والبحث عن وسائل للتوصل إلى حل دائم " ، فان الأمل في التوصل إلى تسوية فورية كان قد تلاشى . وكان صدام حسين كما قال الملك حسين قد أعلن عن استعداده للانسحاب من الكويت إذا انعقدت القمة العربية المصغرة ولكن على شرط أن لا تقوم الجامعة العربية بإدانة الغزو . على أن القمة المصغرة التي كان من المتفق عليه انعقادها في الرابع من أغسطس قد ألغيت . وما قيل للعالم عندئذ هو أن القرار الذي اتخذته الجامعة العربية في ذلك المساء يدعو الدول العربية إلى عدم إنزال قواتها على الأراضي العربية . وصوتت إلى جانب القرار كل من السعودية ومصر وسوريا . إلا أن الولايات المتحدة غيرت موقفها خلال الأسبوع التالي .

دراسة لاحتمالات غزو السعودية :

أشارت التقارير الواردة صبيحة الرابع من آب إلى أنَّ الوحدات العراقية دخلت " المنطقة المحايدة " بين الكويت والمملكة العربية السعودية وتمركزت على بعد نصف كيلو متر من الحدود السعودية . وفي " فورت ميد " حيث مقر وكالة الأمن الوطنية أظهرت الصور التي تلتقطها أقمار التجسس الصناعية التي باتت تصور كل كيلو متر من منطقة الأزمة ، أنّ مئة ألف جندي من نخبة الوحدات العراقية قد حُشدت قرب الحدود وكانت هذه الوحدات تنتمي إلى الفيلق الثالث والحرس الجمهوري الذي يؤمّن الحماية الشخصية لصدام حسين . وكان هذا الفيلق يضم 8 فرق تتألف كل منها من 30 إلى 33 لواء .
وتلقى المسؤولون الرئيسيون في الادارة الاميركية دراسة سرية فيها تقييم لما تمثّله هذه القوات من أخطار :
" يتطلب الغزو العراقي للسعودية عملية عسكرية تفوق بكثير اتساعا وعمقا تلك التي قامت بها القوات البرية العراقية . وتشمل الأهداف الرئيسية لهذا الغزو المرافئ والمطارات القريبة من الظهران الواقعة على بعد ثلاث مائة كيلو متر من الحدود الكويتية ، على أن يكون الهدف التالي الرياض عاصمة المملكة السعودية . ففي هذه المنطقة جميع الأهداف الاقتصادية الحيوية التي تؤدي الاستيلاء عليها إلى إغلاق الخليج على السعوديين ، والى إعاقة الإمدادات الأميركية " .
ثم تعرض الدراسة لمختلف الهجمات التي قد يقوم بها الحرس الجمهوري على الاراضي السعودية وتختم ذلك بمقارنة تاريخية غير متوقعة :
" قد تشكل سمعة الحرس الجمهوري الممتازة نقطة ضعف خطيرة . فتدميرها أو إلحاق هزيمة خطيرة بها ، قد يصيب باقي وحدات الجيش بصدمة معنوية هائلة تؤدي إلى تسريع تفككه وانهياره . فليس من المستبعد أن تكون ردة فعل القوات العراقية مشابهة لتلك التي صدرت عن جحافل الجيش الفرنسي الكبرى في واترلو عندما بلغها نبأ انسحاب حرس نابليون القديم . فقد أحدثت صرخة " الحرس يتقهقر " ذعرا عمَّ الجيش الفرنسي بأكمله وأدى إلى انهياره الفوري " .

كامب ديفيد وقلق السعودية :

وفي كامب ديفد المقر الصيفي للرؤساء القابع في جبال " كاتوكتين " ، انعقد الاجتماع الثاني الذي دعا إليه جورج بوش في أقل من أربع وعشرين ساعة . وقد بدأ كالذي سبقه في الساعة الثامنة صباحا ، وحضره إلى جانب برنت سكوكروفت وريتشارد هاس والجنرال كولن باول ، الذي كانوا هناك في اليوم السابق ، رئيس موظفي البيت الأبيض جون سنونو ووزير المالية نيقولاس برادي ومدير وكالة المخابرات الأميركية (CIA ) وليام وبستر إضافة إلى وزير الخارجية جيمس بيكر الذي كان قد عاد من موسكو في مساء اليوم السابق . وجلس المجتمعون حول طاولة من خشب البلوط في الشاليه الخشبية بعد أن كان أكثرهم قد خلعوا ملابسهم الرسمية وارتدوا ملابس عادية كما لو كانوا قد جاؤوا لقضاء عطلة نهاية الأسبوع . والواقع أنهم كانوا وسط أزمة متفاقمة.
واستهل الاجتماع عدد من الخبراء العسكريين المدعوين إلى الاجتماع بتقديم تقرير حول " الوضع كما هو على الأرض وما يمكننا علمه " .
واثير احتمال القيام بنشاطات سرية تهدف إلى زعزعة استقرار النظام العراقي أو التخلص من صدام حسين غير أنه لم تجر مناقشة خطط محددة . وبعد أن أكمل العسكريون عرضهم وخرجوا من القاعة طلب جورج بوش من المجتمعين التعليق . ودار النقاش كله حول الخيارات العسكرية . وكان واضحا أن انتشارا عسكريا أميركيا في الخليج لا يمكن أن يتم عمليا دون دعم ومساندة الدول العربية وخاصة المملكة العربية السعودية .
إلا أن الرياض لم تكن مستعدة لإعطاء الضوء الأخضر ، وذلك لسببين : أولهما أن السعوديين كانوا لا يزالون متمسكين باحتمال تسوية عربية ، وثانيهما أن فكرة وجود قوات أميركية أثارت لديهم قلقا عميقا .
هذا وقد حملت آخر الأنباء عن الوحدات العراقية التي تحتشد على الحدود مع السعودية ما يدعو إلى المزيد من القلق وشكلت فوق كل شيء الورقة الحاسمة في المفاوضات مع الملك فهد . وعبر بوش عن ذلك بوضوح . فمنذ بداية الأزمة لم يخف تبرمه بسبب بطء الاستجابة الدولية . كما عبر عن غضبه بسبب القمع الذي كان يمارسه العراقيون في الكويت .
وعندما بدأ كولن باول بالكلام استقر بوش في مقعده وعلى وجهه علامات الاهتمام ويداه متشابكتان وأصابعه تلامس أنفه . إذ كان يريد أن يستمع إلى الخيار العسكري .

الدب نورمان شوارزكوف وحماية السعودية :

منذ الثاني من أغسطس والجنرال نورمان شوارزكوف المعروف بالدب بسبب ضخامة جثته لا ينام سوى بضع ساعات كل ليلة ، ويدخن أكثر من العادة ، ويكاد لا يفارق مقره في قاعدة ماكدل الجوية بفلوريدا . وكان من قدامى لاعبي كرة القدم المعروف في وست بوينت بحبه للحياة الهنيئة ، ورئيساً للقيادة المركزية ( السنتكوم ) . وكان استراتيجيو وزارة الدفاع قد قسموا العالم إلى مناطق وعهدوا بالمسؤولية عن كل قسم إلى جهة معينة . واعتبر السنتكوم مسؤولا عن منطقة مساحتها 15 مليون ميل مربع وتمتد من كينيا إلى باكستان . وعليه فإن هذا الجنرال الضخم المرح كان مسؤولا عن منطقة تحتوي على سبعين بالمائة من احتياطي النفط في العالم .
ومنذ بداية الازمة كان شوارزكوف يعمل بالتنسيق مع رؤساء الأركان وكولن باول . وعهد إليه بتحقيق الهدف التالي : تعديل الخطة السرية المشهورة رقم 90 ـ 1002 التي وضعتها إدارة كارتر للتدخل في الخليج بحيث تشكل دفاعا هائلا عن السعودية .
وواجهت " الدب " وزملاء مشكلات عديدة أكثر خطورة منها عدم وجود قواعد على الأرض السعودية والحرارة المرتفعة في الصحراء التي تجعل القتال صعبا للغاية . وكان بين أسباب القلق الأخرى احتمال استخدام العراق للأسلحة الكيماوية وسقوط طلائع القوات الأميركية التي كانت نسبيا في حاجة إلى حماية قبل وصول الدبابات والأسلحة الثقيلة .
من المرجح أن التدخل في منطقة الخليج كان أصعب تحد تواجهه السلطات الأميركية منذ حرب فيتنام . وفي الأسبوع الأخير من يوليو أُجري تدريب أطلق عليه " علم الحرب 90 " لاختيار قدرة قادة الجيش على الاتصال فيما بينهم من مسافات طويلة . وكانت العملية موجهة إلى الشرق الأوسط . ولكن بالرغم من التوتر المتزايد فإنه لم تجر الاشارة إلى العراق والكويت والسعودية . ولتفادي إثارة الحساسيات اظهر باول لباقة خارقة عندما طلب تقطيع الخرائط وتعديلها بحيث لا يظهر أي تشابه بينها وبين بلدان المنطقة .
وفي قاعدة ماكديل وفي البنتاغون (وزارة الحربية) كانت الكمبيوترات الضخمة تعمل طيلة أربع وعشرين ساعة في استيعاب المعلومات الجديدة . وكان يجري العمل ببرنامج ضخم له اسم كاللغز ويرمز إليه بالحروف TPFD ( أي قوة الانتشار في المرحلة الزمنية (Time Phase Force Deployment) ويشتمل على معلومات مفصلة عن القوات والاعتدة التي يجب ارسالها ، ووسائل نقلها ، وانظمة الاتصالات لتنسيق العملية ، وكل ما تحتاجه في صحارى السعودية من دفاعات جوية ومياه للشرب ومبان الخ .
وكان شوارزكوف وباول من قدامى المحاربين في فيتنام ، الذين يتخذون جميع الاحتياطات عند استخدام القوة . وكانا مقتنعين بأن نجاح العملية العسكرية رهن بتنفيذها على نطاق واسع واستخدامها كافة الوسائل وبدعمها بتصميم لا يتزعزع لدى السياسيين .
وكان في مكتب رئيس هيئة الأركان لائحة معلقة في مكان بارز وتشتمل على قائمة بـ " قواعد كولن باول " الثلاث عشرة وإحداها : " اختر بعناية ما تريده فتحصل عليه " .

صدام ليس مجنونا :

وعندما بدأ باول في كامب ديفد ذلك الصباح بإلقاء بيانه أمام بوش وأعضاء الادارة ، كان عليه أن جميع المعلومات التي زوده بها شوارزكوف . قال :
" سيدي الرئيس ، قال باول ، إذا قررت القيام بعملية عسكرية ، لا بد من إدخال قواتنا بكثافة وصورة ملائمة . فمن الواضح أنَّ صدام حسين لا يبحث عن مواجهة مع الولايات المتحدة . إنَّه شرس ولكنه ليس مجنونا . وهو يعلم أنه سيخسر أي حرب يخوضها على نطاق واسع مع الولايات المتحدة . وفي حال حصول تدخل عسكري لا بد من إرسال فوري لقوات مناسبة إلى العربية السعودية وذلك لاظهار تصميمنا الواضح على الدفاع عن المملكة . ولا بد أيضا من أن يكون الانتشار واسعا بحيث يفهم صدام حسين أن الهجوم على العربية السعودية هو هجوم على الأميركيين . كما أن الخطة 1002 ـ 90 لا بد من أن تسمح بالسيطرة الجوية والبحرية وإرسال افواج المشاة بعدد يكفي لا للردع فقط بل للقتال . فما من أمة جنت ربحا من نزاع يطول " .
كان كلام باول من النوع الذي يريد بوش سماعه . فبعد أن استمع إلى تعليقات الآخرين قرر إعطاء الضوء الأخضر لتنفيذ الخطة 90 ـ 1002 ولإرسال أضخم اسطول منذ حرب فيتنام الطوف الآخر من العالم . " لقد تحول الرئيس " كما قال شاهد عيان " إلى صقر حقيقي " على أنه ترك التفاصيل لباول . وكانت طلائع القوات ـ بموجب ذلك ـ ستغادر في اوائل الأسبوع التالي . وحتى ذلك الحين كانت الخطة ستبقى سرية من الدرجة الأولى .

الموافقة السعودية الصعبة السهلة :

كان لا بد أيضا من تذليل عقبة أخيرة وهي الحصول على موافقة المملكة السعودية . فطلب بوش من تشيني وزير الدفاع التأهب للسفر في اليوم التالي إلى جدة ؛ واقترح برنت سكوكروفت أن يرافقه روبرت غيتس الرجل الثاني في مجلس الأمن القومي الذي شغل سابقا منصب مساعد مدير وكالة المخابرات المركزية . وتقرر أن يرافقهما الجنرال شوارزكوف .
وانتهى الاجتماع في العاشرة والنصف صباحا . وتقرر عقد اجتماع أخير في البيت الأبيض بعد ظهر اليوم التالي .
في هذه الأثناء كان ياسر عرفات مجتمعا مع مبارك . وكان مبارك متوترا ، وظل يقول بغضب : " على العراق أن ينسحب " ، وأشار إلى اتصاله بالملك حسين الذي كان قد عاد من بغداد . وبدا وكأنه يحاول تبرير موقفه بغض النظر عن النتائج فقال :
" سألته ( الملك حسين ) عما إذا كان قد بحث مع صدام مسألة انسحابه من الكويت فأجاب بالنفي . وأضاف بأن كل ما بحثاه هو عقد القمة المصغرة التي كنا سنحضرها أنا وهو والملك فهد وصدام الذي أعرب عن موافقته على حضورها . فقلت بأنني لن احضر ما دام صدام لم يعد بالانسحاب .
كانت كلمات مبارك هذه تناقض كلمات الملك حسين الذي صرح بأن الرئيس العراقي أبلغه بأنه سوف ينسحب إذا تم التوصل إلى اتفاق في اجتماع القمة المصغرة .
وبدا مبارك خلال المحادثات مُحرجا لأنه لم يكن هناك في العالم العربي من يجهل انه تعرض لضغط هائل من الولايات المتحدة . وفي أثناء المحادثات أسر لعرفات بأن العراق سيكون هدفا لعملية عسكرية بين 12 و 18 أغسطس . وفوجئ ياسر عرفات بذلك ولكنه لم يسأل مبارك عن مصدر معلوماته . وفي ختام محادثاتهما قال ياسر عرفات : " عليك ان تذهب إلى السعودية والعراق ." فرد عليه مبارك بفظاظة : " اذهب انت أولا ؟ " . وأضاف بعد شيء من التفكير : " أجل ، اذهب واعرف ما إذا كان مستعدا للانسحاب . فإذا كان كذلك فسأذهب أنا أيضا " .
في الثامنة مساء كان الملك فهد يتحدث مع مساعديه المقربين في حدائق مقره بجدة عندما توجه إليه احد رجاله وقال : " يا صاحب الجلالة إن الرئيس على التلفون . " وكان بوش يتحدث من كامب ديفد حيث كانت الساعة تشير إلى الوحدة بعد الظهر . وكانت الكلمات الأولى التي قالها لفهد هي كلمات مارغريت تاتشر قبل ذلك بيومين . قال " يا صاحب الجلالة إنك تعلم أنه ( أي صدام ) لن يتوقف " .

الخوف هو السبب والكذب سيد الموقف :

ثم أطلع بوش الملك على المعلومات التي تلقاها عن الحشود العراقية على الحدود السعودية . فاستولى الاضطراب والقلق على الملك وأظهر استجابة اكبر لمقترحاته . ويقول احد الموظفين في البيت الأبيض : " حتى ذلك الوقت كان الخوف يشل الحرب " ، وهذا الخوف هو الذي شكل الورقة الرابحة في استرتيجية بوش إزاء السعودية .
وطالت المحادثات بين بوش والملك . وكان من الواضح أنه لا يمكن للجيش السعودي الذي يتألف من 000 , 65 جندي أن يتصدى للقوة العراقية الضاربة . فالحشود العراقية على الحدود ـ كما قال بوش ـ كانت من الوحدات العراقية المختارة . ( لكن تبين فيما بعد أن هذا لم يكن صحيحا ) وأضاف بوش أن الدفاع عن المملكة أمر أساسي وأنه باستطاعة واشنطن تقديم دعم عسكري هائل . واقترح بوش على الملك إرسال وزير الدفاع الأميركي حاملا " رزمة من تقارير المخابرات التي تثبت أن الغزو العراقي ينطوي على خطر حقيقي والمرفقة بخطط محددة لانتشار القوات الأميركية في أراضيكم " .
ووافق فهد على استقبال تشيني لكنه طلب إمهاله أربعا وعشرين ساعة أخرى ليفكر خلالها في أمر القبول بالتواجد الأميركي العسكري .
خرج بوش من اتصاله مع فهد اكثر ثقة . وقضى اكثر ما تبقى من يومه في المكالمات الهاتفية مع كبار زملائه ورؤساء الدول الأجنبية ولا سيما بالرئيس التركي أوزال .

تركيا العميل الآخر :

فقد كانت تركيا من أعضاء حلف شمال الأطلسي ويمر فيها يوميا 6 , 1 مليون برميل من النفط ، أي نصف جميع صادرات العراق النفطية ، وذلك عبر خط من الأنابيب طوله 750 ميلا ويصل بين آبار النفط بكركوك وميناء بومرطالق على شاطئ المتوسط . وكانت الأزمة قد وضعت الزعماء الأتراك في موقف حرج . إذ كان تصدير النفط يعود عليهم بمبلغ 300 مليون دولار في السنة هذا فضلا عن أن العراق كان يزود تركيا بثلثي حاجاتها من الطاقة . وبالرغم من أن الصحافة التركية أجمعت على ادانة الغزو فقد كان المسؤولون فيما بينهم اكثر تحفظا . إذ كانت أية بادرة منهم ستكلفهم غاليا . وأوضح بوش لأوزال ان العمل الدولي ضد العراق يعتمد إلى حد كبير على قطع صادراته من النفط . وأضاف أنه طلب الشيء ذاته من السعوديين ، وأنه حصل على موافقتهم .
على أن تأكيد بوش هذا كان سابقا لأوانه . إذ كان يفضل الانتظار حتى تسوّى جميع الأمور العسكرية قبل أن يبحث هذه القضية مع الرياض . فالسعودية كانت القطر الذي يمر به النصف الآخر من صادرات العراق النفطية .
كان أوزال الرجل البدين ذو الوجه المستدير والنظارات مناورا حاذقا . ورأى من الحكمة أن يتريث ليرى كيف سيتطور الوضع . صحيح أنه أكد لبوش دعمه له ، ولكن لم يلزم نفسه بشيء محدد ، ولم يذكر له أنه كان سيستقبل مبعوثا لصدام حسين في اليوم التالي ـ وفي اعقاب هذه المكالمة مع بوش اتصل اوزال بعدو العراق اللدود الرئيس الإيراني رفسنجاني . وفي اليوم ذاته كشفت معلومات من مصادر رسمية بطهران أن صدام حسين اتصل قبل اسبوعين برفسنجاني من أجل التفاوض حول حياد إيران إذا قام بغزو الكويت .

تصريحات عربية متفرقة والقهوجي عرفات :

وفي عمان صدرت عن الملك حسين كلمات قدر لها أن تزيد من عزلته عن غالبية الأقطار العربية وعن حلفائه الأميركيين . فبعد أن انتقد مواقف دول المنطقة وإدانتها للعراق أضاف قوله : " إن صدام حسين رجل وطني " .
ألقى ياسر عرفات بصدام حسين يوم الأحد الخامس من أغسطس . فادعى صدام بأنه " صدم " عندما علم بالغاء القمة المصغرة ، وسأل عرفات : " من هو برأيك الذي أفسد الأمر ؟ " .
عكست مواقف صدام وبياناته في ذلك اليوم مزيجا غريبا من المرارة والتصميم . وأسهب في تبريره لغزو الكويت وأعرب عن خيبة أمله في ردود الفعل العربية . ولاحظ عرفات أن معنوياته لم تتزعزع على الإطلاق . إذ كان هادئا ويتصف بالحيوية . ولم يخل كلامه من الدعابة . وقال لعرفات : " لا بد من حل سياسي " . وعلق عرفات بقوله : " إنني متفق معك تماما " . وبعد لحظات من الصمت أضاف صدام : " إذهب إلى السعوديين وقل لهم إنني مستعد للحوار " .
في اليوم ذاته تلقى رجل أعمال فلسطيني بارز مكالمة تلفونية عاجلة من بغداد . وكان المتحدث نزار حمدون نائب وزير الخارجية الذي قال : " عليك أن تحضر إلى بغداد بأقصى سرعة ممكنة . إن الأمر خطير " . ولم يكن الفلسطيني متحمسا للذهاب إلى العاصمة العراقية لكنه قال بأنه سيتصل به . وفي اليوم التالي اتصل حمدون ثانية . وعندما علم رجل الأعمال الفلسطيني من المحادثة بأن عرفات سيذهب إلى فيينا في السابع من أغسطس للمشاركة في تشييع جنازة المستشار النمساوي السابق بروتو كرايسكي ، قال لحمدون بأنه سيذهب إلى فيينا واقترح عليه أن يبعث بما يريده لعرفات ليبلغه به .
وفي السابع من الشهر التقى رجل الاعمال بعرفات الذي سلمه رسالة من صدام حسين لينقلها إلى الرئيس بوش . وكان لهذا الفلسطيني معارف في البيت الأبيض . وأكدت الرسالة على أن صدام حسين كان على استعداد للانسحاب من الكويت ولكن بعد أن يسوي أموره أولا مع الكويتيين .
فاتصل رجل الاعمال الفلسطيني بجون سنونو رئيس موظفي البيت الأبيض وأبغله أنه سيبعث له الرسالة فقال سنونو :
" حسنا ولكن لا أريد أن يعرف أحد أن الرسالة أُبلغت ؟ " ، ووصلت الرسالة إلى واشنطن ولكن لم يصدر رد عليها .

في إسرائيل خوف من المجهول :

في يوم الأحد ذاك عقدت لجنة وزارة الدفاع الإسرائيلية اجتماعا سريا بالقدس . وكان شامير معكر المزاج . ذلك أن " العلاقة الخاصة " بين بلاده وواشنطن بلغت أدنى مستوى لها . وقال شامير لأحد زملائه : " لقد اتصل بوش بالتلفون بجميع حلفائه وبكل زعيم في المنطقة فيما عدا زعماء ليبيا والعراق وإيران ومنظمة التحرير … واسرائيل " .
كان موقف إدارة بوش مصدر قلق للزعماء الاسرائيليين . إذ صار من الواضح لهم أن الاميركيين يريدون استبعاد اسرائيل واجبارها على التزام الهدوئ لكي لا تهدد الحلف العربي المناهض للعراق الذي كان يجري إنشاؤه . وضربت واشنطن عرض الحائط بجميع عروض القدس للتعاون مع الأميركيين وخصوصا في مجال المخابرات .
وخيم على الجلسة السرية جو كئيب . وقال موشي ارينز وزير الدفاع : " علينا أن نحتفظ بحقنا في التدخل إذا تغير الوضع الجغرافي الاستراتيجي في الشرق الأوسط تغيرا جذريا أو إذا تعرض الأردن للغزو " .
كان بين الحاضرين الجنرال دان شومرون الذي قاد بنجاح الغارة على انتيبي ورؤساء دوائر المخابرات . ولم يكن بينهم من يعتقد بأن السعودية ستتعرض للغزو . وقال احدهم : " إن حجم ردود الفعل الدولية تجعل وقوعه أمرا غير محتمل " . لكن من الناحية الأخرى اعتبر قيام العراق بحشد قواته على حدود الأردن امرا محتملا جدا . إذ كانت بعض الصواريخ العراقية في طريقها إلى حدود الاردن ويمكن لها أن تصل القدس أو تل أبيب في غضون أربع دقائق . وقال شامير : " علينا أن نزيد من نشاط مخابراتنا في جمع المعلومات . وينبغي أن نحصل على معلومات من أعلى المستويات لمعرفة ما يحدث عندما يحدث لا بعد ذلك بيوم " .
وكان المقصود بالاستهزاء رؤساء دوائر المخابرات . فمنذ الثاني من أغسطس كثر الكلام على تقصير المخابرات الإسرائيلية وخصوصا في الصحافة . ولهذا أمعن الحاضرون في تحليل حركات صدام حسين ـ وتمخض تحليلهم عن تشابه عجيب بين ما يحدث وما حدث في عام 1980 .
ففي عام 1980 وعشية الهجوم الإيراني على جزيرة الفاو ـ وهو الهجوم الذي مثل بداية الحرب العراقية الإيرانية ـ ذهب صدام حسين لتفقد قواته التي كانت في جبهة بعيدة وذلك لإحداث انطباع بأن الهجوم سيقع على منطقة مختلفة . وبعد ذلك بعشر سنوات قام بدعوة الملحقين العسكريين الأجانب في بغداد إلى الحدود مع الكويت لمشاهدة فرقتيه المرابطتين هناك . وبهذا حول العراقيون الأنظار عن الهدف بطريقة رائعة . فمن كان يصدق بأن بلدا يدعو خبراء أجانب لمشاهدة قواته وهي تتأهب للغزو ؟ وفور عودة الملحقين العسكريين إلى بغداد وبينما كانت السفارات الغربية والعربية تبرق إلى عواصمها مطمئنة وداعية إلى التفاؤل ، أصدر صدام أوامره إلى قواته الرئيسية بالزحف على الكويت .
شيء واحد أصبح واضحا وهو انه يفتقر بشكل مؤلم إلى قمر صناعي عسكري قادر على رصد حركات القوات المعادية عن بعد . فكان لا بد من اللجوء إلى الأميركيين من أجل مساعدتهم فورا في تحقيق ذلك .
وبعد هذا الاجتماع عقد ديفد ليفي وزير الخارجية جلسة مغلقة مع شامير وموشي أرينز . وكان ليفي سيغادر البلاد إلى واشنطن في اليوم التالي وعليه فقد كان ذلك هو الوقت المناسب لوضع تفاصيل الموضوعات التي سيجري بحثها بصورتها النهائية . وجاءت الرحلة في أوانها تماما لأنها تتيح الفرصة لجس النبض بالنسبة للنوايا الأميركية تجاه أزمة الخليج . ولكن بعد بضع ساعات استولى الفزع على شامير عندما علم بأن جيمس بيكر ـ وزير الخارجية الأميركية ـ اجل ليفي شهرا .

أخيرا تحقق الحلم الأمريكي :

في وقت متأخر من بعد الظهر هبطت الطوافة التي عاد بها بوش من كامب ديفد على العشب أمام البيت الأبيض . ونزل منها وهو يقرأ عبارة على قصاصة من الورق ناوله إياها ريتشارد هاس الذي كان إلى جانبه ، وتقول : " إن اوزال على التلفون " ، وأخذ بعض الصحفيين الذين كانوا بالقرب من الطائرة يسألونه . فتقدم إليهم بشيء من العصبية وقال: " إن احتلال الكويت لن يدوم ".
وبالرغم من أن الذي كان ينتظر التحدث معه حليف ذو شأن فإنه قضى عشرين دقيقة وهو يرد على أسئلة الصحفيين . وعندما قال بوش " لقد ظفرنا بدعم العالم العربي " ، وجه إليه أحد الصحفيين سؤالا أخرجه عن طوره . وكان سؤاله : " كيف تقول ذلك وكل صحيفة تحمل صورة لصدام حسين مع ملك الأردن على صفحتها الأولى ؟ " فجاء رد بوش فظا . قال : " أستطيع القراءة . فما هو سؤالك ؟ " .
وعاد بوش إلى المكتب البيضاوي حيث كانت بانتظاره رسائل تأييد من جميع أنحاء البلاد . وكان بعضها في غاية الايجاز مثل " عليك به " و " " أطح به " . علق أحد مساعديه عليها بقوله : " لقد أخذ ينفد صبر البلاد " .
وقبل ذلك بقليل غادر تشيني وزير الدفاع البلاد إلى السعودية ومصر . واعتبر اجتماعه مع الملك فهد حاسما . وقال أحد موظفي البيت الأبيض في ذلك :
" إن القضية كما نطرحها أمام السعودي محددة تماما " . نقول له : اسمع ، أمامك شخص كذب عليك قبل إقدامه على ما فعله بخمسة أيام . وليس هناك الآن ما يدعوك إلى تصديقه . فأنت أدرى بالمثل القائل : " لا يلدغ الشخص من جُحر مرتين " .
ولمسؤول أميركي كبير تصريح غير رسمي يلقي أضواء على الاهداف الأميركية يقول : " إن احتلال الكويت لا يشكل في حد ذاته تهديدا للمصالح الأميركية . فالتهديد الحقيقي يكمن في القوة التي يحصل عليها العراق عندما يضع يده على 20 % من احتياطي العالم من النفط ويسيطر على منظمة الأوبيك ويبسط هيمنته على الشرق الأوسط ، ويهدد إسرائيل ويسعى إلى الحصول على القنبلة الذرية ".
بحلول المساء كان بوش قد ضرب المثل في النشاط : ففي غضون أربعة أيام أجرى ثلاثا وعشرين مكالمة تلفونية مع أثني عشر من زعماء العالم ، وأحيانا بمعدل مكالمة كل ساعتين . والآن وقبل أن يعود إلى جناحه الخاص تحدث بالتلفون مع كولن باول وعهد إليه بالبدء بتجميع كل القوات التي يمكن إرسالها إلى السعودية . وبعد ذلك بقليل عقد اجتماعا أخيرا مع جيمس بيكر وبرنت سكوكروفت لبحث العقبة الأخيرة المتبقية وهي رد فعل الاتحاد السوفييتي .

محاولة التغلب على رد الفعل السوفيتي :

كان بوش قد اعتزم اصدار الاشارة النهائية لانطلاق القوات مساء الاثنين بعد اجتماع تشيني بالملك فهد ، بحيث تغادر طلائعها صباح الثلاثاء ، لكنه آثر الانتظار إلى يوم الاربعاء ليعلن ذلك.
اتفق الثلاثة على أن مواجهة الاتحاد السوفييتي بالأمر الواقع سيكون كارثة . فإذا انتقد غورباتشوف نشر القوات علانية فان جميع الجهود التي تبذل لإقناع الأمم المتحدة بالموافقة على العقوبات ستتعرض للفشل . وكان التصويت سيجري في الامم المتحدة بعد ظهر اليوم التالي . فاقترح سكوكروفت الاستفادة من " الوقت القصير ولكن الكافي " لطمأنة موسكو وإطلاعها على النوايا الأميركية . وقال سكوكروفت : " يمكننا استخدام دقة الوضع لتقوية العلاقات الأميركية السوفيتية بشكل أسرع " . وتقرر أن يستغل بيكر الفرق في التوقيت فيتصل بشيفارنادزه من موسكو في وقت متأخر من ذلك المساء .
في السادس من أغسطس كان شيفارنادزه يقضي عطلة تمتد بضعة أيام في بيته الصيفي في القرم . وكان وحده فيه يتمتع بالراحة عندما رن التلفون وعلى طرفه الآخر زميل له في موسكو أبلغه أن وزير الخارجية الأميركية يريد أن يتحدث معه .
قال بيكر بصوت ينم عن سروره : " شيف ، كيف تجد عطلتك ؟ هل الجو جميل ؟ " لكن لم يلبث ان غير لهجته وقال : " سوف نرسل قواتنا إلى الخليج " وأضاف على الفور : " وذلك بطلب من السعودية " . ومضى بعد ذلك يتحدث على آخر تقارير المخابرات حول الحشد المتواصل للقوات العراقية في الكويت وعلى الحدود السعودية حيث احتشد اكثر من مئة ألف جندي . وأضاف : " نؤكد لكم اننا لا نحاول الاستفادة من الوضع لنزيد من نفوذنا في المنطقة " . فقال شيفارنادزه : " ماذا تقصد بهذا ؟ هل تريد استشارتنا أم إبلاغنا ؟ " ، وكان صوت شيفارنادزه يتصف بالبرود . فقال بيكر محرجا : " إننا نعلمكم لأنني لا أعتقد أنه شيء يمكن أن نقوم به معا . لكن هل تريدون أن تفكروا في الأمر ؟ لست مخولا باقتراح مشاركتكم لنا. فهل تتعاونون بإرسال قوات بحرية أو برية ؟ ".
كان بيكر قد طرح هذه الفكرة أمام السعوديين في اليوم السابق فلم يعترضوا على التواجد السوفييتي . فلم يقل شيفارنادزه شيئا ـ وعندئذ طرح بيكر سؤاله بطريقة أخرى : " لماذا لا نعمل في إطار اللجنة العسكرية بالأمم المحتدة ؟ " وكان السوفييت يحاولون منذ سنوات ايقاظ تلك اللجنة من سباتها .
قام بيكر على الفور بإبلاغ مضمون الحديث لبوش وأظهر حماسة كبيرة لفكرة إشراك السوفييت في أزمة الخليج . فأعرب بوش عن اهتمامه واتصل على الفور بكولن باول الذي لم يكن لديه اعتراض على المبادرة .
فعاد بيكر إلى الاتصال بشيفارنادزه . قال : " لا يرى الرئيس بوش عقبة أمام تواجد بحري أو بري سوفييتي في تلك المنطقة . فقال شيفارنادزه بمزيد من التحفظ : " حسنا . إذا كان الرئيس بوش مهتما فعلا بالأمر فسوف ابحثه مع الرئيس غورباتشوف " .
كانت هذا تقدم كبير جدا . لأن هناك أولا البلاغ المشترك الذي سنصدره في موسكو والذي يتخلى فيه السوفييت عن أحد حلفائهم ويدينونه . نحن الآن نقترح حليهم أن يشاركوا سياسيا وعسكريا في الخليج " .
لكن لم تكد تتسرب أخبار هذا الاقتراح إلى خارج الحلقة الضيقة التي تضم زملاء بيكر المقربين حتى واجهت وزارة الخارجية عاصفة أشبه بالثورة . فمنذ عشرات السنين كان هدف السياسة الأميركية إبعاد الاتحاد السوفييتي عن الشرق الأوسط . فجاءت مبادرة بيكر خروجا على هذه العقيدة . فانهالت على مكتبه المذكرات التي يشيع فيها القلق أو الغضب من مختلف دوائر وزارة الخارجية . ووجد موظفوها حليفا غير متوقع وهو غورباتشوف . الذي لم يظهر امتنانه للاقتراح . فالمصاعب الداخلية التي كان عليه أن يواجهها والذكرى المرة لغزو افغانستان شجعت زعماء الكرملين على اتباع سياسة الحذر والترقب .
قال بيكر لشيفارنادزه بعد بضعة أيام : " هذا العرض رمز لحسن النية " . فقال هذا باقتضاب : " شكرا لكم . لقد أدركنا ذلك " .

عرفات ومبارك :

قبيل ظهر اليوم ذاته عاد عرفات إلى القاهرة حيث انضم إليه أبو إياد الرجل الثاني في منظمة التحرير ، واستقبلهما مبارك . فأطلعه عرفات على ما دار بينه وبين صدام خلال مقابلتهما في اليوم السابق . قال : " إنه فعلا مستعد للتفاوض " . وأضاف أنه يخشى اكثر من أي وقت مضى حدوث مواجهة عسكرية . ونبه أبو إياد إلى امكان تدخل اسرائيل . وبدا ان مبارك كان يشعر بعداء متزايد للعراق وأنه يعارض القيام بأية تسوية . أما الذي أدى إلى اتخاذه هذا الموقف الجديد المتصلب فهو الحملة السياسية والاعلامية العنيفة في الولايات المتحدة . فاعتزم عرفات وأبو اياد أن يذهبا إلى السعودية وهي البلد الوحيد الذي كان لا يزال قادرا على التفاوض معه حول التسوية.

جدة وفهد وعبد الله وسلطان والرضوخ :

في جدة كان ريتشارد تشيني يضع اللمسات الاخيرة على الاتفاق الذي جرى التوصل إليه مع الملك فهد . والواقع أنه كان قد أصبح مفاوضا أكثر منه رسولا في الازمة القائمة . وكان يمثل الخيار الثاني لدى بوش للحلول في منصب وزير الخارجية الذي يعتبر من المناصب الرئيسية . واقترح ترشيحه وأيده برنت سكوكروفت . وكان تشيني يعاني من مرض في القلب . وعندما اجتمع به سكوكروفت لبحث امكان ترشيحه كان السؤال الذي طرحه عليه بلا مجاملة : " ديك كيف صحتك ؟ " .
كان قد جرى التمهيد إلى حد كبير لمحادثات بوش التلفونية مع الملك بحضور الجنرال شوارزكوف وروبرت غيتس ، وأخو الملك ووزير الدفاع الأمير سلطان الذي كان قد قطع رحلة استجمام في مراكش ؛ وعبد الله بن عبد العزيز ولي العهد ؛ ونائب رئيس الوزراء ورئيس الحرس من البدو . وكان عبد الله طوال الوقت اكثر شكا في الاميركيين من فهد . وعليه فقد كان هو الذي ينبغي اقناعه . لكنه درس بعناية تقارير المخابرات الاميركية السرية والصور الفوتوغرافية التي التقطتها الاقمار الصناعية والتي تشير بالتفصيل إلى الحشود العراقية في الكويت وعلى الحدود السعودية وتحدث مطولا مع شوارزكوف وتشيني عن المواقع التي يمكن تمركز القوات الاميركية عليها . وقال له تشيني : " هذا كل ما نستطيع تقديمه لكم " . فقال فهد أخيرا :
" حسنا ، سأقبل ذلك كله " .

شرط سعودي لا يقبل الجدل واستراتيجية خاطئة :

وكان السعوديون قد اشترطوا مسبقا وقبل أن يعربوا عن موافقتهم النهائية . أنه " مما لا يقبل الجدل أنه لن يجري إنشاء قواعد عسكرية دائمة على أرضنا " . وكان الأميركيون قد توقعوا هذا فاقترحوا بروتوكولا سريا : انسحاب القوات الاميركية من الاراضي السعودية حالما تسمح الاحداث بذلك ولكن اقامة قواعد دائمة ومساكن للقوات الاميركية والقوات المتعددة الجنسيات في إمارة البحرين وداخل الكويت .
لقد عوّل الاميركيون على عدم رضى الزعماء السعوديين . إذ كانت هناك اولا مشكلة الملك فهد الذي كان يتزايد عجزه عن الاقدام على أي عمل . ويقول احد المقربين منه والمطلعون على الامور : " لا تكاد تظهر المشكلة حتى يهرب الملك منها " . واخذ يطيل اعتكافه في قصره ويتجنب مستشاره ورجال اسرته . ثم ان الزعماء السعوديين كانوا يدركون مواطن ضعفهم : إذ كانوا قد اشتروا خلال السنوات القليلة الماضية ما قيمته 150 بليون دولار من الاسلحة المتطورة ومع هذا فقد كانوا يعترفون بأنهم لا يستطيعون صد عدوان جيش قوي كجيش العراق عليهم . كما أن السعودية كانت تستخدم دخلها الهائل البالغ خمسين بليون دولار في السنة في محاولة عقد التحالفات الاقليمية وتحييد اولئك الذين قد يصبحوا أعداء لهم . على أن أزمة الخليج كشفت عن نواحي قصور هذه الاستراتيجية .

لقاء عراقي أمريكي وفضح النوايا الأمريكية من تخويف السعودية :

عندما افتتحت المحادثات في جدة بين الاميركيين والسعوديين كان صدام حسين يستقبل جوزف ولسون القائم بالاعمال الاميركي في جدة . وبدا عليه الارتياح وهو يحيي الدبلوماسي الاميركي وبادره بقوله : " ما هي الاخبار السياسية والدبلوماسية ؟ " . فالتفت ولسون لوزير الاعلام العراقي الذي حضر المقابلة وقال : " لدى وزيرك من الاخبار التي يتلقاها من محطة سي أن أن(CNN ) ما يفوق ما عندي " . فقال صدام :
" طلبت منك ان تدرس التطورات التي تحدث بعد مقابلتي لسفيرتكم . فقد تلت ذلك مفاوضاتنا الفاشلة مع حكومة الكويت السابقة . لكن ما حدث قد حدث " . فقال ولسن : " لقد أخبرني وزيركم من قبل " .
واصل صدام كلامه للدبلوماسي الاميركي قائلا :
" إني مطلع على تفاصيل الموقف الاميركي . نحن نعلم جيدا انه حين يحدث أي شيء في العالم العربي ، أوروبا ، أو في أميركا الاتينية يكون للولايات المتحدة موقفها دائما . ولا يفاجئنا ان يدين الاميركيون عملا من هذا النوع الخاصة أنهم ليسوا طرفا فيه . ولكن على الولايات المتحدة ان تحرص على أن لا تتبع النصائح السيئة ، إذ قد تجد نفسها في وضع محرج .
" إنني متأكد من أنكم اطلعتم على الرسائل التي وجهناها إلى ايران خلال الحرب ، رسائل تقيم الوضع في الحاضر والمستقبل . وبما ان هذه الرسائل كانت في غاية الصراحة ، اعتقد الإيرانيون أنها لعبة تكتيكية من طرفنا . ولكننا كنا نقول لهم ما نعتقده لأننا كنا نريد السلام ولأن الحرب لا تفرحنا . ولكن تعرفون النتائج : فلو أخذ الإيرانيون بالاعتبار ما كنا نقوله لهم لما نشبت الحرب .
" أريد أن أتحدث عن العلاقات بين العراق والولايات المتحدة في ضوء التطورات وعما سيحدث إذا ارتكبت الولايات المتحدة أي خطأ . وفي البدء سأتناول ثلاث نقاط ذات صلة بالوضع الراهن:
"كانت الكويت دولة بلا حدود حقيقية. وقبل عام 1961 لم تكن دولة . فما الذي حصل في عام 1961 ؟
"عندما عيَّن عبد الكريم قاسم حاكماً على الكويت، تابعاً لمحافظة البصرة، كان العراقيون يعلمون، وكذلك عبد الكريم قاسم نفسه، أن الكويت تشكل جزءا من العراق . كانت الكويت اذن حتى ذلك الحين دولة بدون حدود، ولا يمكننا بالتالي أن نحكم على دخول القوات العراقية في إطار العلاقات بين دول العالم العربي.
"وأنتم تعلمون أنه كانت لنا منذ 1975 علاقات ممتازة مع السعودية، وأن هذه العلاقات كانت تتطور بصورة جيدة قبل الثاني من آب . فحتى تاريخ الثاني من آب كانت تسود فيما بيننا علاقات ثقة وتعاون فعلية. وأيا كانت السياسة الأميركية فاننا لم نر في علاقتنا الجيدة بالسعودية ما يضر بالمصالح الامريكية . واذا صح هذا فإن العلاقة الحسنة بين العراق والسعودية لم تضر الولايات المتحدة وليس هذا فحسب ، بل انها كانت عامل استقرار في المنطقة . اذن فأي تدخل في العلاقات بين العراق والسعودية لا يمكن إلا أن يزعزع الاستقرار في المنطقة وأن يلحق الضرر بالمصالح الأمريكية .
" إننا لا نفهم ما تقصدونه عندما تصرحون بأنكم تتخوفون من نوايا العراق تجاه السعودية وأنه بعد الكويت سيجيء دور السعودية . هناك شيء آخر لا نفهمه أيضا : فإذا كنتم تستبقون الامور وتدفعون بالسعودية إلى عمل ما ضد العراق ، فانكم تجبروننا على الرد وبذلك يكون عملكم من قبيل الاستفزاز .
" وكما تعلمون فاننا أول من اقترح عقد معاهدة أمنية مع السعودية تقضي بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لكل من البلدين وعدم اللجوء إلى القوة , ووقعنا الاتفاق . واقترحنا الاتفاق ذاته مع الكويت التي رفضته ربما بناء على نصيحة دولة أجنبية قد تكون بريطانيا .
" وتعلمون أيضا ان الاتفاق أزعج بعض الاوساط الغربية التي أخذت تسخر منه مقارنة إياه بالمعاهدات بين انجلترا وفرنسا ( كمعاهدة سايكس ـ بيكو التي نصت على اقتسامهما للشرق الاوسط ) . ونحمد الله على أن الكويت لم توقعه .
" كنت سعيدا جدا عندما قررنا دعم الجماعة الثورية في الكويت لأنه ليس هناك اتفاق بيننا وبينها . فلو كان هناك مثل هذا الاتفاق لما استطعنا ذلك .
" لقد ساعدتنا السعودية ودعمتنا خلال الحرب مع إيران . وبادرت إلى تمكيننا من استخدام خط أنابيب ( لتصدير النفط عبرها ) . بل إنهم قدموا لنا مساعدات مالية لا قروضا .
" فإذا كنتم قلقين فعلا على السعودية فإنه لا أساس لقلقكم . أما إذا كتنم تتظاهرون بذلك لإثارة قلق السعوديين فذلك شيء آخر . وسنقول الشيء ذاته لإخواننا السعوديين ، ونحن على استعداد لتقديم الضمانات التي يريدونها لإزالة قلقهم . ونحن فوق ذلك نشعر بأن من واجبنا إذا كان هناك خطر خارجي أن نحمي السعودية . أما علاقتنا بالعالم العربي فقد نتفق اليوم ونختلف في اليوم التالي . وحتى الآن لم تواجهنا مشكلة في ذلك .
" والنقطة الثالثة التي أريد أن اتحدث عنها هي الشائعات التي تقول بأن صدام حسين تعهد لبعض الدول العربية بأن لا يستخدم القوة ضد الكويت مهما كانت الظروف . كما علمنا أيضا بطريقة أو بأخرى أن بعض المسؤولين العرب أبلغوا شيئا كهذا للأميركيين . وأود أن اؤكد هنا انه ينبغي على الأميركيين أن لا يأخذوا بهذا . ذلك أني لم اتعهد بذلك لأي عربي . وما حدث هو أن بعض الزعماء العرب تحدثوا معي عن حشد القوات على الحدود الكويتية وقالوا إن القلق والخوف استوليا على الكويتيين . فقلت لهم إنني وعدت أن لا أقوم بأي عمل عسكري قبل الاجتماع المتفق عليه بجدة . هذا هو ما حدث . إذ لم أقم بأي عمل عسكري قبل الاجتماع . وكنا ننتظر عودة نائب الرئيس ( العراقي ) لاتخاذ قرار .
" هناك من يتحدث عن السرعة التي تمت بها العملية ، ويقصدون بذلك أن النية كانت مبيتة للغزو قبل الاجتماع . لقد خطر ببالنا قبل الاجتماع أن نقوم بذلك بسبب الحركة الوطنية في الكويت لكنه لم يكن الخيار الأول أمامنا . كنا نبذل المزيد من الجهد للتأكيد على حقوقنا من خلال المفاوضات . فنحن عرب ، وكان من الطبيعي أن تكون لنا علاقات مع المعارضة الكويتية كعلاقات الكويتيين بالمعارضة العراقية .
" عندما باتت مصالحنا الاساسية مهددة وبعد أن استهلكت جميع السبل اضطررنا إلى اللجوء إلى القوة . والسؤال الذي يطرح الآن على الرئيس والقادة الأميركيين هو التالي : ما الذي يتهدد المصالح الأميركية في الكويت أو في غير الكويت ؟ .
" إنكم تعلمون أنكم كنتم تشترون نفط العراق منذ توليت الحكم . وبالرغم من أن علاقاتنا كان في تلك الاثناء مقطوعة ، وأنكم صرتم تشترون المزيد منه بعد استئناف العلاقات عام 1984 . وكنتم حين قررتم مقاطعة النفط العراقي تشترون ثلث نفطنا . وقراركم هذا قرار سياسي لا فني . إذ نعلم أن ما يخدم مصالحكم هو التجارة واستمرار حصولكم على النفط . إذاً ما الذي يخيفكم ؟ ما الذي يجعلكم تبحثون الخيارات العسكرية التي ستنتهي حتما بالفشل .
" أنتم دولة كبرى ونحن نعلم أن باستطاعتكم أن تلحقوا بنا الضرر كما قلت سابقا لسفيرتكم . ولكن إذا ما حصل ذلك ستخسرون كل المنطقة ولن تتمكنوا من تركيعنا حتى وإن استخدمتم كل ما تملكون من أسلحة . يمكنكم أن تدمروا مراكز أبحاثنا التكنولوجية واقتصادنا ونفطنا . ولكن بقدر ما تدمرون تصبح الأشياء صعبة بالنسبة لكم . ثم أننا لن نتردد في ضرب مصالحكم في المنطقة كما هجمنا على الكويت عندما تآمر هذا الأخير ضدنا . لا تضعونا في مثل هذا الموقف . فعندما نرى حياتنا مهددة نهدد الآخرين . إننا نعرف انكم قوة عظمى قادرة على إلحاق الأذى والدمار ، ولكن لا أحد غير الله يستطيع تدمير الإنسان .
" لماذا تريدون ان تكونوا أعداء لنا ؟ لقد ارتكبتم ما يكفي من أخطاء بإضعاف حلفائكم في المنطقة الذين فقدوا أي اعتبار بنظر شعوبهم . وفي رأينا أنكم تحسنون رعاية مصالحكم عبر نظام وطني واقعي لا عبر السعوديين . إنكم تتحدثون عن العراق المعتدي . فإذا كان هو المعتدي في حربه ضد إيران فلماذا حافظتم على علاقاتكم معه ؟ إنكم تتحدثون عن تصريح الثاني من إبريل . إننا لم نصدر مثل ذلك التصريح قبل وخلال وبعد الحرب مع إيران .
" فما الذي جعلني إذن أصدر ذلك التصريح ؟ أصدرته لأن بعض الأوساط الغربية والأميركية كانت تحث اسرائيل على مهاجمتنا وذلك لوضع حد للعدوان . إننا نؤمن بأنه خدم السلام . كانت اسرائيل ستهاجمنا لو لزمنا الصمت ، وكنا بالطبع سنرد على الهجوم . وتذكرون أننا خلال الحرب مع إيران تعرضنا للقصف المتواصل ، وأننا عندما حصلنا على الصواريخ لم نبدأ باستخدامها بل بالتهديد بذلك . فلو أن إيران أخذت بنصائحنا لما استخدمناها . ونحمد الله على أن إسرائيل استمعت إلينا . فهل خدم ذلك قضية السلام ؟ يمكن للعراق أن يصمد ضد الصواريخ أكثر من إسرائيل .
" ,أخيرا فانه إذا كان الرئيس الاميركي يريد مواصلة اتباع سياسته في المنطقة والحفاظ على بمصالحه ، اللهم إلا إذا كان وراء تصعيد التوتر غرض أخر . وعلى أي حال فإننا نسعى إلى الاستقرار والسلام ولن نذعن لأحد . إننا نكره المجاعة والجوع . وقد سبق لشعبنا أن عانى من الجوع آلاف السنين . ولن نعود به إلى ذلك . إننا نتطلع بشرف إلى مستقبل إنساني يحفل ببناء يحفل ببناء وتطوير علاقات طيبة مع الولايات المتحدة ، هذا إذا أرادت ذلك . تلك هي رسالتي الجديدة إلى الرئيس بوش " .


الرد الأمريكي على الاستفسارات أو الاتهامات العراقية :

واخيرا استطاع ولسون أن يجيب فقال :
" شكرا يا سيادة الرئيس . سأنقل ما قلتموه إلى حكومتي ، وسأبلغ رسالتكم فورا بالتلفون كما أني سأرسلها مسجلة على الورق . وكما قلتم بحق فان الوضع بهدد لا العلاقات الأميركية العراقية فحسب ، بل الاستقرار في المنطقة والعالم " فسأله الرئيس العراقي : " ولماذ يهدد العالم بالخطر؟ " فأجاب : " ما أعرفه هو أن القلق والاضطراب يسودان الأسواق العالمية " . فسارع الرئيس إلى القول :
" كان ذلك خطأ منكم . قبلنا بخمسة وعشرين دولار للبرميل ، ولولا مقاطعتكم لوصل سعر البرميل إلى 21 دولارا . وعندما تقاطعون خمسة ملايين برميل مرة واحدة فان ذلك يؤدي إلى عدم الاستقرار . ونعتقد بأن الذي سيستفيدون من ذلك هم تجار النفط لا الشعب الأميركي " . قال ولسون :
" أشعر أنني ضربت على وتر حساس . فالحقيقة هي أنني أردت أن أقول بأنه يبدو لي في هذه الايام الصعبة أنه من المهم أن نواصل الحوار بيننا لكي نتلافى الأخطاء. فبهذه الطريقة وحدها نستطيع إزالة التوتر وبرودة العواطف . ولهذا فانني أرحب بهذه المناسبة لنقل الرسالة ؛ لكن أود تسجيل ملاحظتين قبل أن اعود إلى ما تفضلتم به ـ وسوف أحمل اليكم والى وزرائكم جواب الرئيس بوش . أولا ذكرتم في القسم الأول من رسالتكم أن الكويت جزء من العراق " .
فقال الرئيس :
" هذا هو تاريخنا . وعندما نقول ذلك فإننا نقوله لنؤكد للجميع بأن الكويت يجب أن تأخذه بعين الاعتبار لا أن تحتال عليه . هذا هو جوهر العلاقة بين العراق والكويت ، ويختلف الأمر بالنسبة لمصر أو السعودية " . فقال ولسون : " يهمني أن أفهم طبيعة العلاقة " . وشرح صدام ذلك فقال:
" إن الذي يحدد هذه العلاقة شعبا البلدين لا أنا ولا الأميركيون أو السوفييت وغيرهم . وينبغي أن تقوم هذه العلاقات على الأخوة والاحترام المتبادل " .
فسأله ولسون : " وهل كان هذا ينقض العلاقة بين العراق والكويت ؟ " . فأجابه صدام بقوله : " أجل وخصوصا في الشهر الماضي . لقد ركضت وراء جابر في محاولة مني لتحديد الحدود فقال : دع الآخرين يفعلون ذلك ؟ لدينا ما يثبت قولنا . ولهذا استغربنا قوله ، ووجدنا بعد ذلك أنه كان يتآمر علينا " .
قال ولسون : " اشكركم . وسأنقل الآن إلى ملاحظتي الثاني . تحدثت عن علاقاتكم الأخوية مع السعودية وذكرتم اتفاق عدم الاعتداء عليها . أود أن أبلغكم قلق حكومتي حول نواياكم الحالية . وأشعر أنكم فعلتم ذلك بوجه عام ولكن اسمحوا لي . . . " وهنا قاطعه الرئيس العراقي بقوله :
" وما الذي يبدد قلقكم ؟ " فقال ولسون : " لا ادري . وسوف أسأل رئيسنا . أعلم أنك شخص صريح ومستقيم ، ولكن أرجو أن نتفق على أنه نظرا للأحوال السائدة الآن حيث لم يحصل أي عمل عسكري من قبل الولايات المتحدة أو السعودية فانك تتعهد بأنك لا تنوي اتخاذ أي عمل عسكري ضد السعودية " . فكان جواب صدام :
" يمكنكم أن تبلغوا تعهدي إلى السعوديين والى كل العالم . فنحن لا نعتدي على من لا يعتدي علينا ، ولا نؤذي من لا يؤذينا . ومن يسعى إلى صداقتنا يجدنا أشد تحمسا لمصادقته . وبالنسبة للسعودية فان الفكرة لم تخطر ببالي . فصداقتنا قوية . وإذا كنت تعرف شيئا لا نعرفه فأود أن تطلعني عليه . فمن الطبيعي ومما لا يزعجنا أن يستقبل الملك فهد حاكم الكويت السابق الشيخ جابر . ولن يساورنا القلق إلا إذا سمح له بالعمل ضد العراق من بلاده . وبالمناسبة أبلغ تحياتي للرئيس بوش وأطلب منه أن يسلّم بأن أسرة جابر ومن حوله قد انتهوا وأصبحوا جزءا من التاريخ.
" من الأمور المشروعة أن يهتم كل شخص بمصالحه الخاصة . ونود أن نعرف تماما ما هي مصالحكم المشروعة لكي نضمن لكم سلامتها . وأود أن تعلموا أن استقبالي لكم ليس حركة تكتيكية . وبرهنت على ذلك باستقبالي لكم بعد المقاطعة . ولست أسعى إلى إلغائها . ولا أسعى الآن حتى إلى موافقة الولايات المتحدة على ما فعلناه .
" فالذي أود معرفته هو المصالح المشروعة للولايات المتحدة . كما أود أن أنصحها بان لا تقدم على خطوات جريئة لا تستطيع التراجع عنها " . فقال ولسون :
" سأعلم حكومتي بذلك . لقد أتيت إلى هنا وفي ذهني أفكار ثلاث تقلق حكومتي . أولا ، طبيعة الإجتياح . وتعرفون تماما موقف حكومتي من ذلك . ثانيا ، نواياكم مستقبلا تجاه السعودية وهذا ما أجبتم عليه . وأخيرا ، أمن الرعايا الأميركيين وخصوصا السماح لمواطنين الأميركيين بالرحيل . وكما تعلمون فإن الأميركيين حساسون جدا فيما يختص بفقد حرية التنقل . وهذا ينطبق أيضا على الأميركيين في الكويت حتى لو سلمنا بحدوث الانسحاب ( وربما كان يشير بذلك إلى الانسحاب الجزئي الزائف الذي أعلن عنه في أعقاب الغزو ) .
فسأله صدام :
" كيف يمكنكم الإدعاء بأنه لم يحصل انسحاب ، ثم الحديث عن شيء مختلف ؟ " فقال ولسون :
" شاهدت ثلاث قوافل تغادر البصرة وأعلمت واشنطن بالأمر ". قال صدام :
" لقد استغرق دخول قواتنا إلى الكويت ثلاثة أيام ولا يمكنها أن تنسحب في يوم واحد . ولا بد لهذا الانسحاب أن يستند إلى اتفاق دولي ، ولن نسمح بوقوع الكويت في أيدي قوة اخرى . وإذا تزايدت التهديدات ضد الكويت فاننا سنرسل افواجا أخرى . وطبيعة هذه التعزيزات مرتبطة بطبيعة التهديدات . وعندما يزول التهديد تنسحب قواتنا . نحن لا نريد أن تتحول الكويت إلى لبنان آخر . ولا اعتقد أنه من مصلحة أحد أن ينسحب الجيش العراقي بسرعة تاركا الكويت مسرحا للقوات المتناحرة . لقد أخذت الحكومة المؤقتة بنصيحتنا لها بتشكيل ميليشيات منفصلة . وكنا نصحناها أيضا بأن تصبح مكتفية ذاتيا وأن تعتمد على الجيش الشعبي . أما بالنسبة للأميركيين في الكويت والعراق فإن السفر محظور على العراقيين والأجانب في كلا البلدين . ومصادركم على علم بأن جيشنا عامل الأجانب بطريقة رتيبة . وقد سمحت حكومة الكويت في بلاغها بالسفر إلى العراق إذا توافرت السلامة " . فسأله ولسون :
" هل لي أن أطلب منكم مباشرة أن تعلموني متى ستسمحون للرعايا الأميركيين المقيمين والزوار منهم بمغادرة البلاد ؟ " . فسأله صدام :
" هل تسأل عما إذا كان سيسمح لجميع الأجانب بذلك ؟ " فقال ولسون : " لا أسمح لنفسي بالكلام نيابة عن الآخرين " . فقال الرئيس : " اردت أن أوضح أن هذا التقييد لا ينطبق على الأميركيين وحدهم . وسوف نبلغكم عن ذلك في حينه " . فسأله ولسون : " أرجو أن تسمحوا لي بأن أطلب منكم دراسة هذه المسألة بأسرع ما يمكن لأنها قضية عاطفية جدا وحسّاسة بالنسبة لحكومتنا وشعبنا " . فقال الرئيس : " نفهم ذلك ؛ ونفهم أيضا جانبه الإنساني " .
وواصل ولسون كلامه فقال : " أخيرا أود أن أضيف شيئين . لقد أشرتم إلى حسن تصرف القوات العراقية وهذا ما أكده لي وزيركم ونائبه ، وأعتقد أنه شيء منتظر . لكن أود لفت انتباهكم إلى أمر مهم وهو أن الجنود العراقيين اقتحموا في الليلة الفائتة بيت المستشار بالسفارة الأميركية في الكويت . وهذا يناقض السياسة التي شرحتموها . وأضيف إلى ذلك أن ما فعلوه هو انتهاك للحصانة الدبلوماسية . وما كنت لأذكر هذا لولا أنكم أثرتم هذه المسألة " . فقال صدام :
" اجتمعت بالأمس مع بعض ضباطنا وحدثوني عن بعض الآسيويين والسعوديين وغيرهم ممن يخلّون بالأمن . وعلى أي حال فإذا كان الجيش العراقي قد فعل فإننا سنعترف به ، وسنؤكد لكم أنه عمل خاطئ وأننا سنقوم بمعاقبتهم . فهذا التصرف يتعارض مع سياستنا " . فقال ولسون :
" نقطة أخيرة . في هذه الأيام الصعبة وخصوصا بالنسبة لسلامة المواطنين الأميركيين . .. " وهنا قاطعه صدام قائلا : " هل تعتزمون مهاجمتنا ؟ أمن أجل هذا تريدون ترحيل مواطنيكم ؟ " فأجاب ولسون : " كلا . ولكن من واجبي أن اوفر لهم حرية اتخاذ قرار بذلك . فأنا شخصيا سأبقى ، وأحب الحياة هنا. وأود أن أضيف أنه خلال الأزمة كانت أبوابها تظل مفتوحة لي ولزملائي من الساعة الثامنة صباحا إلى الخامسة مساء . كما اني اعبر لكم عن تقديري لرغبتكم في مقابلتي وعن رغبتي في الاطمئنان على مصير مواطنينا في الكويت " . فقال صدام : " كن مطمئنا " .
وعندئذ قال ولسون : " أود أؤكد لكم إخلاصي لمهنتي . فالحوار عصب حياة الدبلوماسيين وحال السياسة " . فقال صدام : " من الطبيعي أن تطمئنني إلى حسن نوايا زملائكم ؛ لكن عليك أن تتعهد لي بنقل رسالتي إلى الرئيس بوش " . فقال ولسون : " حدث أخيرا أن التقيت في أفريقيا بأحد ارؤساء الإفريقيين فطلبت منه أن يعود إلى وقائع اجتماعنا . ولو عدت إلى محادثاتي معكم لوجدت أنني شكرتك كثيرا " .
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 06-10-2002, 12:43 AM
محارب الاغبياء محارب الاغبياء غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2002
المشاركات: 59
افتراضي

صدام يكره العرب وسوف يدمر كل شىء
رد مع اقتباس
  #11  
قديم 06-10-2002, 01:40 PM
FrozenFlame FrozenFlame غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Aug 2002
المشاركات: 388
افتراضي

تعبت من القرايه بس مشكوره وماقصرتي الموضوع كان شيق ويعطيج العافيه



FrozenFlame

.........................
رد مع اقتباس
  #12  
قديم 07-10-2002, 01:15 AM
مجموعه انسان مجموعه انسان غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Aug 2001
المشاركات: 700
افتراضي

محارب الاغبياء
اتمني ان لا نحتاج هذا الموضوع في الفتره القادمه . والله يستر
تحياتي لك
----
تحياتي للجميع
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:45 AM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2018 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com