عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات العلمية > منتدى العلوم والتكنولوجيا

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 07-02-2002, 08:33 PM
القوي بالله القوي بالله غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Aug 2001
المشاركات: 371
افتراضي كـتاب الـحـج للشيخ سليمان العلوان




السلام عليكم

شرح كتاب المناسك من الروض المربع
في هذا الرابط : هنا

وكتاب الحج لفضيلة الشيخ هنا : هنا


الـحـج مصدر حجَ يحجُ حجاً ، وهو أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام ، فرضه الله جل وعلا بقوله : { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً } . وجعله الرسول أحد أركان الإسلام فقال : « بُنيَ الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت » . متفق عليه من حديث عـبد الله بـن عـمر بن الخطـاب رضي الله عنهما .
وقد فرض الحج على القول الراجح في السنة التاسعة وفيها حج أبو بكر وعلـي رضي الله عنهما بأمرٍ من النبي صلى الله عليه وسلم .
وقيل : إن الحج فرض في السنة السادسة ، وفي هذا نظر . وقيل : إن الحج فرض في السنة العاشرة . وقيل غير هذا . والحق أنه فرض في السنة التاسعة ، وقد اتفـق الـعلـماء رحـمهم الله على أن الحج لا يجب في العمر إلا مرة واحـدة ومـا زاد فـهـو تطوع : { وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ } .
والمؤلف رحـمه الله استفتح كتاب الحج بذكر الأحاديث الواردة بفضله ليعلم المرء عظم أجر الحج وكثرة ثوابه كي لا يزهد فيه .








باب فضله وبيان من فرض عليه

664- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما ، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة » .
هذا الخبر متفق على صحته .
قال الإمام البخاري رحـمه الله : حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك عن سُمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال الإمام مسلم رحـمه الله : حدثنا يحيى بن يحيى قال : قرأت على مالك عن سُمي به ، ورواه الإمام أحـمد والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة في صحيحه والبغوي في شرح السنة والبيهقي في السنن الكبرى .
قوله : « العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما » :
المراد بذلك الصغائر عند جمهور أهل العلم فإن الكبائر لا تكفر إلا بالتوبة .
والحديث دليل على مـشـروعية الاستكثار من العمرة لأن العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والله يـقـول : { وَافْعَلُوا الْخَيْرَ} . ويقول : { فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ } . ويقول جل وعلا : { وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133)} .
وجاء في جامع الترمذي من حديث عاصم ابن أبي النجود عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « تابعوا بين الحج والعمرة ، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الذهب والحديد والفضة » . وقد حسن هذا الحديث أبو عيسى رحـمه الله .
وقوله : « تابعوا بين الحج والعمرة » :
فيه مشروعية تكرار العمرة في السنة أكثر من مرة ، خلافاً لبعض الفقهاء المالكية فإنهم يكرهون في السنة أكثر من مرة ، ويقولون : إن النبي صلى الله عليه وسلم لـم يعتمر في السنة أكثر من مرة ، والحديث حُجة عليهم ، وأما كونه لم يعتمر في السنة أكثر من مرة فهذا لا يعني عدم مشروعية الاعتمار في السنة أكثر من مرة ، فالنبي رغب أمته في العمرة وحـثهم عليها وندبـهم وبين لـهم فضلها ورغبهم بالاستكثار منها ، وفعله لا ينافي قوله فهـوكان مشغولاً بأمـور المسلمين الخاصة والعامة ، وما هو فيه أفضل من العمرة فكذلك المرء المسلم إذا كان له عـمـل من تعلم وتعليم ونحو ذلك فإن هـذا يـقدم على العمرة . والمسلم الحاذق الذكي يقدم الفاضل على المفضول .
وقوله في حديث عبد الله بن مسعود : « فإنـهما ينفيان الفقر » :
في هذا دليل على أن الاستكثار من الحج والعمرة من أسباب جلب الرزق والغنى ودفع الفقر ، وهناك عبادات كـثيرة تـجلب للـعبد الـرزق وتـدفـع عنه الفقر فمن ذلك الاستغفار قال تعالى : { فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا(11) وَيُمْدِدْكُـمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَـجْعَلْ لَـكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا(12)} .
ومن ذلك أيضاً صلة الأرحام وبر الوالدين فقد جاء في الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « من أحب أن يُبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحـمه » .
قوله في حـديث الـباب : « والـحج المبرور ليس له جزاء إلاَّ الجنة » :
قال الإمام ابن عبد البر رحـمه الله : " الحج المبرور هو الذي لا رياء فيه ولا سمعة ولا رفث ولا فسوق وخرج بمال حلال " . وهذا تعريف جامع لخصال وأفعال الحج المبرور ، فمن حج رياءً وسمعة فهذا حجه مأزور غير مبرور وهو إلى الإثم أقرب إليه من الـتـقوى ، وهـذا العبد المسكين قد تزود من الآثام وارتدى شعار أهل الرياء والنـفـاق والسمعة ، فليس له من حجة سوى إنهاك البدن وإذهاب المال ، نسأل الله العافية والسلامة .




· ومن شــروط الـحــج الـمـبــــرور :
1- أن لا يكون في حجـه رفـث ( وهـو الجماع ) ولا فسوق : لقول الله جل وعلا : { الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ } .
2- أن يكون المال حلالاً : فإن الحج بالمال الحرام كالربوي والمكتسب عن طريق بيع المحرمات من دخان ونحوه فإن هذا المال وبال على صاحبه ، وهو من أسباب منع قبول الحج ، كما إنه أيضاً من أسباب منع إجابة الدعاء ومنع القطر من السماء ، وفي صحيح الإمام مسلم من حديث ابن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الحديث وفيه : « ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب ، يا رب ، ومطعمه حرام ، وملبسه حرام ، ومشربه حرام، وغذي بالحرام ، فأنى يستجاب له » .
وفي الحديث دليل أيضاً على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان كما هو قول أهل السنة قاطبة .
وفيه دليـل على أن الأعمــال من أسبــاب دخــول الجنـــان فقد قــال تعـالى : { جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17)} .
665- وعن عـائشـة رضي الله عنهـا قـالت : يا رسول الله ، على النساء جهاد ؟ .
قال : « نعم ، عليهن جهاد لا قتال فيه : الحج والعمرة » .
هذا الخبر رواه الإمام أحـمد في مسنده وابن ماجه في سننه من حديث محمد بن فضيل عـن حبيب ابن أبي عمرة عن عائشة بنت أبي طلحة عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها .
وقال البخاري رحمه الله في صحيحه حدثنا عبدالرحمن بن المبارك قال أخبرنا خالد بن عبدالله الواسطى عن حبيب بن أبي عمرة عن عائشة بنت أبي طلحة عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنهـا قـالت : قـلت للنبي : نـرى الـجهـاد أفضل العمل ، أفــلا نجاهد ؟ قال : « لا لكن أفضل الجهاد حج مبرور » .
وقد تقدم شروط الحج المبرور بكلام ابن عبد البر رحـمه الله .
والحج المبرور أحد أنواع الجهاد فإن الجهاد ليس مقصوراً على جهاد السنان، فطلب العلم من الجهاد ، والحج المبرور من الجهاد ، وقمع النفس عن ملذاتها المحرمة نوع من أنواع الجهاد ، والاصطبار على الطاعات نوع من أنواع الجهاد ، فإن تعطل جهاد السنان فإن جهاد اللسان لم يتعطل من الأمر بالمعروف والنهي عـن المـنكر والـدعوة إلى الله بالتي هي أقوم .
قولها : [ هل على النساء جهاد ؟ ] :
تريد بهذا : جهاد السنان ، فأعلمها النبي صلى الله عليه وسلم أن النساء لا يجاهدن بالسيف والسنان ، فإن هذا من خصائص الرجال ، فإن الـمرأة قد جبلت على الضعف ، فلذلك لا تجاهد بسيفها ولا بسنانها ولكن لا مانع أن تخرج مع المجاهدين لمداواة الجرحى وبذل ما يمكن بذله لـهم .
وقد اختلف العلماء رحـمهم الله في حكم الـمرأة لو جاهدت ، فقال بعض أهل العلم : لا مانع من هذا فقد جاهدت عائشة وأم سلمة وام سُليم وأسماء بنت يزيد حتى قيل إنها قتلت تسعةً من الروم . واصحاب هذا القول حملوا حديث الباب على عدم وجوب الجهاد لا على منعه .
وذهب بعض أهل العلم إلى أن الـمرأة تمنع من الجهاد في السنان ما لم تضطر إلى ذلك ، لأن جهادها يؤدي إلى كشف عورتها وإلى مزاحمتها الرجال وأصحــاب هذا القول قـالــوا : جهاد الـمرأة الاستكـثــار من الحج والعمرة لقوله : « عليكن جهاد لا قتال فيه » . الرواية الأخرى : « ولكن أفضل الجهاد ، حج مبرور » .
وقوله : « عليهن جهاد لا قتال فيه » :
احتج بهذه الرواية جماعة من الفقهاء على وجوب العمرة وبه قال الإمام أحـمد وجماعة من أهل العلم .
وذهب آخرون إلى أن العمرة مستحبة غير واجبة وإنما الواجب الحج ، وقد دخـلت العمرة بالحج إلى يوم القيامة . وهذا قول الجمهور .
وقد استدل كل فريق من هؤلاء الأئمة بثلة من الأحاديث والآثار الواردة في هذا الباب ، ولكن لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الباب حديث صريح .
وقد روى الترمذي رحـمه الله في جامعه عـن أبي رزين وصـحـحـه أنـه قـال للنبي ( : يا رسـول الله ، إن أبـي شيـخ كـبـيـر لا يستـطيع الحـج ولا العـمـرة ، فقال له الـنبي صلى الله عـليه وسلم :« حج عن أبيك واعتمر » .
وقد احتج بهذا الإمام أحـمد وطائفة من فقهاء الشافعية كما هو مذهب ابن عمر وابن عباس على وجوب العمرة ، وفي هذا نظر ، لأن قوله ( : « حج عن أبيك واعتمر » يريد بذلك الترخيص بالحج والاعتمار عن العاجز وليس المعنى إيجاب العمرة ابتداءً على من لم يعتمر ، ومن تأمل سياق الحديث تبين له ما ذكرنا وأن الحديث إنما سيق لبيان جواز الاعتمار عن العاجز لا غير ، ثم إنه ليس بصريح في وجوب الاعتمـار عن العاجز والله يقول : { وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} . فالاعتمار إذاً عن الغير من المستحبات لا من الواجبات .
وفيه دليل على فضيلة الاستكثار من الحج والعمرة ، وفيه دليل أيضاً على أن الجهاد من أفضل الأعمال ، لأن الرسول ( أقــر عائشــة بقولها : نـرى الجهاد أفضل الأعمال .
وفيه دليل أيضاً على فضل عائشة حيث سألت عن أفضل الأعمال تريد بذلك العمل والتطبيق ، فإن العبد لا ينجو من عذاب يوم القيامة إلا إذا عمل بـما علم ، وأما علم بلا عمل فكالشجرة بلا ثمر لا ينفع صاحبه ولا يغني عنه شيئاً .

666- وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم أعرابي فقال : يا رسول الله ، أخبرني عن العمرة ، أواجبة هي ؟ .
فقال : « لا ، وأن تعتمر خير لك » .
هذا الخبر رواه الإمام الترمذي في جامعه من طريق عمرو بن علي عن الحجاج بن أرطأة عن ابن المنكدر عن جابر بن عبد الله .
وقد أعل هذا الخبر الحافظ البيهقي بالسنن الكبرى ورجح وقفه ، وكذا قال الحافظ ابن حجر رحـمه الله .
والحجاج بن أرطأة فيه كلام ، قال عنه الإمام أحـمد : كـان من الـحفاظ ، فقيل له : فلماذا ليس هو عند الناس بذاك ؟ ، قال : لأنه يذكر ما لا يذكر غـيره ، وليس يكاد يسلم له حديث من الزيادة . ورماه بالتدليس الإمامان أبو زرعة وأبو حاتم عليهما رحمة الله ، ولم يصرح الحجاج بالسماع هنا من ابن المنكدر .
وقد روى هذا الخبــر ابن عدي بالكامل من طريق قـتـيبـة بن سعيــد عن ابن لهيعة عن عطاء عن جابــر بن عبد الله : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « الحج والعمرة فريضتان » .
وهذا خبر معلول أيضاً ، وابن لهيعة سيء الحفظ ، وقد صح إيجاب العمرة عن عبد الله بن عمر وابن عباس رضي الله عنهما ، ذكر هذا عنهما الإمام البخاري معلقاً.
وخبر الباب مع ضعفه يدل على عدم وجوب العمرة ، ولكن من اعتمر فهذا أكمل وأفضل ، ثم اعلم أن القائلين بوجوب العمرة يصححون عمرة المتمتع ويرونها مجزئة عن العمرة الواجبة وهذا ظاهر .


667- وعــن أنس رضي الله عنه قــال : قيــل : يا رســول الله ، ما السبيل ؟ .
قال : « الزاد والراحلة » .
هذا الحديث رواه الحاكم والدارقطني من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك به .
وقد صححــه الحاكم ، ولكن أعله الإمام ابن عبد الهادي رحـمه الله ، وقال : رفعه وهم ، والصحيح أنه عن قتادة عن الحسن البصري عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً ، وهذا هو المحفوظ عند أئمة الحديث وعلماء الجرح والتعديل .
وللحديث شاهد من حديث ابن عمر عند الترمذي ولكن في إسناده إبراهيم بن يزيد الخوزي ، وقد اتفق العلماء على تضعيفه وأجمعوا على أنه متروك الحديث .
وللحديث شواهد من حديث ابن عباس ، وعائشة ، وعبد الله بن عمر ، وابن مسعود ، ولا يصح منها شيء . ولا يخلو كل طريق من متروك أو ضعيف جداً ومن ثم اختلف العلماء رحـمهم الله في تفسير السبيل في قوله تعالى : { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً } ، فقال جمهور العلماء : السبيل "الزاد والراحلة" فإذا اجتمعا معاً وجب على المسلم الحج ، وهذا قول الإمام أحـمد وأبي حنيفة وجماعة من أهل العلم .
وذهب الإمام مالك رحـمه الله أن هذا على قدر طاقة الناس فقد يجد المرء زاداً وراحلة ولا يقدر على الحج ، ذكر هذا القرطبي رحـمه الله في تفسيره ، عن مالك .
وذهب بعض أهل العلم إلى أن السبيل الزاد و الراحلة و القدرة ، لأن المسلم قد يجد سبيلاً للزاد والراحلة ولكـنه لا يقدر على الركوب ، فحينئذٍ لا يجب عليه الحج كما في قصة الخثعمية . والحديث في الصحيحين .
وتزيد الـمرأة على هذه الأمور الثلاثة أمراً رابعاً وهو وجود المحرم ، فإذا لم تجد الـمرأة محرماً فلا يجب عليها الحج إلى يوم القيامة ، وكذلك لو منعها زوجها فلا يجب عليها الحج حينئذٍ عند جماعة من المحققين ، وقال بعض أهل العلم : لا تطيع زوجها وتحج مع أحد محارمها ، ولو ترتب على ذلك طلاقها ، ولو قيد هذا القول فيما إذا كان الزوج يمنعها من الحج مطلقاً ، أما إذا منعها الزوج من الحج في هذا العام مثلاً فيجب عليها طاعته لأن الحج لا يجب على الفور عند جماعة من المحققين ، فقد فرض الحج في السنة التاسعة ولم يحج النبي صلى الله عليه وسلم إلا في السنة العاشرة فدل هذا أن الحج على التراخي ، وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم رحـمهم الله .
والصحيح في تفسير السبيل : أن هذا يختلف باختلاف الناس كما قال الإمام مالك ممن وجد زاداً وراحلة وعنده قوت لأبنائه حتى يرجع وكان قادراً على الحج فيجب عليه الحج حينئذٍ وليس المراد بوجود الراحلة أن تكون مُلكاً له ، إنما المراد تيسير ركوبها والذهاب عليها قيد هذا بعض أهل العلم إذا لم يكن فيها مِنَّـة ، أمّـا إذا كان فيها مِنَّـة فلا يجب عليه الحج .
668- وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي ركباً بالروحــاء ، فقال : « من الـقـوم ؟ » ، فـقـالـوا : مـن أنـت ؟ فقال : « رسـول الله». فـرفعـت إليه امـرأة صبياً فـقـالت : ألهذا حج ؟ قال : « نعم ولك أجر » .
رواه مسلم رحـمه الله فقال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا سفيان بن عيينة عن إبراهيم بن عقبة عن كريب مولى ابن عباس عن ابن عباس رضي الله عنهما .
ورواه مالك في الموطأ والشافعي وأبو داود والنسائي ، وله شاهد من حديث جابر عند الترمذي .
قوله : [ بالروحاء ] :
مكان قرب المدينة .
قوله : [ فقال : « من القوم ؟ » ] :
فيه جواز سؤال المرء عن اسمه خصوصاً إذا صحبته أو أردت أن تتعامل معه حتى قال بعض الحكماء : من الجفا أن تصاحب رجلاً لا تعرف اسمه .
قوله : [ فقالوا : من أنت ؟ ] : فيه أنه لا مانع أن يمتنع المرء عن ذكر اسمه حتى يعلم من هو مقابله وسائله لأنه يمكن أن يكون قصد السائل إيقاع ضرر بالمسئول فمن العقل ألا تخبره باسمك ولكن إذا علمت مخبره فمن الأدب والمعاملة الحسنة أن تخبره باسمك ولا تمتنع .
قوله : [ فقال : « رسول الله » ] :
فيه جواز تعريف المرء بنفسه إذ لا مانع أن يقول الإنسان أنا الشيخ الفلاني ليعرف قدره أو أن يقـول : أنـا إمـام المسجد الفلاني ، أو أنا خطيبه ، لأن رسول الله ( قال : « رسول الله » ليعرف مكانه ومن ثم يعظم قدره .
قوله : [ فرفعت إليه امرأة صبياً فقالت : ألهذا حج ؟ ] :
فيه دليل على جواز استفتاء الـمرأة للرجل الأجنبي ولكن لا تخضع بالقول ، لقوله تعالى : { فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ } فتستفتي وتنتهي المحادثة بين الطرفين بانتهاء الفتيا.
قوله ( : « نعم ، ولك أجر » :
في هذا دليل على أن للصبي حجاً كما أنَّ له صلاة . وقد نقل الإجماع على هذا الإمام الطحاوي رحـمه الله في شرح معاني الآثار ، ثم اختلف العلماء رحـمهم الله هل يجزئ حجة الصبي عن حجة الإسلام أم لا ؟ .
ذهب الجمهور إلى أن حجه لا يجزئ عن حجة الإسلام ، ونقل الإجماع عليه غير واحد من أهل العلم ، وذهب بعض أهل العلم كما نقله في شرح المعاني للطحاوي إلى أن حجه يجزئه عن حجة الإسلام . والصحيح قول الجمهور . لما رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي معاوية محمد بن خازم الضرير عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ( احفظوا عني ولا تقـولـوا قــال ابن عباس : أيما صبي حج ثـم بلغ فـليحج حجـة أخـرى ) .
وهذا إسناده صحيح ، وله حكم الـرفع ، لقول ابن عباس : ولا تقولوا قال ابن عباس ، فلو كان هذا من قول ابن عباس ما جاز لابن عباس أن يقول : ولا تقولوا قال ابن عباس ، لأن هذا من قوله ورأيه وفعُلم أن هذا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد جاء مصرحاً به مرفوعاً ، ولكن فيه نظر .
وكذلك العبد المملوك إذا حج ثم أعتق بعد الحج عليه حجة أخرى . وسيأتي إن شاء الله تعالى زيادة بحث لـهذه المسألة على حديث ابن عباس .
والشاهد من سياق الحديث هو صحة حج الصبي ولكن هذا لا يجزئ عـن حجة الإسلام ، ثـم أيضاً أن قوله صلى الله عليه وسلم : « نعم ، ولكِ أجر » وترك النبي صلى الله عليه وسلم بيان ما يلزم هل تطوف عنه طوافاً مستقلاً ؟ وتسعى عنه سعياً مستقلاً ؟ والقاعدة تقول : ترك الاستفصال مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال.
والقاعدة تقول أيضاً : تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز .
فكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل للمرأة : طوفي به طوافاً مستقلاً يفيد هذا أنها تطوف به محمولاً ، ويجزئ الطواف الواحد عنهما معاً ، والسعي الواحد عنهما معاً ولكن ينبغي العمل بأن المرء إذا حج بالصبي يجب أن يجنبه محظورات الإحرام فإن ارتكب الصبي شيئاً من المحظورات فلا شيء عليه لأنه غير مكلف وغير مخاطب ، وقد قـال النبي صلى الله عليه وسلم : « رفع القلم عن ثلاثة ... » وذكر الصغير حتى يبلغ ، وهو حديث حسن رواه أبو داود وغيره .
669- وعنه رضي الله عنه قال : كان الفضل ابن عباس رضي الله عنهما رديف رسول الله ، فجاءت امرأة من خثعم فجعل الفضل يـنظر إليها وتنظر إليه ، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشـــق الآخر، فقالت : يا رسول الله ، إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخــاً كبيراً لا يثبت على الراحلــة ، أفــأحج عنــه ؟ قال : « نعم » . وذلك في حـجــة الــوداع . متفق عليه .
قال الإمام البخاري رحـمه الله : حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن سليمان بن يسار عن ابن عباس به .
وقال الإمام مسلم رحـمه الله : حدثنا يحيى بن يحيى قال : قرأت على مالك عن ابن شهاب به . ورواه أحـمد ومالك وأهل السنن وابن الجارود في المنتقى .
وقد جاء في بعض طرق الحديث صفة الـمرأة وأنها وضيئة . ولا أظن أن هذه اللفظة تثبت ، فأكثر الطرق خالية منها .
· والحديث فيه فوائــد :
1 ـ فيه جواز الإرداف على الدابة : وهذا محمول عند أهل العلم إذا كانت مطيقة ، أما إذا كانت الدابة غير مطيقة فلا يجوز الإرداف عليها ، لأن هذا تعذيب لـها ، وقد أمرنا الله تعالى بالإحسان حتى إلى البهائم .
2 ـ وفيه جواز استفتاء الـمرأة للرجل : لأن هذه الـمرأة الخثعمية استفتت النبي صلى الله عليه وسلم وكانت شابة ، وخثعم قبيلة ترجع إلى قحطان مساكنهم بين الطائف وأبها .
وقد احتج بهذا الحديث بعض فقهاء الشافعية على عدم وجوب تغطية الـمرأة وجهها ، وفي هذا نظر لأننا لو سلمنا بهذا الدليل وبهذا الاستنباط لكان هذا خاصاً بالحج فقد قال بعض الفقهاء : إحرام الـمرأة بوجهها ، ولذلك يقول فقهاء الحنابلة : يجب على الـمرأة أن تكشف عن وجهها بالإحرام إلا بحضرة أجنبي ، وفي هذا نظر أيضاً . والحق في هذه القضية أن الـمرأة يجب عليها ستر وجهها بحضرة الأجانب سواء كانت محرمة أم غير محرمة ، وإذا لم يكن ثم أجنبي فالحق أنها غير ملزمة في الكشف عن وجهها لأن هذا يحتاج إلى دليل . والقول بأن إحرام الـمرأة في وجهها لا دليل عليه ، والوارد بذلك خبر منكر لا يحتج به.
فإن قال قائل : لفظ الحديث : [ فجعل الفضل يـنظر إليها وتنظر إليه ] :
فنقول إن نظرها إليه ظاهر ، وأما نظره إليها فينظر إلى هيكلها وإلى جسمها وربما يكون جسمها ملفتاً للنظر كأن تكون طويلة ونحو ذلك ، وليس في الحديث أنها كانت كاشفة عن وجهها ، وما جاء في بعض الطرق أنها (وضيئة) فلا أظنها تثبت ، والظاهر أنها شاذة .
3 ـ وفي الحـديث أنه يحرم على الرجل أن يصعد نظره بالمرأة وإن كانت محتجبة : لأن النبي صلى الله عليه وسلم صرف وجه الفضل لان النظر إلى الـمـرأة وإن كانت محتجبــة سهم من سهام إبليــس ، ولأن الـمـرأة فـتـنـة كما قال رسـول الله: « الـمرأة عورة ، إذا خرجت استشرفها الشيطان » ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم والحديث في الصحيحين : « وما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء » .
4 ـ وفيه أن الشيخ الكبير الطاعن في السن لا يجب عليه الحج : ولكن ينوب من يحج عنه .
5 ـ وفيه أيضاً أن الذي لا يستطيع الثبوت على الراحلة يسقط عنه الحج.
6 ـ وفيه جواز حج الـمرأة عن الرجل : لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أقر الـمـرأة أن تحج عن أبيها ولكن يجب عند الجمهور أن تحج أولاً عن نفسهـا ثم تحج عن أبيها.
7 ـ وفيه إذنه صلى الله عليه وسلم أن تحج الـمـرأة عن أبيها : وكان هذا الإذن في حجة الوداع فربما يحتج بهذا على أنه لا يلزم من كون المرء إذا أراد أن يحج عن غيره أن يبدأ بنفسه أولاً ، ولكن جاء عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول : لبيك عن شبرمة ، قال : « من شبرمة ؟ » قال : أخ لي ، أو قريــب لي ، فقال : « حججـت عن نفسك ؟ » ، قال : لا ، قال : « حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة » .
ولـكن هذا الخبر أعله أحـمد ورجح رحـمه الله وقفه ، وسوف يمر بنا إن شاء الله . فيمكن أن يُجاب عن حديث الخثعمية فيقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم أذِن لـها أن تحج عن أبيها إذا حجت عن نفسها ، فلا يلزم من سؤالها أن تنفذ الأمر بالحال .
8 ـ وفيه جواز الحج عن الحي غير القادر : وقد قال بعض الفقهاء : يجوز هذا بالنفل والفرض ، والصحيح أن هذا لا يجوز عن الحي إلا إذا كان غير قادر على الفرض لأن الحي يستطيع أن يعمل يوتقرب إلى الله بما شاء من الطاعات، فلذلك لا يحج عنه .
670- وعنه رضي الله عنه ، أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : إن أمي نذرت أن تحج ، فلم تحج حتى ماتت ، أفــأحج عنها ؟ قال : « نعم ، حجي عنها ، أرأيت لو كان على أمك دين ، أكنت قاضيتـه ؟ اقضوا الله ، فالله أحق بالوفاء » . رواه البخاري .
قال الإمام البخاري رحـمه الله : حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به .
ورواه أحـمد والشافعي والنسائي وأبو داود الطيالسي وصححه ابن خزيمة من طرق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به .
قولها : [ إن أمي نذرت ] :
النذر هو : إلزام المكلف نفسه بعبادة أو بأمر ما لم يوجبه عليه الشارع ، فإن كان هذا النذر نذر طاعة والطاعة أعم من أن تكون واجبة أو مستحبة فيجــب الوفاء، لحديث القاسم عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « من نذر أن يطيع الله فليطعه ، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه ». رواه البخاري في صحيحه.
فأيما إنسان نذر نذر طاعة فيجب الوفاء بهذا النذر ، وأما نذر المعصية فيحرم الوفاء به قولاً واحداً للعلماء ، وإنما اختلفوا هل في ذلك كفارة أم لا ؟ . والحق في هذا وجوب كفارة اليمين ، لعموم خبر عقبة في صحيح الإمام مسلم : « كفارة النذر كفارة يمين » . وهذا يشمل نذر الطاعة ونذر المعصية والله أعلم.
وفي الحديث إشكال ، فإن الحج قد فرض على القول الراجح في السنة التاسعة فكيف تنذر أن تحج والحج فرض عليها فيمكن الإجابة عن هذا أن يقال: لعل هذه الـمـرأة حجت في السنة التاسعة ونذرت أن تحج في السنة العاشرة مع النبي صلى الله عليه وسلم وإلا فلو لم تحج في السنة التاسعة فالحج فريضة عليها ، فيمكن أن يقال هذا القول يؤيده أن تحج على التراخي ، فلعلها نذرت أن تحج في السنة العاشرة وعينت السنة فماتت قبل أن تحج .
مسألة : ما حكم النذر ؟
فيه ثلاثة مذاهب لأهل العلم :
المذهب الأول : أنه مكروه ، لقوله ( : « إنه لا يأتي بخير لكنه يستخرج به من البخيل » .
وهذا القول هو المشهور عند أكثر أهل العلم .
المذهب الثاني : أن النذر محرم وإليه أشار شيخ الإسلام ابن تيمية رحـمه الله.
المذهب الثالث : أن من قوي على الوفـاء بالنذر فالنذر عبادة ويكون مشروعاً حينئذٍ ، قال تعالى : {وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ } . وقـال تعالى : { يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} . فقد أثنى الله عليهم في كونهم يوفون بالنذر فلو لم يكن النذر عبادة ما أثنى الله عليهم بذلك . وأما قوله : « إنه لا يأتي بخير » . فإن المعني أن النذر إذا بذله المرء فربما لا يعود بالخير على صاحبه لأنه قد لا يطيقه ولا ينفذه أو يتكاسل عنه فيأثم وأما من علم من نفسه الوفاء بالنذر فالنذر في حقه عبادة ولأنه لا يمكن أيضاً أن يكون النذر محرماً على قول أو مكروهاً على القول الثاني ثم إذا وفّى به صار عبادة وإذا صرفه لغير الله صار شركاً ، هذا لا يمكن أن يقال به فإذا كان النذر مكروهاً فلماذا يفي به . فلذلك القول الراجح التفصيل بالنذر فإذا علم من نفسه قوة على الوفاء به فالنذر عبادة يشرع له أن ينذر ، قال تعالى : { وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ } . وإن كان يعلم من نفسه عدم القدرة أو الضعف أو غير ذلك من الأشياء التي تمنعه من الوفاء بالنذر فالنذر حينئذٍ مكروه ، وهذا نظير الحلف ، والله تعالى يقول : { وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ } ، أي لا تحلفوا لئلا تحنثوا . ومع هذا حفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حلف من غير استحلاف بأكثر من ثمانين موضعاً ، ونظير هذا قوله : « لا تتمنوا لقاء العدو » ، مع قوله في مسلم : « ومن مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق ».
فالمعنى من قوله : « لا تتمنوا لقاء العدو » ، هذا مَنْ علم من نفسه الضعف خوفاً من أن لا يثبت فيبوء بالإثم والخسران ، وأما مَنْ علم من نفسه قوة فتمنى لقاء العدو مشروع ، فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يتمنون هذا وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرغبهـم بهذا ، والأخبار بهذا متواترة ، ومـن دعـاء المؤمنين في الجمعة وغـيرهــا : ( اللهم أقم علم الجهاد ) وهذا لا مانع منه لـمن علم من نفسه قوة وثباتاً وصبراً ، فقد قال أحد الشعراء وهو الخارجي الفجاءة التميمي :
فصبراً في مجال الموت صبراً فما نيل الخلود بمستطاع
قولها : [ أفأحج عنها ؟ ] :
في هذه اللفظة دليل على أنه متقرر عند الصحابة أن العبادات مبناها على التوقيف وإلا لفعلت بدون سؤال ، وكون العبادات توقيفية فهذا مما لا نزاع فيه بالجملة بين أهل العلم .
قوله : « نعم » :
أي حجي عن أمك ، وهذا الحديث عام وهو مقيد عند أهل العلم فيما لو حج المرء عن نفسه ، لأنه لا يشرع للمسلم أن يحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه ، لأنه لا يدري ماذا يعرض له ، وقد أجمع العلماء رحـمهم الله على انه لا يحج عن نفسه وعن غيره في وقت واحد فلا بد أن تقع الحجة عن أحدهما فإن كان لم يحج عن نفسه وأراد في هذه الحجة عن غيره وقعت الحجة عن نفسه .
وفيه دليل على حج الـمـرأة عن المرأة’ كما أنه يجوز أن تحج الـمـرأة عن الرجل والرجل عن الـمرأة كما هو قول الأئمة الأربعة ، ولكن هل هذا على وجه الإيجاب أم على وجه الاستحباب ؟ . تقدم عندنا أن مَـنْ نذر نذر طاعة وجب عليه الوفاء بذلك ، فإذا توفي المرء وقد نذر أن يحج وجب أن يحج عنه من ماله فإن لم يخلف مالاً استحب لأوليائه أن يحجوا عنه ، وقد ذهب بعض أهل العلم على إيجاب هذا لقوله : « نعم حجي عنها » ، وهذا أمر والأمر يقتضي الإيجاب . وفي هذا نظر من وجهين : -
الوجه الأول : أن الأمر إذا كان عن سؤال لا يكون للإيجاب .
الوجه الثاني : أن الله تـعـالى يـقول : { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} . أينذر أخي ويجب علـيَّ الوفاء !! ، هذا غير صحيح .
والحق بهذا أنه يستحب الوفاء بهذا النذر ويجب إذا خلف مالاً أن يحج عنه من ماله ، ولكن ربما يقال بالإيجاب من وجه آخر ، وذلك من باب البر بالوالدين ولكن حينئذٍ يكون الأمر خاصاً بالوالدين والإيجاب خاصاً بهما لا بغيرهما ، وهذا وجيه فإن البر بالوالدين واجب سواء كان بحياتهما أو بعد موتهما .
قوله: « أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته ؟ » :
فيه دليل على جواز القياس ، وبهذا قال الأئمة الأربعة وهذا نظير قوله : « وفي بضع أحدكم صدقة » ، قالوا : يا رسول الله أيأتي أحدنا شهـوته ويكون له فيها أجر ؟! ، فقال : « أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه إثم ؟ فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر » . رواه مسلم في صحيحه عن أبي ذر رضي الله عنه.
وأهل العلم والفقه والنظر لا يصححون كل قياس ، إنما لـهم بذلك ضوابط وقيود ، أما الإمام ابن حزم رحـمه الله تعالى فلا يرى القياس مطلقاً ، وهو قول الظاهرية قاطبة ، ويستدلون بقوله تعالى : { مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ } . وبقوله : « وما سكتُّ عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته » . رواه الحاكم وغيره بإسناد صحيح ، وجاء من حديث مكحولاً عن ابي ثعلبة الخشني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « وسكتُّ عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها » وفيه انقطاع فإن مكحول لم يدرك أبا ثعلبة ، والحجة في هذا مع جمهور أهل العلم فإلحاق النظير بالنظير أمر مشهور في عهد الصحابة رضي الله عنهم ، وقد ثبت القياس بأدلة كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، كما وضح هذا الإمام العلامة ابن القيم رحـمه الله في ( إعلام الموقعين ) ، وللشنقيطي رسالة في هذا تعقب فيها أهل الظاهر وهي مطبوعة في آخر مذكرته فلتراجع .
قوله : « اقضوا الله ، فالله أحق بالوفاء » :
الأمر هنا للإيجاب إذا كان من مال الميت وإلا الاستحباب على التفصيل السابق.
وفيه دليل على أن وفاء حق الخالق اولى من حق المخلوق إلا أن جماعة من الفقهاء يقولون: إن حق المخلوق مبني على الـمُشاحة وحق الخالق مبني على المسامحة. وهذا صحيح ولكل قول وجهه .
وفي الحديث دليل على جواز مخاطبة الـمرأة الأجنبية للرجل عند الحاجة ، وهذا مقيد بـما إذا أمنت الفتنة ولم تخضع بالقول لقوله تعالى : { فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ} .
671- وعنه رضي الله عنه قال : قال رسول الله: « أيما صبي حج ، ثم بلغ الحنث ، فعليه أن يحج حجة أخرى ، وأيما عبد حج ثم أعتق ، فـعليـه أن يحج حجـة أخرى » .
هذا الخبر جاء من طريق شعبة عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم به .
قال الإمام البيهقي رحـمه الله : ورواه سفيان الثوري عن الأعمش فأوقفه . وهذا هو المحفوظ عند أكثر أهل العلم ، لأن سفيان الثوري مقدم على شعبة . يقول الإمام يحيى بن سعيـد القطان رحـمه الله : ليس عندى أحد أحب إلي من شعبة ولا يعدله عندي أحد ، وإذا اختلـف شعبـة وسفيان أخذت بقول سفيان . وقال الإمام أبو داود رحـمه الله : ليس يكاد يفترق شعبة وسفيان إلا وظفر به سفيان وقد خالفه بأكثر من خمسين حديثاً والقول قول سفيان .
وقد جاء هذا الخبر عند الإمام ابن أبي شيبة رحـمه الله بـما يفيد أن له حكم المرفوع ، وقال رحـمه الله : أنبأنا أبو معاوية قال : أخبرنا الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : " احفظوا عني ولا تقولوا قال ابن عباس ... " فذكره . وإسناده صحيح . وأبو معاوية محمد بن خازم الضرير من أوثق الناس بالأعمش ، ومن ثم أورد الشيخان روايته عن الأعمش في الصحيحين .
وقوله : [ احفظوا عنّـي ولا تقولوا : قال ابن عباس ] :
في هذا إشارة إلى أنه ليس من كلام ابن عباس إنما هو من كلام النبي صلى الله عليه وسلم .
قوله : « أيما صبي حج » :
الـ ( ما ) هنا : زائدة ، و ( أي ) مضاف ، و ( صبي ) مضاف إليه ، والمراد بالصبي هنا الذي لم يبلغ ، فلا مانع حينئذٍ من إطلاق لفظة الصبي على كل من لم يبلغ ، كما يطلق عليه لفظ الغلام علماً أن لفظ الغلام يجوز إطلاقه على الكبير كما جاء عن علـي رضي الله عنه أنه قال يوم قتاله الخوارج : " أنا الغلام القرشي المؤتمن أبو الحسين فاعلمن والحسن " .
وهذا الخبر يدل على صحة حج الصـبي ، ولـكن هـل يـجزؤه عن حجة الإسلام أم لا ؟ . دل هذا الخبر أن هذا الحج لا يجزؤه عن حجة الإسلام وهو قول الأئمة الأربعة وجماهير العلماء سلفاً وخلفاً ، وقد ذكر الإمام الطحاوي رحـمه الله في شرح معاني الآثار عن قوم أنهم قالوا : يجزؤه ، ثم ضعف هذا ورجح عدم الإجزاء.
وخبر الباب يشهد لقول الطحاوي وجماهير العلماء ، ولكن لو يبلغ الصبي بعرفات أجزأه حجه عن حجة الإسلام لقوله : « الحج عرفة » .
قوله : « وأيما عبد حج ثم أُعتق ، فعليه أن يحج حجةً أخرى » :
المراد بالعبد هنا المملوك .
أي إذا حج العبد المملوك ثم أعتق بعد حجه فيجب عليه أن يحج حجــة الإسلام ، وفي هذا دليل على أن فريضة الحج لا تجب على العبد المملوك إذ لو كانت واجبة لأجزأه حجه قبل العتق ، ولكن جعل النبي صلى الله عليه وسلم حجه نافلة وأوجب عليه أن يحج بعد العتق ولكن لو أعتق بعرفات أجزأه حجُه عن حجة الإسلام . واما لو أعتق ليلة مزدلفة فإن وسعه الوقت بالذهاب والوقوف بعرفة فيجزؤه حجه عن حجة الإسلام فيذهب ويقف بعرفات ويرجع إلى مزدلفة ويصح حجه ، واما إذا لم يسعه الوقت كأن يعتق قبيل الفجر بدقائق فلا يجزؤه حجه حينئذٍ عن حجة الإسلام .
672- وعنه رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله يخـطـب يقول : « لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم ، ولا تسافـر الـمـرأة إلا مع ذي محرم » ، فقام رجل فقال : يا رسـول الله ، إن امـرأتي خرجت حاجة وإني اكـتـتـبـت في غـزوة كـذا وكـذا ، فـقـال : « انطلق ، فحج مع امرأتك » . متفق عليه.
قال البخاري رحـمه الله : حدثنا قتيبة بن سعيد قال : حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي معبد عن ابن عباس رضي الله عنهما .
قال الإمام مسلم رحـمـه الله : حـدثنا أبـو بكر ابن أبي شيبة قال : أخبرنا ابن عيينة به .
قوله : « لا يخلون رجل بامرأة » :
أجمع العلماء رحـمهم الله على تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية وإن كانت امرأة أخيك أو امرأة عمك أو امرأة خالك . وقـد جاء في الصحيحين من حديث عقبة أن الرسول قال : « إياكم والدخول على النساء » ، فـقـال رجـل : يـا رسول الله أفرأيت الحمو ـ وهو قريب الزوج من أخ وغيره ـ فقال الرسول : « الحمـو الموت » . يعني أن الحمو هو الهلاك لأنه يؤمن فيقع المحذور ، وفي صحيح الإمام مسلم من حديث هشيم بن بشير قال حدثنا أبو الزبير المكي عن جابـر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ألا لا يبيتنَّ رجل عند امرأة ثيب إلا أن يكون ناكحاً أو ذا محرم » .
ولفظ الثيب خرج مخرج الغالب ولا مفهوم له .
وعند الترمذي وحسنة من حديث عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ما خلا رجل بامرأة إلا وكان الشيطان ثالثهما » .
وقد تساهل كثير من الناس بهذه القضية فيخلون بالنساء الأجنبيات وهذا منكر من الفعل ومحرم باتفاق أهل العلم سواء كانت الخلوة في داخل البلد أو خارجه فلا فرق بين الأمرين عند أهل العلم .
قوله: « ولا تسافر الـمـرأة إلا مع ذي محرم » :
( لا ) هنا ناهية ، والنهي هنا للتحريم يؤيد التحريم ما جاء بالصحيحين من حديث الليث بن سعد عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لا يحل لمرأة مسلمـة تسافر مسيرة يوم إلا ومـعها ذو حرمة منها » . وفي رواية : « مسيرة يوم وليلة » . وفي رواية : « تسافر ثلاثاً » .
والذي عليه أهل العلم أن الـمـرأة لا تسافر فيما يسمى سفراً إلا مع ذي محرم، لما يــؤدي سفرها بدون محرم من الفساد والإفساد ، فقد جبلت الـمـرأة على الضعـف ، ضعف العقول ، وضعف الأبدان ، وضعف الرأي ، ولأن الـمـرأة سريعة الميلان سريعة التأثر ، ولما كانت المفسدة مترقبة بسفرها بدون محرم أو بخلوة الأجنبي فيها نهيت عن هذا نهياً عاماً حتى لو كان سفرها لطاعة كحج وعمرة ، حتى ولو كان سفرها عن طريق الطائرة ، كل هذا محرم ولا يجوز ، ومع هذا تجد بعض السفهاء يدع بناته يسافرن مع سائق وما شابهه وهذا دليل إلى عدم الغيرة ودليل على ضعف الإيمان ومثل هذه الأفعال توجب سخط الله وعقابه ومقته لهذا المرء فإن الـمـرأة أمانة في عنق صاحبها ووليها « كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته » .
فتأملـــوا هذا الحديـث ، يقـول الصحابي : [ إني اكتتبت في غزة كذا وكذا وإن امرأتي خرجت حاجة ] ومع هذا يقول له : « انطلق فحج مع امـرأتــك » منــع النبي صلى الله عليه وسلم حـج الـمـرأة مع النساء . ومَـنْ النسـاء ؟ ، نساء الصحابة ، طاهرات مطهرات ، عفيفات متعففات ، ومَـنْ الرجال ؟ صحابة رسول الله ، ومـع هـذا لم يأذن النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة أن تحج معهم إلا مع زوجها أو وليها .
وفي هذا الحديث ردٌ على بعض الفقهاء الذي يجوزون حج الـمـرأة أو سفرها مع جملة من النساء ، والحديث صريح في منع سفر الـمـرأة بدون محرم مطلقاً ، والمرأة إذا لم تجد محرماً يسقط عنها الحج ولا يجب عليها ، فإذا كان الحج الذي هو فريضة من فرائض الإسلام وركن من أركان الدين يسقط عن الـمـرأة بدون محرم فكيف تسافر الـمـرأة مع سائق وما شابهه .
وفي الحديث دليل على جواز ترك الجهاد من أجل الحج ، لأن الحج آكد إذا كان لغرضٍ صحيح كان يكون محرماً للمرأة أو يكون الجهاد فرض كفاية ليس من فروض الأعيان ، فيقدم الحج الواجب على ذلك .
وفيه دليل على أن الحج على التراخي وليس على الفور ، لأن هذا الرجل اكتتب في غزوة كذا وكذا ، فلو كان الحج على الفور لأمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة كلهم أن يبادروا إلى الحج ، ولكن ليس معنى هذا أن الإنسان يهمل ويفرط ولا يحج ، وتتقدم به السنون وهـو غـير مريد للحج ، بل على الإنسان أن يتعجل بالحج لأنه لا يدري ماذا يعرض له .
والشاهد من سياق الحديث لكتاب الحج أن الـمـرأة لا يجب عليها الحج إلا مع ذي محرم ، وإذا لم تجد محرماً سقط عنها الحج .
673- وعنـه أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول : لبيك عن شبرمة ، قـال : « من شبرمة ؟ » قال : أخ لي ، أو قريــب لي ، فقال : «حججـت عن نفسك ؟ » ، قـال : لا ، قـال : « حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة » .
رواه أحـمد وأبو داود وابن ماجه وصححه ابن خزيمة وابن حبان وكلهم رووه من طريق عبدة بن سليمان عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن عزرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس .
ورواه ابن بشر ومحمد بن عبد الله الأنصاري وأبو يوسف ، كلهم عن سعيد بن أبي عروبة بنحوه واسقط بعضهم عزرة .
ولكن رواه الإمام غندر وحسن بن صالح كما عند الدارقطني عن سعيد بن أبي عروبة به موقوفاً ، ورجح وقفه الإمامان أحـمد بن حنبل والإمام الطحاوي، واختار هذا الإمام ابن المنذر رحـمه الله .
وقد روى أبو بكر بن أبي شيبة في المصنف من طريق عبد الوهاب الثقفي عن ايوب عن أبي قلابة عن ابن عباس به موقوفاً ، وهذا إسنادٌ صحيح وهو يـؤيد وقف الخبر على ابن عباس وهو الأقرب إلى الصواب .

قوله : [ لبيك عن شبرمة ] :
فيه مشروعية الجهر بالتلبية ، والأحاديث في هذا متكاثرة وهذا هو المشروع.
وقوله : [ عن شبرمة ] : فيه دليل على تسمية المحجوج أو المعتمر عنه .
وقوله : « من شبرمة ؟ » :
فيه الاستفصال مقام الاحتمال لأنه ربما يكون الملبي جاهلاً يقول : لبيك عن شبـرمة ويقصد بذلك نفسه ، ففي هذا الاستفصال مقام الاحتمال .
قوله : [ أخ لي ، أو قريب لي ] :
هذا شك من الراوي .
قوله: « حججت عن نفسك ؟ » :
فيه جواز الحج عن الغير سواء كان حياً أو ميتاً إذا حج المرء عن نفسه وإلا لم يكن للاستفصال معنى ، ولكن لا يخفى أن الراجح في هذا الخبر وقفه وان هذامن قول الحبر عبد الله بن عباس رضي الله عنهما .
قوله : « حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة » :
احتج بهذا جماهير العلماء على أنه لا يجوز الحج عن الغير إذا لم يحج المرء عن نفسه ، فالواجب أن يبدأ المرء بنفسه ثم يحج عن غيره .
وفيه دليل على مشروعية الإنكار بالحال .
674- وعنـــه رضي الله عنـــه قال : خطبنا رسول الله فقال : « إن الله كـتب الحج » ، فقام الأقرع بن حابـس فقـال : أفي كل عام يا رسول الله ؟ قال : « لو قلتها لوجبت ، الحج مرة ، فما زاد فهـو تطوع » .
هذا الخبر رواه الخمسة غير الترمذي من طريق سفيان بن الحسين عن الزهري عن أبي سنان عن ابن عباس رضي الله عنهما .
وسفيان بن الحسين سيء الحفظ في الزهري .
ولـكن جـاء الـخبر في صحيح مـسلـم مـن طـريـق يـزيد بن هارون عن الربيع بن مسلم القرشي عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال : خطبنا رسول الله فقال : « يا أيهـا الـناس ، قد فرض الله عليكم الحج فحجوا » ، فقال رجل : أكل عام يا رسول الله ؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « لو قلت نعم لوجبت ، ولما استطعتم » .
قوله : « إن الله كتب عليكم » :
( كتب ) هنا : بمعنى فرض كما قال الله تعالى : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ } ، أي فرض عليكم الصيام .
قوله : « فحجوا » :
هذه اللفظة مجملة يحتمل أن يكون معناها فحجوا متعجلين فلا تدرون ماذا يعرض لكم ، ويحتمل أن معناها فحجوا فإن الحج واجب ، فلا يكون حينئذٍ باللفظة دليل على وجوب التعجل ، إنما المراد بيان إيجاب الحج .
قوله : [ فقام الأقرع بن حابس ] :
وعند مسلم : " فقال رجل " ، ولفظ حديث الباب يوضح أن هذا الرجل هو الأقرع بن حابس .
قوله : [ أفي كل عام يا رسول الله ؟ ] :
أي هل الحج في كل سنة ؟ للأمر به في قوله : « فحجوا » ولكن بين النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يجب في العمر إلا مرة واحدة وهذا من يسر الشريعة وسماحتها إذ لو كان الـحج كـل عـام لـشق عـلى العبـاد ولما استطاعـوا ذلك بلـفظ رسول الله : « لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم » .
وفي الحديث دليل على أن السنة الأصـل الـثاني من أصول التشريع إذ يقول الرسول : « لو قلت نعم لوجبت » دليل على أنه مشرع وأهل العلم مجمعون بأن السنة هي الأصل الثاني من أصول التشريع ومن قال أنه لا يقبل إلا القرآن دون السنة فقد نقل السيوطي الإجماع على ردته وكفره .





باب المواقيت

أي باب مواقيت الحج المكانية ، ومواقيت الحج نوعان : -
زمـانيـة : وهي شوال ، وذو القعدة ، وعشرٌ من ذي الحجة .
ومكانية : وهي المذكورة بخبر ابن عباس .
ومواقيت الحج ابتداءً توقيفية ، وما كان على حذوها أمرُ اجتهادي لقول عمر رضي الله عنه : " انظروا حذوها فأحرموا منه " . رواه البخاري في صحيحه .
وقد وقتَّ النبـي صلى الله عليه وسلم هذه المواقيت لمن أراد أن يحج أو يعتمر فلا يتجاوزها إلا بالإحرام ، وقد قيل : إن الحكمة من هذه المواقيت تعظيم البيت وتشريفه وتكريمه ، فلا يدخله مريد للحج أو العمرة إلا بالإحرام ، وهذه المواقيت متفاوتة في البعد أو القرب من مكة ، وكلما عظمت مشقة المرء كلما عظم ثوابه وأجره ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسـلم لعـائشة : « إنما أجرك على قدر نصبك » . رواه البخاري في صحيحه .
وأبعد هذه المواقيت عن مكة ميقات ( ذي الحليفة ) ويسمى " أبيار علي ".
ثم يليه في البعد ( الجحفة ) والناس اليوم يحرمون من رابغ ، ورابغ محاذية للجحفة وإلا فبين الميقاتين بعدٌ غير قليل .
ثم يليه في البعد ( يلملم ) وهو ميقات أهـل اليـمـن ، ويـسمى في زماننا هذا بـ " طريق الساحل " .
وأقرب المواقيـت إلى مكـة ( قرن المنازل ) ويسمى " بالسيل الكبير " .

675- عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم وقتَّ لأهل المدينة ذا الحليفة ، ولأهل الشام الجحفة ، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم ، هن لهن ولمن أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج أو العمرة ، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ ، حتى أهل مكة من مكة. متفق عليه .
قال البخاري رحمه الله : حدثنا موسى بن إسماعيل قال : أخبرنا وهيب عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما .
وقال مسلم رحمه الله : حدثنا يحيى بن يحيى قال : حدثنا حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن طاووس بن كيسان عن ابن عباس رضي الله عنهما . قوله [ أن النبي صلى الله عليه وسلم : وقت لأهل المدينة ] .
ومعنى ( وقــتَّ ) هنا : أي حـدَّ لهم ميقاتاً يحرمون منه ولا يتجاوزونه ، فمن تجاوزه مريداً للحج أو للعمرة غير محرم وجب عليه الرجوع والإحرام منه فإن لم يرجع باء بالإثم لمخالفته لما فرضه رسول الله.
وهل يجوز الإحرام قبل الميقات ؟ : في ذلك خلاف بين أهل العلم رحمهم الله ، والأصح في هذا إن الإحرام قبل الميقات غير مشروع ومخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم وبهذا قال الإمام مالك وأحمد رضي الله عنهما .
وذهب بعض أهل العلم إلى جواز الإحرام قبل الميقات ، ويجوز له أن يحرم من بيته ، وإنما أسقط رسول الله هذا خوف المشقة على أمته ، فمن تحمل المشقة وكابد الصعاب فلا يمنع من هذا ، وهذا قول طائفة من الفقهاء ، وهو مذهب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، والقول الأول أصح . إذ لو كان الأمر على ما ذكر لفعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا ولو مرة واحدة .
قوله : [ لأهل المدينة ذا الحليفة ] :
فلا يجوز لهم مجاوزته قاصدين للحج أو العمرة إلا بإحرام .
وهل يجوز لهم مجاوزته للإحرام من الجحفة أو من يلملم أو من قرن المنازل؟
منع هذا الإمامان أحمد بن حنبل والشافعي رحمهما الله ، ويجوز هذا الإمامان أبو حنيفة ومالك عليهما رحمة الله . والقول بالجواز قول قوي ، لأن القصد عدم مجاوزة هذه المواقيت إلا بإحرام ، فإذا مر المدني بميقات الجحفة وأحرم منه تم المطلوب ، أو جاوزه ليحرم من قرن المنازل وقع المقصود ولأنه حين مروره بميقاته لم ينو حينئذٍ الإحرام وإنما أنسأ نيته إلى الميقات الذي يريد أن يحرم منه ، والمحظور هو أن ينوي الإحرام حين المرور بأحد المواقيت فلا يحرم ، وأما مجرد قصد العمرة فهذا ليس كافياً ، لأن القصد موجود منذ الخروج من البيت .
قوله : [ ولأهل الشام الجحـفـة ] :
أي وبـمن مر بهذا الميقات ، والقادم عبر الطائرات يحرم حين محاذاة أحد هذه المواقيت ، فإذا لم يحرم حتى بلغ مدينة جدة وجب عليه حينئذٍ الرجوع إلى أقرب المواقيت ليحرم منها لأن جدة ليست ميقاتاً .
قوله : [ ولأهل اليمن يلملم ] :
أي ولمن مر بهم من أهل هذه البلاد وما جاورها .
قوله : [ ولأهل نجد قرن المنازل ] :
المراد بنجد هنا نجد اليمامة وهي المعروفة الآن بنجد جغرافياً ويطلق على العراق نجد ، ولكن الأولى إذا أريد هذا أن يقيد فيقال نجد العراق ، والعرب تطلق لفظ نجد على الشيء المرتفع فقد وقت النبي صلى الله عليه وسلم لأهل نجد وما كان على سمتها قرن المنازل لئلا يشق عليهم بأمرهم من الميقات من يلملم أو من ذي الحليفة .
قوله : [ ممن يريد الحج والعمرة ] :
في هذا دليل على القول الصحيح الراجح عند أهل العلم أنه يجوز دخول مكة بدون إحرام لمن لم يقصد الحج ولا العمرة ، وقد قال بعض الفقهاء : لا يجوز دخول مكـــة ولا مجاوزة المواقيت إلا بإحرام ، وهذا القول يحتاج إلى دليل وليس ثم دليل هنا ، بل حديث الـباب يـرد هذا القول ، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: « هن لهـنَّ ولمن أتى عليهـنَّ من غيرهنَّ ممن أراد الحج والعمرة » ، فمفهومه أن الذي لا يريد الحج ولا العمرة لا يجب عليه الإحرام من هذه المواقيت.



676 - جاء عند أبي داود والـنسائي وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم : "وقت لأهل العراق ذات عرق " .
وهذا الخبر غير محفوظ فقد قال أبو داود في سننه : حدثنا هشام بن بهرام قال: أخبرنا المعافى بن عمران عن أفلح بن حميد عن القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله عنها به .
وقد أنكر الإمام أحمد هذا الخبر وجعله من منكرات أفلح بن حميد ، وأما الإمام مسلم رحمه الله فقد أعل هذا الحديث في كتابه التمييز ، وقال : روى هذا الحديث المعافى بن عمران وعنه هشام بن بهرام ، وهو شيخ من الشيوخ لا يقر بما تفرد به من الأحاديث ، ثم اعلم أن تفرد الصدوق الذي لم يشتهر بالضبط والحفظ بأصل من أصول المسائل علة في الحديث كما أشار إلى هذا أئمة الجرح والتعديل المتطلعون بمعرفة هذا الفن ، فلذلك أعل الإمام مسلم هذا الخبر بأنه لم يرو عن طريق الحفاظ الكبار ، مع حاجة الأمة إلى هذا الحديث ، وأيضاً لو كان هذا الخبر محفوظاً لما احتاج عمر إلى التوقيت لأهل العراق ، فإن قال قائل : هذا من موافقات عمر ، نقول : يردُّ هذا أن عمر رضي الله عنه حين وقت لهم ما قال أحد من الصحابة قد سبقك إلى هذا النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا ذكر أن أحداً نبه عمر إلى هذه القضية ، فقد قال الإمام ابن خزيمة رحمه الله : لا يصح بتوقيت النبي صلى الله عليه وسلم لأهل العراق حديث .
وقول المؤلف وأصله عند مسلم جاء هذا من طريق ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهـما ولـكـن وقع في هـذا الحديث الشك هل رفع الحـديث إلى النبي صلى الله عـليه وسـلـم أم وقـفـه ؟ .
والمحفوظ ما رواه البخاري في صحيحه من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما : أن عمر حـدَّ لأهل العراق ذات عرق .
وفي هذا دليل على جواز الإحرام بمحاذاة أحد هذه المواقيت التي وقَّــتَـها النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا يلزم حينئذٍ الإحرام من هذه بعينها ، إنما المحظور أن يتجاوزها بدون إحرام ، أما لو أحرم مما حاذاها فلا مانع حينئذٍ .

677- وقد جاء أيضاً عند الإمام أحمد وأبي داود والترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم : " وقت لأهل المشرق العقيق " .
( والعقيق ) : يبعد من ذات عرق نحواً من عشرين كيلوا متراً ، وهذا الخبر جاء من طريق يزيـد بن أبي زياد عن محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب عن ابن عباس به .
وقد أعله الإمام مسلم في كتاب ( التمييـز ) وقال : يزيد بن أبي زياد ترك حديثه الناس ، ومحمـد بن علي لم يسـمع من ابن عباس ولا هو رآه .
إذاً الحديث معلول بعلتين : ضعف يزيد بن أبي زياد ، والانقطـاع .
فالمحفوظ إذاً عن النبي صلى الله عليه وسلـم أربعة مواقيت ، وما عداها أمور اجتهادية ، فلم يوقت النبي صلى الله عليه وسلم إلا : ( ذا الحليفة ، والجحفة ، وقرن المنازل ، ويَـلَـمْـلَـم ).


باب وجوه الإحرام وصفته

قوله : [ وجوه ] :
جمع وجه ، والمراد بهذا أنواع الإحرام ، وصفته ، أي كيفيته .

678- عن عائشة رضي الله عنها قالت : " خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع ، فمنا من أهل بعمرة ، ومنا من أهل بحج وعمرة ، ومنا من أهل بحج ، وأهل رسول الله بالحج ، فأما من أهل بعمرة فحل عند قدومه، وأما من أهل بحج ، أو جمع بين الحج والعمرة فلم يحلوا حتى كان يوم النحر " . متفق عليه .
قال الإمام البخاري رحمه الله : حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها به .
وقال مسلم رحمه الله : حدثنا يحيى بن يحيى قال قرأت على مالك عن أبي الأسود به . قولها [خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم] أي يوم السبت لخمسٍ بقين من ذي القعدة .
قولها : [ عام حجة الوداع ] :
سميـت بهــذا الاسـم لأن النبي صلى الله عليـه وسلم ودع بها الناس ، وقال: « لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا » ، ولفظ الوداع مأخوذة من التوديع وهذه أول حجة للرسول وآخرها .
وما ذكر عند الترمذي وغيره من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم حج حجتين قبل حجة الوداع فهذا غلط ، والخبر منكر ، فقد أنكره الإمام البخاري والترمذي وغيرهما من الحفاظ .
قولها : [ فمنا من أهل بعمرة ] :
هؤلاء هم المتمتعون ، فإن المتمتع يهل من الميقات بالعمرة ، فإذا فرغ منها حلَّ وجوباً ثم أهل بالحج يوم التروية .
قولها : [ ومنا من أهل بحج وعمرة ] :
وهؤلاء هم القارنون ، فيطوفون بالبيت حين يقدمون ، ويسعون بين الصفا والمروة ولا يحلون إلا يوم النحر حين ينحرون هديهم إلا انه لا بد مع القِـران من سوق الهدي ، أما مع عدم سَـوق الهدي فالتمتع أفضل ، وقيل : بل واجب في هذه الحالة كما هو قول الحبر عبد الله بن عباس ، ورواية عن أحمد اختارها ابن القيم رحمه الله لبضعة عشر دليلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم .
قولها : [ ومنا من أهل بحج ] :
وهؤلاء هم المفردون ، وطواف القدوم بحقهم سنة ، ولا هدي عليهم ، لأن الله جل وعلا لم يذكر الهدي إلا على المتمتع والقارن ، فقال تعالى : { فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ } . والمراد بقوله تعالى : { فَمَنْ تَمَتَّع َ} التمتع المعروف ، ويدخل فيه التمتع الخاص وهو المعروف بالقران ، فإن الصحابة رضي الله عنهم يطلقون لفظ ( التمتع ) على القارن ، لأنه يدخل في مسماه من حيث العموم ، وإلا فالتمتع المعروف يختلف عن القِـران .
قولها : [ وأهـل رسول الله بالحج ] :
احتج بهذا القائلون بأن النبي صلى الله عليه وسلم حج مفرداً ، وفي هذا نظر، فلم يحج النبي صلى الله عليه وسلم مفرداً فقد تواترت الأخبار عن الصحابة الأخيـار أن النبي صلى الله عليه وسلم حج قارناً حتى قال الإمام أحمد : لا يشك في هذا ، وقد أطال الإمام العالم ابن القيم رحمـه الله الـقول : بأن النبي صلى الله عليـه وسلم حج قـارناً ، فلـيراجع ( زاد المعاد ـ الجزء الثاني ) .
وأما قول عائشة هنا : [ وأهل رسول الله بالحج ] : أي في أول الأمر ثم أدخل العمرة على الحج ، فصار قارناً ، مع أنه هنا فيه إشكال وذلك أن جبريل حين أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال له : " صلِ في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة ". فهذا صريح في القِـران في أول الأمر . والأثر رواه البخاري في صحيحه وهو أرجح من قول عائشة، وقد تواتر هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم وأنه حج قـارناً.
وقد جاء في الصحيحين من حديث حفصة قالت : قلت للنبي : ما بال الناس حلو ولم تحل أنت ؟ ، قال : « إني قلدتُ هديي ولبدت رأسي ، فلا أحل حتى أنحر هديي » فيه دليل على أن القارن لا يحل إلا بنحر الهدي، ولو تحلل بعد الرمي أجزأ .
وفيه دليل أيضاً على أن القارن لا يحل إحرامه بالطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة حين قدومه حتى ينحر هديه يوم النحر .
وفيه دليل على مشروعية تلبيد الرأس إما بعسل أو بصمغ أو غير ذلك .
قولها : [ فأما من أهل بعمرة ... الخ ] :
وهذه الصفة للقارن والمفرد فلا يحلان إلا يوم النحر .
وهذا الحديث أبان الأنساك الثلاثة ، ووضحت عائشة رضي الله عنها أن الصحابة رضي الله عنهم أهلوا بجميع هذه الأنساك ، وهذا في الحقيقة في مبدأ الأمر فلما كانوا في أثناء الطريق أشار النبي صلى الله عليه وسلم على من لم يسق الهدي أن يتمتع فلما طافوا بالبيت وسعوا بين الصفا والمروة أمر النبي صلى الله عليه وسلم أمراً جازما كل من لم يسق الهدي أن يحل حتى قال جابر والحديث في مسلم: يا رسول الله : أيذهب أحدنا إلى منى وذكره يقطر منياً ، قال : « نـعم » ، وقال الآخر يا رسول الله : أي الـحل ؟ ، قـال : « الحل كله » ، وقال آخر : ألعامنا هذا يا رسول الله ؟ قــال : « لا ، بل لأبد الأبد ، بل لأبد الأبد » . وهذه الأحاديث الصحاح كلها تبين أن التمتع لـمن لم يسق الهدي واجب ، كما هو قول جماعة من كبار الفقهاء والمحدثين ، قال به الحبر ابن عباس وطائفة من أصحابه واختار هذا القول ابن حزم وانتصر له ابن القيم رحـمه الله وقال : ونشهد الله أننا لو حججـنا وطفنا بالبيت وسعينا بين الصفا والمروة لوجب علينا الحل تفادياً من غضب الله تعالى .
وأما من ساق الهدي فيبقى على إحرامه والقران في حقه أفضل إذا ساق الهدي، فما كان الله ليختار لنبيه إلا الأكمل والأفضل ، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لحسن خلقه اراد أن يطيب قلوب الصحابة فقال : « لولا أني سقت الهدي لأحللت معكم » . كما قـال في حـق الأنصـار : « لو سلك الناس وادياً وشعباً لسلكت وادي الأنصار وشعبها » . والحديث في الصحيحين .

باب الإحرام وما يتعلق به

نية الدخول في النسك ركن من أركان الحج ، وأما لبس الإحرام فهذا واجب وليس ركناً ، وبعض العوام لا يفرق بين لبس الإحرام وبين نية الدخول في النسك والفرق بينهما أن نية الدخول في النسك ركن من أركان الحج فلو أن إنساناً لبس إحرامه ولم ينو الدخول في النسك لا حج له ، ولو أن امرءاً نوى الدخول في النسك ولم يلبس إحرامه صح حجه مع الإثم .
فمجرد نزع الثياب ولبس الإزار والرداء لا يكفي بل لا بد للعبد أن ينوي الدخول في النسك ، والمشروع أن يجهر بالإهلال ، أما ما يفعله كثير من الحجاج خصوصاً في زماننا هذا من قولهم : ( اللهم إني نويت نسك كذا وكذا فيسره لي وتقبله مني إنك أنت السميع العليم ) ، فهذا بدعة كما نص عليه الأئمة المحققون ، فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ولا صحابته الكرام ولا التابعون لـهم بإحسان يقولون لا في حج ولا غيره : اللهم إني نويت ، إنما كان النبي صلى الله عليه وسـلـم يقول عند الإهلال : « لبيك عمرة » أو « لبيك حجاً وعمرة » ، فالمشروع التلفظ بالنسك لا بالنية .
679- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : ما أهل رسول الله إلا من عند المسجد . متفق عليه .
قال الإمام البخاري رحـمه الله : حدثنا عبد الله بن مسلمة قال : أخبرنا مالك عن موسى بن عقبة عن سالم عن ابن عمر به .
وقال الإمام مسلم رحـمه الله : حدثنا يحيى بن يحيى قال : قرأت على مالك عن موسى بن عقبة به .
وقد جاء في الصحيحين أيضاً من طريق ابن جريج قال : أخبرني صالح بن كيسان عن نافع عن ابن عمر قال : أهل رسول الله حين استوت به راحلته .
وهذا الخبر لا ينافي الذي قبله فالجمع بينهما أن يقال : أهل رسول الله من عند المسجد حين استوت به راحلته ، وقد قال بعض أهل العلم : يهل من عند المسجد ، وقالت طائفة أخرى : يهل مستقبل القبلة حين تنبعث به راحلته ، ولا يلزم من هذا أن يكون عند المسجد ، وقالت طائفة أخرى يهل مستقبل القبلة حين تنبعث به راحلته، ولا يلزم من هذا أن يكون عند المسجد ، وقالت طائفة : يهل من البيداء .
وأصح هذه الأقوال : أن يهل عند المسجد ، حين تنبعث به راحلته مستقبل القبلة ، وأما الإهلال من البيداء فقد قال به أنس وغيره ، والحديث في الصحيحين ولكن أنكر هذا ابن عمر فقال : بيداؤكم التي تكذبون فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما أهل رسول الله إلا من عند المسجد . يعني مسجد ذي الحليفة . والحديث في الصحيحين .
ويمكن أن يقال عن حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل مرة أخرى فظن أنس أن هذا أول إهلال فقد حفظ ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل من عند المسجد ، وهذا هو الذي اختاره ابن كثير رحـمه الله في كتابه ( حجة الوداع ) وهو الذي تدل عليه أكثر الأخبار .
ثم أيضاً إن الاختلاف فيما روى من إهلال النبي صلى الله عليه وسلم على وجه المباح لا على وجه الإيجاب أو التحريم فمن أهل عند المسجد أو أهل حين تنبعث به راحلته أو أهل من البيداء كل هذا جائز بالاتفاق ، إنما الاختلاف هنا في الأكمل والأفضل كما ذكر ذلك الأئمة الحفاظ .
680- وعــن خلاد بن السائب عن أبيه رضي الله عنهما أن رسـول الله قال : « أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال ».
هذا الخبر رواه أحـمد وأهل السنن وابن حبان كلهم من طريق سفيان عن عبد الله بن أبي بكر عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن عن خلاد بن السائب عن أبيه به .
ورواه الإمام أحـمد وابن ماجه وابن حبان في صحيحه من طريق المطـلب بن عبد الله حنطب عن خلاد بن السائب عن زيد بن خـالد عن النبي صلى الله عليه وسلم به .
وصحح ابن حبان رحـمه الله كلا الطريقين ولكن أعل الترمذي رحـمه الله حديث خلاد عن زيد بن خالد ، ورجح أن المحفوظ خلاد بن السائب عن أبيه .
والحديث دليل علىمشروعية رفع الصوت عند الإهلال ، وقد تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة رضي الله عنهم أنهم يرفعون أصواتهم عند الإهلال ، ثم لا يزالون يلبون ويرفعون أصواتهم بالتلبية حتى تبح حلوقهم ، قال بكر ابن عبد الله المزني : كنت مع ابن عمر فلبى حتى أسمع ما بين الجبلين . رواه أبو بكر بن أبي شيبة وصححه الحافظ ابن حجر في فتح الباري .
وقد اختلف الفقهاء رحـمهم الله في حكم رفع الصوت بالإهلال فقال الأئمة الأربعة وجمهور العلماء سلفاً وخلفاً بأن رفع الصوت مستحب غير واجب ، وحملوا الأمر بالحديث على الندب ، وجعلوا القرينة الصارفة للأمر عن الإيجاب هي المشقة ، فإنه يشق على الحاج أو المعتمر أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال إلا إذا حمل الأمر على المرة الواحدة فحينئذٍ لا مشقة فيه ، وذهب الإمام ابن حزم رحـمه الله إلى وجوب رفع الصوت بالإهلال وقال بـ (المحلى) : ولو مرة واحدة ، وهذا مبني على قاعدة أصولية بأن الأمر يصدق فعله ولو بمرة واحدة ، وهذا صحيح ، فإذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بامر ولم يدل دليل على قصد التكرار فيصدق أداء الأمر بمرة واحدة ، فعند القائلين مثلاً بوجوب متابعة المؤذن لقوله : « إذا أذن المؤذن فقولوا مثلما يقول » . متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري ، صدق حينئذٍ أداء الأمر بمتابعة مؤذن واحد .
وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم حين قال للصحابة : « أيها الناس ، إن الله كتب عليكم الحج فحجوا » . رواه مسلم في صحيحه ، أراد النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر أن يؤدى مرة واحـدة إلا أن الأقـرع بن حـابس قـال : أفي كل عام يا رسول الله ؟ ، ظن أن الأمر للتكرار ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « لـو قلت : نعم لوجبت » ، فعلم من هـذا أن النبي صلى الله عليه وسلم حين أمر بالحج قصد المرة الواحدة ، وأن الأمر إذا فعل مرة تم المطلوب ما لم تدل قرينة ظاهرة على قصد التكرار .
قوله : [ أن يرفعوا أصواتهم ] :
هذا أمر وهذا هو حجـة ابن حزم بالإيجاب ، أما الجمهور فحملوا الصيغة على الندب ، والمراد بالإهلال بالحديث هو تعيين النسك بحيث يرفع صوته بـما أهل به.
حين أهل ابن عمر قال : لبيك عمرة ، رافعاً بها صوته ، ويصدق لفظ الإهلال على التلبية ، وهذا هو الذي فهمه غير واحد من الشراح .
وأما الـمـرأة فقد استحب لـها جمهور العلماء خفض صوتها إلا عند محارمها فلا مانع حينئذٍ أن ترفع الصوت ، وأما الإمام ابن حزم فيرى أن الـمـرأة ترفع صوتها بالتلبية كالرجل تماماً وقال في المحلى لم يدل دليل على التخصيص يعني بهذا لم يرد دليل بتخصيص رفع الصوت للرجل دون الـمـرأة ، ولكن ربما يقال : إن الدليل هو التعليل فإن صوت الـمـرأة فتنة ، فإذا رفعت الـمـرأة صوتها بالتلبية تطلعت إليها انظار الرجال وسببت فتنة لـهم ، وربما طمع بها الذي في قلبه مرض ، وأيضاً قوله في الحديث السابق : [ فأمرني أن آمر أصحابي ] ظاهر الأمر هنا أنه للرجال ، ولذلك جاء في الصحيحين : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « التسبيح للرجال والتصفيق للنساء » ، فمع كون التسبيح عبادة من أجـلِّ العبادات ندب النبي صلى الله عليه وسلم الـمرأة أن تصفق لأنها إذا سبحت فتنت الرجال ، والتلبية بمنزلة التسبيح فلا يحق للمرأة أن ترفع صوتها بالتلبية حتى نقل ابن المنذر رحـمه الله الإجماع على هذه القضية .

681- وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم تجرد لإهلاله واغتسل .
هذا الحديث رواه الإمام الترمذي رحـمه الله في جامعه من طريق عبد الله بن يعقوب المدني عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة عن زيد به.
وقال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب ، وقد تكلم بعض أهل العلم بهذا الخبر فقال عنه الإمام العقيلي بأنه ضعيف ، أعله بعض أهل الحديث بعبد الله بن يعقوب المدني ، وقد قال عنه الحافظ : مجهول الحال ، وقال الذهبي : لا أعـرفه ، وأعل أيضاً بسوء حفظ ابن أبي الزناد .
ولكن جاء في الباب قول ابن عمر رضي الله عنهما : من السنة أن يغتسل عند إحرامه وعند دخوله مكة . رواه الحاكم وإسناده صحيح فقد صححه الحافظ ابن حجر وغيره من أهل العلم .
وقول الصحابي : ( من السنة ) يعني بذلك سنة رسول الله ، قال العراقي في ألفيته :
قول الصحابي مـن السنـة أو نــحو أمرنا حكمه الرفع
ولـو بعد النـبـي قاله بأعـصُـرٍ على الصحيح وهـو قـول الأكثر
وهذا الأثر يدل على استحباب الغسل عند الإحرام ، وبه قال جماهير العلماء ، إلا أن ابن حزم رحـمه الله أوجبه في حق النفساء خاصة لما جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله قال : خرجنا مع رسول الله للحج .... الحديث وفيه : ( ... فولدت اسماء بنت عميس ـ وزوجها أبو بكر الصديق رضي الله عنه ـ فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تغتسل ) . وحمل ابن حزم الأمر هنا على الإيجاب مع العلم أن الغسل هنا لا ينفعها، فغير الحائض إذاً بالإيجاب أولى ، ولكن ابن حزم رحـمه الله أوجب الغسل على النفساء ولم يوجبه على غيرها ، وفي هذا نظر ، والحق في هذه القضية ما ذهب إليه الجمهور ، فليس هناك دليل صحيح صريح يدل على وجوب الغسل عند الإحرام غاية ما في ذلك الاستحباب ، والمرأة في هذا كالرجل ، فإن النساء شقائق الرجال إلا ما خصه الدليل وإن تعذر الغسل فما أقل من الوضوء فإن كان الوقت بارداً وتعذر الأمر معاً استحب التيمم عند جماعة من فقهاء الحنابلة . وفي هذا نظر. والحق عدم مشروعيته لأن المراد من الغسل هو التنظف ، والتراب يطهر ولا ينظف، والمراد هنا التنظيف لا التطهر .
ويستحب أيضاً الاغتسال عند دخول مكة كما يستحب الاغتسال عند الإحرام، وهذه السنة مهجورة مع أن ابن المنذر رحـمه الله نقل الإجماع على سنيتها وذلك لما روى البخاري في صحيحه من طريق أيوب عن نافع قال : كان ابن عمر إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية وبات في ذي طوى فإذا أصبح اغتسل وقال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل هذا .
وهذا الاغتسال مسنون للـقادم من ميقات ذي الحليفة ، والقادم من المواقيت الأخرى ، وهذا كله باتفاق أهل العلم رحـمهم الله .

682- وعــن ابن عمر رضي الله عنهما : أن رسول الله سُئل : ما يلبس المحرم من الثياب ؟ قال : « لا يلبس القميص ، ولا العمائم ، ولا السراويلات ، ولا البرانس ، ولا الخفاف ، إلا أحد لا يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين ، ولا تلبسوا شيئاً من الثياب مسهُ الزعفران ولا الورس » . متفق عليه .
قال البخاري رحـمه الله : حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر .
قال مسلم رحـمه الله : حدثنا يحيى بن يحيى قال : قرأت على مالك عن نافع به .
قوله : [ سُئل رســول الله : ما يلبس المحرم من الثياب ؟ قال : « لا يلبس ... الخ » ] :
هذا من جوامع الكلم الذي أوتي نبينا حيث سئل عما يلبس المحرم فلم يقل : يلبس كذا وكذا ، لأن الذي يلبس كثير وكثير ، ولا يمكن حصره ، فأجاب النبي صلى الله عليه وسلم بأن المحرم لا يلبس كذا ولا كذا ، فكان الجواب محصوراً مقيداً جامعاً لأن الأشياء التي لا يلبسها المحرم محصورة عند أهل العلم رحـمهم الله تعالى أخذاً بحديث الباب .
قوله : « لا يلبس القميص » :
النفي هنا بمعنى النهي ، والنهي للتحريم ، فيحرم على المحرم أن يلبس قميصه أو سراويلات ـ جمع سروالة عند بعض أهل اللغة ـ وقال آخرون : سراويلات ليس لـها مفرد ، وهو اسم أعجمي معرب .
قوله : « ولا العمائم » :
يلحق بذلك كل شيء من شماغ وطاقية ونحو ذلك ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم حين نهى المحرم من لبس العمامة لا لأنها عمامة ولكن لأنها تلاصق الرأس ، ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ( البرانس ) ـ جمع برنس ـ وهي ثياب رؤوسها منها وهو شبيه بلبس أهل المغرب ، يلبسون ثوباً ويلحق به شيء يوضع على الرأس شبيه بـما يسمى ( الطربوش ) ، إلا أنه يلاصق الثوب .
فنستفيد من هذا نهي المحرم عن كل لباس يلاصق الرأس ، ونستفيد من هذا نهي المحرم عن المخيط المقصود لعضو معين ، كشراب قدمين مثلاً أو قفازين ، وأما حزم المحرم متاعه فوق ظهره أو رأسه فهذا لا مانع منه ، لأن هذا أولاً لا يسمى لُبساً ، وثانياً هو لا يقصد بذاته ، إنما يقصد لغيره ، وأما وضع المضلة عن الشمس فهذه لا مانع منها ما لم تكن ملاصقة للرأس لأن النبي صلى الله عليه وسلم حين أتى نـمـرة وجد قبة قد ضربت له . والحديث في مسلم من حديث جابر ، فدل مثل هذا أنه ليس به بأس ولا يمنع منه .
قوله : « ولا الخفاف » :
وهي التي تغطي القدمين ويلحق بذلك الشراب ، وهذا الحكم خاص بالرجال دون النساء ، وقد اتفق العلماء رحـمهم الله علىأنه لا مانع من كون الـمـرأة تلبس شراب قدمين في الإحرام ، إنما تمنع عن لبس القفازين ، والحكمة في هذا تعبدية.
قوله : « إلا أحد لا يجد نـعلين فـليلبس الـخفين وليقطـعـهما أسـفـل من الكعبين » :
وهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة ثم إنه خطب الناس في عرفات فقال: « من لم يجد نعلين فليلبس خفين، ومن لم يجد إزاراً فليلبس سراويل» ، فلم يقل : فليقطع النعلين أو فليفتق السراويل ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز .
وأفاد هذا أن حديث ابن عمر منسوخ ، لأن هـذا المقام مقام تعليم ، والناس متوافرون ، ولو قصد النبي صلى الله عليه وسلم تقييد هذا الخبر بحديث ابن عمر لبينه ووضحه ، وهذا مذهب الإمام أحـمد رحـمه الله واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحـمه الله . وذهب الجمهور إلىانه من لم يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما حتى يكون أسفل من الكعبين، وقد أخذوا بحديث ابن عمر وقالوا عن حديث ابن عباس : إنه عام فيقيد بحديث ابن عمر حتى قال بعض الفقهاء المتأخرين بأن الإمام أحـمد خالف الدليل في هذه القضية لأنه ما حمل المطلق على المقيد ، وفي هذا نظر . فإن الإمام أحـمد رحـمه الله قد أصاب السنة هنا ، فإن حديث ابن عمر قاله في المدينة ولعله لم يسمعه منه إلا اثنان أو ثلاثة ، ولو تسامحنا وقلنا سمعه عشرة فحديث ابن عباس سمعه الآلاف ، فلو قصد النبي صلى الله عليه وسلم تقييد حديث ابن عباس بحديث ابن عمر لبين هذا ، فإنه يسمع كلامه حينئذٍ من لم يسمع كلامه من قبل ، وكيف يلزم الناس بحمل المطلق على المقيد وهم لا يعرفون الحديث الأول ولم يسمعوا به أصلاً ، فما ذهب إليه الإمام أحـمد رحـمه الله هو الأقرب إلى الدليل وهو الأتبع للسنة .
فكذلك عند فقد الإزار لا مانع من لبس السراويل ، وما قاله بعض الفقهاء بأنه يفتقه لا أصل له ، وقال أيضاً بعض الفقهاء الأحناف: يلبس السراويل مع لزوم الدم . وهذا أيضاً لا دليل عليه إذ لو كان عليه دم لقال رسول الله e مع الدم ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز .
قوله : « ولا تـلبسوا شيئاً مـن الثياب مسه الـزعـفران ولا الورس » :
( الوَرْس ) : بفتح الواو وسكون الراء ، نبت أصفر طيب الرائحة ، قال ابن العربي في (عارضة الأحوذي) : وليس هو بطيب وإنما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم لأنه طيب الرائحة ولينبه به على منع سائر أنواع الطيب ، وهذا أيضاً من جوامع كلمه حيث نبه بالأدنى على الأعلى .
وفيه دليل على نهي المحرم عن الطيب وأنه محظور من محظورات الإحرام فمن تطيب بعد عقد النية وجب عليه غسله أو استبدال الإحرام إن كان الطيب وقع بالإزار أو الرداء ، فإن وقع الطيب بالجسد قبل عقد النية فهذا مشروع ومستحب يدل عليه ما ذكره المؤلف في الباب .

683- وعن عائشة رضي الله عنها قالت : كنت أطيب رسول الله لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت . متفق عليه .
قال البخاري رحمه الله : حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة .
قال الإمام مسلم رحـمه الله : حدثنا يحيى بن يحيى قال : قرأت على مالك فذكره .
والحديث يدل على مشروعية الطيب عند الإحرام قبل عقد النية ، وهذا عام للذكر والأنثى ، إلا أن طيب الـمـرأة ما ظهر لونه وخفيت رائحته ، ثم لا يضر بعد هذا استدامة الطيب بعد عقد النية حتى ولوا سال على الملابس ، فقد جاء عند أبي داود بسند قوي عن عائشة رضي الله عنها قالت : كنا نضمخ جباهنا بالمسك المطيب ، فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها فيرانا النبي صلى الله عليه وسلم ولا ينهانا .
وفي الصحيحين ايضاً عن عائشة قالت : كنت أرى الطيب في مفرق رسول الله .
إنما المحظور أن يطيب الحاج أو المعتمر إحرامه . ويعبر بالإحرام هنا عن الإزار أو الرداء فمن فعل ذلك وجب عليه غسله ، سواء قبل عقد النية أو بعدها، أما إذا طيب جسده ثم سال من الجسد على الإحرام فهذا معفوٌ عنه .
قولها : [ ولحله قبل أن يطوف بالبيت ] :
والتحلل يحصل برمي جمرة العقبة كما هو قول جماهير العلماء ، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة ووجه عن أحـمد اختاره صاحب المغني .
واما القارن فالأفضل في حقه ألا يحل حتى ينحر الهدي ، لما جاء في الصحيحين عن حفصة قالت : قلت للنبي : ما بال الناس حلو ولم تحل ؟ قال: « إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحره » .
والحـديـث دليل أيضاً على استحـبــاب الطيب قبل الطواف بالبيت ، والطواف هنا طواف الإفاضـة . وفيه دليل على مشروعية الطيب عند الذهاب إلى المساجد والبقاع المشرفــة فقد قال تعـالى : { يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ } فيستحب للمسلم أخذ الزينة عند الذهاب إلى المساجد من لبس الملابس النظيفة والتطيب من الطيب الجيد .
وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه أن رسول الله قال : « لا ينكح المحرم ، ولا يُـنـكـحُ ، ولا يخطب » .
رواه الإمام مسلم رحـمه الله فقال : حدثنا يحيى بن يحيى قال : أخبرنا مالك عن نافع عن نبيه بن وهب عن أبان عن عثمان رضي الله عنه به .
ورواه أحـمد والترمذي والنسائي وابن ماجه وصححه ابن حبان وأعرض عنه الإمام البخاري رحمه الله وخرج في صحيحه من طريق الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس قال : تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو محرم .
ورواه مسلم في صحيحه من طريق الأوزاعي به .
وقد استشكل بعض أهل العلم خبر ابن عباس فقالت طائفة وقع فيه غلط ووهم والوهم من ابن عباس لأنه قد جاء في صحيح الإمام مسلم عن ميمونة نفسها أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها حلالاً ، وصاحب القصة أولى من غيره خصوصاً أن ابن عباس كان إذ ذاك صغيراً، وهذا قول سيد التابعين سعيد بن المسيب رحـمه الله ، وبقوله قال طوائف من الفقهاء والمحدثين وقالوا : لا ينكح المحرم ولا يُنكح لخبر ميمونة في مسلم ، ولحديث الباب ، وقد جاء أيضاً في مسند الإمام أحـمد والترمذي في جامعه سند فيه مقال عن أبي رافع قال : كنت السفير بينهما ـ يعني بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وميمونة ، وقد بنا بها حلالاً .
وأصحاب هذا القول قالوا : من نكح أو أنكح حال الإحرام فنكاحه باطل وقد صح هذا عن علي بن أبي طالب وابن عمر رضي الله عنهما وهو مذهب الإمام أحـمد .
وذهب بعض أهل العلم إلى جواز نكاح المحرم محتجين بحديث ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم .
وأصحاب هذا القول لم يأخذوا بخبر عثمان ولا بخبر أبي رافع وقد تقدم أن خبر ابن عباس وقع فيه غلط ، لأن ميمونة نفسها رضي الله عنها تخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها حلالاً كما جاء هذا في صحيح مسلم .
ولذلك فالحق أن المحرم لا ينكح أي لنفسه ، ولا يُنكح أي لغيره ، ولا يخطب ، لأن الخطبة من مبادئ النكاح ويلحق بذلك كل ما كان بمعنى الخطبة ، ومن باب أولى أن ينهى عن المداعبة وما كان مثلها وقت الإحرام ، فلما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النكاح وعن الخطبة علم النهي عما كان في معناها فضلاً عمن هو أشد كالإنزال مثلاً فإنه وإن لم يرد فيه نص إلا أن عموم الأدلة خصوصاً خبر عثمان يدل على المنع ، حتى قال بعض الفقهاء بلزوم الكفارة لـمن وقع منه ذلك .
الذي يهمنا الآن أن نعرف أنه لا يجوز في الإحرام فإن قال قائل : ما الحكمـة مـن المنع ؟ فالجواب : أن هذا نوع من الترفه ، والمحرم منهي عن هذا ، والمشروع للمحرم أن يكون في إحرامه خاشعاً لله مجتنباً الدنيا وشهواتها وملذاتها فإنه بإحرامه أشبه ما يكون في يوم القيامة حين يخرج الناس من قبورهم حفاة عراة غرلاً .

684- وعن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه ـ في قصة صيده الحمار الوحشي وهو غير محـرم ـ قال : فقال رسول الله لأصحابه ـ وكانوا محرمين « هل منكم أحد أمرهُ أو أشار إليه بشيء ؟ » قالوا لا ، قال : « فكلوا ما بقي من لحمه » . هذا الخبر متفق عليه .
قال الإمام البخاري رحمه الله : حدثنا موسى بن إسماعيل قال : أخبرنا أبو عوانة عن عثمان بن موهب عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه به .
وقال الإمام مسلم رحـمه الله : حدثنا قتيبة بن سعيد قال : أخبرنا عبد العزيز بن رفيع عن عبد الله بن أبي قتادة به .
ورواه الإمام أحـمد رحـمه الله وأهل السنن ما عدا أبا داود ، وذكره ابن حبان في صحيحه .
وقد احتج بالحديث فقهاء الكوفة وطائفة من علماء السلف على حل صيد المحرم مطلقاً ، وفي هذا نظر ، فإن الحديث لا يدل على هذا ، إنما ظاهر الحديث أن من أعان على الصيد فلا يحل له الأكل ، ومن لم يُعن لا بإشارة ولا بغيرها ولم يصد الصيد لأجله فإنه حينئذٍ يأكل ولا مانع من هذا ، وبهذا قال جمهور العلماء ، فإن قال قائل : هل يجوز للمحرم أن يصيد ؟ ، فنقول : لا يجوز للمحرم أن يصيد ، لقوله تعالى : { لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } . وقال تعالى : { وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا } ، فالمحرم يحرم عليه الصيد ، ولا يسمى الشيء صيداً إلا إذا كان يؤكل ، وأما ما لا يؤكل فلا يسمى صيداً . وأما غير المحرم فيجوز له الصيد ما لم يدخل الحرم ، فإن دخل الحرم حرم عليه الصيد .
وأما صيد البحر فيجوز مطلقاً للمحرم وغيره ، كما دل على ذلك كتاب الله وسنة رسول الله فمن قتل الصيد متعمداً فعليه الإثم والجزاء لقوله تعالى : { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ } .
فإن جاء نظيره في أحكام رسول الله وجب إخراجه وإلا حكم في الصيد عدلان ممن يُرتضى علمهما ودينهـما لـقول الله تعالى : { يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ } .
وقد اختلف أهل العلم فيمن قتل الصيد جاهلاً أو ناسياً أو خطأ.
فقالت طائفة : لا شيء عليه لأن الله تعالى ذكر المتعمد وهذا قوي في الحكم ، فإذا كان المرء غير متعمد فالله يقول : { رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} وقد جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث ابن عباس قال الله تعالى : « قد فعلت » .
والقول الثاني في المسالة : أن عليه الجزاء ، سواء كان جاهلاً أو ناسياً أو عامداً واصحاب هذا القول قالوا : إن قوله تعالى : { مُتَعَمِّدًا ً } خرج مخرج الغالب ، وقالوا أيضاً : جاء القرآن بالعمد ، وجاءت السنة في حق الناسي والجاهل، فإن رسول الله جعل بالضبع كبشاً ولم يقل للعامد ، ولكن يجـاب عن هذا فيقال: هذا حديث عام ويقيد بالقرآن ، ولذلك الصحيح في هذه القضية أن الجزاء لا يصدق إلا على العامد الذي عمد إلى القتل ذاكراً لإحرامه ، وهو يعلم أن هذا الفعل محرم . ومن أقدم على الصيد متعمداً ، فإذا أقدم متعمداً لم يكن حجه ولا عمرته مبرورة ، لأن أصحاب الحج المبرور أو العمرة لا يرتكب محظوراً ولا يدع واجباً ، ثم إنه أيضاً قد ذهبت طائفة من العلماء إلى تحريم أكل لحم الصيد مطلقاً سواء أشير عليه أو لم يشر ، وسواء صيد من أجل المرء أم لا ، وقد احتج أصحاب هذا الـقـول بحديث الصعب الذي ذكره المؤلف :

685- وعن الصعب بن جثامة الليثي رضي الله عنه أنه أهدى لرسول الله حماراً وحشياً وهو بالأبواء ، أو بودان ، فرده عليه وقال : « إنَّـا لم نرده عليك إلا أنـا حُـرم » . هذا الخبر متفق على صحته .
قال الإمام البخاري رحمه الله : حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس عن الصعب بن جثامة به .
وقال الإمام مسلم رحـمه الله : حدثنا يحيى بن يحيى قـال : أخبرنا مالك عن الزهري به .
ورواه أيضاً الإمام أحـمد والترمذي والنسائي وغيرهم .

قوله : [ بالأبواء ، أو بودان ] :
قال الحافظ في ( فتح الباري ) : الذي يظهر لي أن الشك من ابن عباس .
وقوله : « إنَّـا لم نرده عليك إلا أنا حُـرُم » :
جاءت رواية في الصحيحين : فلما رأى ما في وجهه قال : « إنَّـا لم نرده عليك إلا أنا حُـرم » . وقوله : ( لم نرده ) : يجوز ضم الدال وفتحها ، وأصل هذا الفعل : لم نردده ، فأدغمت إحدى الدالين بالأخرى فجاز فيها الفتح والضم ، ولكلٌ وجهه من حيث اللغة .
وقوله: « إلا أنا حُـرم » :
جعل النبي صلى الله عليه وسلم منع قبول الهدية هو كونه حرماً فأفاد هذا أن المحرم لا يقبل الصيد مطلقاً ، فهذا دليل القائلين بمنع أكل الصيد مطلقاً كما هو مذهب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر وإسحاق والثوري وجماعة من الأئمة ، وقد تقدم عندنا أن مذهب الجمهور الجمع بين الخبرين ، فيحمل حديث الصعب على أن الصيد صيد من أجل النبي صلى الله عليه وسلم ، ويحمل حديث أبي قتادة على خلاف هذا وأنه إذا لم يشر أحد عليه ولم يصد لأجل المرء ، فحينئذ يأكل ولا يمتنع لأن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من صيد أبي قتادة . والجمع بين النـصـوص أولى مـن إلـغاء أحدهما ، فقد قال في المراقي :
والجمع واجب متى ما أمكنا وإلا فللأخير نسخٌ بَـيِّـنَـاَ
وهذا اختيـار الإمام ابن عـبد الـبر والإمام ابن القيم عليهما رحمة الله .
ويستفاد أيضاً من حديث الصعب مشروعية مراعاة الخواطر ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم حين رد عطية الصعب تغير وجه الصعب فبين النبي صلى الله عليه وسلم السبب في الامتناع كي يطيب خاطره فقال: « إنَّـا لم نرده عليك إلا أنا حرم ».
ويستفاد أيضاً جواز رد الهدية للسبب الشرعي ، كأن تعلم أن المهدي صاحب منَّـة أو أن المهدي يتحدث بها أو يعيّـرك بها ، أو تعلم أن المهدي يطلب ثوابها وليس عندك جزاء ، فحينئذ لا مانع من أن ترد الهدية ، ويجب رد الهدية إذا كانت مغـصـوبة أو مسروقة ، لأنك إن قبلتها أعنتـه على الإثم والعدوان والله تعالى يقول : { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } .

686 - وعن عائشـة رضي الله عنها قـالـت : قـال رسـول الله: « خمس من الدواب كلهن فواسق ، يقتلن في الحل والحرم : العقرب ، والحِدَأة ، والغـراب ، والـفأرة ، والكلب العقور » . متفق عليه .
قال البخاري رحمه الله : حدثنا يحيى بن سليمان قال : أخبرنا ابن وهب قال: أخبرنا يونس عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها .
وقال مسلم رحـمه الله : حدثنا ابن المثنى وابن بشار قال : حدثنا محمد بن جعفر قال : حدثنا شعبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن عائشة رضي الله عنها.
قول : « خمس » :
لا مفهوم لهذا العدد ، فقد جـاء بلـفظ اربع ، وجاء بلفظ ست ، وليس هذا للحصر ، ولكن نبه النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الخمس لأنهن أصل الفويسقات فيلحق بهن ما كان بمنزلتهن من الأذى ، فإن ما آذى طبعاً قتل شرعاً.
قوله: « يقـتـلن » :
هذا على الجواز ، وقال بعض أهل العلم : يحتمل أن يكون للندب أو الإيجاب، وفي هذا نظر ، والصحيح أنه على الجواز ما لم يقترن بالمسألة شيء يجعله للاستحباب أو للإيجاب .
قوله : « في الحل والحرم » :
هذا نفيٌ لما قد يتوهمه المرء من أن الإذن في الحل دون الحرم ، ولو كن هؤلاء صيداً لما جاز قتلهن في الحرم ، فإن الله يقول : { لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } ، وقد أجمع العلماء علىتحريم الصيد في الحرم ، فعلم أن هذه المذكورات ليست من الصيد ، وضابط الصيد ما يجوز أكله ، وأما ما يحرم أكله فليس بصيد ولكن لا يلزم من هذا جواز قتله مطلقاً ، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل النملة ، وهي ليست من الصيد ، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل الهدهد والضفدع وليسا بصيد .
قوله: « العقرب » :
ويُلحق بالعقرب جميع ذوات السموم ، فإنها بمنزلتها بالأذى وأشد كالعقربان والحية وما أشبه ذلك .
قوله: « والحِـدَأة » :
بكسر الحاء وفتح الدال : وهو طائر معروف يختطف الأموال الثمينة فيلحق، به كل طائر مؤذي .
قوله : « والغراب » :
أياً كان لونه عند جماهير العلماء ، وجاء في صحيح الإمام مسلم من حديث سعيد بن المسيب عن عائشة تقييد الغراب الأبقع وهو الذي في ظهره أو بطنه بياض، فحمل الإمام ابن خزيمة رحـمه الله المطلق على المقيد وقال : لا يقتل إلا الغراب الأبقع الذي في ظهره أو بطنه بياض ، أما الأسود البحت الذي لم يخالطه لونٌ آخر لا يُقتل . ولكن قال الإمام ابن قدامة رحـمه الله : الروايات المطلقة أصح، ولذلك أعل جماعة من أهل الحديث رواية ( الأبقع ) بالشذوذ ، ولذلك لم يخرجها البخاري رحمه الله في صحيحه ، إنما جاءت في بعض طرق حديث عائشة عند مسلم .
قوله : « الفأرة » :
وقد سماها النبي صلى الله عليه وسلم فويسقة لأذاها ، وكل مؤذي يصدق عليه هذا الاسم ، ويلحق بالفويسقة كل شيء بمنزلتها بالأذى كالوزغ وما شابهه .

قوله : « الكلب العقور » :
يلحق به جميع أنواع الحيوانات المفترسة كالأسد والفهد والنمر والذئب وما شابه ذلك ، وذهب بعض أهل العلم إلى الحصر فقالوا : لا يجوز قتل ما لم يذكر في الحديث ، وهذا مروي عن فقهاء الأحناف وأهل الظاهر ، وهذا اللائق بظاهريتهم ، ولكن جاء في بعض طرق الحديث الحية ، وهذا ينقض من حصر الأشياء التي لا تقتل في الحل والحرم بخمس . وأيضاً مَـنْ تأمل معاني الحديث والأسباب التي من أجلها أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل هذه الخمس تبين له إلحاق ما عداها بها ، فالمراد المعنى ليس اللفظ ، فمن المحال أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم اقتلوا الكلب العقور ثم يأتي أسد ولا يُقتل ، والنبي نبه بالأدنى وهو الكلب على الأعلى كالذئب وما هو أعلى من الذئب كالنمر وما هو أعلى من النمر كالأسد .

687- وعن ابن عباس رضي الله عنهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم . متفق عليه .
قال الإمام البخاري رحمه الله : حدثنا علي بن عبد الله قال : حدثنا سفيان عن عمرو عن عطاء عن ابن عباس .
وقال الإمام مسلم رحـمه الله : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا ابن عيينة عن عمرو عن عطاء وطاووس عن ابن عباس .
والحديث دليل على جواز الحجامة للمحرم ، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد ، ولكن قالوا : ما لم يقطع شعراً فإن قطع شعراً فدى . وجاء عن ابن عمر وهو مذهب مالك كراهية الحجامة للمحرم مطلقاً .
وذهب الحسن البصري إلى لزوم الفدية لـمن احتجم ولو لم يقطع شعراً ، والحق في هذه القضية القول بـمـا دل عليه الخبر من جواز الحجامة للمحرم سواء كانت الحجامة للحاجة أم لغير حاجة ، وأما ما جاء عند أبي داود من طريق يزيد بن زريع عن هشام بن حسان عن عكرمة عن ابن عباس قال : احتجم رسول الله وهو محرم في رأسه من داء كان به . فلا أظن أن هذه الرواية تثبت ، ومن لوازم الحجامة في الرأس قطع بعض الشعر ، ولم يذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فدى أو أمر بالفدية ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ، وهذه المسألة شبيهة بحك الرأس ، فالغالب أن الشعر مع الحك يتساقط ، كذلك غسل الرأس يحصل معه تساقط شعر ، وقد كان رسول الله يغتسل وهو محرم . والحديث في الصحيحين . وتقول عائشة رضي الله عنها : لو ربطت يداي لحككت رأسي برجلي . وما أحسن ما قاله الأعمش رحـمه الله حين سأله سائل عن مقدار حك الرأس فقال : حك حتى يخرج العظم . يريد بهذا رحـمه الله أن يبين أنه لا داعي للتنطع في التورع عن حك الرأس كما يفعل بعض الناس من ضربه كأنه يضرب مسماراً في خشبة ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : « هلك المتنطعون » . وأما حلق الرأس كله فإنه يوجب الفدية ، يدل عليه ما ذكره المؤلف في الباب :

688- وعن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال : حُـمـلـتُ إلى رسول الله والقُـمـلُ يتناثر على وجهي ، فقال : « ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى ، أتجد شاة ؟ » ، قلت : لا ، قال : « فصم ثلاثة أيام ، أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع » . هذا الخبر متفق عليه .
قال الإمام البخاري رحمه الله : حدثنا أبو نعيم قال : حدثنا سيف عن مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة .
قال الإمام مسلم رحـمه الله : حدثنا ابن نمير قال : أخبرني أبي عن سيف به .
والحديث دليل على أن من كان به أذى مــن رأسـه لقمـل أو نحوه فإنـه يحلـق شعـره ولا إثـم عليه ، لأنه حلق للعــــذر ، ولكــن عليه الفدية كما قال تعـــالى : { فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ } .
وقد جاءت السنة بتوضيح هذا الآية ، فقوله تعالى : { فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ } وضحت السنة الصيام وأنه ثلاثة أيام .
قوله تعالى : { أَوْ صَدَقَةٍ } :
وضحت السنة مقدار الصدقة وأنه طعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع .
قوله تعالى : { أو نسك } :
وضحت السنة أن النسك ( الشاة ) وما يجزئ أضحية ، وقد ذكر الحافظ في فتح الباري أن أكثر التابعين يجوزون وضع الفدية في أي مكان ، وذهب بعض الفقهاء إلى لزوم الفدية في مكة ولكنهم يخرجون عن ذلك الصيام ويقولون أنه لا يتعلق بالفقراء ، فيجوز حينئذٍ في كـل مكان ، والقول الأول هو ظاهر الحديث ، وبه قال الإمام مالك رحـمه الله ، فإن قولـه صلى الله عليه وسلم : « أنسك شاة » عام ولم يدل دليل علىتقييده بالحرم ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ، ولكن قال بعض الفقهاء : إن الفدية بمنزلة الهدي ، فعلى هذا القول يجب ذبح الفدية في الحرم وتوزيعها على فقراء أهله ، وقد ألحق جماهير العلماء ومنهم الأئمة الأربعة جميع محظورات الإحرام بحلق الرأس فأوجبوا الفدية على كل من عمل محظوراً . مع أن الحديث في المتعمد . هذه القضية الأولى . القضية الثانية : في حلق الرأس دون غيره . القضية الثالثة : أن الحديث جاء بالتخيير بين الإطعام والصيام والذبح بينما قال غير واحد من الفقهاء بلزوم الدم على كل من فعل محظوراً ، وهذا تضييق لما وسع الله ، فالله جل وعلا خير العباد فقال : { فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ } و ( أو ) هنا : للتخيـيـر .
689- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : لما فتح الله تعالى على رسول الله مكة قام رسول الله في الناس ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: « إن الله حبس عن مكة الفيل ، وسلــط عليها رسوله والمؤمنين ، وإنها لم تحل لأحد من قبلي ، وإنما حلت لي ساعة من نهار ، وإنها لن تحل لأحد بعدي ، فلا ينفر صيدها ولا يختلى شوكهــا ، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد ، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين » . فقال العباس : إلا الإذخر يا رسول الله فإنا نجعله في قبورنا وبُيوتنا ، فقال : « إلا الإذخر » . متفق عليه .
قال البخاري رحمه الله : حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين قال : حدثنا شيبان قال أخبرنا يحيى عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة به .
وقال مسلم رحـمه الله : حدثنا زهير بن حرب قال : حدثنا الوليد بن مسلم قال : حدثنا الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة به .
ورواه الإمام أحـمد وأهل السنن وابن الجارود في المنتقى كلهم من طريق يحيى بن أبي كثير به .
قـوله : [ لما فتح الله مكة ] :
وكان هذ الفتح في رمضان سنة ثمان من الهجرة .
قوله : [ قام رسول الله ] :
أي أن النبي صلى الله عليه وسلم قام بالناس خطيباً مبتدئاً بحمد الله والثناء عليه، وهذا هو المشروع في كل خطبه ، سواء كانت خطبة جمعة أو غيرها ، وروى أبو داود في سننه والترمذي في جامعه من طريق عاصم بـن كـليب عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء » .
وقد روى الإمام أحـمد والترمذي في جامعه من طريق أبي إسحاق السبيعي عن أبي عبيدة ابن عبد الله بن مسعود عن أبيه ، ومن طريق شعبة عن أبي إسحاق السبيعي عن أبي الأحوص وأبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود ، وكل الإسنادين صحيح ، قال : كان رسول الله يعلمنا خطبة الحاجة كما يعلمنا السورة من القرآن فيقول : « إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله » .
وإنْ حـمد الله جل وعلا في غير ما ذكر هنا صح هذا وأجزأ . المراد أن لا يُـخـلي خطبته من حـمد الله والثناء عليه ، فإن فعل أي أخلى خطبته من الحمد والبسملة معاً لم يتم مطلوبه وإن تم حساً لم يتم معنى ولا يبارك الله في ذلك .
قوله : « إن الله حبس عن مكة الفيل » :
أي منع عن مكة الفيل ومن أتى به وهم وفود الحبشة بقيادة أبرهة ، وذلك أن أبرهة حين رأى الناس يعظمون الكعبة ويحجون إليها ويعظمونها ولها وقع في قلوبهم وإن كانوا عبدة أوثان ، عزم حينئذٍ أن يبني كعبة في دياره ليحج الناس إليها عوضاً عن بيت الله الموجود في مكة فبنى كعبة ، فلما تم بناؤها أمر الناس أن يطوفوا بها ، فجاء أحد أصحاب الغيرة والأنفة فلطخها بالقاذورات ، فلما علم أبرهة بهذا عزم على هدم الكعبة ليذلل الناس ويرغمهم على الطواف بكعبته ، فحينئذ جهز جيوشه وجعل الفيلة في مقدمة ذلك فحبس الله تعالى الفيل وأرسل عليهم طيراً أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول .
قوله: « وسلط عليها رسوله والمؤمنين » :
أي جعل مكة منقادة لرسول الله وللمؤمنين حيث مَـنَّ الله عليهم بفتحها والتمكين من أهلها بعدما أخرجوا منها وتركوا ديارهم وأموالهم وأهاليهم .
قوله : « وإنها لم تحل لأحد كان قبلي » :
المراد بهذا : إن مكة لا يجوز فيها القتال ، وهذا أمر مجمع عليه ، فإن الله حرم القتال في مكة على جميع الأمم السابقة فلم تحل لأحد قبل النبي صلى الله عليه وسلم ولن تحل لأحد بعده ، وإنما أحلت للنبي صلى الله عليه وسلم ساعة من الـنهار ، والمراد بالساعة هنا اللحظة من الزمن .

وهل يجوز في مكة إقامة الحد على الجاني ؟ .
فيـه خـلاف بين الفقهاء رحـمهم الله : فذهب الإمام أحـمد وأبو حنيفة إلى المنع ، وعن أحـمد رواية وهي مذهب مالك والشافعي جواز إقامة الحدود في مكة، إنما المنهي عنه هو القتال لا إقامة الحدود ، وهذا القول أصح من القول الأول فليس هناك دليل عن النبي صلى الله عليه وسلم يمنع من إقامة الحدود في مكة ، وأيضاً إنما ينهى عن القتال فيهــا ابتداء ، أما إذا بغت الأعداء فلا بد حينئذٍ من الدفاع عن النفس ، فيجوز حينئذٍ قتال العدو وكف شره وأذاه ، فإن هذا الأمر أمر لا بد منه .
قوله : « فلا ينفر صيدها » :
وذلك لشرف مكة وعظمها عند الله وعند رسوله صلى الله عليه وسلم ، والمراد بتنفير الصيد إقامتــه للجلوس في مكانـــه ، ويشمل هذا تنفيره ليخرج عن الحرم ليصاد .
قوله : « لا يختلى شوكها » :
وفي رواية : « ولا يختلى خلاها » ، والمراد بالاختلى القطع .
الحديث يدل على تحريم قطع شجر مكة وشوكها ونحو ذلك ، ولكن قال جمهور العلماء : يستثنى من ذلك ما أنبته الآدميون ، كالأشجار فإنه يجوز قطعها، وقال الشافعي بالعموم ، وقول الجمهور أصح .
وهل على من قطع شيئاً جزاء ؟ . الجواب : لم يرد على هذا دليل عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد اجتهد بعض أهل العلم فأوجب جزاءً لمن قطع شيئاً كفارةً لفعله ، وقالت طائفة أخرى : يستغفر الله ويتوب إليه ، ولا كفارة عليه ، فإن الكفارات لا بد لها من دليل ولا يجوز فيها الاجتهاد ، أما التعزير فهذا أمر وارد ولكن الصحيح في التعزير أنه لا يكون إلا للحاكم ومن ينوب عنه .





وهل يجوز للمسلم أن يمكن بهائمه من الرعي ؟ .

جوز هذا جماعة من أهل العلم ، فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يمنع الرعي والأصل في هذا الجواز كما اختار هذا الشنقيطي رحمه الله في ( أضواء البيان ) .
قوله : « ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد » :
المراد بالمنشد : المعرف ، فلقطة مكة أعظم من لقطة غيرها ، فإن لقطة سائر البلاد تعرفها سنة بعدما تعرف عفاصها ووكاءها ، فإن جاء صاحبها وإلا انتفعت بها وأما لقطة مكة فيجب تعريفها على الدوام ، ويحرم تملكها ، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم : « ولا تحل ساقطتها » أي لا تجوز لقطة مكة إلا لمنشد : أي لمن أراد تعريفها والقيام بحقوقها .
فإن قـال قائـل : مـا هي الـحـكـمـة في تخصيص مكة عن سائر البلاد ؟ .
فالجواب أن يقال : الحكمة ـ والعلم عند الله ـ أن مكة لا يمكن أن تخلو من أحد فيسهل حينئذٍ وجدانها خصوصاً أوقات المجامع كالحج .
واختلف العلماء رحمهم الله في حكم التقاط اللقطة ، قالت طائفة من أهل العلم إن التقاطها واجب ، وقالت طائفة : إن التقاطها مستحب ، وقالت طائفة ثالثة: إن التقاطها مكرمة ، وفيه أيضاً مذاهب أخرى ، والحق في هذه المسألة التفصيل ، فإن علم من نفسه القيام بالمشروع وتعريف اللقطة وغلب على ظنه حفظها والقيام بحقوقها فإن التقاطها حينئذٍ مستحب ، لقول الله : { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } ، وأما إذا خشي من نفسه عدم القيام بحقوقها وعدم أداء الأمانة فيها فهو بخير النظرين : إما أن يدفعها للجهات المختصة لتقوم بدورها وتبرأ ذمته حينئذٍ ، وإما أن يدعها فيلتقطها من يقوم بها على الوجه المطلوب ، لأنه بهذه الحالة ربما أخذها ولم يعرفها فيأثم ، فتركها حينئذٍ خيرٌ من أخذها ، وأخذها بهذه الحالة يتراوح ما بين الكراهة والتحريم .
قوله : « ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين » :
أي إما أن يعفوا ويقبلوا الدية ، وإما أن يطلبوا القصاص ، وهذا باستثناء قتل الغيلة ، فيجب إنفاذ القـصاص بالجاني ، وبهذا قال الإمام أحمد ، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ، وذهب بعض العلماء إلى عدم الوجوب ، والحق الوجوب وإن عفا أولياء المقتول ، لأن قتل الغيلة يسبب فساداً في الأرض ، فوجب حينئذٍ إقامة حق الله لينكل من توسوس له نفسه بهذا الفعل العظيم .
وقـد اختلـف الـعلماء رحمهم الله أيهم أفضل : العفو عن القاتل أم طلب القصاص ؟ . ظاهر القرآن يؤيد القول الأول لقوله تعالى : { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ } .
وذهب بعض العلماء إلى التفصيل في هذه المسألة ، فإن كان القاتل من أهل الخير وأهل الصلاح ولكنه غضب أو سولت له نفسه بهذه القضية ولم يعرف عنه الشــر فالعفو في هذه القضية أفضل ، لأنه لا يخشى تكرر هذا من مثل هذا الرجل ، وأما إن كان القاتل معروفاً بالفساد والإفساد ، فالأولى طلب القصاص وعدم العفو عنه ، لأن العفو عن مثل هذا يؤدي إلى إزهاق نفوس أخرى ، وأما قضية المبالغة في طلب الدية فهذه القضية جائزة من حيث الأدلة ، كأن يطلب المرء مثلاً مليوني ريال للعفو ولكن هذه دناءة واعتياض بالمال الفاني عن النفس المؤمنة البريئة ، ولا يُشترط بالعفو أن يعفو جميع أولياء المقتول ، بل لو عفا واحد عتق القتيل حتى الزوجة لها حق العفو وقد قتل رجل في عهد عمر رجـل آخر فعفت زوجة المقتول وكانت اختاً للقاتل فقال عمر : الله أكبر عتق القتيل . رواه عبد الرزاق في المصنف ورواته ثقات .
قوله : [ فقال العباس : إلا الإذخر يا رسول الله ] :
الإذخر هو نبت طيب الرائحة يجعلونه في القبور ليمنع تسرب الأتربة ، ويضعونه أيضاً في بيوتهم فيكون وقاية ، ويحصل به أيضاً منافع أخرى من روائح طيبة .
والحديث احتج به طائفة من علماء الأصول على صحة الاستثناء ولو بعد مدة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال : « فلا ينفر صيدها ولا يختلى شوكها ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد ، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين » فقال العباس : إلا الإذخر .
وفي هـذه المسألة وقع خلاف بين أهل العلم ، فمنهم من جوز الاستثناء ولو بعد سنة ، وهذا مروي عن ابن عباس ، ولا أظن الإسناد يصح إليه ، ومنهم من قال: يصح الاستثناء في المجلس فقط ، ومنهم من قال لا يصح الاستثناء إلا إن كان مرتبطاً بالكلام . والصحيح في هذه القضية أن الاستثناء يصح ما لم يطل الفصل عرفاً .
قوله : « إلا الإذخر » :
فيه دليل على صحــة ما ذكرنـا ، لأنــه قد اتصل بالكلام ولم يطل عرفاً ، وفيه أيضــاً عرض المفضول رأيه على الفاضل بما تحصل منفعته لجميع المسلمين . والله أعلم.

690- وعن عبـد الله بن زيــد بن عاصـــم رضي الله عنه أن رسول الله قال : « إن إبراهيم حــرم مكة ودعا لأهلها ، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة ، وإني دعوت في صاعها ومُـدِّهـا بمثل ما دعا به إبراهيم لأهل مكة» . متفق عليه .
قال الإمام البخاري رحمه الله : حدثنا موسى قال : حدثنا وهيب ، حدثنا : عمرو بن يحيى عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد رضي الله عنه .
وقال الإمام مسلم رحمه الله : حدثنا قتيبة بن سعيد قال : حدثنا الدراوردي عن عمرو بن يحيى به .
قوله : « إن إبراهيم حرم مكة » :
تقدم أن الله حرم مكة ، ولا تنافي بين الأمرين ، فإن تحريم إبراهيم لمكة بتحريم الله إياها ، فنسب التحريم إلى إبراهيم ، وإلا فقد حرمها الله جل وعلا منذ خلق الله السماوات والأرض .
ومعنى تحريمها هنا : بأنه لا ينفر صيدها ، ولا يختلى شوكها ، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد ، ولا يحل بها قتال ، ولا يسفك بها دمٌ فمن أحدث بها حدثاً بعد هذا فقد جاءت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم بأن عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل منه صرف ولا عدل .
قوله : [ ودعا لأهلها ] :
كمــا في قوله تعالى : { وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ } ، فاستجاب الله جل وعلا دعاء إبراهيم ، فكان يجبى لمكـة ثمرات كل شيء مع أن أرضها أرض جبلية غير صالحة للزراعة ، ومع نزولها وهبوطها وشدة حـرِّهـا إلا أن الله يرزقهم من ثمرات كل شيء كما قال تعالى : { رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) } ، فإنهم كانوا يرحلون رحلتين : رحلة في الشتاء ورحلة في الصيف ، يجلبون لمكة ما يحتاجون لمعاشهم .
قوله : « وإني حـرَّمت المدينة » :
وتحريم المدينة بألا يقطع شجرها ولا يحدث بها حدث ، ولا يقتل صيدها ، إلا أن صيد المدينة لا جزاء فيه بخلاف صيد مكة ففيه الجزاء ، والسبب في كون النبي صلى الله عليه وسلم حرم المدينة لأنها صارت بلاد مُـهـاجـره بعدما أخرج من مكة وكانت أحب البقاع إليه وهي أحب البقاع إلى الله وقد جاء في الصحيحين من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت : لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أصابتهم الحمى ، ووعك بلال وأبو بكر الصديق ... الحديث ، وفيه : فدعا النبي صلى الله عليه وسلم فقال : « اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد اللهـم بارك لنا في مُـدنا وصاعـنا ، وانقل حمّاها إلى الجحفة ».
قوله : « كما حـرَّم إبراهيم مكة ، وإني دعوت في صاعها ومدها بمثل ما دعا به إبراهيم لأهل مكة » :
دعا النبي صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة بأن يبارك الله لهم في مُدهم وصاعهم ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : « والمدينة خــير لهم لو كانوا يعلمون » ، أي خير لهم في أمور دينهــم ودنياهــم . ومن ثم جاء عند الإمــام أحـمـد والترمذي من حديث أيوب عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليمت بها ، فإني أكون له شفيعاً يوم القيام ».
وفي الحديث دليل على حب النبي صلى الله عليه وسلم للمدينة حيث دعا لأهلها . وفيه دليل على فضل المدينة . وفيه دليل على بركة النبي صلى الله عليه وسلم حيث لما سكن المدينة تغيرت بعدما كانت أرض الوباء لا خير فيها ، فصارت أرض هجرة وأرض دين وأرض عقيدة ، وإلا فكان سكانها قِلة وقل ما يسكنها أحد إلا أصيب بالحمى ، حتى إن الصحابة رضي الله عنهم حين قدموها أصيبوا بالحمى وكان بلال يبكي وينشد :
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلــــة بوادي وحولي اذخر وجليلُ
وهــل أردنْ يوماً مياه مجنــــة وهل يبدونْ لي شامة وطفيل
وكان أبو بكر يوعك من شدة حماها فيرفع عقيرته ويقول :
كل امرءٍ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله
حتى أعلم النبي صلى الله عليه وسلم بخبرهما فدعا لها . والحديث في الصحيحين
691- وعن عـلي بن أبي طـالب رضي الله عنه قـال : قـال رسول الله : « المدينة حرامُ ما بين عير إلى ثور » .
هذا الخبر اقتصر المؤلف رحمه الله في عزوه للإمام مسلم ، والخبر أخرجه الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه فقال : حدثنا قتيبة بن سعيد قال : حدثنا جرير عن الأعمش التيمي عن أبيه عن علـي رضي الله عنه .
وقال مسلم رحمه الله : حدثنا أبو كريب قال : حدثنا جرير عن الأعمش به .
وجاء في الصحيحين من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هـريرة أن الـنبي صـلى الله عـليـه وسلم قال : « ما بين لابتيها حرام » .
وحديث الباب يدل على تحديد حدود المدينة النبوية وأنها محرمة من عير إلى ثور، وهما جبلان معروفان عند أهل المدينة ، وقد أنكر بعض أهل العلم أن يوجد جبل في المدينة يسمى بـ ( ثور ) وإنما هذا الجبل يوجد في مكة ، وفي هذا نظر . فإن ثوراً يعرفه أهل المدينة ، وهو موجـود بقرب جبل أحد كما ذكر ذلك غير واحد من أهل العلم رحمهم الله ، فما بين عير إلى ثور حرام يحرم فيه إحداث حدث ، يحرم فيه الصيد فقال : « ومن أحدث فيها ـ يعني المديـنـة ـ حدثاً فعلـيـه لعـنـة الله والملائكة والناس أجمعين » . متفق على صحته . إلا ان هناك فرقاً بين حرم مكة وحرم المدينة يتضح هذا بأمور : -
الأمر الأول : أن لقطة مكة لا يتملكها المرء بالتعريف ، بخلاف المدينة فإنه يعرفها سنة ثم يمتلكها ، فإن جاء صاحبها يوماً من الدهر دفعها إليه .
الأمر الثاني : أن صيد مكة فيه جزاء ، بخلاف المدينة .
الأمر الثالث : أن من رأى رجلاً يصيد في المدينة حل له سلبه في أصح قولي العلماء ، كما جاء هذا مصرحاً به في حديث سعد عند الإمام مسلم في صحيحه وهذا خلاف مكة .


بـاب صفـة الحـج ودخـول مكــة

اعلم أن أشمل حديث ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة حجه هو حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما فإنه منسك كامل في بيان هذا الأمر خصوصاً إذا جمعت رواياته بعضها إلى بعض ، فقد عُني جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في حجة النبي صلى الله عليه وسلم فنقل في هذا الحج معظم أفعاله من خروجه إلى رجوعه.

692- وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حــج فخرجنا معه ، حتى إذا أتينا ذا الحليفة ، فولدت أسماء بنت عـميس فقال : « اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي ... » الحديث .
هذا الخبر من أفراد مسلم دون البخاري رحمهما الله . قال الإمام مسلم رحمه الله : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله به . ورواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وصححه ابن خزيمة .
قوله : [ أن رسول الله حج ] :
تقدم عندنا أنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حج قبل الهجرة ولا بعدها إلا حجة الوداع ، وقد كانت حجة النبي صلى الله عليه وسلم في السنة العاشرة ، وقد فرض الحج على القول الراجح في السنة التاسعة وفيها بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعلياً في الحج وأمرهما أن يقرءا على الناس سورة براءة وأنه لا يحج بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان .
قوله : [ فخرجنا معه ] :
فيه استحباب صحبة العلماء وأهل الفضل في الأسفار للاستفادة منهم والتخلق بأخلاقهم والتأدب بآدابهم وكسب الخصال الطيبة منهم والتعلم على أيديهم .



قوله : [ حتى إذا أتينا ذا الحليفة ] :
وهو موضع إحرام النبي صلى الله عليه وسلم ، ويسمى بالعقيق ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عن العيق بأنه وادي مبارك ، وقد أمر الله نبيه أن يصلى بهذا الوادي وأن يحرم منه قارناً كما جاء هذا في صحيح الإمام البخاري رحمه الله . وذو الحليفة هو أبعد المواقيت عن مكة ، ويليه في البعد الجحفة ، ويليه يلملم ويليه قرن المنازل .
قوله : [ فولدت أسماء بنت عميس ] :
وهي زوجة أبي بكر الصديق وقد ولدت له محمداً ، وكانت من قبل تحت جعفر بن أبي طالب ذي الجناحين الذي قتل في غزوة مؤتة في السنة الثامنة للهجرة حين أخذ الراية بيمينه فقطعت يمينه ، فأخذ الراية بشماله فقطعت شماله ، فأخذ الراية بين ثدييه فقتل رضي الله عنه وأرضاه ، وكان قبل ذلك قد عقر جواده حتى لا ينتفع به المشركون وحتى يقاتــل حتى الموت ، فهو أول رجـل مسلم عقر جواده في سبيل الله . فلما قتل جعفر تزوجت أسماء أبا بكر، وكان يُضرب بها المثل في الجمال حتى قيل فيها أنها من أجمل نساء العرب ، فلما توفي أبو بكر تزوجها علي بن أبي طالب رضي الله عنه .
وهذا هو أول العهد بأسماء وآخره ، فليس في الحديث ذكر لأسماء بعد هذا ، فلم يذكر لنا جابر بن عبد الله ماذا صنعت فيما بعد هل طهرت قبل طواف الإفاضة فطافت مع الناس ؟ ، أم أنها بقيت على نفاسها ؟ وهل أذن لها النبي صلى الله عليه وسلم أن تطوف وهي نفساء من باب الحاجة ؟ أم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أحد محارمها أن يبقى معها حتى تطهر ؟ . كل هذا مسكوت عنه .
وجميع طرق الحديث لم تتكلم عن هذه القضية مع حاجة الأمة إليها ، فلو جاء خبر عن حال أسماء لكان قاطعاً لتنازع المتنازعين في حكم طواف الحائض للإفاضة إذا خشيت فوات الرفقة ، فقد بحث هذه القضية شيخ الإسلام بن تيمية بالفتاوى ، وبحثها أيضاً تلميذه الإمام العالم ابن القيم رحمه الله وذلك في (إعلام الموقعين) فتوصل كل منهما في بحثه إلى أن الحائض تطوف بعد أن تستثفر بثوب ونحوه من باب المصلحة والحاجة ، فلو أمرناها بالبقاء دون رفقتها لحصل بسبب ذلك فساد كبير ربما من انتهاك الأعراض وما شابه ذلك ، وإذا أمرناهـا أن تذهب بدون طواف فقد أمرناها أن تبقى محرمة أبد الدهر ، ولا يأتي شرع بهذا ، فلا يبقى إلا ان تستثفر بثوب وتطوف حائضاً ، ولكن في زماننا هذا ربما يكون الأمر أسهل فإذا لم يأذن رفقتها بالبقاء تذهب معهم وترجع إن تيسر لها هذا بعد الطهر فتطـوف بالبيت ، وإذا لم يتيسر فليس هناك بُـد من القول بما قاله شيخ الإسلام رحمه الله تعالى .
قوله : « اغتسلي » :
هذا الأمر للاستحباب ، لأن الغسل لا يطهرها ، وقد نقل الإمام ابن المنذر رحمه الله الإجماع على هذا ، ولكن جاء عن الحسن البصري خلاف في هذا . ورجح الإمام أبو محمد بن حزم رحمه الله وجوب الغسل على النفساء خاصة ، وهذا هو اللائق بظاهريته ، فلو وجب الغسل على النفساء لكان على الطاهرة من باب أولى ، ولكنه رحمه الله أخذ بالظاهر ولم ينظر إلى المعنى الحقيقي ، فوقع بهذا الغلط . وقد تقدم عندنا بحث قضية الغسل وما قيل في ذلك وما جاء فيه من الآثار .
قوله : [ فلما استوت به على البيداء أهل بالتوحيد ] :
وهذا دليل القائلين في مشروعية الإهلال من البيداء ، ولكن ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل قبل البيــداء ، وتقدم عندنا حديث ابن عمر في الصحيحين أنه قال : بيداؤكم التي تكذبون فيها على رسول الله ، ما أهل رسول الله إلا من عند المسجد . متفق عليه .
وقد تقدم بحث هذه القضية وأن الراجح : مشروعية الإهلال من عند المسجد وهذه هي السنة الثابتة ، وأكثر الآثار تدل على هذا .
قوله : [ أهل بالتوحيد ] :
فيه مشروعية الجهر بالإهلال وأما نية الدخول بالنسك فذلك ركن من أركان الحج أو العمرة .
قوله : [ لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك ] :
هـذه التلبية تشتمل على الانقياد لأوامر الله والإذعان لذلك وتشتمل على توحيد الباري ونـفي الشريك عنه ، خلافاً للمشركين الذين يقولون في تلبيتهم : لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إلا شريكٌ هو لك تملكه وما ملك . فهذا معنى قول الله جل وعلا : { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106) } يؤمنون بقولهـم : لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، ثم يثبتون بأن لـه شريكاً : بقولهم ( إلا شريك هو لك تملكه وماملك ) .
قوله : [ حتى إذا أتينا البيت استلم الركن ] :
فيه مشروعية استلام الركن ، والأفضل تقبيله إن تيسر هذا ، وإن لم يتيسر فالأفضل استلامه ، وإن لم يتيسر فالإشارة إليه ، وأما السجود عليه فقد ورد بذلك حديث عمر ، رواه أحمد وغيره . وفيه اضطراب ولا يصح .
قوله : [ فرمل ثلاثاً ] :
وهو مستحب بالاتفاق ، والرمل هو مقاربة الخطى ، لما هو فوق المشي ودون السعي الشديد ، والمستحب في الرمل أن يكون في الثلاثة الأُول ، ولا يكون إلا في طواف القدوم .

قوله : [ ومشى أربعاً ] :
وهذه هي السنة ، وأما ما يفعله بعض الناس من الرمل في السبعة كلها فهذا غلط وهناك طائفة أخرى ذكروا أنه مطلق وهذا غلط أيضاً ، والسنة في هذه القضية ما دل عليه هذا الخبر .
قوله : [ ثم أتى مقام إبراهيم فصلى ] :
أي صلى ركعتين ، فقــد جـاء في صحيـح الإمــام مسلم أنه صلى في الأولى بـ { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } والثانية بـ { قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ } ، وفي رواية : قرأ في الأولى : { قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ } والثانية : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } .
ولا يلزم أداء هاتين الركعتين خلف المقام ، فلو صلاهما في أي مكان من الحرم أو خارجه صح هذا ، وقد اختلف العلماء في حكم هاتين الركعتين ، فذهب جماهير العلماء إلى إنها مستحبة ، وذهب الإمام أبو حنيفة إلى إيجابها ومال إليه العلامة ابن مفلح رحمه الله في ( الفروع ) ، والحكمة بتخصيص هاتين السورتين بهاتين الركعتين ليتذكر الطائف أن الطواف وهذه العبادة ليست لهذه الأحجار إنما هي لله الواحد القهار ، فلو لم يأمرنا ربنا جل وعلا في الطواف بهذا البيت ما طفنا به ولا تعبدنا الله به .
قوله : [ ثم رجع إلى الركن فاستلمه ، ثم خرج من الباب إلى الصفا ] :
فيه استحباب استلام الركن بعد صلاة ركعتين خلف المقام .
وفيه مشروعية الخروج إلى الصفا من بابه .
قوله : [ فلما دنا من الصفا قرأ : { إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ } :
استحب بعض أهل العلم قراءة هذه الآية عند الدنو من الصفا ، والذي يظهر والعلم عند الله أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قرأها من أجـل الـتعليم كما قـرأ عند المقام : { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } ، فـنلاحـظ عـلى بعـض الناس أنهم يـقرأون : { إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ... } الآية . ويعتقـــدون سنية هذا ، ولهم سلف في هذه الـقضية ، ولكنهم لا يقرأون : { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } عند المقام وقد جاءت قراءة هاتين الآيتين في حديث واحد ، فإما التزام قراءتهما معاً وإما تركهما معاً إلا عند انعقاد السبب من أجل التعليم ، وهذا هو الذي يظهر دليله. والعلم عند الله .
قوله : « أبدأ بما بدأ الله به » :
هكذا جاء في مسلم بلفظ الخبر ، وقد رواه النسائي رحمه الله بلفظ الأمر ، وهي رواية شاذة ، وقد رجح أكثر الحفاظ رواية الخبر . فقد اتفق حاتم ابن إسماعيل ووهيب ومالك وسفيان على روايته بلفظ الخبر وهو الذي رجحه الإمام ابن التركماني رحمه الله في ( الجوهر النقي ) .
قوله : [ فرقى الصفا حتى رأى البيت فاستقبل القبلة ، فوحد الله وكبره ] :
فيه استحباب رفع اليدين عند الصعود على الصفا ، وصفة رفعهما كصفة رفعهما عند الدعاء ، ويستحب حينئذٍ التكبير والتحميد كما في حديث أبي هريرة عند أبي داود ، ويستحب التهليل أيضاً وأن يقول : لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، لا إله إلا الله وحده ، أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده . وذلك في قول الله جل وعلا : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا(9) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ(10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا(11) } .
ويستحب الدعاء فيما بين ذلك ، والمستحب في الدعاء إخفاؤه ، وأما الذكر فالمستحب الجهر به كما هو مفهوم هذا الخبر ، وصفة فعل هذا أن يذكر الله أولاً ثم يدعو ثم يذكر الله ثانياً ثم يدعو ثم يذكر الله ثالثاً ثم ينزل من الصفا لقوله في الحديث : [ ثم دعا بين ذلك ] فيكون الذكر ثلاثاً والدعاء مرتين ، وهذا التوضيح يفهم من سياق الأحاديث والعلم عند الله .
قوله : [ ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى ] :
المراد حتى إذا وصل المكان المنخفض وهو ما بين العلمين الآن فقد كان وادياً إلى عهد قريب سعى النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الوادي ، والسعي هو المشي الشديـد وهو سـنة ، وقيل واجب ، وفيه نظر .
وذكر القاضي عياض وغيره أنه يرمل رملاً ، وقد وقع في بعض طرق الحديث: حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي رمل ، وقد جاء في المسند من حديث حبيبة بنت تجزاة أنها رأت النبي صلى الله عليه وسلم يسعى والناس حوله فرأت ركبته من شدة السعي يدور به إزاره . أي من شدة السعي ، ولكن في هذا الحديث مقال وضعف يسير .
قوله : [ حتى إذا صعدتا مشى ] :
أي حتى إذا صعد الوادي وهو المكان المنخفض مشى حتى أتيى المروة ، وحينئذ فعل النبي صلى الله عليه وسلم من الذكر والدعاء كما فعل على الصفا .
وقد أجمع العلماء على أن السعي بين الصفا والمروة سبعة أشواط الذهاب سعيه والرجوع سعيه أخرى ، واتفقوا على أن يبدأ من الصفى وينتهي بالمروة .
قوله : [ فلما كان يوم التروية ] :
سمي بهذا الاسم لأن الناس يروون فيه الماء، وهو اليوم الثامن من شهر ذي الحجة.
قوله : [ توجهوا إلى منى ] :
أي محرمين ، والسنة للحجاج أن يحرموا من أماكنهم ، فإن كانوا نازلين في الأبطح يحرمون قبل الزوال من الأبطح ثم يذهبون إلى منى ، وإن كانوا ساكنين في منى فيحرمون من أماكنهم ، وقد قال بعض الفقهاء كما في ( الروض المربع ) : يحرم من مكة تحت الميزاب ، وهذا غلط وبدعة ، فلم يذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أحرم من عند الميزاب ولا عُهـد هـذا عن أحد من الصحابة ولا فعله أحدٌ من التابعين ، وقد أحسن القائل :
وخير الأمور السالفات على الهدى وشر المحدثات البدائع
قوله : [ وركب النبي صلى الله عليه وسلم فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ] :
أي صلى كل صلاة في وقتها قصراً لا جمعاً ، لأن الجمع للحاجة بخلاف القصر فإنه للسفر ، فلا تلازم بين السفر والجمع ، ولكن هناك تلازم بين القصر والسفر ، فالمسافر يقصر الصلاة ولكن لا يجمع إلا عند الحاجة ، والجمع يشرع مع انعقاد سببه في الحضر والسفر ، فقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم في السفر بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء للحاجة ، وأما الفجر فلا يجمع معها غيرها بالإجماع .
قوله : [ حتى طلعت الشمس ] :
أي لم يدفع من منى إلى عرفات حتى طلعت الشمس ، وهذه السنة خلافاً لبعض الجهال الذين يذهبون إلى عرفات في ليلتها ، وهذا غلط وخلاف السنة .
قوله : [ فأجاز حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة ] :
المراد حتى توجه إلى عرفات ولم يدخلها ، وإنما قصد طريقها لأن النبي صلى الله عليه وسلم وجد القبة قد ضربت له بنمرة ، ونمرة مشعرٌ وليست من الحرم ، وكون القبة ضربت للنبي في نمرة فيه دليل على جواز الاستظلال في الخيام وما كان في معناها ، إلا أن المحرم لا يجعل شيئاً يلاصق رأسه ، لأن النبي صلى الله عليه وسلـــم قال : « لا يلبس المحرم البرانس ». والحديث في الصحيحين من حديث ابن عمر .
فيستحب للحاج أن يجلس في نمرة إلى زوال الشمس إن تيسر له هذا ، فإن لم يتيسر له فلا مانع من الذهاب إلى عرفات قبل الزوال وإلا فالسنة أن لا يذهب إلى عرفات إلا بعد جمع الظهر مع العصر ، فهذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم وفعل خلفائه معه ، وقد قال تعالى : { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } .
وقد ذهب الإمام أحمد في إحداى الروايتين إلى أن الوقوف بعرفات لا يبتدئ ولا يصح إلا من بعد الزوال ، فلو أن امرءاً ( عـند الإمـام أحمد ) وقف بعرفات من الفجر إلى قبيل الزوال ثم دفع ما صح حجه حتى يقف ولو قليلاً بعد الزوال . وهذا قول أكثر أهل العلم أبي حنيفة ومالك والشافعي، وذهب أحمد في رواية عنه إلى أن الوقوف يصح قبل الزوال مستدلاً بحديث عروة بن مُضرس . وسوف يأتي إن شاء الله الكلام عن هذه المسألة .
قوله : [ حتى أتى بطن الوادي ] :
أي حتى أتى بطن عرنة يوجد فيها الآن بعض المسجد الذي بعرفات أتى النبي صلى الله عليه وسلم هذا الوادي ليخطب فيه ، وقد خطب النبي صلى الله عليه وسلم خطبة جامعة ذكرهم فيها بربهم وأوصـاهم فيها بالنساء خيراً وعلمهم ما يحتاجون إليه من المناسك .
فيشرع للخطيب أن يعلم الناس بهذه الخطبة أمور دينهم وما يغلب على ظنه أنهم يجهلونه ، خصوصاً المسائل المتعلقة بالتوحيد فإن حاجة الناس إلى التوحيد فوق حاجتهم إلى تقرير بعض المسائل ، وفي كل خير ولكن التوحيد أعظم . والسنة للخطيب أن يخطب خطبة واحدة ، وقد استحب فقهاء الشافـعية خطبتين ، والقول الأول أصح .
قوله : [ ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ] :
فيه استحباب جمع العصر مـع الظهر في عرفات ، وهذا الجمع مما أجمع عليه المسلمون ، والمستحب في هذه الصلاة مخافتة القراءة فيها ، والحكمة بجمع العصر مع الظهر في هذا المقام ليطول وقت الوقوف ليتضرع العبد لله جل وعلا .
وفي جمع النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات بين هاتين الصلاتين دليل على مشروعية الجمع للحاجة ، وقد زعم أبو حنيفة رحمه الله أن جمع النبي صلى الله عليه وسلم هنا من أجل النسك لا من أجل السفر فتعقبه شيخ الإسلام في الفتاوى ورجح أن الجمع بين الصلاتين في عرفات من أجل السفر لا من أجل النسك ، وهو قول جماهير العلماء .
وفي الحديث دليل أيضاً على مشروعية أذان واحد لكل الصلاتين .
وفيه مشروعية الإقامة لكل صلاة ، وهذا هو الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم في مزدلفة كما جاء في حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر في صحيح مسلم .
قوله : [ ولم يُصلِّ بينهما شيئاً ] :
وهذا هو المشروع للمسافر ، ومن جمع بين الصلاتين لا يحدث تطوعاً بين الفريضتين لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يفعل هذا .
قوله : [ ثم ركب حتى أتى الموقف .... واستقبل القبلة ولم يزل واقفاً حتى غربت الشمس ] :
أي فأتى النبي صلى الله عليه وسلم الجبل بعرفات المسمى بجبل الرحمة فاستقبل القبلة ففيه استحباب استقبال القبلة عند الدعاء ، ولا يجب هذا وإنما يستحب ، وأما صعود الجبل فليس بمشروع بل لا أصله ، إنما المشروع الوقوف عنده واستقبال القبلة فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم بهذا اليوم واقفاً على راحلته ففيه استحباب مثل هذا ، لذلك لم يدفع النبي صلى الله عليه وسلم حتى غاب قرص الشمس ، ولذلك أوجب الإمام أحمد هذا الفعل ، وأما الإمام مالك فجعله شرطاً لصحة الحج ، وفي هذا نظر ، والأقرب التوسط ، فلا نقول بقول المالكية بأن الوقوف ليلاً بعرفات شرط لصحة الحج ، ولا نقول بقول جماعة من أهل الظاهر بأن الوقوف إلى الليل مستحب بل نقول : إن الوقوف إلى غياب القرص واجب ويصح الحج بدونه ، وهذا قول الإمام أحمد رحمه الله .
قوله : [ حتى أتى المزدلفة ] :
أي ودفـع النبي صلى الله عليـه وسلم من عرفات بتؤدة وسكينة وهو يأمر الناس: « يا أيها الناس السكينة ، السكينة » وذلك لئلا يؤذي بعضهم بعضاً ويهلك بعضهم بعضاً ، لا ضرر ولا ضرار . حتى وصل إلى مزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء ، وهذه هي السنة للقادم إلى مزدلفة ، يبدأ أولاًبصلاة المغرب سواء قدم في أول وقتها أو بوقت العشاء الآخرة أو فيما بين الوقتين ، فإذا صلى المغرب مع العشاء بأذان واحد وإقامتين وهذه هي السنة في هذه المسألة ، وقد قال بعض الفقهاء : يـؤذن أذانين ، ويقيم إقامتين وهذا مذهب عبد الله بن مسعود ، وقالت طائفة ثالثة : يؤذن أذاناً واحداً ويقيم إقامة واحدة .
والصحيح في هذه المسألة أنه يؤذن أذاناً واحداً ويقيم لكل صلاة ، ووجود الفاصل بين الصلاتين لا يؤثر ولا تشترط نية الجمع على القول الراجح ، وما ذكره بعض الفقهاء من الاشتراط يحتاج إلى دليل والدليل هنا متعذر .

وهنا بعض المسائل المتعلقة بالجمع : -
المسألة الأولى: ما الحكم إذا خشي فوات الوقت هل يصلى في الطريق أم لا؟.
الجواب : أنه لا مانع من صلاته في الطريق حين يخشى فوات الوقت ، وأما مع عدمه فهذا خلاف السنة ، فإن السنة أن يصلي بالمزدلفة .
المسألة الثانية : إذا قدم المزدلفة فيما بين الوقتين له أن يبادر بأدائهما معاً ، وقد قال بعض أهل العلم : يُصلي المغرب وينتظر دخول وقت العشاء أو يؤخر المغرب إلى دخول وقت العشاء ، وهذا لا دليل عليه وهو خلاف ظاهر الأحاديث . والحق في هذه القضية أنه يبادر بأداء الصلاتين ، سواء قدم فيما بين الوقتين أو غير ذلك .
المسألة الثالثة : الحديث صريح في عدم التنفل فيما بين الصلاتين ، لقوله : [ ولم يسبح ] أي لم يُصل بينهما شيئاً .
قوله : [ ثم اضطجع حتى طلع الفجر ] :
ظاهر هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقم هذه الليلة للتهجد ، وبهذا قال بعض أهل العلم ، فاستحبوا ترك التهجد ليلة المزدلفة ، ولكن جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يدع الوتر ولا ركعتي الصبح لا حضراً ولا سفراً . ويمكن حمل حديث جابر على أحد أمرين : إما أن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ترك ذكر قيامه للعلم به ، فقد استفاض واشتهر بين الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يدع قيام الليل والوتر فاستغنى جابر بالشهرة عن الذكر .
الأمر الثاني : أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أوتر قبل أن ينام ، وكون جابر بن عبد الله ما ذكر هذا لا يعني أنه لم يقع ، فإن نقل العدم ليس علماً ، وعائشة رضي الله عنها تخبر بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يدع الوتر ولا ركعتي الفجر لا حضراً ولا سفراً .
ولذلك جاء عن بعض الصحابة رضي الله عنهم أنهم قاموا هذه الليلة كما في حديث أسماء رضي الله عنها في الصحيحين وأنها لم تزل تصلي حتى غاب القمر .


قوله : [ وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة ] :
جاء في حديث ابن مسعود في الصحيحين ما يفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم بادر بأداء هذه الصلاة في غير الوقت المعتاد ، وذلك ليستقبل يوماً عظيماً من أعظم الأيام ألا وهو يوم النحر ، فيستفتحه بالوقوف عند المشعر الحرام فيدعو ربه ويهلله ويحمده . ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث في بيان قراءته في ركعتي الصبح ، ولا نقل ذلك الصحابة إلينا ، ولم يذكروا هل أطال القراءة أم قصرها ؟ كل هذا لم يذكره جابر بن عبد الله ، فلذلك نستطيع أن نقول : إن عدم ذكر جابر بن عبد الله لقراءة النبي صلى الله عليه وسلم ولطولها ولقصرها يدل على أن جابراً لم يذكر كل أفعال النبي صلى الله عليه وسلم وأعماله في الحج ، فمن أخذ من حديث جابر إن ما لم يذكره ليس واجباً ، وليس مستحباً فقد غلط ، وأيضاً من أخذ منه عدم قيام النبي صلى الله عليه وسلم ليلة مزدلفة فهذا فيه نظر ، لأن جابراً أيضاً لم يذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم هل صلى ركعتي الفجر أم لا ؟ ولهذا نقول : إن نقل العدم ليس علماً ، فمن نفى تهجد ليلة المزدلفة بحـديث جـابر فـيلـزمه أن يـنـفي ركعتي الفجر ، لأن جابراً لم يـذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى .
ولذلك نقول الحق في هذه القضية : أن المسلم لا يدع الوتر لا حضراً ولا سفراً ولا يدع ركعتي الفجر ، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : « ركعتا الفجر خيرٌ من الدنيا وما فيها » . رواه مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها .
قوله : [ ثم ركب حتى أتى المشعر الحرام ] :
وهو جبـلٌ صغير كان معروفاً عندهم ويسمى بـ ( قـزح ) والآن هدم وأقيم المسجد المعروف مقامه ، فيستحب الوقوف عند المشعر الحرام للدعاء وحمد الله وذكره وتمجيده وتعظيمه ، ويستحب أن يستمر الوقوف إلى الإسفار ، وهل هذا واجب أم مستحب ؟ .
الجمهور عـلى استحباب ذلك ، وذهب ابن حزم إلى الوجوب مستدلاً بقول الله تعالى : { فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ } وقال : هذا أمر ، والأمر يفيد الوجـــوب ، ونحن نقول لأبي محمد : أما كون الأمر يفيد الوجوب فهذا صحيح ، ولكن معنا دليل على أن الأمر في الآية للاستحباب لا للإيجاب ، وهذ الدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم حين أتى المزدلفة قال : « وقفت ها هنا ومزدلفة كلها موقف » . رواه مسلم في صحيحه . هذا الدليل الأول .
الدليل الثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم حين وقف عند المشعر الحرام لم يقف معه كل الصحابة ، بل كانوا متفرقين ، فهذا دليل صريح على أن الوقوف عند المشعر الحرام للاستحباب لا للإيجاب ، وإلا لأنكر النبي صلى الله عليه وسلم على الصحابة الذين لم يقفوا عند المشعر الحرام ، وبعض الناس في هذا اليوم ما بين إفراط وتفريط ، ما بين إنسان يدفع بعد صلاة الصبح ليسابق الناس ويصل الأول وهذا غلط وما بين إنسان ينام فلا يستيقظ إلا من حر الشمس وهذا غلط أيضاً وتشبه بالمشركين فإنهم كانوا لا يفيضون كما في حديث عمر عند البخاري رحمه الله حتى تطلع الشمس ويقولون : أشرق ثبير كيما نغير . فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم ودفع حينما أسفر جداً قبل أن تطلع الشمس .
قوله : [ حتى أتى بطن محسر فحرك قليلاً ] :
يستحب الإسراع للقادم من المزدلفة إلى منى حين المرور بوادي محسر ، وقد ذكر بعض الفقهاء بأن الحكمة من الإسراع لأنه موطن عذاب وسمي ( محسراً ) لأن الفيل الذي بعثه أبرهة لهدم الكعبة حسر فيه ، وهذا مجرد اجتهاد ، وأما دليل قاطع بالقضية فليس هناك دليل ، بل الحق في هذه المسألة أن الإسراع بودي محسر أمر تعبدي ، والدليل على هذا أنه لا يشرع الإسراع للذاهب ولا يشرع الإسراع لغير القادم من مزدلفة فلو كان على ما ذكروا لشرع الإسراع لكل من مـرَّ به ، وهم لا يقولون بهذا ، فعلم أن الإسراع في وادي محسر أمر تعبدي ، وأما كون الفيل حسر فيه فهذا يحتاج إلى دليل ، والدليل هنا متعذر والإسراع هنا مستحب غير واجب ، وأيضاً الإسراع بالنسبة للمشي وليس المعنى أنه يجري جرياً ، إذ قوله في الحديث : [ فحرك قليلاً ] .
ثم إن الفقهاء اختلفوا : هل وادي محـسر من منى أم لا ؟
فذهب جماهير العلماء إلى أن وادي محسر برزخ بين منى ومزدلفة ، وليس من منى فعند الجمهور لا يشرع الجلوس فيه وذلك لوجهين : -
الوجه الأول : أنه موطن عذاب .
الوجه الثاني : أنه ليس من منى .
وذهب بعض أهل العلم إلى أن وادي محسر من منى جاء هذا مصرحاً به في صحيح الإمام مسلم في حديث الفضل ، وأما كونه محل عذاب فهذا كما سبق لا بد له من دليل صحيح .
قوله : [ حتى أتى الجمرة ] :
أي أتى النبي صلى الله عليه وسلم جمرة العقبة ، وهي أبعد الجمار عن منى وأقربها إلى مكة ، وجمرة العقبة هي آخر منى ، ولذلك كان أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه يبعث من ينادي بأن العقبة ليست من منى فكان كل من وراء العقبة يؤمر بالدخول ، والنبي في هذا الحال لم يزل يلبي حتى أتى جمرة العقبة فرماها بسبع حصيات ، وهذه الحصى مثل حصى الخذف ، ليست كبيرة فتوذي الآخرين ، وأيضاً الرمي بالحجار الكبار من الغلو ، وقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من الغلو ، وليست أيضاً صغيرة حيث لا يراها الرامي هل وقعت أم لا ؟ . وكـان رسول الله يكبر مع كل حصاة وهذا التكبير مستحب غير واجب .
ويلاحظ على بعض الناس أنه يقول : باسم الله ، الله أكبر ، وهذا غلط فالمستحب الاقتصار على التكبير دون التسمية . وهنا بعض المسائل في الرمي : -
المسألة الأولى : ما حكم الرمي بحصى قد رمي فيه ؟ .
الجواب : لا مانع من هذا ، وهو مذهب الإمام الشافعي رحمه الله ، نص عليه كما في ( الأم ) ، وما يرد في بعض الكتب الفقهية خصوصاً كتب الحنابلة بمنع هذا فهذا يحتاج إلى دليل ، علماً بأن فقهاء الحنابلة يقولون معللين بالمنع كالنهي عن الوضوء بالماء الفاضل ـ يعني الذي يفضل ـ فيقال على هذا : إذا بطل الأصل بطل الفرع ، فليس هناك دليل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم يمنعون الوضوء بما يفضل من المرء ، فهذا الماء طاهر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : « الماء طهور لا ينجسه شيء » . صححه الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه .
وأيضاً لو كان الرمي بالحصى الذي رمي فيه ممنوعاً لبينه النبي صلى الله عليه وسلم فإن الحاجة داعية إلى هذا ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز .
المسألة الثانية : يجب الرمي بسبع حصيات فإن نقصن يجب عليه الرجوع لإتمام ما نقص ، وهذا قول الجمهور أيضاً .
وأما الأثر الوارد عند النسائي من حديث مجاهد عن سعد قال : منا من رمى بست ، ومنا من رمى بسبع ، ولم يعب بعضنا على بعض . هذا الأثر منقطع ، فإن مجاهداً لم يسمع من سعد ، وقد أنكره الإمام ابن التركماني في الجوهر النقي ، وبين وجوب الرمي بسبع حصيات ، لأن هذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم فيجب الاقتداء به .
المسألة الثالثة : يستحب حين الرمي أن يجعل منى عن يمينه ومكة عن يساره، جاء هذا مصرحاً به في الصحيحين من حديث ابن مسعود .
المسألة الرابعة : له رمي جمرة العقبة من أي جهة شاء إذا تأكد وقوع الحصى في موضع الرمي، ولذلك يقال : لو تكاثر الحصى لا مانع من الرمي عليه ، إذ لا يشترط وضعها في نفس الحوض، لأن هذا الحوض لم يكن معروفاً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا عهد الصحابة ولا في عهد التابعين ولا في عهد الأئمة الأربعة ، وإنما أحدث أخيراً ، فالمطلوب هو وضع الحصى عند العمود الممتد وهذا ليس خاصاً برمي جمرة العقبة بل بالجمرة الدنيا والوسطى والعقبة أيضاً .
المسألة الخامسة : لا يجزء وضع الحصى وضعاً في المرمى لأن النبي صلى الله عليه وسلم رمى ، فيجب عليك أن ترمي بما يسمى باللغة أو العرف رمياً ، وأما مجرد وضع الحصى فهذا غلط .
المسألة السادسة : ما الحكم لو رمى السبع بقذفة واحدة ؟ .
الحكم أنها تحتسب له واحدة ، فعليه أن يرمي ستاً أخرى ، يرمي كل حصاة على حدة ، وهناك أيضاً بعض المسائل المتعلقة في الرمي سوف نذكرها إن شاء الله فيما بعد .
قوله : [ ثم انصرف إلى المنحر فنحر ] :
المستحب في يوم النحر أن يبدأ الحاج أولاً بالرمي ثم يثني بالنحر ، لفعل النبي صلى الله عليه وسلم وقد قـال الله تعالى { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } ثم يُلث بالحلق وهذا لم يذكره جابر بن عبدالله ولكنه ذكره غيره وتواثر عن النبي صلىا لله عليه وسلم أنه حلق بعدما نحر ثم ربع النبي صلى الله عليه وسلم بالطواف بالبيت ، فلو قدم شيئاً من هذه الأمور على بعض جاز ، سواء كان لعذر أم لغير عذر كما في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص : أن النبي صلى الله عليه وسلم ما سئل عن شيء قدم أو أخر في هذا اليوم إلا قال افعل ولا حرج .
هذا يدلنــا على أن أعمــال الحــج مبنية على التسامح والتساهل ، قال تعالى : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } ، وكلمة (حَرَجٍ ) نكــرة وقعت بعد ( مِنْ ) في سياق النفي ، والنكرة إذا وقعت بعد ( مِنْ ) في سياق النفي تفيد العموم ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم : « لا حرج » ربما يقال إن هذا للمعذور ، ومن فعل هذا جهلاً ، ولكن قوله « افعل » تنفي التوهم وتدل على أن التقديم والتأخير يجوز مطلقاً لأنه يشق على الناس الترتيب .
قوله : [ فأفاض إلى البيت ، فصلى بمكة الظهر ] :
هكذا قال جابر رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر في مكة بينما قال ابن اعمر : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر في منى ، وقد جمع بينهما بعض أهل العلم فقال : صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاتين ، أدركته الصلاة بمكة فصلى بهم ، ورجع إلى منى وهم ينتظرونه فصلى بهم ، وذهبت طائفة إلى ترجيح حديث جابر على غيره ، لأن جابراً رضي الله عنه قد عُني بحجة النبي صلى الله عليه وسلم فكان قوله أرجح من قول غيره ، وذهبت طائفة ثالثة إلى ترجيح حديث ابن عمر على حديث جابر لأن أكثر الأخبار على حديث ابن عمر .
ولذلك نقول : إن أمكن الجمع بينهما بأن يقال : بأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاتين وحـدث كل صحابي بما رأى فهذا أمر مطلوب ، فقد قال في (المراقي) :
والجمع مطلوب متى ما أمكنا وإلا فللأخير نسخٌ بيناً
وإلا فكون النبي صـلى الله عليه وسلم صلى في منى أرجح لأن الأحاديث في هذا أكثر ، وقد قال في ( المراقي ) :
وكثرة الدليل والرواية مرجحٌ لدى ذوي الدراية

693- وعن خزيمة بن ثابت رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من تلبيته في حج أو عمرة سأل الله رضوانه والجنة واستعاذ برحمته من النار .
هذا الخبر رواه الإمام الشافعي والبيهقي والدارقطني والبغوي في شرح السنة كلهم من طريق صالح بن محمد عن عمارة بن خزيمة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم به .
وصالح بن محمد قال عنه الإمام أحمد : ما أرى به بأساً ، ولكن قال عنه الإمام البخاري رحمه الله : منكر الحديث ، وقال عنه النسائي ضعيف ، وضعفه أيضاً الدارقطني وغيره . وقال أيضاً الإمام أبو محمد بن حزم في عمارة بن خزيمة بأنه مجهول ولا يدرى من هو ، وفي هذا نظر . فقد وثقـه الإمام النسائي ولم يطعن فيه أحد ، وروى عنه جمع من الثقات ، ووثقه العجلي ، وذكره ابن حبان في ثقاته، وقال عنه ابن سعد : كان ثقة قليل الحديث ، فمثله أقل ما يقال عنه بأنه صدوق .
والخـلاصة : أن الخبر إسناده ضعيف لحال صالح بن محمد ، فإذا ثبت ضعفه فلا يشرع العمل به ، لأن الله جل وعلا إنما تعبدنا بالأحاديث الصحاح دون الضعاف ، ولكن لا ريب أن الله جل وعلا شرع لنا الاستغفار عقب الأعمال الصالحة ، كما في قول الله جـل وعلا : { إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3) } . وقد كان رسول الله يستغفر ثلاثاً عقب كل صلاة مفـروضـة . رواه الإمام مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها .
694- وعـن جـابـر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : قال رسول الله : «نحرت ها هنا ومنى كلها منحر ، فانحروا في رحالكم ، ووقفت ها هنا وعرفة كلها موقف ، ووقفت ها هنا وجمع كلها موقف » . رواه مسلم .
قال الإمام مسلم رحمه الله : حدثنا عمر بن حفص بن غياث قال : حدثنا أبي عن جعفر بن محمد قال : حدثني أبي عن جابر بن عبد الله به .
ورواه أبو داود عن الإمام أحمد بن حنبل قال : حدثنا يحيى بن سعيد عن جعفر بن محمد به ، ورواه ابن ماجه في سننه من طريق وكيع قال : حدثنا أسامة بن زيد عن عطاء عن جابر : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « منى كلهـا منحـر، وكـل فجـاج مكة طريق ومنحر » .
قوله : « نحرت ها هنا ومنى كلها منحر » :
أي فلا أفضلية لموضع دون موضع ، وقد ذهب جماهير العلماء إلىأن النحر يصح في جميع الحرم ، لقوله في رواية ابن ماجه : « وكل فجاج مكة طريق ومنحر » ولقول الله جل وعلا : { هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ } ، وقال تعالى : { فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ } أي في الحرم ، فليس النحر خاصاً بمنى ، بل قال الحبر عبد الله بن عباس : كان النحر بمكة فنزهت عن الدماء فصار في منى . وهذا إسناده صحيح إلى ابن عباس .
وقد اختلف الفقهاء رحمهم الله في حكم النحر خارج الحرم ، فذهب الجمهور ومنهم الأئمـة الأربعة إلى أنه لا يجزئ ، وذهب الإمام الطبري إلى الإجزاء، وقول الجمهور أحوط ، فلا ينحر المسلم إلا بالحرم ، سواء كان في منى أو مزدلفة أو في مكة ، كل هذا لا مانع منه .
قوله : « ومنى كلها منحر » :
حدود منى من الجهة الغربية العقبة ، ومن الجهة الشرقية وادي محسر عند الجمهور ، وعند طائفة أخرى المزدلفة ، ومن الجهة الشمالية والجنوبية الجبلان المرتفعان .
قوله : « ووقفت ها هنا وعرفة كلها موقف » :
وهذا من سماحة الشريعة ويسرها ، حيث لم يشق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته فيلزمهم بموقف معين ، بل وسع الأمر لهم وأذن لهم بالوقوف بعرفات في كل موضع منها ، والأفضل للمسلم في هذا اليوم أن يقف عند الصخرات لفعل النبي صلى الله عليه وسلم وأن يستقبل القبلة فلا يزال في الدعاء حتى تغرب الشمس فإن هذا اليوم يوم مشهود يباهي الله جل وعلا بعباده الملائكة ، ويكون الشيطان في هذا اليوم حقيراً ذليلاً لما يرى من سعة فضل الله على عباده وإحسانه عليهم ومغفرته لذنوبهم وتكفيره لسيئاتهم ، والوقوف بعرفة من حيث العموم ركن من أركان الحج على خلاف بين الفقهاء في مقدار الوقوف وفي بدايته ، فذهب جمهور العلماء إلى أن الوقوف بعرفة يبتدئ من زوال شمس اليوم التاسع ولا ينتهي إلا بطلوع الفجر من يوم النحر ، وذهب الإمام أحمد رحمه الله إلى أنه يبتدئ من طلوع الفجر ، ومن وقف قبل الزوال فقد صح وقوفه ، وذهب الإمام مالك رحمه الله إلى ركنية الجمع بين الليل والنهار ، وقد تقدم الإشارة إلى هذه القضية في الكلام على حديث جابر وقد سبق .
قوله : « وقفت ها هنا وجمع كلها موقف » :
المراد ( بجمعٌ ) هنا المزدلفة ، فإن الناس يجتمعون فيها ، ومدة الاجتماع من بعد غروب الشمس إلى غياب القمر للمعذور ولغيره إلى أن يسفر جداً قبل أن تطلع الشمس ، والحديث صريح في عدم وجوب الوقوف عند المشعر الحرام لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « وجمع كلها موقف » فحيثما وقفت صح وقوفك .
والمراد بالوقوف هنا المكث والإقامة .
واختلف الفقهاء رحمهم الله في حكم المبيت بالمزدلفة ، أما المعذور فقد تواترت فيه الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يدفع بعد غياب القمر ، ويحدده بعض الفقهاء رحمهم الله بمنتصف الليل ، وأما غير المعذور فالراجح فيه أنه يجب عليه المبيت بالمزدلفة ، وبهذا قال الإمام أحمد رحمه الله ، أما الإمام أبو حنيفة فقال : إن المبيت بمزدلفة سنة وليس بواجب .
وذهب فريق ثالث من العلماء إلى أن المبيت بمزدلفة ركن من أركان الحج لا يتم الحج إلا بــه ، وقد استدل أصحاب هذا القول بحديث عروة بن مضرس رضي الله عنه قال : قال رسول الله : «من شهد صلاتنا هذه ـ يعني بالمزدلفة ـ فوقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً ، فقد تم حجه وقضى تفثه». رواه أهل السنة وسيأتي وإسناده صحيح ، وهذا هو اختيار الإمام ابن خزيمة رحمه الله وفيه نظر . والحق أن الوقوف بمزدلفة واجب وليس بسنة ولا بركن ، وسيأتي إن شاء الله الكلام على هذه المسألة على حديث عروة بن مضرس .







695- وعن عائشة رضي الله عنها : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء إلى مكة دخلها من أعلاها ، وخرج من أسفلها . متفق عليه .
قال الإمام البخاري رحمه الله : حدثنا الحميدي ومحمد بن المثنى قال : حدثنا ابن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة .
وقال الإمام مسلم : حدثنا محمد بن المثنى حدثنا سفيان بن عيينة عن هشام به.
وجاء في الصحيحين مـن طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما : أن رسول الله دخل مكة من كداء من الـثنية العليا ، وكان يخرج من الـثنية السفلى .
وقد قال بعض أهل العلم باستحباب هذا ، فيتقصد الدخول من الثنية العليا والخروج من الثنية السفلى .
وذهب بعض العلماء إلى أن هذا لا يستحب لأن هذا الفعل لم يقع تقصداً ، إنما هذا الفعل وقع من غير قصد ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل هذا لأنه أسهل له ، ولذلك ذكر البخاري رحمه الله في صحيحه عن هشام بن عروة عن أبيه : أنه كان يدخل من كلتيهما . ولعل هذا القول أقرب إلى الصواب ، ولكن لو أن إنساناً أراد أن يتأسى بالنبي فدخل من الثنية العليا أجر على هذا ، فهناك فرق عند المحققين بين التأسي الخاص الذي هو السنة ، وبين التأسي العام .

696- وعن ابن عمر رضي الله عنهما : أنه كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى حتى يصبح ويغتسل ، ويذكر ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم . متفق عليه .
قال البخاري رحمه الله : حدثنا مسدد قال : أخبرنا يحيى بن سعيد عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر .
وقال الإمام مسلم رحمه الله : حدثنا أبو الربيع الزهراني قال : حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر به .
والخبر يدل على استحباب الغسل عند دخول مكة ، وقد نقل الإمام ابن المنذر رحمه الله الإجماع على استحبابه ، وقد جاء عند الحاكم بسند صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : من السنة أن يغتسل عند إحرامه وعند دخوله مكة ، وهذا الحكم عام بالعمرة والحج ، سواء قدم المعتمر أو الحاج من طريق المدينة أو من غيرها وقد استحب بعض الفقهاء دخول مكة نهاراً ، وذلك لأن ابن عمر رضي الله عنهما كان يبيت بذي طوى حتى يصبح ، ثم يغتسل ويدخل مكة نهاراً .
ولكن ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة ليلاً ، وذلك في عمرة الجعرانة ، وربما يكون دخوله مكة نهاراً من باب الموافقة لا من باب التقصد ، ولعل هذا أرجح ، لأن مجرد دخوله مكة نهاراً لا يدل هذا على الاستحباب ، ويؤيد هذا أنه في عمرة الجعرانة دخل مكة ليلاً ، والحديث دليل على حرص عبد الله بن عمر رضي الله عنهما على اتباع هدي رسول الله وقد حفظ رضي الله عنه سنية الاغتسال عند دخول مكة ، ولولا حفظ ابن عمر لهذه السنة لاندثرت، فلم يروها غيره ، وقد جاءت هذه السنة عن ابن عمر رضي الله عنهما فعلاً وقولاً فقد كان يغتسل ويحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يفعل هذا .
وفي رواية الحاكم السابقة : جعل هذا من السنة . يعني سنة النبي صلى الله عليه وسلم .
وإذا فات الغسل عند دخول مكة أو بذي طوى فلا مانع أن يغتسل فيما بعد ، وإذا شق الغسل أيضاً فلا مانع أن يعتاض عنه بالوضوء لأن المقصود من الغسل النظافة والتعبد لله جل وعلا ، وإذا لم يتيسر قام عنه الوضوء ، وإن لم يأخذ حكمه من كل وجه .
وأما إذا تعذر الوضوء فإنه يسقط حينئذٍ ولا يشرع التيمم .

697- وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه كان يُقبل الحجر الأسود ويسجد عليه.
هذا الخبر رواه الحاكم في مستدركه من طريق أبي عاصم النبيل عن جعفر بن عبد الله قال : رأيت محمد بن عباد بن جعفر قَـبَّـل الحجر وسجد عليه وقال : رأيت خالك ابن عباس قبل الحجر وسجد عليه .
وقال ابن عباس رضي الله عنهما : رأيت عمر بن الخطاب قبل الحجر وسجد عليه ، ثم قال عمر رضي الله عنه : هكذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ففعلت .
ولكن هذا الخـبر معلول بعلتين :
العلة الأولى : ذكر الحاكم رحمه الله في مستدركه أن جعفر بن عبد الله هو ابن الحكم ، وهذا وهم منه رحمه الله ، فإن المحفوظ أنه ابن عثمان كما صرح بذلك الدارمي في روايته ، ورجح هذا الحافظ ابن حجر في ( التلخيص ) وقد سبقه إلى هذا الإمام العقيلي رحمه الله .
والخبر رواه الشافعي ومن طريقه الإمام البيهقي عن سعيد عن ابن جريج عن أبي جعفر عن ابن عباس موقوفاً ، ورجـاله كلهم ثـقـات ، وقد صرح ابن جـريـج السماع من أبي جعـفر كـما عـند عـبد الـرزاق في ( المصنف ) .
العلة الثانية : الخبر المرفوع فيه اضطراب ، ذكر ذلك الإمام العقيلي وغيره من الحفاظ ، ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء في السجود على الحجر الأسود ، فجميع الأخبار الواردة في هذا الباب ضعيفة ومضطربة ، وإنما المحفوظ أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل الحجر الأسود ، وحفظ عنه أنه استلمه ، وحفظ عنه أيضاً أنه أشار إليه ، وأما الخبر المشهور أيضاً : أن النبي صلى الله عليه وسلم قبَّل الحجر الأسود وجعل يبكي فالتفت إلى عمر فإذا هو يبكي فقال : « يا عمر هنا تسكب العبرات » فإنه خبر منكر . رواه ابن ماجه وغيره .
والمحفوظ في السجود على الحجر أنه من فعل الحبر عبد الله بن عباس وقد اختلف العلماء في ذلك فذهب بعض أهل العلم إلى مشروعية السجود على الحجر الأسود ، وربما أن أصحاب هذا القول يرون صحة الأحاديث الواردة في هذا الباب. وذهب الإمام مالك رحمه الله إلى أن السـجود على الحجر الأسود بدعة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله ، وما فعله خلفاؤه الراشدون إنما جاء هذا الفعل اجتهاداً من عبد الله بن عباس رضي الله عنهما .
والأقرب في هذا أنه لا يقال بأنه مستحب كما قاله بعض أهل العلم ، ولا يقال بأنه بدعة ، لأن ابن عباس فعله ، بل يقال بالجواز ، فمن فعله فلا شيء عليه ومن تركه فيقال : هذا أفضل .



698- وعنه رضي الله عنه قال : أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم : أن يرملوا ثلاثة أشواط ، ويمشوا أربعاً ، ما بين الركنين . متفق عليه .
قال الإمام البخاري رحمه الله : حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به .
وقال الإمام مسلم رحمه الله : حدثنا أبو الربيع الزهراني قال : حدثنا حماد بن زيد به .
والحـديث يدل على مشروعية الرمل ، وبهذا قال جمهور العلماء ومنهم الأئمة الأربعة ، وقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله في ( فتح الباري ) عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : ليس بسنة ، إن شاء رمل وإن شاء ترك .
وقول الجمهور أصح ، فإن أقل الأمر بقوله : أمرهم رسول الله ، أن يُحمل على الاستحباب ، وقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب : ما لنا وللرمل ، رأينا المشركين وقد أهلكهم الله ، ثم قال : شيءٌ صنعه رسول الله لا نحب أن نتركه. رواه البخاري رحمه الله في صحيحه من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن عمر به .
وقد ثبت أن رسول الله رمل في حجة الوداع ففي صحيح الإمام مسلم من طريق حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم قال : حتى إذا أتينا البيت استلم الركن فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً . فهذا الخبر يقتضي سنية الرمل وقد فعله النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر لإغاظة المشركين وإظهار قوة المسلمين ، وقد أذل الله الشرك وأهله ، فلا يدخل البيت الحرام مشرك أبداً ، فبقي الحكم سنة إلى يوم القيامة وقد فعله النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ، إلا أن الرمل وهو المشي السريع مع مقاربة الخطى لا يكون إلا في طواف القدوم ، وأما ما عدا هذا فلا يُشرع فيه الرمل وقد نقل بعض أهل العلم الاتفاق على هذه القضية . والرمل لا يشرع إلا في الثلاثة الأُوَل.
ولم يذكر عن امرأة من الصحابة أنها رملت ولا أن النبي صلى الله عليه وسلم رغبها بهذا أو جاء هذا عن أحد من الصحابة ، وكل الأحاديث الواردة والأخبار المأثورة تشهد أن هـذا الحكم خاص بالرجال ، وقد نقل بعض الفقهاء الإجماع على هذا ، وهـذا الرمل مستحـب غير واجب ، واما كـونه خـرج بيانـاً لمطلـق الأمـر لـقـول الله جـل وعـلا : { وَلْيَطَّوَّفُوا } فلا يدل هذا على الإيجاب ، كما سبق تقرير هذه القاعدة . والله أعلم .

699- وعـن ابن عمر رضي الله عنهما : أنه كان يطوف بالبيت الطواف الأول ، خب ثلاثاً ومشى أربعاً .
وفي رواية : رأيت رسول الله إذا طاف في الحج أو العمرة أول ما يقدم فإنه يسعى ثلاثة أطواف بالبيت ويمشي أربعة . متفق عليه .
هذا الحديث غير موجود في بعض نسخ البلوغ ، ولكن الراجح إثباته ، وذلك لوجوده في أكثر النسخ ، خصوصاً النسخ القديمة ، ومن ثم شرحه العالم الصنعاني رحـمه الله ودل على وجوده في نسخته ، وهي نسخة قديمة .
وهذا الخبر متفق على صحته ، قال الإمام البخاري رحمه الله : حدثنا محمد بن عبيد بن ميمون قال : حدثنا عيسى بن يونس عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما به .
وقال الإمام مسلم رحـمه الله : حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة قال : حدثنا عبد الله بن نمير قال : حدثنا أبي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر به .
والحديث دليل على مشروعية الرمل في الأشواط الثلاثة الأُوَلْ ، وقد تقدم في حديث ابن عباس أنه يمشي بين الركنين ، وهذا في أول الأمر ، ثم نسخ بفعله في حجة الوداع ، وقد خب الثلاثة الأول كما في صحيح الإمام مسلم من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : ثم أتينا البيت فخب رسول الله ثلاثة أشواط ومشى أربعة .
وقد تقدم أن الرمل مستحب عند الجمهور ، وأما الحبر عبد الله بن عباس فيقول إنه ليس بسنة ، من شاء رمل ، ومن شاء ترك ، والحق ما ذهب إليه الجمهور، وقد كانت بداية مشروعية الرمل بقصد إغاظة المشركين ، فحين قدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكة قال المشركون : يقدم عليكم محمد واصحابه قد وهنتهم الحمى وكان المشركون عكوفاً عند الحجر ، فأمر الرسول أصحابه أن يرملوا الثلاثة الأُول ليُرُوا المشركين قوتهم وجلدهم وأن يمشوا بين الركنين حين لا يراهم المشركون ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم جعل هذا الفعل سنة إلى يوم القيامة ، وذلك حين رمل في حجة الوداع .
ونأخذ من هذا : مشروعية إغاظة المشركين ولو عن طريق العبادات ، فمثل هذا لا يسمى رياءاً ولا سمعة ، قال تعالى : { وَلاَ يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ } .
ونأخذ منه أيضاً : أن الرمل لا يُشرع إلا في طواف القدوم ، لقوله : أول ما يقدم .
ولذلك لم يرمل النبي صلى الله عليه وسلم بطواف الزيارة ، ولكن رمل في القدوم، فلو كان الرمل مشروعـاً لكل طواف لرمل النبي صلى الله عليه وسلم في غير طواف القدوم ، وحد الرمل هو الإسراع مع مقاربة الخطى ، ويسقط الرمل في أوقات الزحام ، ويكتب له الأجر كاملاً إذا كان من نيته الرمل ، والرمل خاص بالرجال ، فليس على النساء رمل كما أنه ليس على النساء جري بالمسعى بين العلمين ، لأن هذا يؤدي إلى انكشاف العورة وإلى غير ذلك من المفاسد .

700- وعنه رضي الله عنه قال : لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلم من البيت غير الركنين اليمانيين .
لقد اقتصر المؤلف رحـمه الله في عزو هذا الحديث لمسلم ، وهذا الخبر قد اتفق الشيخان على تخريجه .
قال الإمام البخاري رحمه الله : حدثنا أبو الوليد قال : حدثنا الليث بن سعد عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه به .
وقـال الإمـام مـسلـم رحـمه الله : حـدثنا قـتـيبة بن سعيد قال : حدثـنا الليث بن سعـد به .
وكون النبي صلى الله عليه وسلم لا يستلم إلا الركنين اليمانيين لأنهما بنيا على قواعد إبراهيم عليه السلام ، وسميا يمانيين تغليباً ، وإلا فالحجر الأسود يسمى الشرقي وقد قال الإمام أحـمد في مسنده : حدثنا سفيان عن عطاء بن السائب عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن ابن عمـر أن الـنبي صلى الله عليه وسلم قال : « استلام الركنين يحطان الذنوب » . وهذا إسناده صحيح .
وعطاء ابن السائب قد اخـتلط في آخر عمره ، ولكن رواية سفيان عنه قبل الاختلاط ، فالخبر صحيح .
ولا يقول شيئاً عنـد استلام الركن اليماني كما يفعل بعض الناس من قولهم : بســم اللـه ، أو الله أكبر ، السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يستلم الركن اليماني ولا يقول شيئاً .
وأما الحجر الأسود فالسنة أن يقتصر على التكبير دون التسمية ، لأنها لا تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما جاءت من فعل ابن عمر ، والأحاديث الصحاح لم تذكر شيئاً في هذا عن رسول الله ، وإنما يقتدي المسلمون برسول الله ، قال تعالى : { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } ، فبـما أن رسول الله اقتصر على التكبير وتواتر الأمر عنه ، فالواجب الاقتصار على فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، وأيضاً التكبير مرة واحدة خلافاً للجهال الذين يكبرون ثلاثاً وعشراً وأيضاً التكبير يكون عند المحاذاة ، وكلٌ بحسبه لا يشترط بلوغ الخط لأن هذا لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا في عهد الصحابة ولا على عهد التاتبعين، إنما هو خط وضع اجتهاداً لا أصل له ، والعبرة بالمحاذاة وكل بحسبه، والتكبير عند الحجر الأسود سنة وليس بواجب ، وقد نقل غير واحد الإجماع على هذا .
701- وعن عمر أنه قبل الحجر وقال : إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك . متفق عليه .
قال الإمام البخاري رحمه الله : حدثنا محمد بن كثير قال : حدثنا سفيان الثوري عن سليمان الأعمش عن إبراهيـم عن عابس بن ربيعة عن عمر بن الخطاب به .
وقال الإمام مسلم رحـمه الله : حدثنا هارون بن سعيد الأيلي قال : حدثنا ابن وهب عن عمرو عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن ابن عمر .
ورواه البخاري رحمه الله من طريق زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر .
ورواه مسلم من طريق حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر به .
قوله : [ قـبَّـل الحجر ] :
فيه استحباب تقبيل الحجر ، وأما البكاء عليه والسجود فقد تقدم أن الأخبار في هذا لا تصح ، وأنها كلها معلولة .
والحجر الأسود نزل من الجنة ، ولما نزل كان أشد بياضاً من اللبن فسودته خطايا أهل الإشراك كما جاء هذا عند الترمذي من حديث ابن عباس ، وقال : هذا حديث حسن صحيح .
قوله : [ إني أعلم أنك حجـرٌ لا تضر ولا تنفع ] :
المعنى أراد أمير المؤمنين بهذا أن يوضح للداخلين في الإسلام وللجهال أن الأحجار لا تجلب نفعاً ولا تدفع ضراً ، ونحن لا نُقبل الحجر الأسود لأنه حجر ، وإنما نقبله لأن النبي صلى الله عليه وسلم قـبَّـلهُ تعبداً لله جل وعلا ، وإلا فتقبيل الأحجار غير مشروع وتعظيمها من الوثنية ، ولذلك قال أمير المؤمنين : ( ولولا ) ولولا حرف امتناع لوجود غيره [ ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك ] فلذلك طارت بهذه الكلمة الركبان وسارت مسير الشمس وانتفع بها أممم كبيرة وجموع غفيرة .
وفيه دقة نظر الصحابة رضي الله عنهم بمعرفة التوحيد ومعرفة غاياته ومقاصده.
702- وعن أبي الطفيل قال : رأيت رسول الله يطوف بالبيت ويستلم الركن بمحجن معه ، ويقبل المحجن . هذا الخبر رواه الإمام مسلم في صحيحه .
قال مسلم رحـمه الله : حدثنا محمد بن المثنى قال : أخبرنا سليمان بن داود عن معروف بن خرَّبوذ عن أبي الطفيل .
ورواه أحـمد وأبو داود وابـن ماجه وابن خزيمة كلهم من طريق معروف بن خربوذ ، وأبو الطفيل اسمه : عامر بن واثلة من صغار أصحاب رسول الله ، قيل إنه ولد عام أحد ، وأما وفاته فقد قيل إنه آخر الصحابة وفاتاً ، فقد توفي سنة عشر بعد المئة ، وقيل غير ذلك .
وقد جاء في الباب خبر ابن عمر عند الإمام مسلم من طريق أبي خالد الأحمر عن عبيد الله بن عبد الله عن نافع قال : رأيت عبد الله بن عمر يستلم الحجر بيده وقبل الحجر بيده وقال : لو لم أكن رأيت رسول الله يفعله ما فعلته .
والخبر يدل على مشروعية تقبيل ما مس الحجر من محجن أو يدٍ أو غيرها ، وهذا إذا لم يتيسر تقبيل الحجر ، وإلا فالمشروع أولاً تقبيل الحجر فإذا لم يتيسر شرع استلامه إما باليد أو بالعصا ونحو ذلك وشرع حينئذٍ تقبيل ما استلمته به ، فإن لم يتيسر أشير إليه إشارة ولا تقبل ما أشرت به ، ولا يُشرع تقبيل ما لم يمسه وإنما شرع تقبيل ما مسه تعظيماً للحجر الأسود لأنه نزل من الجنة ، وإلا فتقبيل الأحجار والعصي وما شابه ذلك فإنه غير مشروع وإنما المشروع تقبيل الحجر تعظيماً لله ، وتعظيماً لهدي رسول الله .
وقـد جاء عن الإمـام الترمذي رحـمه الله : مـن طـريق عبد الله خثيم عن سعيد بن جبير عـن ابن عباس أن النبي صلى الله عـليه وسـلم قال في الحجر الأسود : « ليبعثنه الله يوم القيامة له لسان ينطق به وعينان يبصربهما ، يشهد على من استلمه بحق » أي : يشهد على من استلمه بحق دون أذية للآخرين ، ويكون أحد الشهداء الذين يستشهدون على أعمال العبد .
فيتلخـص عندنا ثلاث مراتب للحـجـر الأسود :
المرتبة الأولى : مشروعية تقبيله ولم يرد تحديد عدد للتقبيل ، فـالأولى مرة واحدة ، إذا لو كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل أكثر من مرة لنقل إلينا ، والمشروعية تصدق بمرة واحدة ، كما إن الواجب يصدق فعله بمرة واحدة ما لم يـدل دليل على قـصد التكرار ، وأما السجود عليه أو البكاء فلم يثبت في هذا خبر كما تقدم تقريره .
المرتبة الثانية : استلامه باليد أو بالعصا ونحو ذلك ، وذلك إذا شق تقبيله فإنه لا يشرع للمسلم أن يزاحم الناس من أجل تقبيل الحجر ، لأنه ربما ارتكب محرماً بزحامه وأذيته للآخرين ليفعل سنة ، وهذا عين الجهل حيث يفعل المرء سنة ويرتكب محرماً ، فالفقيه كل الفقيه الذي يدع السنة لئلا يقع في المحرم .
أما الـمـرأة فهي أشد من الرجال في هذه القضية فيجب عليها البعد عن مواطن مزاحمة الرجال ، خصوصاً عند استلام الحجر الأسود ، فنقول : إذا تعسر تقبيل الحجر الأسود استلمه بيده أو بعصا وقبّل ما استلمه به .
المرتبة الثالثة : الإشارة إليه بدون استلام ، وحينئذ لا يشرع له ولا يجوز له تقبيل ما أشار به إذا لم يستلمه ويقتصر مع الإشارة على التكبير مرة واحدة كما سبق ذكره ، والمشروع في التكبير عند المحاذاة وكل بحسبه ، فمن كان في نظره أنه حاذاه كبر . والناس يتفاوتون بالرؤية ، وهذا من الحكم التي يستحق عليها ربنا الحمد فإن في تفاوتهم بالرؤية والنظرة للاستقبال مما يعطي متسعاً لدفع الزحام ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها ، والاستلام والتقبيل والإشارة والتكبير كلها مستحبات فمن شق عليه شيء منها تركها ومضى .

703- وعن يـعلى بن أمـيـة قال : طاف رسول الله مضطبعاً ببـرد أخضـر .
هذا الخبر رواه الإمام أحـمد وأبو داود وابن ماجه من طريق سفيان عن ابن جريج عن ابن يعلى عن أبيه به . ورواه الترمذي في جـامعه من طريق قبيصه عن سفيان عن ابن خريـج عن عبدالحمـيد عن ابن يعلى به .
وقال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح ، وليس عند الترمذي ذكر (الأخضر).
والخبر يدل على على مشروعية الاضطباع وللخبر شاهد رواه أبو داود في سننه من طريق حماد بن سلمة عن عبد الله بن خُثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عمرة الجعرانة فرملوا بالبيت وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم وقذفوا بها على عواتقهم اليسرى .
وهذا الخبر إسناده جيد ، وفي عبد الله بن خثيم اختلاف ، فقد وثقه جماعة وضعفه آخرون ، وقد صحح له الترمذي رحـمه الله .
وهذا الخبر يدل على مشروعية الاضطباع في طواف القدوم ، فيجعل طرف إزاره الأيمن تحت إبطه الأيمن ويـقذف به علىعاتفه الأيسر ، وهذا الاضطباع سنة وليس بواجب ، وينتهي الاضطباع بانتهاء الطواف ، فما يفعله بعض الناس من الاضطباع عند الركعتين وفي المسعى هذا خلاف السنة ، وكذلك يقع من بعض الجهال اضطباع عند الإحرام ، وهذا غلط وخلاف السنة ، فالسنة بالاضطباع أن يكون عند الطواف وينتهي بانتهائه .
وفي حديث الباب دليـل على جواز الإحرام بالأخضر ، ويصح الإحرام بأي لــون ، من أخضر وأحمر أو أسود ، ولكن الأفضل الإحـرام بإزار ورداء أبيضين ، وقـد تـقـدم عندنـا حـديث ابن خثـيم عـن سعـيد بن جـبير عـن ابن عبـاس أن النبي صلى الله علـيه وسلم قـال : « خير لباسكم البياض وكفنوا فيها موتاكم » ، فخير لباس المرء البياض ، فيشمل هذا الحديث الإزار والرداء والثوب والعمامة وغير ذلك من الملبوسات ، اما الـمـرأة فتلبس ما شاءت من الثياب ، فليس للمرأة ثياب خاصة تحرم بها إلا أن الـمـرأة تـجـتـنب ثياب الزينة التي تفتن الناضرين كما قال تعالى : { وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } . فالواجب على الـمـرأة أن تخفي زينتها الظاهرة كما تخفي زينتها الباطنة .
وقد أجمع العلماء رحـمهم الله إلى أن الاضطباع خاص بالرجال ، واتفقوا على أن الرجل وكذا الـمـرأة يحرمان بـمـا شاءا من الثياب .

704- وعــن أنس رضي الله عنـه قال : " كان يهل منا المهل فلا ينكر عليه ، ويكبر منا لمكبر فلا ينكر عليه " . متفق عليه .
قال البخاري رحمه الله : حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك عن محمد بن أبي بكر أنه سأل أنس بن مالك وهما غاديان من منى إلى عرفة : ماذا كنتم تفعلون مع رسول الله في هذا اليوم ؟ فقال أنس : كان يُهل ... الحديث .
وقال مسلم رحـمه الله : حدثنا يحيى بن يحيى قال : قرأت على مالك عن محمد بن أبي بكر به .
والخبر يدل على مشروعية التلبية والتكبير في يوم عرفات ، وقد ذكر بعض الفقهاء بأن التلبية تنقطع في هذا اليوم وهـذا الحـديث ردٌ عليه .
وفي الحديث دليل على أن التلبية لا تلزمك هذا اليوم فيقوم مقامها التكبير ، فإن المقصود في هذا اليوم تعظيم الله جل وعلا ، وهذا يحصل بالتكبير أو التلبية أو غير ذلك مما يعظم به الله جل جلاله .


قوله : [ فلا ينكر عليه ] :
في هذا دليل على أن الصحابة رضوان الله عليهم لا يقرون منكراً ، لأن أنساً رضي الله عنه احتج على جواز مشروعية التكبير والتلبية في هذا اليوم بأن الرجل كان يلبي ، وكان يهل ولا ينكر عليه إذ لو كان هذا الفعل غلطاً ومخالفاً للسنة لبادر الصحابة رضوان الله عليهم إلى الإنكار عليه .
فإن قال قائل : لعل الصحابة لم ينكروا رجاء إنكار النبي صلى الله عليه وسلم والنبي صلى الله عليه وسلم لم يسمع فعلهم ، فنقول في هذا نظر من وجوه :
الـوجه الأول : لو سلمنا تسليماً جدلياً بأن الرسول الله لم يسمعـهم فربنا يقول : { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا(64) } .
الوجه الثاني : لو سلمنا أيضاً في الـمقدمة الأولى فلا بد أن الصحابة رضي الله عنهم ، حصل عندهم أحد الأمرين : إما أنهم تيقنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع فسكتوا ، وإما أنهم تيقنوا من أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسمعه فأجمعوا على جواز هذا الفعل إجماعاً سكوتـياً ، وإلا على الأقل لذهب بعض الصحابة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله منا المكبر ، ومنا المهل ، هل هذا جائز ؟ فلما لم يقع هذا الفعل علم اجماع الصحابة رضي الله عنهم بالسنة الإقـرارية مـن رسول الله على جواز ذلك .
الوجه الثالث : أنه لا يوجد دليل أصلاً في النهي عن فعل أحد الأمرين في هذا اليوم بل كله جائز ، سواء لبى الإنسان أو سبح أو كبر أو هلل أو عظم أو مجد كل هذا جائز .
وفي الحديث دليل على اشتغال الصحابة رضي الله عنهم بالذكر في هذا اليوم فيشرع للمسلم في يوم عرفات أن يشغل نفسه بالذكر ، ولا يضيع لحظة من عمره بقيل وقال ، أو التفرج على الذاهبين كل هذا غلط ، السنة في هذا اليوم الاشتغال بذكر الله جل وعلا ودعائه .




705- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : " بعثني النبي صلى الله عليه وسلم في الثقل أو قال : في الضعفة من جمع بليل " . متفق عليه .
قال الإمام البخاري رحمه الله : حدثنا سليمان بن حرب ، قال : حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس به .
قال الإمام مسلم رحـمه الله : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : حدثنا سفيان بن عينية ، قـال : أخبرنا عمـرو عن عـطاء عـن ابن عباس به .
وفي الباب حديث ابن عمر في الصحيحين من طريق يونس عن الزهري عن سالم ، قال : كان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقدم ضعفة أهله بليل فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة فيذكرون الله ما بدا لـهم ثم يدفعون قبل الإمام ، وقبل أن يدفع الناس فمنهم من يقدم منى قبل الفجر ومنهم من يقدم بعد الفجر ، فإذا قدموا رموا الجمرة ، قال عبد الله : أرخص في أولئك رسول الله .
وفي الباب حديث أسماء في الصحيحين : " أنها رمت قبل الفجر ، وقالت : أذن رسول الله للظعن " .
وهذه الأخبار تدل على جواز دفع الضعفة من المزدلفة بليل ، وقد حدده بعض الفـقـهاء بمنتصف الليل ، والحـق تـحديـده بغـيـبوبة القمر ، فإن أسماء كانت تقول: " لمولاها هل غاب القمر ، فإذا قال : لا ، قامـت : تصلي فإذا صلت ساعة ، قالت : هل غاب القمر فلما قال : نعم ، دفعت " .
فالذي يظهر أن عند أسماء علماً بأن الدفع لا يجوز إلا بعد غيبوبة القمر ، سواء كان الوقت صيفاً أم شتاءً ، ويدفع مع الضعفة من كان تابعاً لـهم ، وذلك للقاعدة : " يدخل الشيء ضمناً ، وتبعاً ما لم يدخل استقلالاً " .
فربما يكون التابع قوياً فلا مانع حينئذٍ أن يدفع مع الضعفة إذا كان تابعاً لـهم . وفي الحديث دليل على وجوب المبيت بمزدلفة إذا لو لم يكن واجباً ، ما كان للرخصة معنى في حق الضعفاء ، وبوجوب المبيت بمزدلفة قال الإمام أحـمد وإسحاق والشافعي وجماعة من الأئمة بل ذهب الإمام الشعبي إلى ركنية المبيت بمزدلفة ، وهذا اختيار الإمام ابن خزيمة ومال إليه ابن المنذر رحـمه الله .
وذهب بعض العلماء إلى سنية المبيت بمزدلفة ، وفي هذا نظر وأحاديث الباب تدفع هذا القول إذا لو كان المبيت بمزدلفة سنة لما كان لترخيص النبي صلى الله عليه وسلم للضعفاء قبل الدفع معنى ، فلما رخص النبي صـلى الله عـليه وسلم للضعفاء علم عدم الترخيص للأقوياء .
وفي حديث ابن عمر وأسماء دليل على جواز الرمي لـمن قدم منى قبل أن يطلع الفجر ، وبهذا قال الإمام الشافعي وطائفة من أهل الفقه والنظر ، وذهب الإمام أبو حنيفة رحـمه الله إلى أنـه لا يـرمي حتى تطلع الشمس مستدلاً بحـديث ابن عباس : " لا ترموا حتى تطلع الشمس " . وسيأتي إن شاء الله بيان ضعفه ، وبقوله قال الجمهور : إلا إنهم جوزوا الرمي بعد طلوع الفجر ، ولو لم تطلع الشمس وأما قبل طلوع الفجر فيرون أن الرمي غير مجزي ، بل تجب الإعادة وحديث ابن عمر يدفع قولهم وإذا ضم إليه حديث أسماء وأنها رمت قبل الفجر عُلم حقيقة جواز الرمي قبل طلوع الفجر .

706- وعن عائشة رضي الله عنها قالت : " استأذنت سودة رسول الله ليلة مزدلفة : أن تدفع قبله ، وكانت ثبطة ـ يعني ثقيلة ـ فأذن لـها " . متفق عليه.
قال الإمام البخاري رحمه الله : حدثنا محمد بن كثير ، قال : حدثنا سفيان عن عبد الرحمن بن القاسم عن القاسم عن عائشة به .
وقال الإمام مسلم رحـمه الله : حدثنا القعنبي ، قال : أخبرنا أفلح بن حميد عن القاسم عن عائشة به .
والخبر يدل على ما دل عليه حديث ابن عباس ، من جواز دفع الضعفة ليلاً من المزدلفة فقد استأذنت سودة وهي زوجة النبي صلى الله عليه وسلم بأن تدفع ليلاً من المزدلفة فأذن لـها النبي صلى الله عليه وسلم من أجل الحاجة ، فإن الحاجة تبيح المحظور ولم يذكر في هذا الخبر هل رمت حين دفعت أم لم ترمِ ، ولكن نأخذ الحكم من أحاديث أخرى كحديثي ابن عمر وأسماء وقد سبق ذكرهما .
والخبر يدل على وجوب المبيت بمزدلفة ليلة المزدلفة ، إذ لو لم يكن واجباً لما كان لاستئذان سودة معنى ، وقد يكون طلب سودة الأذن من النبي صلى الله عليه وسلم من باب استئذان الـزوجة لزوجها ، فـلا يفيد حينئذٍ الخبر وجوب المبيت بمزدلفة .

707- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال لنا رسول الله : « لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس » .
يقول المؤلف رحـمه الله : رواه الخمسة إلا النسائي وصوابه رواه الخمسة بدون استثناء ، فقد خرجه الإمام النسائي رحـمه الله .
وكلهم قد رووه من طريق الحسن العُرني عن ابن عباس ، والعُرني لم يسمع من ابن عباس ، وقد رواه أحـمد في مسنده والترمذي والطحاوي كلهم من طريق الحكم بن عتيبة عن مقسم عن ابن عباس به ، ورواته كلهـم ثـقات ، ولـكنه معلول لم يسمع هذا الخبر الحكم من مقسم .



وله طريق أخرى طريق حبيب بن أبي ثابت عن عطاء عن ابن عباس ، وهو معلول بعلتين :
العلة الأولى : الاضطراب . والعلة الثانية : الشذوذ . فقد جاء خبر ابن عباس في الصحيحين من طرق وليس فيه : " لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس " .
كما أشار إلى هذا الإمام البخاري رحمه الله في التاريخ الصغير ، فقد أعل خبر ابن عباس وضعفه ، ورأى أنه لا تقوم به الحجة وهذا الحق بلا ريب فالخبر فيه اضطراب وفيه شذوذ ، وقد ذكر الحافظ ابن حجر رحـمه الله في فتح الباري بأن للحديث طرقاً وحسنة بمجموعها وحمله على الندب ، وحمل الأحاديث الأخرى على الجواز وهذا الجمع صحيح لو صح الخبر ولكن الخبر منكر ، والحق جواز الرمي لـمن دفع ليلاً من المزدلفة ، ولو كان الرمي ليلاً لا يجوز لبين النبي صلى الله عليه وسلم هذا بياناً عامـاً ، ولقال لـهم : « ادفعوا ولكن لا ترموا » . وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز فإن هذا الأمر من المهمات التي يجب بيانها وتوضيحها، فلما لم يقع البيان من النبي صلى الله عليه وسلم علم أن الرخصة في الرمي ليلاً تبعت الرخصة بالدفع ، وهذا هو الذي فهمه عبد الله بن عمر وأسماء ولا يُعلم لهما مخالف .
وقد اختلف الفقهاء رحـمهم الله في حكم الرمي ليلاً فذهب إلى جوازه الإمام الشافعي رحـمه الله ، وهو الحق الذي دلت عليه النصوص ، وذهب الإمام أبو حنيفة وأحمد إلى المنع ومن هؤلاء من جوز الرمي بعد الفجر ، ولو لم تطلع الشمس ومنهم من منع مطلقاً وقال : لا يرمي حتى تطلع الشمس لأن هذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا صحيح بالنسبة للأقوياء ، أما بالنسبة للضعفاء ومن دفع ليلاً ففيه نظر ، وقد تقدم جواز هذا للضعفاء ومن كان تابعاً لـهم .







708- وعن عائشة رضي الله عنها قالت : " أرسل النبي صلى الله عليه وسلم بأم سلمة ليلة النحر ، فرمت الجمرة قبل الفجر ، ثم مضت فأفاضت " .
هذا الخبر رواه أبو داود من طريق ابن أبي فديك عن الضحاك بن عثمان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة به .
والضحاك بن عثمان : صدوق سيء الحفظ قد خرج له مسلم والأربعة ، وقد خولف في هذا الخبر فرواه الإمام الشافعي من طريق الدراوردي عن هشام بن عـروة عن أبيه مرسلاً .
ورواه أيضاً حماد بن سلمة عن هشام فأرسله ، ذكر ذلك الطحاوي والخبر أنكره الإمام أحـمد رحـمه الله ، وقال : ابن القيم رحـمه الله هذا خبر منكر ، وقال الإمام البيهقي : إسناده ضعيف ، وقال ابن التركماني : ضعيف الإسناد مضطرب المتن . وأما قول الحافظ : بأنه على شرط مسلم فهذا فيه نظر إذ أنه لا يلزم من تخريج الإمام مسلم لـهؤلاء الرواة أن يكون الخبر على شرطه ، لأن الإمام مسلماً رحـمه الله يروي بهذا الإسناد أحاديث مع انتفاء العلة عنها ، أما هذا الخبر فعلته ظاهـرة جداً وترجيح إرساله جيد ، وفي متنه اضطراب وقد أنكره الأئمة فكيف يصح مع هذا أن يقال على شرط مسلم والخبر منكر .
والخبر يدل على جواز دفع الضعفة ليلاً من المزدلفة وقد سبق ما يغني عن هذا. ويدل الخبر أيضاً على جواز الطواف بعد الرمي ليلاً ، وهذا المعنى صحيح فمن أذن له بالدفع ليلاً جاز أن يرمي ويطوف بالبيت ، وذهب بعض أهل العلم رحـمهم الله إلى أنه إنما أذن له بالدفع والرمي دون الطواف ، وفي هذا نظر لأن صاحبه لم يذكر دليلاً ، وهل يجوز النحر ليلاً أم لا ؟ الأظهر المنع لأن النحر مقيدٌ بالنهار ، وهل يجوز التقصير لـمن رمى ؟ الجواب : نعم يجوز له أن يقصِّر ويطوف بالبيت ويجعل النحر للنهار .





709- وعن عروة بن مضرس رضي الله عنه قال : قال رسول الله : « من شهد صلاتنا هذه يعني بالمزدلفة ـ فوقف معنا حتى ندفع ، وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجة وقضى تفثه » .
هذا الخبر رواه الخمسة من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن عروة بن مضرس وعند أبي داود ، قال الشعبي : حدثنا عروة بن مضرس ، قال أبو عيسى: هذا حـديث حسن صحيح وصححه الإمام الدارقطني وابن خزيمة وابن حبان والحاكم .
وقد احتج به الإمام الشعبي على ركنية المبيت بمزدلفة ، وهو اختيار ابن خزيمة وابن المنذر ووجه الدلالة منه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « من وقف معنا بالمزدلفة وشهد صلاتنا هذه ( وهذا فعل الشرط ) وجواب الشرط فقد تم حجة فمفهومه أن من لم يقف بالمزدلـفة ويـشهد الـصلاة فليس له حج وفي هذا القول نظر وذلك لوجوه :
الوجه الأول : أن الإمام أحـمد نقل اتفاق الناس على خلاف هذا القول ، وأقره شيخ الإسلام رحـمه الله في شرح العمدة .
الوجه الثاني : أن جـواب الشرط لا يتحقق إلا بتحقق فعلي الشرط ، الأمر الأول : الوقوف بالمزدلفة ، والأمر الثاني : الوقوف بعرفات ، ولا يتحقق جواب الشرط إلا بانتفاء الأمرين معاً فعليه لا حجة في هذا الحديث على جعل الوقوف بالمزدلفة ركناً .
الوجه الثالث : أن الحديث اشتراط شهود الصلاة ، وأهل العلم على خلاف ذلك وأصحاب هذا القول أيضاً لا يقولون بركينة شهود الصلاة ، إنما يشترطون موافات المزدلفة قبيل طلوع الشمس .
الوجه الرابع : أنـه ثبت عن عمر بن الخطاب أنه صحح حج من لم يقف بالمزدلفة ، رواه سعيد بن منصور وصححه شيخ الإسلام ، وذكر شيخ الإسلام في شرح العمدة بأن عمر أيضاً لم يوجب عليه دماً أقول ، وهذا مبني على وجوب الدم لـمن ترك واجباً .
الوجه الخامس : أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن للظعن والضعفة أن يدفعوا ليلاً بالمزدلفة ، وأذن النبي صلى الله عليه وسلم لـمن كان معهم أن يدفع فلو كان المبيت بمزدلفة ركناً لما جاز لتابع أن يدفع فإن العذر يسقط الركينة عن المعذور ، وأما التابع فلا عذر له بل مال شيخ الإسلام في شرح العمدة إلى أن المبيت بالمزدلفة سنة إلا لـمن وافاها بليل فيكون المبيت عليه واجباً ، وأما من لم يأتها إلا مع الفجر أو أتاها بعد الفجر فليس عليه شيء وذلك للعذر .
قوله : « قد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه » :
احتج بهذا الإمام أحـمد رحـمه الله في إحدى الروايتين عنه ، أن الوقوف بعرفة يبتدئ من طلوع اليوم التاسع إلى طلوع الفجر من اليوم العاشر وخالفه بذلك الجمهور ، فقالوا : لا يبتدي الوقـوف إلا بعد الزوال حتى قال ابن عبد البر : بالإستذكار وهذا بالاجماع .
وقد غفل رحمه الله عن خلاف الإمام أحـمد في هذه القضية ، وعن أحـمد رواية توافق قول الجمهور لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقف بعرفات إلا بعد الزوال وهذا أمر متواتر عنه .
ونستفيد من الحديث أن الوقوف بعرفات يصحح الحج ولو كان قليلاً لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال من ليل أو نهار ، ولم يشترط مدة معينة والسنة للحاج أن يقف بعرفات حتى تغيب الشمس لفعـل النبي صلى الله عليه وسلم ، وقـد قال : « لتأخذوا عني مناسككم » . والحديث في صحيح الإمام مسلم من حديث جابر ، وقد اختلف الفقهاء رحـمهم الله في حكم الوقوف بعرفات إلى غياب الشمس ، فقال الإمام مالك رحـمه الله : هذا ركن من أركان الحج ، لأنه لا بد أن يجمع بين الليل والنهار فلو دفع قبل غروب الشمس لبطل حجه عند الإمام مالك .
وقال الإمام الشافعي رحـمه الله : إنه واجب ولا شيء على من دفع قبل الغروب واختار هذا الإمام النووي والشنقيطي في أضواء البيان ، وعن الشافعي بأنه سنة وليس بواجب .
وأما الإمام أحـمد رحـمه الله فـيرى وجوب الوقوف بعرفات حتى تغرب الشمس ، ومن دفع قبل الغروب أثم وعليه الدم وحجه صحيح .
وأظهر هذه الأقوال أن الوقوف بعرفات إلى غروب الشمس يتراوح ما بين الوجوب والسنية ، وقد تقدم القول في هذا والعلم عند الله .
710- عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : " إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس ، ويقولون : أشرق ثبير وإن النبي صلى الله عليه وسلم خالفهم فأفاض قبل أن تطلع الشمس " .
هـذا الخبر رواه البخاري رحمـه الله في صحيحه فـقال : حـدثنا الحجاج بن منهال ، قال : أخبرنا شعبة عن أبي إسحاق السبيعي ، قال : سمعت عمرو بن ميمون يحدث عن عمر بن الخطاب به .
ورواه البخاري رحمه الله أيضاً من طريق سفيان عن أبي إسحاق السبيعي عن عمر بن ميمون به .
ورواه الترمذي وابن ماجه والإسماعيلي والطبراني وصححه ابن خزيمة .
قوله : [ إن المشركين كانوا لا يفيضون ... الحديث ] :
في هذا دليل على أن المشركين كانوا يحجون ، وكانوا على إرث في الحج من إرث أبيهم إبراهيم ، وكلهم غيروا وبدلوا وألحدوا وحرفوا وكانوا لا يدفعون من المزدلفة حتى تطلع الشمس ، ويقولون أشرق ثبير : وهو جبل مرتفع إذا طلعت الشمس على الجبل أفاضوا من المزدلفة إلى منى وخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم فأفاض قبل طلوع الشمس لأن هدينا مخالف لهدي المشركين ، ومن ثم ألزم غير واحد من أهل العلم الدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس مخالفة لهدي المشركين المغيرين لدين إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم ، وقد جاء في مسند الإمام أحـمد من طريق عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان قال : حدثنا حسان بن عطية عن أبي المنيب الجرشي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « من تشبه بقوم فهو منهم » .
قال شيخ الإسلام رحـمه الله في الاقتضاء إسناده جيد وظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم ، وأقل أحواله التحريم .
فهذا الخبر يؤيد تحريم الدفع من المزدلفة بعد طلوع الشمس إلا من كان له عذر فلا حرج عليه وإلا فالواجب على المسلم أن يدفع من المزدلفة قبل طلوع الشمس لأن هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم وهدي الصحابة أجمعين .



الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، أما بعد ...
فقد اطلعت على كتاب الحج من شرح بلوغ المرام وهو من كلامي وإملائي فلا مانع من نشره للاستفادة منه إلا أن هذا الشرح ليس مستوفياً لجميع أحاديث الحج من كتاب بلوغ المرام والعذر في ذلك منع إقامة الدروس فلعل الله أن يأتي بالفرج من عنده فنواصل الشرح فيخرج كاملاً .

كتبه : سليمان بن ناصر العلوان

في 20/12/1417هـ .
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:23 PM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2018 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com