عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات العلمية > منتدى العلوم والتكنولوجيا

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 23-12-2010, 03:23 PM
الحسن فرتيني الحسن فرتيني غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 136
افتراضي عناق في جنح الليل




اهتزت القاعة الكبيرة بالهتاف والتصفيق، مقتنعة تماما بموسيقاه العذبة المتناغمة فبما بينها والمتراصة نوتاها بمزيج من الألحان المستوحاة من خياله الشادي. أشعرته اللحظة بامتلاك مفاتيح المجد الذي طالما انغمس في تفاصيله دون عناء. غاب عن الوجود إلى عالم الشوق المتناسب مع لحظته التاريخية.
أرجعه صوت الهاتفين إلى جادة الصواب ليشنف الأسماع ويرضي الأذواق بسحر آخر منبعث من وثر أداته الموسيقية التي كانت تساعده بلا كلل أثناء مخاضه وولادة ألحانه الشجية. زاد الهتاف والتصفيق. الكل منبهر بما سمع وكأن الموسيقى وإيقاعاتها ترسم في آذانه لوحات من الألوان الجميلة التي لا يمحوها ضجر الحياة المفعمة باللحظات القاتلة. الكل يهيم في قصص من خياله متداخلة مع العزف البهي وهو سجين لا يبرح الكرسي. ربما خيل له أنه ممتطيا صهوة جواد أصيل يطير به إلى جنته المفقودة.

صعدت فتاة بقفطانها الأحمر الحريري وكعبها العالي إلى الخشبة بميكروفون في يدها لتنهي الحفل بكلمات كأنها مطر خفيف يدخل أعماق التراب ليبحث عن نبتات تزين الأرض في فصل الربيع.
قالت في حقه وفي حق الفن الذي قدمه أبياتا منسوجة بدقة وجمالية تجعل العود يعتصر في يده من الغيرة. مدت يدها لمصافحته ولتذكيره أن الباب الخلفي مفتوح لأن ليس من اللباقة الخروج من أبواب العامة.
تذكر العواد حالة الطقس في تلك الليلة، وما أنسته فيه سوى حرارة الهتاف. أخذ العود من يده وراح يجر تنويهات الجمهور ليلقى بها المطر والريح المترصد لوضعه تحت وصاية الواقع المرير. كان خائفا على البذلة اليتيمة التي اقترضها من صديق احتفظ بها من يوم زفافه.
امتزج الفرح والعالم الخيالي الذي رسم له بتشجيع المدعوين بالحزن على مغادرة القاعة في ليل بهيم ذي شتاء ماطرة وريح شرسة. خرج إلى الشارع الخلفي وانزوى في مكان تحت سقف الكشك المغلق في انتظار من يقله إلى بيته في الحي المحمدي. خرجت المنشطة مرتدية سلهما أزرق اللون مع عدد من التقنيين إلى سيارات كانت متوقفة خلف القاعة، لوحت بيدها علامة للوداع إلى العواد ثم ركبت واختفت عن الأنظار. بقي العواد وحيدا، والساعة متأخرة وليس هناك من يمر في الشارع سوى كلاب ضالة تبحث عن قوتها في القمامات، وقطط تنتظر انتهاء الكلاب والانقضاض على ما تبقى.
أخذ العود وراح يجوب الشوارع مقتنعا ألا مفر من الذهاب إلى البيت مشيا على الأقدام.
شعره تتقاطر منه خيبة الأمل في ليلة عاصفة تذكره بالعمل في الميناء وحمل صناديق السمك لتوفير ثمن عود مستعمل، وتوفير ثمن الدروس الليلية في المعهد. حلمه الوحيد هو الوصول إلى النجومية بالابتكار والإبداع والأفق البراق ليعانق أقواس قزح الربيعية التي أفنى وقته للوصول إليها. خطواته فوق ماء المطر أخذته إلىشهر مضى حين توصل من أستاذه قبل سفره إلى الديار الغربية بدعوة إحياء ليلة في المسرح البلدي بدلا عنه. تذكر كم كان يصرخ ويعانق العود، ويسهر الليالي استعدادا لفتح باب الخلود.
فترة النجومية سوى سويعات أتحفت فئة من البشر، ربما نسوها عند خروجهم من القاعة وركوبهم سيارات فارهة للرقص على نغمات عود أبله آخر في أماكن أخرى، تاركين العواد لمصيره في شارع صامت، مليء بالقمامات ومخترق بالنباح والمواء.
فتح عينيه المغلقتين بشدة المطر ليجد نصبها رجلا كثيف الشعر، مرتديا معطفا ممزق اليدين وكأنه آتيا من جحيم بغداد. في يده قارورة خمر من النوع تارخيص جدا، يتمايل في مشيته كراقص الباليه على لوحات التزلج. وقف الرجل وأمعن النظر في العواد ثم جرع من القارورة جرعتين متتاليتين وبدأ يردد بصوت جميل ساحر:
" سولت عليك العود والناي وانغامو..."
سكت هنيهة ثم أكمل الغناء بصوت شجي تخونه نبرات الصوت أحيانا بشدة السعال. أخذ العواد آلته وتبعه بنفس اللحن حتى انتهى من أغنيته الجميلة. نظرا إلى بعضهما، واقتربا. وعند كل خطوة تظهر ملامح الرجل أكثر فأكثر إلى أن صارا وجها لوجه. اندهش العواد من الرجل الذي كان يحلم أن يكون في مكانته. اقشعر بدنه عندما رأى الفنان الذي كان بالأمس محطة أنظار، يحمل في سجله تاريخا للفن والشعر. لم يشعر حتى وجد نفسه معانقا للفنان الذي حكمت الظروف واللا مبالاة في بلد الفن أن يصير عربيدا في جنح الليل الماطر.
كانت تلك الصورة كافية أن يتعلم العواد أن ما قدمه في القاعة لا علاقة له بالواقع وأن هتاف الجمهور سوى لحظة عابرة وأنه لا بد من إتمام طريقه إلى بيته لأن قوت يومه في الميناء لن يسامحه أبدا.
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 29-12-2010, 11:18 AM
ابن حوران ابن حوران غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: May 2005
المشاركات: 2,349
افتراضي

أحياناً يتوقف مارٌ ـ فجأة ـ من سوق أمام واجهة معرض ويقلص دائرة اهتمامه في قطعة معروضة، لم يعتن بماركتها أو منشأها أو سعرها، بل بجمالها وإبداع صانعها...

هذا ما حدث لي مع نص، ومن ثم نصوص هذا الكاتب الفذ، الذي من سوء حظي لم أتعرف على نتاجه الراقي قبل مروري من هنا، مما دفعني لتتبع بعض أعماله في أكثر من موقع، لأقف عند إمكانيات كاتبٍ مبدع خصب الوصف والمعاني، عميق الفلسفة، صاحب أسلوبٍ جميل...

قد لا تعني له شهادتي شيئاً ـ لتواضع إمكاناتي ـ لكن، حتى الأميين يتذوقوا ما هو جميل ...

كل الاحترام والتقدير لهذا الكاتب المبدع
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 29-12-2010, 02:19 PM
<*papillon*> <*papillon*> غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: May 2002
المشاركات: 4,100
افتراضي

مررت لتحية هذا القلم الراقي
بكل ما تحمله الكلمة من معنى
ويستحق التقير في كل حين ووقت


لي عودة أخرى
تقبل تقديري واحترامي
الفراشة
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 31-12-2010, 03:25 AM
أ.عبدالله يحي البت أ.عبدالله يحي البت غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Aug 2007
الدولة: جازان الأم
المشاركات: 3,937
افتراضي

أنت هنا أقوى ما يكون
لغة عظيمة المبنى وبلاغة لفظ ذات مدلول يعكس رقي الكاتب خيالاً
وواسع أدب.
كن على بديع مسارك وأخلد في حنايا المجد..
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
طاجن اللحم بالجلبان وعــــــــــــد منتدى العلوم والتكنولوجيا 1 22-08-2010 05:14 AM
✿ حوار بين الليل والفجر ✿ رحيق الأزهار منتدى العلوم والتكنولوجيا 1 30-01-2010 02:49 PM
عيون الليل الفيلسوف العاشق منتدى عـــــــذب الكــــــــلام 20 12-07-2001 04:59 AM
اللحم المناسب لاطفالك أبو عائشة منتدى العلوم والتكنولوجيا 8 14-06-2001 04:12 AM
الصــــــــــــــــــــــالحون وقيام الليل بيادر منتدى العلوم والتكنولوجيا 5 15-04-2001 12:26 AM


الساعة الآن 09:25 AM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2018 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com