عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات العلمية > منتدى العلوم والتكنولوجيا

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 01-07-2010, 02:28 AM
عبدالله علي الدوسي عبدالله علي الدوسي غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Mar 2010
المشاركات: 48
افتراضي عناقيد الغضب ( قصة قصيرة )




عناقيد الغضب
كان حسان يجري بأقصى سرعة.. لا يلوي على شيء، إذا قابله عائق يقفز من فوقه بقوة خارقة مهما يكن ارتفاعه...
وإذا واجهته أرضا منحدرة شديدة الوعورة؛ ينطلق فيها وكأنه جلمود صخر حطه السيل من علٍ...
حتى حسان نفسه كان؛ مندهش من قدرته الخارقة على تجاوز تلك العوائق الطبيعية، لكن حرج اللحظة حال دون أي تفكير في ذلك، إنه لا يريد إلا أن ينجو بنفسه...
وأخيراً ابتلعه الوادي العميق، واحتضنته الأشجار الخضراء، ذات الأغصان الكثيفة، فوارته عن أعين الرقباء، وكأنها أم حنون تحتضن طفلها المذعور...
تكوّم حسان في حفرة مظلمة بين تلك الأشجار، وأخذت نبضات قلبه تعود إلى طبيعتها!!.
أحس بقليل من الأمان خاصة عندما خيم السكون على المكان...
بدأت الأفكار القاتمة تلبّد سماء ذهنه، وكلما أمعن فيها تضاعف شقاؤه، وزادت حسرته...
فكر في ذلك التغير الكبير في حالته الآن وحالته قبل سويعات...
وأخذ يسأل نفسه:
- أين الشجاعة التي تلبستني قبل سويعات معدودة؟..
- أين الغضب الناري الذي حرمني النوم ؟..
- أنني الآن كالفأر المذعور عندما أسمع أدنى صوت يكاد قلبي يطير من بين جنبَيّ...
- لقد كنت أعلم تماماً هذا المصير.. كنت أعلم أن مصيري الموت الحتمي؛ إذا أنا أقدمت على جريمتي، ومع ذلك فإن نيران الغضب قد طردت الخوف من قلبي، كانت تحرسه من كل جانب، فلم تدع للخوف أي منفذ إليه...
- أما الآن فإن تلك النار المشتعلة قد خمدت...
لقد أصبحت رمادا...
و تطاير رمادها في الفضاء...
لقد أصبحت أثرا بعد عين...
وتركتني فريسة للخوف، ونهباً للهموم...
ألا قاتل الله الغضب، و من يثيره من الناس...
- كم أتمنى الآن أنني آمن بين أهلي وأني فقدت كل ما أملك...
- لكن فات الأوان وضاع كل شيء...
كل هذه الخواطر جالت في ذهن حسان، وهو قابع في حفرته، خائفاً يترقب...
ما كان أغناه عن هذا الحال؛ بقليل من التعقل والتسامح الذي دعا إليه ديننا الحنيف...

كان هناك نزاع بين حسان وجيرانه على أرض مهجورة ليست بذات فائدة تذكر، وطالت مدة ذلك النزاع، ثم أن جيران حسان قاموا بزراعة الأرض قبل أن يتم الفصل في القضية من المحكمة...
غضب حسان من ذلك، وأحس أن كرامته قد مرغت بالتراب، وأن هؤلاء القوم لم يقدموا على فعلتهم تلك إلا استضعافاً لشأنه، واستهانة بأمره...
ثم بدأ الشيطان يصور له أراء الناس فيه، وأنهم يرونه جباناً، رعديدا...
وأنه قد فرط في كرامة الأسرة التي تعرف بالشجاعة والفضل، ولم يكن أحد قبل الآن يطمع في اغتصاب شيئاً من أملاكها...
كان ذات مرة يسير في الطريق، ورأى امرأة من القرية تسير أيضاً في نفس الطريق...
قال في نفسه:
إن هذه المرأة تحتقرني الآن، وترى أني جباناً، وتقول في نفسها:
- لو كان أبوه أو أعمامه أحياء ما اغتصب بنو فلان أرضهم، ثم نظر في الأفق البعيد وأردف...
- وهي الآن ستمر بجواري ولن ترد السلام لأنها تحتقرني، والنساء بالذات لا يقدرن إلا الشجعان...
ثم مرت المرأة وسلمت عليه،وسألته عن أهله على عادة أهل القرية، فأحس ضوءاً من الراحة يسري في ظلمات الكرب الذي يثقل كاهله...
والحقيقة أن المرأة مشغولة بنفسها، ولم يخطر على بالها إطلاقا شيء مما يفكر فيه حسان، وربما أنها لم تعلم عن قضيته أصلاً، ولكنه كان يظن أن الناس كلهم لا يفكرون إلا فيه، وفيما لحقه من الإهانة والضيم كما يصور له ذهنه المأزوم...
ومكث حسان أياماً لا يفكر إلا في الانتقام ممن أهانه، واستولى على أرضه وهو حي، وكان يفكر في طريقة الانتقام ورد الاعتبار، وقد استعرض كثيراً من الطرق، ولم يرضيه منها إلا قتل أولئك الذين ألحقوا به ذل الدهر كما يظن، كان في قراره نفسه يدرك تماماً تبعة ما يخطط له، وأنه لو قتل فسوف يقتل قصاصاً، لكن نار الغضب والحقد تحرق خيوط الحكمة التي تتسرب إلى عقله...
كان يفكر في الانتقام بطريقة أخرى ولكنه يرى أنها لا يمكن أن تبرّد حرارة قلبه، ولا وتشفي غليل نفسه، ولا ترد اعتباره، لذلك فهو يقدم رجلاً ويؤخر أخرى ولم يتخذ قراراً حاسماً...
وفي ذلك اليوم المشؤم كان حسان ذاهب إلى عمله، وفي الطريق قابل أحد المتطفلين، الذين يحبون أن يحشروا أنفسهم في خصوصيات الناس، وجرى بينهما كلام...

قال له :
- ماذا فعلتم في القضية؟
تضايق حسان من هذا السؤال وزاده كرباً لأن الإجابة التي ترضيه لم تأت بعد...
فرد قائلاً:
وما شأنك أنت...
أحس الرجل بأن حسان قد وجه له إهانة بدون سبب؛ فأراد أن يرد، ووجد أمامه الفرصة سانحة؛ ليرميه بالجبن فقال:
قطعا لاشأن لي، ولكنني سمعت أن الربع قد أخذوا الأرض وزرعوها، وانتهى الأمر...
ثم أردف قائلاً:
- رحم الله أبوك لو كان حياً ما حلم بنو فلان بأخذها؛ لكن النار ما تخلف إلا الرماد...
ولما سمع حسان ذلك، فار الدم في عروقه، ودارت به الأرض، وزاغت نظراته، ودق قلبه دقات متسارعة؛ كادت تخرق ضلوعه، واشتعلت نار الغضب في كل ذره من ذرات جسده...
وعندما رأى ذلك الفتان ما أصاب حسان من هياج خاف أن يبطش به؛ فأطلق ساقيه للريح...
أما حسان فإنه توجه إلى بيته، وأخذ سلاحه وتوجه إلى الأرض المتنازع عليها، وقد حسم أمره، وأتخذ قراره، ونوى الشر...
ولسوء الطالع؛ فإنه وجد خصومه عند الأرض، وبدون مقدمات اندفع حسان كالثور الهائج نحوهم، وأخذ يطلق عليهم النار بدون تمييز!!!
فقتل منهم خمسة! بعضهم من غير خصومه...
ثم ولى هارباً، وقد تغير حاله، بعد أن أفرغ ما يثقل كاهله من غضب وكرب...


زالت الشمس، وكبرت ظلال الأشجار، وانقضى أكثر النهار ولأول مرة يدرك حسان معنى انتهاء يوم من عمره ...
لازال يتكوم في حفرته بين الأشجار، شاحب اللون مصفر الوجه، كأنما جف الدم من عروقه، عيناه زائغتان تحاولان احتواء الفراغ العريض، تلمع في ذهنه صور باهته، زوجته، أطفاله.. أصدقاؤه.. أي مصير ينتظره؟.... أحاط به السؤال مئات المرات، والنتيجة هي هي.. لا شيء سوى القلق والتمزق والخوف...
فكره يدور حول دائرة مغلقة تكاد تخنقه، يحاول الخروج منها فلا يستطيع...
احتواه التفكير بقسوة، تجسدت الجريمة في نفسه بكل أحداثها، معاناته تتكثف بعنف، وتمزقه من الداخل، رائحة الدم في جوفه تخنق أنفاسه...
مالت الشمس للغروب، وبدأت جيوش الظلام تخيم على الكون طاردة ما تبقى من خيوط النهار، وحسان لازال في مكانه، خطر له أن يخرج من مكانه مستغلا ظلام الليل.. ولكن إلى أين؟ ...
سرت شحنة من الألم والهم في أنحاء جسمه، كادت تكتم أنفاسه، وعاد يجتر ما تبقى من أعقاب الأشياء في نفسه، في مثل هذا الوقت من أمس الدابر كان آمناً في أهله، تمنى لو يعود الزمن للوراء ساعة فقط...
تلك الأرض الحقيرة سيتنازل عنها ...
أمواله كلها يضحي بها تحاشياً لهذا المصير... الكرامة والشرف يدوسهما تحت رجليه...
ولن يضره أن يقول الناس عنه أنه جبان، إن ليلة يباتها آمنا بين أهله تساوي كل كنوز الدنيا...
لكن هل فكر في مثل هذا ليلة أمس؟ لا بالطبع، كان يفكر في الانتقام فقط، لقد أعماه الغضب – قاتل الله الغضب ما أخطره!!
ولذلك فقد حذر منه الرسول ج وبالغ في ذلك...
قال له أحد الصحابة: أوصني.
قال: لا تغضب... كررها ثلاثاً.
فكر حسان في العودة إلى بيته ليرى أولاده ويوصيهم.. لكن أنى له أن يصل إليه فلا شك أنه الآن محاصر برجال الأمن.. وكذلك تلك الناحية التي يختبئ فيها محاصرة بالجنود الذين يبحثون عنه...
ليس الأمر يسيرا، لقد قتل خمسة أنفس...
وماذا لو سلم نفسه؟.. لا بديل عن القصاص...
تخيل الموت مثل وحش مفترس فاغر فاه؛ يريد الانقضاض عليه...
فكر في الهرب.. لكن كيف يفلت من قبضة رجال الأمن؟ولو تم له ذلك؛ فهل يستطيع أن يعيش حياته مشردا؟ إنه لا يطيق البعد عن أطفاله أسبوعاً واحداً...
ثم تذكر الوعيد الشديد لمن يقتل مؤمناً متعمداً، فذاب في بحر من الرعب، وغشيته أمواج الخوف من كل جانب ... وتذكر أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة؛ فقرر أن يسلم نفسه فوراً إلى رجال الأمن؛ وقد قنعت نفسه بالقصاص في الدنيا فراراً من عذاب الآخرة؛ عندما خطر على ذهنه قوله تعالى:
ﮋ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮊ ( ).
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
لحظات الغضب والعقل الباطن المدير التنفيذي للمنتديات منتدى النقاش الحر والحوار الفكري البنّاء 39 27-06-2014 05:24 AM
ثورات الغضب لدى الأطفال أمل غسان ماضي منتدى العلوم والتكنولوجيا 3 21-06-2010 04:12 PM
16/3/2010 يوم الغضب samarah منتدى العلوم والتكنولوجيا 8 17-03-2010 12:15 AM
قصة قصيرة اسود الرأس مختار سعيدي منتدى العلوم والتكنولوجيا 2 09-07-2009 10:05 PM
في التربيه الغضب ماله وماعليه.. العنــــــــــــــود منتدى العلوم والتكنولوجيا 6 09-06-2001 01:43 AM


الساعة الآن 10:10 PM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2018 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com