عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات الشـــرعيـــة > منتدى الشريعة والحياة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 15-11-2008, 05:34 PM
سفيان الثوري سفيان الثوري متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Jun 2002
الدولة: السعودية
المشاركات: 3,471
افتراضي السجين ( رد على بعض شبهات التكفيريين )






بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله رب العالمين الذي يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ،والصلاة والسلام على النبي المبعوث رحمة للعالمين الذي قال:


" وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَتْلُ مُؤْمِنٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ زَوَالِ الدُّنْيَا "



أما بعد :


فهذه رسالة أحتسب بها وجه الله والدار الآخرة راجيا منه سبحانه أن يحسن لي النية والعمل ،وأن يوقعها في نفوس قارئيها موقع إيمان وتصديق جازم لا يشوبه ريب ولا تردد


أما بعد :


فالحامل على كتابة هذه الرسالة شدة الحاجة إليها في كل حين زيادة على ما شهدناه من الأمور المحزنة عندما نسمع عن أولياء هؤلاء الشباب المسجونين بتهمة الإرهاب.


حين يرى في أعينهم وعلى صفحات وجوههم الحزن والكآبة لا لكون أبناءهم مسجونين ولا لكون أبناءهم مقتولين ، بل لأنهم سمعوا ممن يوثق بدينه وعلمه كلاما مدللا بالكتاب والسنة يثبت لهم أن هؤلاء الشباب منحرفين عن الجادة معدودين في أهل الزيغ والفساد .


مما يحملهم على كثير من الأسى أن يكون أناس تحدروا من أصلابهم حربا على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.


مما يوجب على الشاب العاقل والموفق أن يراجع حساباته لأن الذين وقفوا ضده وسفهوا رأيه وجرموا فعله ليسوا حكاما ولا مفكرين ولا من أهل العفن المسمين أنفسهم زورا أهل الفن.



بل الذين وقفوا ضدهم هم علماء ربانيون أفنوا أعمارهم بقيام الليل وصيام النهار وتعليم العلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.


وليس لهم في حربهم لهؤلاء الشباب مأرب دنيوي ، لأن العمر قد طال بهم فأصبحوا شيبا ، ذهب بسبب شيبهم نزع الشهوات ونزغ الشيطان كما قال عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه وأرضاه –


" لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أشياخهم فإذا أخذوه عن شبابهم هلكوا "


وقبل أن أشرع في المقصود أذكر لكم قصة بسيطة وبريئة ولكن فيها معنى مهم أرجو أن يستقر في النفوس وتلكم القصة هي:


أنه خرج رجل من بلدتنا يدعى "عبد الله" وسافر إلى أمريكا وكان ذلك قبل نحو ثلاثين عاما.


وكان سبب خروجه اكتساب بعض العلوم الدنيوية إلا أنه انغمس في الشهوات المحرمة وانحرف عن الجادة وأمضى أيامه ولياليه بين خمر وغانيه ..


سكر في الليل والنهار ومعاشرة بالحرام .


ثم إنه عزم على عدم العود إلى البلاد والمكث في الديار الكفرية لكونها تحقق له شهوته ،
والعجب أنه لما طال غيابه وانقطعت أخباره


كانت أمه تفرش كل ليلة فراشه وتقول :

يقول بعض الناس صادفته في أمريكا فوجدته معربدا سكيرا نكيرا ثم إني خوفته بالله ورغبته بالعودة إلى أرض الوطن ..


يقول فجلس يبكي ويتذكر بلاده القديمة ويذكر شوارعها وحاراتها ويتحسر على أيامه التي مضت ، ويهفو إلى أمه وجميل حديثها وعظيم عطفها وكيف أنه فرط في ذلك كله لشهوة حيوانية ..



يقول هذا الرجل : حاولت بعبد الله أن يرجع ، ولكن الشهوة التي تملكت فؤاده كانت أكبر مما أتصور إذ غاية حنينه على بلده وأهله هي ذكرى سانحة في الخيال


يقول الرجل: وبعد أيام قلائل توفي عبد الله في بلد الكفر وهو في غاية من الضلال والفساد ..
يقول : لما رجعت إلى بلدي أيقنت أن أمه سوف تصدم بخبر وفاته لأنها كانت لها غاية أن تنظر إلى محياه وتشم أنفاسه وترتمي في حضنه فلطالما ارتمى هو في حضنها ..


إن غايتها لا تتجاوز لحظة واحدة ولكنها المسكينة حرمت من حق الأمومة بسبب أن ابنها سجين شهوته وفي القبر هو سجين عمله ..إلا أن يتداركه الله برحمته.


يقول صاحبنا في ختام قصته هذه أن أقارب أم عبد الله لم يستطيعوا أن يعلموها بموت ابنها عبد الله لأنها أصلا ما فتئت كل ليلة تفرش فراشه وتقول : الليلة يجي عبد الله .


في هذه القصة الحقيقية فيها بيان عظم جناية بعض الأبناء على آباءهم وأمهاتهم .


إن بر الوالدين له معنى أبعد من إطعامهما وكسوتهما وإسكانهما


له معنى أبعد من عدم أذيتهما، والإساءة إليهما ولو بكلمة أف

إن بلوغ الأخبار المسيئة عن الولد للوالدين هو عقوق بهما كبير.


إن الشاب البار بوالديه ليحتشم عن الفعلة يفعلها وعن الكلمة يتفوه بها حتى لا يقول الناس له بئس الوالدان والداك اللذين لم يربياك .




أخي السجين:


ثق بأن كل المصائب والألآم والعزلة والوحدة التي ربما عانيت شيئا منها في سجنك إن أمك وأباك يلقيان أضعافا مضاعفة مما تلقاه أنت، بسبب بعدك عنهما في الدنيا وعن طريق النجاة الذي يجمعك بهما في دار القرار.



وأما الآن فإني أدخل في المقصود على هيئة سؤال وجواب وشعاري في ذلك "إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء" ...



سؤال (1):



البعض إذا قيل له إنك ما جنيت من أعمالك إلا أنك عرضت نفسك وذويك للتعذيب أو القتل أو النفي من البلاد أو السجن وما شابه ذلك فيقول إن شجرة الإسلام لا تسقى إلا بالدماء وإن الطريق إلى الجنة محفوف بالمكاره . والأنبياء عليهم السلام أوذوا بأشد من ذلك فصبروا .




الجواب /


هذا الكلام كثيرا ما يردده المتحمسون للدعوة إلى الله خاصة منهم من يتصدون للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر


حتى إن بعضهم يقول " إذا كنت تدعو إلى الله وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ولم يصبك أذية فاتهم نفسك واعلم أنك لست على طريقة الأنبياء "


ويروون في ذلك بعض الآثار الثابتة عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم نحو إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءَ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ"


وهذا الفهم ليس صحيحا وليس خطأ ،


لأن هذا الفهم فيه شبه من فهم الذين أوتوا الكتاب من قبلنا لأن صاحب هذا الفهم أخذ بحظ من النصوص الثابتة وترك الحظ الآخر



تماما كما فعل اليهود والنصارى من قبلنا ونحن نهينا أن نتشبه بهم




قال الله تعالى{وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ}


فأخبر الله عن أهل الكتاب بأن من ظلمهم وبغيهم وغلوهم أخذ بعض الكتاب وترك بعضه



ولذلك كان كلام هذا المتكلم ليس صوابا على الإطلاق وليس خطأ على الإطلاق


بل فيه حق وباطل



لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:


" لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ قَالُوا وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ قَالَ يَتَعَرَّضُ مِنْ الْبَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُ"


وكان يقول لأصحابه:



" لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَاسْأَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا"


وكان يضم الأطفال ويقول:


" إِنَّ الْوَلَدَ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ"


فيحملون أباهم على أن يكون جبانا وبخيلا حتى يحنوا عليهم وينعطف إليهم



وهذا الوصف كون الأب ينحبس على أبناءه بنفسه وماله جاءت الشريعة بتأييده لأن الشريعة لا تهدر مصلحة الفرد لأجل الجماعة ولا مصلحة الجماعة لأجل الفرد بل تعطي لكل ذي حق حقه


ولذلك كان من المتقرر عند العلماء كافة أن الجهاد في سبيل الله الذي هو ذروة سنام الإسلام ومن أحب الأعمال إلى الله وإن كان فرض عين فإنه يسقط عن الرجل الذي ليس لأهله عائل غيره ،


ولو استرسلنا على فهم هذا المتكلم


لقلنا لهذا الرجل الذي ليس لأهله عائل غيره -دع أهلك الله يحفظهم لك –أنت اللي ترزقهم وإلا الله – لاتمت خائنا لله – كيف يهنأ لك العيش وإخوانك يجاهدون وأنت تتقلب على الفرش –


ونحو هذا الكلام الذي يدل على البغي والعدوان والغلو.



وفي آية الصبر وهي قوله تعالى:



{الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} (66) سورة الأنفال


كان المسلم الذي حظر التقاء الصفين في القتال لا يجوز له أن يهرب إلا إذا كان أمام كل مسلم فوق عشرة أشخاص من الكافرين فخفف الله عنهم وأذن لهم بالانسحاب إذا كان أمام المسلم فوق رجلين من الكفار


وهذا يدل على عظم الإسلام وأنه يراعي مصالح العباد ويحرص على حفظهم وحقن دمائهم



قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية:



"قال تعالى مبشراً للمؤمنين وآمراً: {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا} كل واحد بعشرة، ثم نسخ هذا الأمر وبقيت البشارة،



قال عبد اللّه بن المبارك عن ابن عباس لما نزلت {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} شق ذلك على المسلمين حين فرض اللّه عليهم ألا يفر واحد من عشرة، ثم جاء التخفيف، فقال: {الآن خفف اللّه عنكم} إلى قوله {يغلبوا مائتين} قال: خفف اللّه عنهم من العدة ونقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم.


وروى البخاري نحوه، وعن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية ثقل على المسلمين وأعظموا أن يقاتل عشرون مائتين، ومائةٌ ألفاً، فخفف اللّه عنهم فنسخها بالآية الأخرى فقال: {الآن خفف اللّه عنكم وعلم أن فيكم ضعفا} الآية،

فكانوا إذا كانوا على الشطر من عدوهم لم يسغ لهم أن يفروا من عدوهم، وإذا كانوا دون ذلك لم يجب عليهم قتالهم وجاز لهم أن يتحرزوا عنهم (وروي عن مجاهد وعطاء وعكرمة والحسن وزيد ين أسلم وغيرهم ونحو ذلك).


وروى الحافظ ابن مردويه عن ابن عمر رضي اللّه عنهما في قوله: {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} قال: نزلت فينا أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم."ا.هـ


ومن ذلك ما ثبت في صحيح مسلم عن عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ السُّلَمِيُّ انه قال:



كُنْتُ وَأَنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَظُنُّ أَنَّ النَّاسَ عَلَى ضَلَالَةٍ وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ فَسَمِعْتُ بِرَجُلٍ بِمَكَّةَ يُخْبِرُ أَخْبَارًا فَقَعَدْتُ عَلَى رَاحِلَتِي فَقَدِمْتُ عَلَيْهِ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَخْفِيًا جُرَءَاءُ عَلَيْهِ قَوْمُهُ فَتَلَطَّفْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَيْهِ بِمَكَّةَ فَقُلْتُ لَهُ مَا أَنْتَ قَالَ أَنَا نَبِيٌّ فَقُلْتُ وَمَا نَبِيٌّ قَالَ أَرْسَلَنِي اللَّهُ فَقُلْتُ وَبِأَيِّ شَيْءٍ أَرْسَلَكَ قَالَ أَرْسَلَنِي بِصِلَةِ الْأَرْحَامِ وَكَسْرِ الْأَوْثَانِ وَأَنْ يُوَحَّدَ اللَّهُ لَا يُشْرَكُ بِهِ شَيْءٌ قُلْتُ لَهُ فَمَنْ مَعَكَ عَلَى هَذَا قَالَ حُرٌّ وَعَبْدٌ قَالَ وَمَعَهُ يَوْمَئِذٍ أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ فَقُلْتُ إِنِّي مُتَّبِعُكَ قَالَ إِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ يَوْمَكَ هَذَا أَلَا تَرَى حَالِي وَحَالَ النَّاسِ وَلَكِنْ ارْجِعْ إِلَى أَهْلِكَ فَإِذَا سَمِعْتَ بِي قَدْ ظَهَرْتُ فَأْتِنِي قَالَ فَذَهَبْتُ إِلَى أَهْلِي وَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَكُنْتُ فِي أَهْلِي فَجَعَلْتُ أَتَخَبَّرُ الْأَخْبَارَ وَأَسْأَلُ النَّاسَ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ حَتَّى قَدِمَ عَلَيَّ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ يَثْرِبَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةَ فَقُلْتُ مَا فَعَلَ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَقَالُوا النَّاسُ إِلَيْهِ سِرَاعٌ وَقَدْ أَرَادَ قَوْمُهُ قَتْلَهُ فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا ذَلِكَ فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَعْرِفُنِي قَالَ نَعَمْ أَنْتَ الَّذِي لَقِيتَنِي بِمَكَّةَ قَالَ فَقُلْتُ بَلَى فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ وَأَجْهَلُهُ أَخْبِرْنِي عَنْ الصَّلَاةِ قَالَ صَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ حِينَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ ثُمَّ صَلِّ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلَاةِ فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ فَصَلِّ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى تُصَلِّيَ الْعَصْرَ ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلَاةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ قَالَ فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَالْوُضُوءَ حَدِّثْنِي عَنْهُ قَالَ مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ فَيَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ فَيَنْتَثِرُ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ وَفِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ مَعَ الْمَاءِ ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا يَدَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رَأْسِهِ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ مَعَ الْمَاءِ ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رِجْلَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِلَّهِ إِلَّا انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ فَحَدَّثَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَبَا أُمَامَةَ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ أَبُو أُمَامَةَ يَا عَمْرَو بْنَ عَبَسَةَ انْظُرْ مَا تَقُولُ فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ يُعْطَى هَذَا الرَّجُلُ فَقَالَ عَمْرٌو يَا أَبَا أُمَامَةَ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي وَرَقَّ عَظْمِي وَاقْتَرَبَ أَجَلِي وَمَا بِي حَاجَةٌ أَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ وَلَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا حَتَّى عَدَّ سَبْعَ مَرَّاتٍ مَا حَدَّثْتُ بِهِ أَبَدًا وَلَكِنِّي سَمِعْتُهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ



فهذا الحديث يبين بوضوح أن الكفار كانوا ذا شوكة وقوة وجرأة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام في مكة ولا يستطيعون ان يفعلوا له شيئا ، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم محفوظ بحفظ الله له وقد أبان له الله عزوجل بأنه لن يقتل على أيدي الكفار


كما في قوله


عزوجل:

{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}



ومع أن ظلم الكفار تعدى ظلمهم لربهم من الشرك إلى ظلمهم للنبي صلى الله عليه وسلم والناس بتعذيبهم وسفك دماءهم وأخذ أموالهم


مع هذا كله وهي مبررات لأن يتخذ الرسول صلى الله عليه وسلما سلوكا وتخطيطا ليقابل العنف بالعنف والشدة بالشدة إلا أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يفعل ذلك لمصلحتين ظاهرتين

الأولى:




حفظ الدعوة إلى الله وأن لا ينسب إلى الشريعة ماليس منها لأنه إذا تمكن الكفار من وصف الشريعة ماليس منها كان ذلك عونا لهم في رد الناس عن الدخول في دين الله .


ولذلك نهى الله نبيه صلى الله عليه وسلم والصحابة عن سب الآلهة المستحقة للسب حتى لا يتجرأ الكفار فيسبوا الله عدوا بغير علم



{وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (108) سورة الأنعام


ولأن سب الله زيادة على كونه من أعظم المنكرات إلا أنه يهون من مكانة الرب في قلوب الناس


وهذه المصلحة الشرعية حافظ عليها النبي صلى الله عليه وسلم حتى وهو في المدينة عندما أصبح هو القوي والكفار ضعفاء .


وهي التي حملته على عدم قتل المنافقين وعلل ذلك صلى الله عليه وسلم بقوله ردا على عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عنه حين قال:


دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَقْتُلَ هَذَا الْمُنَافِقَ


فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:


مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنِّي أَقْتُلُ أَصْحَابِي.



لأن الناس خارج المدينة ليس عندهم علم بأحوال المدينة ولا بأحوال الناس في المدينة وأنهم طبقات في الفضل والمكانة كما أن في المدينة أناسا كفارا في الباطن مسلمين في الظاهر وهم المنافقون.


فهذه التقسيمات والأنواع لا يعرفها من هو خارج المدينة.




فإذا قتل النبي صلى الله عليه وسلم أحد المنافقين ظن الناس الذين هم خارج المدينة بأن محمدا يقتل أصحابه فيحملهم ذلك على الامتناع عن الإسلام ويوسوس لهم الشيطان في أنفسهم أن دمائكم مهروقة أسلمتم أم لم تسلموا لأن محمدا يقتل أصحابه


وهذه الغاية العظيمة لم يراعها الذين يقولون أن شجرة الإسلام لا تقوم إلا بالدماء زيادة على أن في مقولتهم هذه خدعة شيطانية لم ينتبهوا إليها وهي :


أنهم يقولون أن الأنبياء أوذوا فصبروا فكذلك أنتم أوذيتم فعليكم أن تصبروا .


وهم بذلك يلبسون على أنفسهم ويقلبون الحقائق


لأن الأنبياء أوذوا فصبروا وكان صبرهم عليهم السلام بكف الأذى عن الناس وتحمل ما يأتي منهم والسعي بهدايتهم



وأما هؤلاء المفتونين فإنهم يصبرون على الأذى الناتج من رد الإساءة بالإساءة وزيادة ولا يصبرون على حبس مطامع أنفسهم وتحمل أذى الآخرين في مقابل هدايتهم وإظهار الدين




لأن الإنسان إذا قتل أبوه أو أخوه أو أخذ ماله فإن نفسه لديها الاستعداد أن تصبر على القتال والمضاربة والخصام،لأنها إن فعلت ذلك تنفست ووجدت أنها قد نالت ممن قد نال منها.


أما الإنسان الذي يؤخذ ماله أو يقتل ذووه ثم هو لا يقابل الإساءة بالإساءة بل يحبس هوى نفسه ويصبر فإن هذا هو مقام الأنبياء.


فإن لم يكن له نية بالاحتساب والصبر فإنه مقهور لعدم قدرته على القتال.



والشريعة أنما مدحت من كان انحباسه أو انتصاره لذات الله وهو صبر الأنبياء والمعنيون في قوله صلى الله عليه وسلم " إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءَ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ"


وأما من كان له حظ في الانتصار فإنه وإن جاز له ذلك أحيانا فإن الجواز يعني العفو والسماح والإذن وليس بالضرورة أن يكون فعله ممدوحا ومن ذلك قوله عزوجل {وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ} (41) سورة الشورى


وهذا المبحث قد يطول تفصيله وتفريعاته وهو مما اختص به أهل العلم والإيمان بل إن الله عز وجل أختص به بعض أهل العلم والإيمان الذين لديهم من الله ملكة في حسن النظر والاستنباط



{وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً}


(83) سورة النساء
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 15-11-2008, 05:37 PM
سفيان الثوري سفيان الثوري متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Jun 2002
الدولة: السعودية
المشاركات: 3,471
افتراضي

المصلحة الثانية /



وهي المصلحة التي لم يراعها هؤلاء الذين يتشوقون إلى الدماء أو يتعللون بسفكها بعلل واهية ومن لم يعلم أنها واهية الآن سيعلم يقينا أنها واهية عندما يقف بين يدي الرب الجبار المتكبر.


وهي المحافظة على النفس المسلمة إلى أبعد حد يستطيعه البشر حتى الكفر بالله عز وجل ظاهرا دون الباطن.



ولذلك جاء في بعض الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَتْلُ مُؤْمِنٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ زَوَالِ الدُّنْيَا "


فالمحافظة على المسلم والمسلمة ألا يقتلا مهم جدا بل على المسلم العاقل أن يعرف أنه لابد من وقف القتال متى ما كان مسلما مرميا بين أظهر الكافرين



يقول الله عز وجل{وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}



فالله عز وجل يحبس عذابه عن أهل مكة بسبب أن النبي صلى الله عليه وسلم وهو نفس مؤمنة موجود بين ظهرانيهم.


وهذا ليس خاصا بالرسول صلى الله عليه وسلم بل عام لكل نفس مؤمنة يقول الله عز وجل:
{هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاء لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} (25) سورة الفتح


يقول ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية:



يقول تعالى مخبراً عن الكفار ومشركي العرب، من قريش ومن مالأهم على نصرتهم على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: {هم الذين كفروا} أي هم الكفار دون غيرهم



{وصدوكم عن المسجد الحرام} أي وأنتم أحق به وأنتم أهله في نفس الأمر {والهدي معكوفاً أن يبلغ محله}


أي وصدوا الهدي أن يصل إلى محله، وهذا من بغيهم وعنادهم، وكان الهدي سبعين بدنة،


وقوله عزَّ وجلَّ: {ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات}


أي بين أظهرهم ممن يكتم إيمانه ويخفيه منهم، خيفة على أنفسهم من قومهم، لكنا سلطانكم عليهم فقتلتموهم وأبدتم خضراءهم، ولكن بين أفنائهم من المؤمنين والمؤمنات أقوام لا تعرفونهم حالة القتل،


ولهذا قال تعالى: {لم تعلموهم أن تطأوهم فتصيبكم منهم معرة} أي إثم وغرامة {بغير علم ليدخل اللّه في رحمته من يشاء}


أي يؤخر عقوبتهم ليخلص من بين أظهرهم المؤمنين، وليرجع كثير منهم إلى الإسلام، ثم قال تبارك وتعالى: {لو تزيلوا}


أي لو تميز الكفار من المؤمنين الذين بين أظهرهم {لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً}



أي لسلطناكم عليهم فقتلتموهم قتلاً ذريعاً.


عن جنيد بن سبيع قال: "قاتلت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أول النهار كافراً، وقاتلت معه آخر النهار مسلماً، وفينا نزلت: {ولولا رجال مؤمنون ومؤمنات}،


قال: كنا تسعة نفر سبعة رجال وامرأتين" (أخرجه الحافظ الطبراني، قال ابن كثير: الصواب عن حبيب بن سباع) .


وقال ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله تعالى: {لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً} يقول: لو تزيل الكفار من المؤمنين لعذبهم اللّه عذاباً أليماً بقتلهم إياهم،"ا.هـ
وهذا يعني أن الجيش المحمدي انصرف عن مكة لوجود بعض المؤمنين الموجودين فيها


فأين هؤلاء المفتونين الذي يفجرون في الشوارع والمساكن ولا يراعون حرمة الدم المسلم؟



أين هم عن هدي نبيهم؟



وكيف هو صلى الله عليه وسلم يكف بأمر ربه عز وجل عن قتال الكافرين المعتدين وهو عليهم صلى الله عليه وسلم قادر من اجل نفر يسير من المسلمين كانوا بين اظهر الكافرين.


أين عقولهم؟


أين فهمهم؟


أين إيمانهم بسنة محمد إن كانوا صادقين؟


ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة انك أنت الوهاب



وفي حديث أسامة المشهور انه قال:



بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَرِيَّةٍ فَصَبَّحْنَا الْحُرَقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ فَأَدْرَكْتُ رَجُلًا فَقَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَطَعَنْتُهُ فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَقَتَلْتَهُ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنْ السِّلَاحِ قَالَ أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ قَالَ فَقَالَ سَعْدٌ وَأَنَا وَاللَّهِ لَا أَقْتُلُ مُسْلِمًا حَتَّى يَقْتُلَهُ ذُو الْبُطَيْنِ يَعْنِي أُسَامَةَ قَالَ قَالَ رَجُلٌ أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَقَالَ سَعْدٌ قَدْ قَاتَلْنَا حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَأَنْتَ وَأَصْحَابُكَ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونُ فِتْنَةٌ



فانظر إلى حرمة المسلم فهذا الرجل كافر وخرج من بلاده متقلدا سيفه حربا على الله وعلى رسوله وعلى المؤمنين



ولم يكتف بذلك بل باشر الحرب بنفسه وقتل جمعا من المسلمين وأثخن فيهم بالجراحات فلما أمكن الله منه وهزمه أسامة ورفع رمحه ليقتل عدو الله



قال الرجل " أشهد أن لاإله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله "


لم يتوان أسامة في قتله لأن جميع الدلائل تثبت أن هذا الر جل آمن لسانه ولم يؤمن قلبه وإنه تلفظ بالشهادتين خدعة منه حتى لا يسفك دمه وهو معنى قول أسامه انه قالها تعوذا


لأننا لنا عقول ولنا فهم ولنا أحاسيس


وها نحن في أرض المعركة فهذا أخي بالنسب قد قتله هذا الفاجر


وهذا أخي في الدين قد قتله هذا الكافر


وهذا دين الله فد خرج هذا الكافر بطرا ورئاء الناس ليصد عن سبيل الله


أأترك هذه الدلالات والبراهين الواضحات للفظة قالها عندما علا رمحي هامته؟!!!


لذلك باشر أسامة قتله وهو مطمئن البال مستريح النفس أنه إنما قتل عدو الله.



ولكن الذي حدث بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ذلك كله قال له صلى الله عليه وسلم " أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله "


قال أسامة : يا رسول الله إنما قالها تعوذا " أي مستعيذا بها عن القتل وليس مراده الإيمان


قال له صلى الله عليه وسلم " أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا "


يقول أسامة وددت أني لم أسلم إلا بعد هذه الحادثة


وهذا يعني أن من تلفظ بلا إله إلا الله محمد رسول الله وجب علينا أن نحقن دمه



وأن لا نستبيح دمه إلا بإحدى ثلاث :



إما أن يزني وهو ثيب فيرجم


أو يقتل نفسا بغير حق فيقتل قصاصا


وإما أن يثبت عليه الردة فيقتل لقوله صلى الله عليه وسلم " من بدل دينه فاقتلوه ."



ولذلك نفهم شيئا من المعنى العظيم الذي نبه عليه ربنا عز وجل كليمه ونبيه موسى عليه أفضل الصلاة والسلام وذلك فيما رواه النسائي بسند صحيح



عَنْ أَبِي سَعِيد " عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مُوسَى يَا رَبّ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَذْكُرك بِهِ , قَالَ : قُلْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه " الْحَدِيث وَفِيهِ " لَوْ أَنَّ السَّمَاوَات السَّبْع وَعَامِرهنَّ وَالْأَرَضِينَ السَّبْع جُعِلْنَ فِي كِفَّة وَلَا إِلَه إِلَّا اللَّه فِي كِفَّة لَمَالَتْ بِهِنَّ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه "


فانظر إلى عظم هذه الكلمة عند الله عز وجل



كذلك في الحديث الذي أخبر فيه صلى الله عليه وسلم عن ذلك الرجل الذي ينشر له تسعة وتسعين سجلا كلها ذنوب وخطايا وآثام كيف أن الله عزوجل يمحوها إذا كان عبده المسلم قد حقق لا إله إلا الله وما فيها من اليقين والإخلاص


ويؤيد ذلك ما جاء في سنن الترمذي عن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رضي الله عنه



قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً


ولذلك فسر عبد الله بن عباس قوله عز وجل {أَاطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا}


قال العهد هو كلمة لا إله إلا الله


وهذه الأدلة وغيرها كثير متى ما تمكنت من قلب المؤمن علم خطورة الإقدام على هدر هذه المصلحة العظيمة وهي حفظ النفس المسلمة وعدم إراقتها لأي سبب كان خاصة إذا علمنا أن الله عز وجل عذر المتفوهين بالكفر والفاعلين للكفر حال الإكراه مع طمأنينة القلب بالإيمان قال تعالى {مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}


وعلى ذلك نفهم حديثين خطيرين


الأول /


قوله صلى الله عليه وسلم :


"لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا "



أي أن المسلم مهما أذنب ومهما عصا فإن الله يفسح له في دينه وذلك بأنه سبحانه وتعالى يعرضه لأسباب المغفرة من التوبة والعمل الصالح الذي تمحى به الخطايا إلا من سفك دما حراما فإنه يخشى عليه أن يضيق الله عليه في دينه فلا يهتدي إلى توبة ولا إلى عمل صالح يكفر عنه خطاياه



قال شيخنا ابن عثيمين رحمه الله يخشى على من قتل نفسا بغير حق أن يختم الله على قلبه فيموت كافرا .




والحديث الثاني /


قوله صلى الله عليه وسلم :


" لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ "


أجمع العلماء رحمهم الله على أن كلمة "كفارا" في هذا الحديث ليس المراد بها الكفر الأكبر المخرج من الملة


بل المراد بها أن للمسلم على المسلم حقوقا كثيرة فإذا أقدم المسلم على قتل أخيه المسلم فقد كفر هذه الحقوق التي عليه ،


أي غطاها وسترها كما يكفر المزارع البذر في التراب إذا غطاه



فبدلا من أن يوصل لأخيه المسلم حقوقه من السلام عليه وتأمين روعه وعيادته حال مرضه وإطعامه حال فقره ونصرته حال ظلمه غطى ذلك كله فروعه وظلمه وسفك دمه.



ولذلك كانت حرمة دم المسلم معلومة من الدين بالضرورة


وهنا نصل إلى المسألة إن لم تكن المهزلة التي يتفوه بها هؤلاء المفتونون


ويعللون بها سفك دماء المسلمين


ألا وهي مسألة التترس .....


يتبع إن شاء الله
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 18-11-2008, 02:58 PM
سفيان الثوري سفيان الثوري متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Jun 2002
الدولة: السعودية
المشاركات: 3,471
افتراضي

مسألة التترس

وقبل بيان هذه المسألة وبيان أوجه الخطأ في فهم هذه المسألة أود التذكير بإن الواجب على المسلم ألا يأخذ من كلام أهل العلم إلا ما وافق الكتاب والسنة.


ونحن إذا بحثنا في كتاب الله وفي سنة رسول الله لا نجد مسألة التترس وهي قتل المسلم الذي تترس به الكفار وجعلوه لهم كالترس يحتمون به من سهام المسلمين.


إلا إن هذه المسألة تفرعت لدى الفقهاء إما لحادثة وقعت أو لافتراض ناتج عن مسائل فقهيه أما أن نقول بقتل النفس المسلمة فهذا لا يمكن القول به البتة


إلا انه قد يقع في معزل عن الإثم في حالتين:


الحالة الأولى: أن يقتل المسلم أخاه المسلم خطأ


وذلك بأن يتترس به الكفار فيؤمر المسلمون بإصابة الكافرين والحرص على عدم إصابة المسلمين فإن أصبوا المسلم فإنما أصابوه خطأ


وهذه الحالة تقع في التترس وغير التترس فان قتل المسلم بالخطأ له صور كثيرة كحوادث السيارات وغيرها مما نشاهده كل يوم.


وعلى ذلك لو قتل مسلم أخاه المسلم خطأ في الحرب سواء تترس به أو لم يتترس به فان أهل العلم لم يقولوا بجوازه بل قالوا فيه الكفارة والدية على تفصيل بينهم


في محل القتل وطريقته ليس هذا موضع بيانه.



الثاني:أن يكون الكفار قد تترسوا بالمسلمين في حرب فاصلة في بقاء الدين أو زواله


وذلك بان يكون نصر المسلمين فيه بقاء الدين وهزيمة المسلمين فيه زوال الدين كغزوة بدر


وليست كغزوة أحد ولا غزوة الطائف ولا غيرها من الغزوات التي لو انهزم المسلمون فيها فإن الإسلام باق وديار الإسلام عامرة



فعن عُمَر بْن الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُ مِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقِبْلَةَ ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ وَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ فَأَمَدَّهُ اللَّهُ بِالْمَلَائِكَةِ قَالَ أَبُو زُمَيْلٍ فَحَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَشْتَدُّ فِي أَثَرِ رَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَمَامَهُ إِذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ وَصَوْتَ الْفَارِسِ يَقُولُ أَقْدِمْ حَيْزُومُ فَنَظَرَ إِلَى الْمُشْرِكِ أَمَامَهُ فَخَرَّ مُسْتَلْقِيًا فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ أَنْفُهُ وَشُقَّ وَجْهُهُ كَضَرْبَةِ السَّوْطِ فَاخْضَرَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ فَجَاءَ الْأَنْصَارِيُّ فَحَدَّثَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ صَدَقْتَ ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ فَقَتَلُوا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ وَأَسَرُوا سَبْعِينَ... الحديث



وهاتان الصورتان لابد لهما من شروط حتى نصل إلى جواز الهجوم على الكافرين المتترسين بالمسلمين:



الشرط الأول: أن يكون الجهاد شرعيا


وهو القتال لتكون كلمة الله هي العليا


لحديث أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْقِتَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ الرَّجُلُ يُقَاتِلُ غَضَبًا وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً قَالَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهِ وَمَا رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهِ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا فَقَالَ مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ متفق عليه.


الشرط الثاني:أن يكون هذا القصد وهو أن نجاهد لتكون كلمة الله هي العليا تحت راية شرعية.


أي لا يكون تحت راية عمية لقوله صلى الله عليه وسلم:



مَنْ قُتِلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَدْعُو عَصَبِيَّةً أَوْ يَنْصُرُ عَصَبِيَّةً فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ


الشرط الثالث: أن تكون هذه الصورة قد التجأ إليها المسلمون ضرورة.


كأن يحتبس المسلمون والكافرون في خندق أو جسر أو في مدخل حصن فإن هم وقفوا عن قتل الكافرين قتلوا وإن هم هجموا أصابوا في هجومهم مسلما فيكون في وقوفهم أو هروبهم أو إقدامهم إهدار لدم المسلم


فهنا يمكن القول بقتلهم لأن في إهدار دم المسلم حفظا لدماء المسلمين الآخرين مع إظهار الدين وكبت الكافرين ،


وأما في وقفهم أو فرارهم فانه يحدث سفك دماء المسلمين وكبت الدين بل ورفعة للكافرين.


أما أن نأتي إلى قرية فيها مسلمون ونُلجأ الكافرين بأعمالنا المشينة وخططنا السقيمة إلى أن يتسلط الكفار على إخواننا المسلمين فهذا لا يقوله عالم بالكتاب والسنة.

التعديل الأخير تم بواسطة سفيان الثوري ; 12-05-2011 الساعة 10:04 PM
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 18-11-2008, 07:29 PM
سفيان الثوري سفيان الثوري متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Jun 2002
الدولة: السعودية
المشاركات: 3,471
افتراضي

قال القرطبي رحمه الله: في شرح قوله تعالى:{ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}



قال: "هذه الآية دليل على مراعاة الكافر في حرمة المؤمن إذ لا يمكن أذية الكافر إلا بأذية المؤمن.
قال أبو زيد قلت لابن القاسم أرأيت لو أن قوما من المشركين في حصن من حصونهم حصرهم أهل الإسلام وفيهم قوم من المسلمين اسارى في أيديهم أيحرق هذا الحصن أم لا؟


قال سمعت مالكا وسئل عن قوم من المشركين في مراكبهم أنرمي في مراكبهم بالنار ومعهم الأسارى في مراكبهم؟


قال فقال مالك لا أرى ذلك لقوله تعالى لأهل مكة لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما.



وكذلك لو تترس كافر بمسلم لم يجز رميه وإن فعل ذلك فاعل فأتلف أحدا من المسلمين فعليه الدية والكفارة فإن لم يعلموا فلا دية ولا كفارة .......


وكذلك قال مالك وقد حاصرنا مدينة الروم فحبس عنهم الماء فكانوا ينزلون الأسارى يستقون لهم الماء فلا يقدر أحد على رميهم بالنبل فيحصل لهم الماء بغير اختيارنا ...


ثم قال رحمه الله: فإن التوصل إلى المباح بالمحظور لا يجوز سيما بروح المسلم فلا قول إلا ما قاله مالك رضي الله عنه والله أعلم."



فانظروا إلى إمام الدنيا في حينه مالك بن انس رحمه الله كيف يمنع من قتل الكافر صيانة للمسلم
يقول ذلك رحمه الله في حق المسلمين الذين يقاتلون لتكون كلمة الله هي العلياء الذين خرجوا لصفوف القتال



كيف لو رأى مالك هؤلاء الشباب الذين جاءوا ليدمروا مدن الإسلام بحجة أن فيها كافرا يمشي بين اظهر المسلمين!!!



أين العقول الراجحة؟


العلماء الربانيون يصونون دم الكافر المقاتل الذي هو قابع في دياره بحجة أن مسلما قد وقع أسيرا بين أظهرهم ، فلا يقدمون على سفك دم الكافر إذا كان يصحبه سفك دم المسلم،


فهل يستقيم في عقل مسلم يريد الحق ولا شي سوى الحق أن يقتل مجموعة من المسلمين الأبرياء والآمنين في ديارهم بحجة أن كافرا سكن بين أظهرهم؟!!!



ثم بعد ذلك يكذب على نفسه ويريد أن يكذب على الله ويظن أن الله يغيب عنه ما في الضمائر بأن هذه هي مسألة التترس التي أجازها العلماء !!!!!!


فالحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به هؤلاء المفتونين


ثم يقول القرطبي رحمه الله في بيان الحالة الثانية التي نبهنا عليه أعلاه:


"قلت قد يجوز قتل الترس ولا يكون فيه اختلاف إن شاء الله ،وذلك إذا كانت المصلحة ضرورية كلية قطعية فمعنى كونها ضرورية أنها لا يحصل الوصول إلى الكفار إلا بقتل الترس ومعنى أنها كلية أنها قاطعة لكل الأمة حتى يحصل من قتل الترس مصلحة كل المسلمين


فإن لم يفعل قتل الكفار الترس واستولوا على كل الأمة ومعنى كونها قطعية أن تلك المصلحة حاصلة من قتل الترس قطعا قال علمائنا وهذه المصلحة بهذه القيود لا ينبغي أن يختلف باعتبارها لان الفرض أن الترس مقتول قطعا فإما بأيدي العدو فتحصل المفسدة العظيمة التي هي استيلاء العدو على كل المسلمين وإما بأيدي المسلمين فيهلك العدو وينجو المسلمون أجمعون ولا يتأتى لعاقل أن يقول :لا يقتل الترس بهذه الصورة بوجه لأنه يلزم منه ذهاب الترس والإسلام والمسلمين."ا.هـ


وكذا قال الآمدي عفا الله عنه في كتابه الإحكام في أصول الأحكام:


النوع الرابع المصالح المرسلة


وقد بينا في القياس حقيقة المصلحة وأقسامها في ذاتها وانقسامها باعتبار شهادة الشارع لها إلى معتبرة وملغاة وإلى ما لم يشهد الشرع لها باعتبار ولا إلغاء


وبينا ما يتعلق بالقسمين الأولين ولم يبقى غير القسم الثالث وهو المعبر عنه بالمناسب المرسل


وهذا أوان النظر فيه:


وقد اتفق الفقهاء من الشافعية والحنفية وغيرهم على امتناع التمسك به وهو الحق إلا ما نقل عن مالك أنه يقول به مع إنكار أصحابه لذلك عنه ولعل النقل إن صح عنه فالأشبه أنه لم يقل بذلك في كل مصلحة بل فيما كان من المصالح الضرورية الكلية الحاصلة قطعا لا فيما كان من المصالح غير ضروري ولا كلي ولا وقوعه قطعي


وذلك كما لو تترس الكفار بجماعة من المسلمين بحيث لو كففنا عنهم لغلب الكفار على دار الإسلام واستأصلوا شأفة المسلمين ولو رمينا الترس وقتلناهم اندفعت المفسدة عن كافة المسلمين قطعا غير أنه يلزم منه قتل مسلم لا جريمة له


فهذا القتل وإن كان مناسبا في هذه الصورة والمصلحة ضرورية كلية قطعية غير أنه لم يظهر من الشارع اعتبارها ولا إلغاؤها في صورة



وإذا عرف ذلك فالمصالح على ما بينا منقسمة إلى ما عهد من الشارع اعتبارها


وإلى ما عهد منه إلغاؤها وهذا القسم متردد بين ذينك القسمين وليس إلحاقه بأحدهما أولى من الآخر


فامتنع الاحتجاج به دون شاهد بالاعتبار يعرف أنه من قبيل المعتبر دون الملغى


فإن قيل ما ذكرتموه فرع تصور وجود المناسب المرسل وهو غير متصور وذلك لأنا أجمعنا على أن ثم مصالح معتبرة في نظر الشارع في بعض الأحكام و أي وصف قدر من الأوصاف المصلحية فهو من جنس ما اعتبر وكان من قبيل الملائم الذي أثر جنسه في جنس الحكم وقد قلتم به


قلنا وكما أنه من جنس المصالح المعتبرة فهو من جنس المصالح الملغاة


فإن كان يلزم من كونه من جنس ما اعتبر من المصالح أن يكون معتبرا فيلزم أن يكون ملغى ضرورة كونه من جنس المصالح الملغاة وذلك يؤدي إلى أن يكون الوصف الواحد معتبرا ملغى بالنظر إلى حكم واحد وهو محال


وإذا كان كذلك فلا بد من بيان كونه معتبرا بالجنس القريب منه لنأمن إلغاءه والكلام فيما


إذا لم يكن كذلك"ا.هـ(4/215)



وهذا التقعيد من هؤلاء العلماء الكرام موجود ومنتشر في بطون الكتب لمن أراد الحق ولا شي غير الحق أما من به مس من الشطان فالنار أولى به.



كيف وقد أبان الله لنا في كتابه الكريم أن هذا من تمام عدله وقوته ورحمته بالمسلمين
انظروا إلى أبينا إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام حتى تعلموا كيف أن الله اتخذه خليلا لما حباه من صفة العلم والحلم والعدل وإعطاء الخلق حقوقهم.


فقد جاءته الملائكة الكرام وقد أمروا بقتل أقذر البشر آنذاك من الكفرة اللوطية عليهم لعائن الله


ثم هو مع حلمه العظيم عليه السلام ومعرفته بربه عز وجل جادلهم في قوم لوط

{فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ}

(74) سورة هود


لعلهم يمهلوا حتى يتوبوا لأن الغاية التي عند خليل الرحمن ليست هي الغاية عند بعض المسمين أنفسهم زورا بالمجاهدين، والذين تهفوا أنفسهم لسفك الدم ولا شي إلا سفك الدم وليس لهم أرب في هداية الناس.



فلما قال إبراهيم ذلك قالت له الملائكة إن الأمر قد فرغ منه من رب العالمين وقد اخبر الله عباده {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ} (29) سورة ق



فقد أكمل الله عليهم الحجة العقلية والفطرية والشرعية وتابع الرسل عليهم وأمد لهم في العمر فما ازدادوا إلا طغينا وكفرا ولن يكون إبراهيم الحليم بأحلم من رب العباد الرحمن الرحيم


فلما أيقن عليه السلام أن العذاب واقع لا محالة {قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ} (32) سورة العنكبوت


وكأنه أبان عن مراد خفي في نفسه عرضّ به أولا تعريضا ثم صرح به تصريحا


كأنه عليه السلام أراد منع العذاب عن قوم لوط لوجود نفس مسلمة بينهم فلما أيقن بوقع العذاب صرح بمراده وان الأهم أن من لا ذنب له لا يهلك مع القوم المجرمين.


فردت الملائكة بتمام القول الذي حملته من رب العالمين( لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ )


ذكر ابن كثير رحمه الله في تفسيره عن سعيد بن جبير رحمه الله انه قال:لما جاءه جبريل ومن معه قالوا له : " إنا مهلكوا أهل هذه القرية " قال لهم : أتهلكون قرية فيها ثلاثمائة مؤمن ؟ قالوا : لا .

قال : أفتهلكون قرية فيها مائتا مؤمن ؟ قالوا : لا . قال : أتهلكون قرية فيها أربعون مؤمنا ؟ قالوا : لا . قال: ثلاثون ؟ قالوا : لا . حتى بلغ خمسة قالوا : لا .


قال أرئيتكم إن كان فيها رجل واحد مسلم أتهلكونها ؟


قالوا : لا . فقال إبراهيم – عليه السلام – عند ذلك :"


{قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ} (32) سورة العنكبوت


فسكت عنهم واطمأنت نفسه .


وقال قتادة وغيره قريبا من هذا ،


زاد ابن إسحاق : أفرأيتم إن كان فيها مؤمن واحد ؟


قالوا : لا . قال: فإن كان فيها لوط يدفع به عنهم العذاب ؟

قالوا:" نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا"الآية."ا.هـ



فانظروا إلى الخليل عليه السلام وهو سيد الحنفاء وهو الذي أمرنا أن نتبع ملته


في قوله عز وجل {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (123) سورة النحل


يجادل أن يدرأ العذاب عن قوم كافرين فاسقين لأن بينهم نفس مسلمة


وانظروا إلى جواب هؤلاء الملائكة الكرام أنهم قد أخبروا بأن المؤمن ناج والكافر هالك


وهذا لا يعارض الحديث " أنهلك وفينا الصالحون..."


لأن الصالح قد يهلك وإنما العبرة بالمصلح


قال الله عز وجل {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} (117) سورة هود

من طرائف هذه المسألة:


أن المسلم ليعجب كيف تدنت عقول هؤلاء المتكلمين في مسألة التترس من الشباب المتحمس لأننا لما رأينا في الكتاب والسنة وجدنا الأمر على خلاف قولهم تماما ثم لما رأينا كتب أهل العلم وجدنا الأمر كذلك خلاف قولهم


حتى إن العلماء الذين صرحوا بالجواز ولم يفصحوا عن دليل يسند قولهم أو تعليل مستقيم كان ذلك منهم زلة.


وهذا كثير في كلام العلماء أن العالم مع جلالته إلا انه لا يخلو من هفوة


ولذلك دون علماء أهل السنة في مصنفات العقيدة باب ما جاء في زلة العالم



وذكروا في ذلك آثارا عن سلف الأمة تبين أن زلة العالم يهدم بها الدين ويسفك بها الدم الحرام.


جاء في الحديث "احذروا زلة العالم"


وفي مجمع الزوائد: باب ما يخاف على الأمة من زلة العالم وجدال المنافق وغير ذلك
ثم ذكر عن معاذ بن جبل قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أخاف عليكم ثلاثا وهن كائنات زلة عالم وجدال منافق بالقرآن ودنيا تقطع أعناقكم ....الاثر


وفي الزهد لابن المبارك رحمه الله :


قيل لعيسى بن مريم صلوات الله يا روح الله وكلمته من أشد الناس فتنة قال زلة العالم إذا زل العالم زل بزلته عالم كثير


وفي المدخل السنن الكبرى : باب ما يخشى من زلة العالم في العلم أو العمل



وأورد فيه أثرا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: إني أخاف على أمتي من بعدي من الأعمال ثلاثا قالوا يا رسول الله وما هي قال إني أخاف عليهم زلة العالم ومن حكم جائر وهوى متبع.


ثم أورد أثرا آخر عنه صلى الله عليه وسلم انه قال: اتقوا زلة العالم وانتظروا فيئته.


وبعض العلماء جعلوا هذه الأبواب في كتب الإيمان.


وقد أطبقوا على معنى هذه الآثار سواء صحت أم لا تصح لصحتها ببداهة العقول.


ثم إن تتبع أقوال العلماء ليس عذرا للعبد عند الله إذا بان له قول سيد العلماء محمد صلى الله عليه وسلم.



لان العبد مأمور بتتبع محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وليس هو مأمور بتتبع البشر مهما كانت منزلتهم


ولذلك كان وما زال العلماء يقرون بالقاعدة التي تنص على أن :"كل عالم يحتج له ولا يحتج به".


فمن احتج بكلام عالم تجاه النصوص الواضحات فهو يدفع الحق بأقوال الرجال وهذا ما عناه ابن عباس رضي الله عنه حين قال لمن جادل بقول أبي بكر وعمر أمام النص الثابت عن رسول الله

صلى الله عليه وسلم :


"تكاد السماء تمطر حجارة أقول لكم قال رسول الله وتقولون قال أبو بكر وعمر"


وكذا ما عناه أبو عبد الله احمد بن حنبل رحمه الله حين قال:


عجبت لمن عرف الإسناد وصحته كيف يذهب لقول سفيان أما يخشى الفتنة


يقول تعالى:


{ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (63) سورة النــور
أتدري ما الفتنة الفتنة الشرك لعله أن يزيغ قلبه فيهلك.


وفي العدد القادم نتكلم بإذن الله عن سؤال مهم وهو قول القائل :


متى يكتسب الكافر الأمان وهل يجوز أن نعطيه الأمان ثم نباشر قتله أو نعين على قتله ؟وهل إذا كان ولي أمر المسلمين فاسقا لا ينعقد أمانه؟ونحو هذه الأسئلة.والله اعلم


وصلى الله على نبينا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين.

كتبه وليد الفنيخ
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 15-02-2014, 03:42 PM
سفيان الثوري سفيان الثوري متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Jun 2002
الدولة: السعودية
المشاركات: 3,471
افتراضي

شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ...
__________________
قال ابن بطة العكبري الحنبلي في كتابه الإبانة الكبرى: ( وأجمع المسلمون من الصحابة والتابعين وجميع أهل العلم من المؤمنين أن الله تبارك وتعالى على عرشه فوق سماواته بائن من خلقه وعلمه محيط بجميع خلقه لا يأبى ذلك ولا ينكره إلا من انتحل مذاهب الحُلولية.)

قال ابن الجوزي رحمه الله ( من أحب أن لاينقطع عمله بعد موته فلينشر العلم ) التذكرة 55.

مدونتي :
http://aboabdulazizalslfe.blogspot.com/
الفيس بوك
https://www.facebook.com/profile.php?id=100003291243395
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
التفجير, التكفير يغير حق, الخوارج, جريمة القتل

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
فتنة التوسعة في المسعى والرد على شبهات المجيزين لها @ أبو عبد الرحمن @ منتدى العلوم والتكنولوجيا 7 10-06-2008 11:04 AM
شبهات النصارى حول الإسلام كتاب الكتروني رائع Adel Mohamed منتدى الشريعة والحياة 0 23-10-2007 06:58 PM
السجن...السجان...السجين !!! خالد1966 منتدى العلوم والتكنولوجيا 2 22-10-2007 08:24 PM
شهادة للتاريخ : 40 موقفا ً مشرفا ً لصدام لم تعلن ابن حائل منتدى العلوم والتكنولوجيا 17 10-01-2007 01:13 PM
مشتاق شوق السجين بداخل العنبر اللغـــــيصم منتدى العلوم والتكنولوجيا 14 15-08-2002 04:53 AM


الساعة الآن 08:17 AM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2018 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com