عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات العلمية > منتدى العلوم والتكنولوجيا

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 24-11-2010, 02:41 AM
نضال رأفت الحصرى نضال رأفت الحصرى غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 13
افتراضي رموز الفكر الليبرالي




بسم الله الرحمن الرحيم
" الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون" ( )
شعارات الحرية التي رفعها المفكرون الليبراليون إنما كانت رد فعل النكسة التي عاشوها نتيجة صدامهم بالامتيازات التي احتكرها الإشراف ورجال الدين بدعم من حكم ملكي كان يستند وقتئذ الى قدسية سلطته وشرعيته فضلا عن ذلك, بات البرجوازيون في مسيس الحاجة الى الحرية الاقتصادية الكاملة وسيلة توفر لهم الاستثمار الكامل للطاقة الإنتاجية الجديدة التي تولدت عن الثورة الصناعية وعلى النمو المتقدم , عبرت المبادئ التحريرية في ذلك الحين اصدق تعبير عن حاجة طبقة البرجوازية الوليدة.( )
تبحث هذه الورقة في ابرز مفكري الفكر السياسي الليبرالي وهما الفيلسوف الانجليزي جون لوك (1632 – 1704) , والمفكر الفرنسي مونتسيكو(1689 – 1755) .
أولا : جون لوك
ولد جون لوك في رنجتون في انجلترا عام 1632. وتلقى دروسه في المدرسة العليا للكنيسة بأكسفورد 1652, وبعد أن حصل على درجة الماجستير عام 1658 قام بتدريس الفلسفة في مدرسته.( )
مؤلفاته: ألف لوك عدة كتب ضمنها فلسفته العامة وأفكاره السياسية ومن هذه المؤلفات: "رسائل حول التسامح" ظهر عام 1689 او كتاب " بحث في الحكومة المدنية" عام 1690, و "بحث في ملكة الفهم البشري" عام 1690, و" المسيحية المتعلقة" عام 1690, واهم كتبه على الإطلاق هو كتاب بحث في ملكة الفهم البشري , الذي أصبح عام 1692 المرجع في تعليم الفلسفة في "تربنتي كوليدج" في دبلن " Trinity Colledege" .( )
كان لكتاباته فضلا كبيرا على الثورات الكبرى في القرنين السابع عشر والثامن عشر حيث استمدت جذورها الفكرية من نظريته " القانون الطبيعي" ( ) , حيث هدف لوك في كتاباته الى تقويص الحكم المطلق الذي ناصره الفيلسوف هوبز, وتأييد المطالب لثورة البرلمان البريطاني ضد التاج عام 1688. ولقد أقام هذا الفيلسوف مذهبه السياسي على فكرة العقل والطبيعة. فالعقل يلقن الأفراد أفكارا وقيما معينة تدور حول الأخلاق والعدالة. وأطلق لوك على هذه الأفكار " قوانين الطبيعة" وهي قوانين أبدية تشكل أساس حقوق الأفراد الطبيعية غير القابلة للتصرف فيها.( )
فلسفته: كما أسلفنا كان كتاب لوك " بحث في ملكة الفهم البشري" أهم كتبه حيث انتقد لوك الأفكار الفطرية عند ديكارت, وطرح لوك منهجا جديدا هو المنهج التجريبي. ولقد جاءت فلسفته السياسية منسجمة مع هذا المفهوم إذ كان ينطلق في فهم الظواهر السياسية من الواقع الحسي الملموس ويرى لوك:
1- أن الإنسان في الواقع هو كائن عقلاني.
2- أن الحرية لا تنفصل عن السعادة.
3- أن غاية السياسة وغاية الفلسفة واحدة , هي البحث عن السعادة التي تكمن في السلام والانسجام والأمان.
4- بالتالي فلا سعادة بدون ضمانات سياسية ولا سياسة لا تعمل على نشر سعادة عقلانية.
5- قانون الطبيعة هو الذي يحقق الفرد أو يحدد حقوق الفرد وواجباته بالقياس لنفسه وللآخرين.
وينطلق لوك في فلسفته السياسية من :
أ- الحالة الطبيعية.
ب- عقد اجتماعي أصيل.
أ- الحالة الطبيعية/
1- لا يرى إنها تمثل الجحيم كما يراها هوبز ولا العصر الذهبي كما يراها روسو.
دليل ذلك أن البشر لم يبقوا فيها لكن خروجهم منها لم يتم بشكل عشوائي بل حقق ضمن شروط وضمانات لوضعهم المستقبلي.
2- الإنسان في الحالة الفطرية لم يكن برأيه ذئبا لأخيه الإنسان إطلاقا, ولم يكن هناك حرب الجميع ضد الجميع.
3- لقد كانت الحرية والمساواة الطبيعية منظمة بواسطة العقل الفطري ومتضمنة في قانون الطبيعة نفسه الذي يمنع اى فرد من إلحاق الضرر بالآخرين.
4- حتى لا يعتدي الفرد على حقوق الآخرين فقد سوغته الحالة الطبيعية سلطتين أساسيتين:
- الحق في أن يتخذ ما يراه ضروريا للحفاظ على بقائه وبقاء الآخرين.
- الحق في أن يدرأ بسماحة وتعقل وبغير رغبة في الانتقام كل المخالفات المرتكبة ضد قانون الطبيعة.( )
5- الحرية لا تعني الإباحية والفوضى ومسايرة الغرائز البشرية.
6- والملكية الخاصة غير الموجودة في حالة الطبيعة ( الفطرة) حسب رأي هوبز, كانت موجودة بنظر لوك:
أ- هي حق طبيعي سابق على المجتمع السياسي.
ب- الإنسان ( الصانع المتعقل) هو الذي يعطي لحاله القيمة وليست الطبيعية, أي ان في الحالة الطبيعية هي تلك التي يأخذ فيها الإنسان حاجته في حدود قدرته على العمل, وذلك العمل الذي يقيم الإنسان عليه وعامة ملكه.
ج- إذا الملكية هي طبيعية ومجزية ليس للمالك فقط بل للإنسانية بأجمعها, ذلك أن " الذي يملك أرضا لا يقلل بتعبه وعمله من الموارد المشتركة للجنس البشري بل يزيدها".( )
د- الملكية تؤمن السعادة لان " السعادة القصوى لا تتمثل في تحقيق اكبر اللذات بل بامتلاك الأشياء التي تنتج اكبر اللذات".( )
غير أن حالة الطبيعة هذه كانت تفتقر لأشياء ثلاثة:
1- قوانين مقبولة لدى الجميع.
2- قاض غير متحيز( بدل أن يكون كل فرد قاضيا لشؤونه).
3- سلطة إكراه ( بدل أن يحصل كل فرد على حقه بقوته الشخصية), ونظرا لغياب هذه الأشياء الثلاثة فإن الحرية والمساواة الطبيعية والتمتع بالملكية لم تكن أشياء متحققة ومضمونة تماما.
ب- العقد الاجتماعي الأصيل/
وللحصول على الأشياء الثلاثة التي تميز المجتمع السياسي والحكومة المدنية, تخلي الناس عن حالة الطبيعة على الرغم من الفوائد التي كانوا يجنونها من حالة الفطرة .
1- إن الأفراد بانتقالهم من حال الطبيعة الى الحالة الاجتماعية يرى لوك بأنهم " ينشدون في الحالة الأخيرة أوضاعا أكثر طمأنينة وأمنا وأوثق هدوءا بالنسبة لأنفسهم وأموالهم".( )
2- تتميز الحالة الاجتماعية عن الحالة الطبيعية عند لوك بوجود قوانين موضوعة يقرها الجميع عن رضا, وبوجود القضاة للفصل في كل نزاع على ضوء القانون, ووجود السلطة القادرة على تنفيذ الأحكام التي يصدرها القضاة.
3- دواعي المصلحة هي الدافع الأساسي للأفراد الطبيعيين لاختيار الحالة الاجتماعية وقبولها,ونظرا لكونهم أحرارا متساويين في الحقوق, ولا يجوز الانتقال الى الحالة الاجتماعية إلا برضاء الأفراد دون إجبارهم" بالتالي فرضى الفرد هو الذي يقوم عليه ميثاق الجماعة وهو وحده المنشأ للجماعة السياسية والمدعم لسلطانها السياسي".( ) كل فرد أعطى موافقته العلنية أو الضمنية لعقد اجتماعي كي يكسب هذا العقد كامل الشرعية.
4- الحكم المطلق يعتبر غير مشروع في نظر لوك ويعتبره حالة أسوأ من الحالة الطبيعية السابقة لحالة الجماعة السياسية.فمن حق الأفراد رفض هذه الحكومة وتجريدها من الشرعية وعدم اعتبارها حكومة مدنية
5- التمييز بين السلطات: حيث يجرد الملكية من أهلية الحكم ويؤسس عقده الاجتماعي على الحد من السلطة. ويحلل لوك في كتاباته الأصل الذي تقوم عليه الحكومات المدنية ويسمها بطابع التمييز بين السلطات المختلفة.
- فبدل أن تزول حقوق الأفراد بعد انتقالهم من حالة الطبيعة الى حالة المجتمع المدني كما يراه هوبز, فإنها تستمر عند لوك لكي تحد من السلطة القائمة ومن سلطة المجتمع ولكي تحقق الحرية.
- فالسلطة السياسية لا يمكن لها أن تذهب ابعد مما تتطلبه المصلحة العامة التي تتحدد بحماية الحياة والحرية والملكية.
6- ترتب على ذلك تشكيل هيئة سياسية Political body . ولممارسة عملها تصدر قرارات بموافقة الغالبية من أفرادها. ومن هنا كانت قاعدة الأكثرية التي لا يمكن التخلي عنها لان معنى ذلك هو العودة الى الحالة الطبيعية الأولى.( )
7- يتخلى الفرد بانتقاله الى الحالة الاجتماعية عن حق البقاء وحق العقاب للجماعة التي تقوم بتنظيمها وأعمالها عن طريق القوانين والإجراءات وممارستها عن طريق السلطة التنفيذية.
8- تملك الجماعة السياسية بوصفها وراثة للأفراد الطبيعيين سلطتين أساسيتين :
أ/ السلطة التشريعية Legislative Power ( )
وهي الهيئة التي تضع القوانين المنظمة لحماية الجماعة السياسية والحفاظ على أعضائها وتحدد القواعد التي تستعمل بموجبها قوة الدولة المادية في سبيل تحقيق هذا الغرض.
ب/ القوة الفدرالية
وهي السلطة التي لها القوة ما يكفي لمواجهة حالات السلم والحرب والتحالف والتعاون مع الجماعات السياسية الأخرى, ولأسباب منطقية ويجب أن تكون هذه القوة في يد " السلطة التنفيذية" Executive Power " وبالتالي تقسم السلطات عند لوك الى تقسيم أولي تشريعية وتنفيذية.ويعطي لوك الأهمية للسلطة التشريعية ويضعها في مرتبة أعلى من السلطة التنفيذية لأنها الروح التي تعطي شكل الدولة وحياتها ووحدتها.( )
9- السلطة التشريعية تكون بيد الملاك أو أصحاب الأملاك , أما السلطة الفيدرالية والاستثنائية فهي بيد الملك.
10- والمثل الدستوري الأعلى عند لوك هو " الملكية المعتدلة Moderated Monarchy" .
11- والسلطة التنفيذية Executive Power تتولى تنفيذ القوانين التي تضعها السلطة التشريعية , ويجب بالتالي أن تكون بين أيدي الأشخاص آخرين غير هؤلاء الذين يقومون على أمور السلطة التشريعية.
12- يؤكد لوك على ضرورة افتراق السلطة التشريعية عن السلطة التنفيذية , ويرى أن هذا لازم بالنسبة للملكيات المعتدلة وفي كل حكومة منظمة . مع سمو السلطة التشريعية على السلطة التنفيذية لأنها وليدة القانون الوضعي الأساسي, ( )
في كل الدول وتستهدف أولا وأخرا حفظ الجماعة. كما يرى في السلطة التشريعية السلطة العليا المقدسة التي يعود إليها القول الفصل في كل ما يتعلق بأمور الدولة.
وهذا لا يعني تعطيل دور السلطة التنفيذية, إذ تقتضي مصلحة الجماعة ترك بعض الأمور في يد السلطة التنفيذية لان السلطة التشريعية لا يمكنها في الواقع الوقوف على كل الأمور ومجابهة كل الاحتياجات الاجتماعية.
كيفية تحديد السلطة عند لوك/
بما أن تطبيق القوانين التي تصدرها السلطة التشريعية بصورة حرفية قد يؤدي في بعض الحالات الى إيقاع بضرر الجماعة, فيجدر بنا هنا السؤال عن حدود السلطة التشريعية في نظرية لوك, هل هي سلطة مطلقة أم مقيدة؟, وما القيود التي ترد عليها في الحالة الأخيرة؟.
1- يرى لوك بضرورة تحديد السلطة على نقيض هوبز, فهو يرى أن الحقوق الطبيعية للأفراد لا تزول بمجرد قبولهم الحياة في الجماعة السياسية بل تبقى قائمة لتدعم الحرية وتقيد من السلطة الاجتماعية.( )
2- كما يرى لوك بأن هذه السلطة لا تجوز أن تكون سلطة مطلقة شاملة حياة الأفراد وأموالهم. وتعتبر السلطة التشريعية وراثة للسلطة الأصلية التي يتمتع بها كل فرد في الحالة الطبيعية وليس للجماعة أن تملك السلطات لم يكن يملكها الأفراد أنفسهم, فالسلطة التشريعية لا تبغي سوى المحافظة على بقاء الجماعة السياسية ومن ثم فهي لا تملك مطلقا الحق في تعمد استبعاد أو هدم أو إفقار الفرد.
3- الالتزامات التي تفرضها قوانين الطبيعة تظل قائمة في الجماعة السياسية بل تكون أكثر قوة في أحيان كثيرة.
4- ويرى لوك بأنه يجب أن تلتزم السلطة التنفيذية بدورها في مباشراتها لامتيازاتها الحدود التي تستوجبها هذه السلطة.
5- يرى لوك بأن كل من السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية وديعة بيد الحكام أو المجالس لان الأفراد منحوها الثقة, ففي حالة مارست المجالس أو الحكام تصرفات تغاير الخير العام كان للأفراد الحق في سحب ثقتهم فيهم وان تسترد سيادتها الأصلية لتعهد بها الى من تراه كفؤا لها.
6- يقول لوك أن الشعب لم يتنازل عن سلطاته وإنما فوضها الى غيره ولذلك فهو وحده صاحب الحق في الفصل في كل ما يتعلق من أمور " فإذا كان المفوض يعتبر أفضل الناس حكما على تصرفات المفوض, وهو الذي يملك في ذات الوقت تقرير الاستغناء عنه إذا لم يقم بمهمته بالصورة التي أرادها"( ), فبما أن الشعب فوض الحكام والمجالس في السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية فهو بذلك له حق العزل وتفويض غيرهم.
حق المعارضة/
1- يرى لوك بأن السلطتان التشريعية والتنفيذية تفقدان السلطة الموكلة Fiduciary Power ( ) إليهم من الفرد, أذا قامتا بعمل شئ مخالف لهدف الدولة في المحافظة على حياة المواطن وأملاكه.
2- في حالة الثورة من أعلى (Re-bellare) كما يطلق عليها جون لوك وهى حالة خيانة الحاكم والمشرعين لثقة أفراد المجتمع يحق لأفراد المجتمع مقاومتهم وعزلهم ومحاربتهم أيضا.( )
3- لكن المقاومة التي يدعو إليها لوك لا تهدف الى تحقيق الأماني الشعبية بل الدفاع عن النظام القائم وإصلاحه. المقاومة بمفهومه هي وسيلة لدفع الحاكم الى إعادة النظر بما ارتكبه وإجباره على احترام القوانين. إنها بهذا المعنى تساهم في إبعاد خطر الانتفاضة الشعبية لكنها لا تمثل دعوة الى الثورة. ويمكن القول أن حق المقاومة عنده هو دعوة الى التعقل والتسوية.( )
ثانيا: شارل مونتسكيو (1689- 1755)
ولد الكاتب الفرنسي مونتسكيو في قرية لابريد وتقع في الجنوب الغربي من فرنسا وعاصر في شبابه أحداثا جساما مر بها وطنه في ذلك الحين لعل أبرزها وفاة طاغية فرنسا لويس الرابع عشر 1715 وما ترتب عليه من فتح المجال لكل أنواع التيارات السياسية والفلسفية والدينية في أن تعبر عن نفسها بعد كبت طويل.( )
أهم مؤلفاته/
أولى كتاباته " رسائل فارسية " والذي نشر باسم مستعار عام 1721, وهو نقد ساخر لحالة فرنسا في تلك الفترة, وبجانب اهتمامه بالأدب اهتم بشكل خاص بمادة التاريخ والفلسفة السياسية بين عامي 1728- 1731 قام بجولة علمية وتوثيقية في أوروبا ( خصوصا انجلترا) لدراسة التنظيم السياسي لمختلف شعوبها. ثم عاد الى فرنسا وانكفأ على تأليف كتاب:
" أراء عن أسباب عظمة الرومان وانحطاطهم", والذي نشر باسم مستعار عام 1734, ثم أصبح جزءا من دراسة ظهرت عام 1748 تحت عنوان " روح القوانين", حيث أثارت عاصفة من النقد والمعارضة الشديدين رد عليهما مونتسيكو بمؤلف " دفاعا عن روح القوانين" الذي ظهر 1750 وحقق نجاحا هائلا.( )
لقد أراد مونتسكيو في كتابه روح القوانين أن يبين الأسباب الكامنة وراء وجود قوانين معينة في بلد معين وفي لحظة معينة وصلة هذه القوانين بالمناخ والبيئة والعادات حيث يقول " ويجب على القوانين أن تتلاءم مع طبيعة البلد وطقسه البارد أو الحار أو المعتدل ومع نوعية التربة وموقع وحجم السكان.( )
كما انه عند تحديده لهذه الأسباب وجد مونتسكيو أن " كل قانون له ما يبرره لان كل قانون يتصل بعنصر من عناصر الحقيقة المادية أو الأخلاقية أو الاجتماعية. كما أن كل قانون يفترض علاقات, وترابط هذه العلاقات ونظامها ونسقها هو الذي يشكل روح القوانين.( )
وتكمن هذه الروح كما يراها مونتسكيو " في مختلف العلاقات التي يمكن للقوانين أن تقيمها مع الأشياء . علاقات لا شبهة فيها مع أشياء لا حصر لها. علاقات مع دستور الحكومات والأخلاق والدين والتجارة .................الخ.( )

كان اكتشاف مونتسكيو هذا ما سمح له بالانتقال الى تحديد العلاقة بين القوانين من جهة وطبيعة ومبدأ الحكومات معتبرا أن القوانين الخاصة تصدر عن المبدأ كما يصدر مجرى الماء عن المنبع.( )
وهذا ما يقودنا الى نظرية الحكومات التي افتتح بها كتابه روح القوانين بجانب نظرية الفصل بين السلطات.
نظرية الحكومات/
في نظرية الحكومات يميز مونتسكيو بين طبيعة الحكومة ( أي ما يكونها) ومبدأ هذه الحكومة (أي ما يحركها), ويعرض مونتسكيو لثلاث نماذج من الحكومات/
أ- الحكومة الجمهورية
طبيعتها: " هي تلك التي يملك الشعب بأكمله أو جزء منه حق السيادة".( )
ويتفرع عنها شكلان متميزان/
1- الجمهورية الديمقراطية/ وطبيعتها ممارسة جميع المواطنين حق السيادة.
" ويتحكم في كيان الجمهورية الديمقراطية وفي تكوينها طبيعتها التي تشمل في تقسيم الشعب الى مظهرين متكاملين ومتعارضين , ففي احد هذين المظهرين يكون حاكما وفي الأخر محكوما. ويكون الشعب حاكما بواسطة الانتخابات التي يعبر بها عن إرادته. ولذلك تكون قوانين الانتخابات حجرا أساسيا في شكل نظام الحكم الجمهوري الديمقراطي.وبوصفه (الشعب صاحب السيادة) يقوم الشعب بنفسه بعمل كل الأشياء التي يستطيع القيام بها. ويترك تنفيذ الأشياء التي لا يستطيع القيام بها الى موظفين يقوم هو باختيارهم".( )
أما مبدؤها: فالذي يقوم بتحريكها الفضيلة بالمعنى المدني وليس الأخلاقي للكلمة أي قدرة كل مواطن على تقديم المصلحة العامة, " والمقصود هنا الفضيلة السياسية التي تتطلب من الإنسان التضحية المستمرة بنفسه وبأنانيته وفوضويته ورغباته وكل ما يميل إليه في سبيل الدولة والصالح العام".( )
كما يصف مونتسكيو الجمهورية الديمقراطية هي جمهورية النمط القديم, متقشفة ومقتصدة وفاضلة وتقتصر على مدن صغيرة يمكن أن يجتمعوا في الساحات العامة( ), حيث يوضح مونتسكيو طبيعة الحكم الديمقراطي " أن تكون مساحة أرضه صغيرة وإلا لما استطاع القيام بالحكم" كما يضيف" بأن الصالح العام الذي يضحي به باستمرار في الجمهورية الكبيرة يكون في جمهورية صغيرة" أكثر صلابة وأسهل في التعرف عليه واقرب الى المواطن.( )
2- الجمهورية الارستقراطية /
وهي من طراز جمهورية البندقية في ايطاليا قديما, حيث أصبحت جزءا من الماضي التاريخي.
طبيعتها:- حق السيادة لعدد قليل من الأشخاص. " وطبيعته الارستقراطية معروفة فلا تكون السيادة فيها للشعب ولكن في يد جماعة صغيرة. وكلما كبرت هذه الجماعة اقتربت من الديمقراطية وتكاملت كمؤسسة سياسية".( )
مبدؤها:- الاعتدال في ممارسة اللامساواة وليس بالفضيلة, " وهناك حيث تتفاوت الملكية الفردية تفاوتا كبيرا تنعدم الفضيلة ولذلك يجب على القوانين أن تنادي بروح الاعتدال- والمبدأ فيها عبارة عن روح الاعتدال في طبقة الأمراء – وهذه الروح تحد من متطلبات الطبقة".( )
ويجب أن تكون الطبقة الارستقراطية الحاكمة فيها كثيرة العدد الى حد ما , كما يجب عليها عدم تذكير المحكومين دائما بوجودها " بقدر ما يقترب الارستقراطية من الديمقراطية بقدر ما تصبح مثالية, وبقدر ما تبتعد عنها بقدر ما تقترب من الملكية".( )
ب- الحكومة الملكية/
الحكومة الملكية من طبيعتها حكم الفرد الواحد إلا أن الملكية لا تتطابق مع الاستبداد. فالملك يحكم وفق قوانين تطبق بواسطة سلطات وسيطة " السلطات الوسيطة الخاضعة هي من طبيعة الحكومة الملكية, حيث بهذه السلطات الوسيطة أو الأجسام الوسيط هي القنوات التي تسري من خلالها عناصر القوة, فهي " طبقة النبلاء التي بغيرها تتحول الملكية الى استبداد, وطبقة رجال الدين التي لا تلتقي في مصالحها مع الجمهورية ولكن مع الملكية , والمجالس النيابية التي تسهر على رعاية القوانين الأساسية, أضف الى ذلك المدن بامتيازاتها المتباينة والجماعات والهيئات بما تتضمنه من أوجه اختلاف فيما بينها.( )
مبدؤها / الشرف أي العصبية ومن طبيعة الشرف التفضيل والتمييز , فالفضيلة السياسية التي يرتكز عليها النظام الملكي والتي تزيد من قوة القوانين " وهي الشرف أو المركز الاجتماعي لكل شخص ولكل طبقة"( ), وهذا الشرف يحرك كل الأشياء ويربط كل أجزاء الجسم السياسي مع بعضها. ويظهر من ذلك " أن كل واحد يضيف للصالح العام شيئا, حتى ولو كان يعتقد أنه يتبع صالحه الخاص فقط"( ), كما أن مبدأ الحكومة الملكية لا يوجد بين يدي الملك.( )
ج- الحكومة الاستبدادية
وهو النموذج الوحيد الذي يدينه مونتسكيو بشدة.
طبيعتها:- حكم فرد واحد حسب رغباته دون قواعد أو قوانين.
مبدؤها:- الخوف," فالمستبد مهيأ دائما لان يهوي بسيفه أو يهدد به كلما عن له ذلك"( ), ويعامل رعاياه كالحيوانات التي روضت قسرا على الطاعة والخنوع خشية التنكيل أو التهديد به.
نقد نظرية الحكومات/
1- يؤخذ على هذا النموذج للحكومات كونها مجردة الى ابعد الحدود. فلا تمييز بين مختلف الأنظمة الملكية. حتى انه يمكن القول إنها جاءت تعبيرا عن ميول مونتسكيو العميقة.( )
2- كما أن مونتسكيو يؤيد الملكية الارستقراطية الفاضلة والمعتدلة ليست سوى خليط من هذه العناصر.
النظرية السياسية عند مونتسكيو/
لقد كان مونتسكيو اقل اهتماما بشكل الحكومة من اهتمامه بالمؤسسات واقل اهتماما بالمؤسسات من اهتمامه بالأخلاق فالنظرية السياسية عنده هي نظرية توازن القوى " حيث لا يوقف السلطة عند حدها إلا السلطة" Contre-Forces أي الثقل والثقل المضاد".( )
ففصل السلطات والأجسام الوسيطة, واللامركزية والأخلاق هي وحدها الكفيلة بمنع السلطة من الجنوح نحو الاستبداد وبإقامة الحكومة المعتدلة.( )
أ- مبدأ فصل السلطات
لقد أصبحت نظرية فصل السلطات بفضل مونتسكيو بمثابة عقيدة دستورية عامة. فالبند 16 من إعلان حقوق الإنسان يعلن " أن كل مجتمع لا تكون فيه حقوق الإنسان مضمونة أو فصل السلطات فيه غير محدد هو مجتمع بلا دستور"( ), ورغم أن هذا المبدأ بالغ القدم في الفكر السياسي, أشار إليه أفلاطون وأرسطو في كتابتهما ونادى به لوك في العصر الحديث, فقد سطر لوك في مؤلفاته عن " السلطة المدنية(1690م) ينطوي إسناد القوانين الى الأشخاص ذاتها المختصين بسنها, على تحريض وإغراء النفس البشرية التي تميل الى الطموح"( ), ويؤكد مونتسكيو ما جاء به لوك في كتابه روح القوانين الصادر عام 1748 قائلا:" يفقد كل شئ لو استخدم الإنسان الواحد أو نفس هيئة الكبار – سواء الأمراء أو الشعب- السلطات الثلاثة: التشريعية والتنفيذية والقضائية, وتبعد الحرية عن حيز الإمكان إذ أوجدت السلطتان
التشريعية والتنفيذية في يد شخص واحد"( ), كما لا توجد حرية عندما لا تنفصل السلطة القضائية عن التشريعية والتنفيذية ويؤكد ذلك بقوله:" إذا كانت مرتبطة بالسلطة المشرعة لكانت السلطة على حياة وحرية المواطنين عشوائية لأن القاضي هو المشرع. وإذا كانت مرتبطة بالسلطة التنفيذية فسوف يكون للقاضي سلطة قاهرة".( )
فالفكرة الرئيسية عند مونتسيكو تتحصل في أن كل من يحوز سلطة تسول نفسه إساءة استخدامها. ومن ثم دعا مونتسكيو الى تقسيم السلطة منها من استخدامه بصورة تحكمية أو مستبدة. وأسس مونتسكيو التقسيم على أساس الوظائف الثلاث التي تمارسها الدولة اى الوظائف : التنفيذية والتشريعية والقضائية , فتخص كل سلطة بممارسة إحدى هذه الوظائف.
ويجب ألا تغيب عن البال بظروف التي أدت الى المناداة به في العصر الحديث فقد سادت الدعوة الى السلطات في عهد الملكيات المطلقة حيث استأثر الملوك بالسلطة في الدولة , فأراد المفكرون الحد من سلطتهم المطلقة بانتزاع بعض اختصاصاتهم فقيل بأن الوظيفة التشريعية تتميز عن الوظيفة التنفيذية , وانه يتعين أن تزاول كل منهما سلطة مستقلة عن الأخرى. وهذا كان الهدف من القول بمبدأ الفصل بين السلطات في بادئ الأمر, هو التصدي للسلطة المطلقة للملوك ودعم مركز البرلمانات في مواجهتها.( )
ولقد بين لنا مونتسكيو من جهة أخرى مدى التوافق بين أفكاره الدستورية وذلك بأنه عندما نادى بفصل السلطات لابد يده أن تجتمع في يد واحدة كما انه لا يريد فصلها نهائيا الواحدة عن الأخرى, بل يصاحبها بالانسجام فيما بينها ومنح السلطة الكلية لكل سلطة من السلطات الثلاث أو لكل قوة من القوة السياسية الثلاث, الملك, الشعب, الارستقراطية.( )
ولكن ماهو مدلول مبدأ الفصل بين السلطات:-
يقوم مبدأ الفصل بين السلطات على عنصرين:
أ- التخصص الوظيفي ب- الاستقلال العضوي
تختص كل من السلطات الثلاث بالوظيفة الخاصة بها فالسلطة التشريعية تخصصها الوظيفة التشريعية أما السلطة التنفيذية تتخصص بالوظيفة التنفيذية , والسلطة القضائية تزاول الوظيفة القضائية , ولا يكون لأية من هذه السلطات أي مظهر من مظاهر السلطات الأخرى.( )
ب- الاستقلال العضوي
ومؤداه أن كل سلطة حين تزاول اختصاصها المحدد لها تكون مستقلة عن السلطة الأخرى, على نحو لا تستطيع معه إحدى السلطات أن تنال من استقلال السلطات الأخرى.( )
نقد مبدأ الفصل بين السلطات/
لقد ساد التفسير التالي ضرورة الفصل الجامد بين السلطات وبالأخص السلطتين التشريعية والتنفيذية ورفض تدخل أي سلطة في نشاط الأخرى.
وقد تبنى رجالات الثورة الفرنسية هذه التفسير وسجلوه في الدستور الفرنسي 1791. بيد انه سرعان ما ظهرت استحالة تحقيق ذاك الفصل الجامد بين سلطات الدولة الواحدة ذات الأهداف القومية المشتركة, ومن ثم تم هجر التفسير الأول وقيل بأن مبدأ الفصل بين السلطات يتضمن التسليم بتحقيق قدر من التعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية بحيث يكون لكل منها قدرة التأثير في نشاط السلطة الأخرى في الحدود المقررة دستوريا( ).
وباللامعان في نظرية مونتسكيو لفصل السلطات نرى أنها ليست في الواقع سوى مفهوم سياسي – اجتماعي لإقامة وحفظ التوازن بين القوى السياسية مع تكريس سيطرة قوى على غيرها من القوى هي الارستقراطية عند اللزوم.( )
ب- الأجسام الوسيطة/
ويعتقد مونتسكيو بالفائدة الاجتماعية والأخلاقية للأجسام أو الهيئات الوسيطة خصوصا منها البرلمان والنبلاء.
وكان يدافع عن طبقة النبلاء التي كانت تبدو له أفضل مساعد للملكية وخير ضامن للحرية.
ج- اللامركزية/ تشكل توازنا ضد الاستبداد.

ء- الأخلاق/ " يجب أن لا تفعل بواسطة القوانين ما يمكن فعله بواسطة الأخلاق".( )
فالإصلاح الحقيقي هو إصلاح فكري وأخلاقي قبل أن يكون إصلاحا سياسيا, ويجب في نفس الوقت عدم الإكثار من إصدار القوانين لان الاعتدال هو أهم الفضائل " يجب أن تسيطر روح الاعتدال على فكر المشرع وضميره لان المصلحة السياسية هي كالمصلحة الأخلاقية توجد دائما بين حدين".( )
فنرى أن أخلاق مونتسكيو هي أخلاق برجوازية وسيطة على الرغم من وضعه وموقفه السياسي وآراءه تضعه في خانة الارستقراطية.
أفكاره الاجتماعية
1- الحرية: تقوم على الأمن وحده" الامتياز الوحيد لشعب حر على أخر هو الأمن بحيث لا يشعر الفرد فيه بأنه تحت رحمة مزاج حاكم فرد قادر على أن ينتزع منه حياته أو ممتلكاته".( )
2- لا وجود للمساواة المطلقة.
3- عدم الخلط بين الشعب والرعاع ويعتقد انه من الحكمة منع حق التصويت عن أولئك الذين يعيشون حالة عميقة من الدناءة والانحطاط وإبعادهم عن مقاليد السلطة.
4- كما يري مونتسكيو أن على الدولة " أن تؤمن القوت الضروري واللباس المناسب والمستوى الصحي اللائق لجميع المواطنين" , والرعاية الاجتماعية والصحية لكبار السن والمرضى, واليتامى ضد أنواع البؤس وأشكاله.
منهج مونتسكيو/
تميز منهج مونتسكيو في دراسته روح القوانين وفي غيرها من الدراسات التي وضعها:
1- الدقة العلمية.
2- ويرصد تنوع القوانين ونسبيتها.
3- درس المؤثرات المادية والفكرية التي تخضع لها القوانين انطلاقا من اعتقاده بأن للأشياء طبيعة محددة وان " القوانين هي العلاقات الضرورية التي تنبثق من طبيعة الأشياء".
الخلاصة
عند التمعن في الأفكار السياسية والفلسفية لكل من جون لوك وشارل مونتسكيو نحصل على التالي:-
1- كانت محاولتهم الفكرية وأطروحتهم منصبة للإجابة على:
- هل يمكن الخروج من الحكم الدكتاتوري المفروض على الناس فرضا من فوق؟ وكيف؟.
- ثم هل يمكن أن نتوصل الى نظام حكم جديد قائم على الحرية, اى على احترام كرامة الناس المحكومين؟.
2- انطلق جون لوك للإجابة على ذلك من فكرة العقد الاجتماعي والتي رأى فيها مونتسكيو إنها فكرة خيالية وأسس فلسفته السياسية على فكرة سيادة القانون وفصل السلطات.
3- اجتمع لدى كل من المفكرين تمجيد الحرية.
4- أكد كل منهما على أهمية عدم تركيز السلطات في يد واحد, وزاد مونتسكيو عن لوك بالسلطة القضائية.
أهم المراجع
عبد العزيز الغنام, تاريخ الفكر السياسي, دار النجاح, بيروت, 1973.
عبد الوهاب الكيالي,موسوعة السياسة, المؤسسة العربية للدراسات والنشر, ط2, بيروت, لبنان,1990.
محمد فرج الزائدي, مذكرات في النظم السياسية, منشورات الجامعة المفتوحة, ط2, ليبيا, 1997.
مجموعة باحثين, تطور الفكر السياسي, منشورات المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر, ط2, 1990.
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 24-11-2010, 02:51 AM
samarah samarah غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
المشاركات: 1,050
افتراضي

السلام عليكم

أهلا وسهلا بك معنا أخي الكريم وألف شكر على ماتفيدنا به

كل التقدير والاحترام
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
إعداد المعلم في الفكر التربوي الإسلامي قطر الندي وردة منتدى العلوم والتكنولوجيا 3 11-10-2010 10:05 PM
رواد الفكر والأدب العربي في القرن العشرين (تنويه هام ) عبدالله الفالح منتدى العلوم والتكنولوجيا 5 30-01-2010 10:54 PM
معالم انحراف الفكر الغربي نسيم الاقصى منتدى العلوم والتكنولوجيا 0 27-11-2009 06:02 PM
معالم انحراف الفكر الغربي نسيم الاقصى منتدى العلوم والتكنولوجيا 0 24-11-2009 01:02 AM


الساعة الآن 10:00 AM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2018 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com