عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > منتديات الشؤون السياسية > سياسة وأحداث

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 03-04-2010, 06:19 PM
khaldoon_ps khaldoon_ps غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
المشاركات: 1,527
Lightbulb جون لوك




شخصيات سياسية

جون لوك


تستطيع أن ترى الصورة بحجمها الطبيعي بعد الضغط عليها

جون لوك (1632 - 1704) (John Locke) هو فيلسوف تجريبي ومفكر سياسي إنجليزي.
ولد في عام 1632 في رنجتون Wringiton في إقليم Somerset وتعلم في مدرسة وستمنستر، ثم في كلية كنيسة المسيح في جامعة أوكسفورد، حيث انتخب طالبا مدى الحياة، لكن هذا اللقب سحب منه في عام 1684 بأمر من الملك. وبسبب كراهيته لعدم التسامح البيورتياني عند اللاهوتيين في هذه الكلية، لم ينخرط في سلك رجال الدين. وبدلاً من ذلك اخذ في دراسة الطب ومارس التجريب العلمي، حتى عرف باسم (دكتور لوك).

وفي عام 1667 أصبح طبيباً خاصاً لأسرة أنتوني آشلي كوبر (1621-1683) الذي صار فيما بعد الإيرل الأول لشافتسبري، ووزيراً للعدل، ولعب دوراً خطيراً في الأحداث السياسية العظيمة التي وقعت في إنجلترا ما بين ســنة 1660 وسنة 1680. لعبت علاقة لوك باللورد آشلي دوراً كبيراً في نظرياته السياسية الليبرالية. وكان اللورد آشلي يتمتع بنفوذ كبير في إنجلترا إذ كان يمثل المصالح السياسية لرؤوس الأموال التجارية في لندن، وتحت تأثير اللورد آشلي كتب لوك في عام 1667 مقالاً خاصاً بالتسامح (On Toleration) راجع فيه أفكاره القديمة الخاصة بإمكانية تنظيم الدولة لكل شؤون الكنيسة.


اعتقد الكثيرون لمدة طويلة ان لوك كتب أشهر مقالتين سياسيتين نشرتا في عام 1690 بعنوان "مقالتان عن الحكومة" (Two Treatises on Government) تأييداً لثورة 1688 الكبرى. وهناك وجهة نظر تقول إن المقالتين موجهتان ضد فيلمر (Filmer) وليس ضد هوبس كما كان يفكر البعض. وهاجر لوك إلى هولندا عام 1683 بسبب ملاحقة الشرطة له، وذلك لاتصالاته الوثيقة باللورد آشلي، الذي كان معارضاً للقصر وبقي هناك حتى عام 1689، وفي هولندا كتب لوك عدة مقالات منها: مقال خاص بالفهم البشري (Essay Concerning Human Understanding) وبعض الأفكار عن التربية وأخرى عن التسامح. وعندما جاءت الثورة الكبرى، استطاع لوك العودة إلى إنجلترا. وقد رفضت الجامعات القديمة فلسفته الحسية وآراءَه الليبرالية. ومع ذلك فقد عاصر شهرته الكبرى التي انتشرت في أنحاء العالم. وتوفي عام 1704. كان لجون لوك دور كبير غير مباشر في الثورة الأمريكية إذ أن كتابه ((رسالتان في الحكم)) كان محط إعجاب الأمريكيين وكانت من ضمن آرائه في الكتاب أن الوظيفة العليا للدولة هي حماية الثروة والحرية ويجب على الشعب تغيير الحكومة أو تبديلها في حالة عدم حفظها لحقوق الشعب وحريته، وقد ساهمت آرائه في زيادة وعي الأمريكيين الذين اعتنقوا آرائه وقرروا تنفيذها.ومن أشهر عباراته الفلسفية"الأفكار الجديدة هي موضع شك دائماً.... وتتم مقاومتها غالباً... لسبب أنها لم تصبح شائعة بعد"


سيرة حياة وفكر جون لوك


ولد جون لوك عام 1632 في مدينة سوميرسيت بانجلترا ومات عام 1704 في منطقة ايسيكس. وبالتالي فقد عاش اثنين وسبعين عاما. وكانت كافية لكي يملأ الدنيا ويشغل الناس بعلمه ونظرياته السياسية والفلسفية. ويعتبر جون لوك أهم فيلسوف انجليزي تنويري في العصور الحديثة. وتفتخر به انجلترا مثلما تفتخر بإسحاق نيوتن الذي اكتشف قانون الجاذبية الكونية. ثم يردف المؤلف قائلا: وأما على المستوى السياسي فيعتبر جون لوك بمثابة أحد مؤسسي النظام اللبرالي الديمقراطي الحديث إن لم يكن مؤسسه الأول. ولذا كان تأثيره على عصره والعصور اللاحقة ضخما في كل الميادين.


لقد ولد في مدينة صغيرة بالقرب من مدينة بريستول. وكان والده محاميا ثم موظفا كبيرا في خدمة البرلمان عام 1648. ولكنه أفلس وخسر كل شيء بسبب الحرب الأهلية التي جرت بين الكاثوليك والبروتستانت في انجلترا. ومعلوم أن عصر جون لوك كان عصر الطوائف والمذاهب المتناحرة.

لقد كان عصر الأصوليات المتعصبة، وكان أتباع البابا، أي الكاثوليك، يكرهون جدا أبناء المذهب المسيحي الآخر: أي المذهب البروتستانتي. كانوا يتهمونهم بالهرطقة. ولكن لسوء حظهم فإن عدد البروتستانتيين في انجلترا كان أكبر منهم بكثير. هذا وقد درس جون لوك في طفولته اللغة اليونانية واللاتينية لأنهما كانتا لغة العلم والفلسفة في ذلك الزمان. كما ودرس فلسفة أرسطو في مدرسة ويستمنستر بين عامي 1646 ـ 1652.

ثم أصبح محاميا في مدينة اكسفورد. ومعلوم أنه كانت توجد آنذاك منافسة كبيرة بين كمبردج وأكسفورد. وكلتاهما مدينتان جامعيتان من أعلى طراز. فالأولى كان يسيطر عليها أتباع أفلاطون، والثانية أتباع أرسطو. نقول ذلك ونحن نعلم أن الصراع بين الفلسفة الأفلاطونية والفلسفة الأرسطوطاليسية اخترق تاريخ الفلسفة من أوله إلى آخره.

فالأفلاطونية كانت مثالية أو روحانية جدا، وأما الأرسطوطاليسية فكانت واقعية أو مادية عموما. وقد انعكس ذلك على الفلسفة العربية الإسلامية ذاتها. فابن رشد مثلا كان واقعيا من أتباع أرسطو، وابن سينا كان مثاليا مليئا بشطحات الخيال والروحانيات على طريقة أستاذه أفلاطون.

ولكن ينبغي الاعتراف بأن الفلسفة الحديثة، أي فلسفة فرانسيس بيكون وتوماس هوبز ورينيه ديكارت، كانت قد نقدت بشدة فلسفة أرسطو وأفلاطون وفتحت مجالا جديدا كليا للمعرفة. وبالتالي فقد استفاد جون لوك من ذلك كله وبنى عليه نظرياته الفلسفية والسياسية المقبلة.

ثم ارتبط الفيلسوف المقبل بعلاقة صداقة مع أحد كبار رجال السياسة الانجليز: لورد آشلي الذي كان وزيرا عند الملك شارل الثاني. ولكن الظروف السياسية انقلبت عليه فاضطر إلى المنفى في هولندا مع جون لوك لمدة ست سنوات. وفي أثناء هذه الفترة درس جون لوك أحوال أوروبا كثيرا. وفكر في المشاكل الطائفية والحروب الأهلية. وخرج بنظرية جديدة لتجاوز كل ذلك في المستقبل. خرج بكتاب شهير تحت عنوان: مقالة في التسامح. وقلده فولتير فيما بعد.

لقد بلور هذا الفيلسوف الانجليزي النظرية اللبرالية لدولة الحق والقانون. ودافع فيها عن حق الملكية وعن الحرية الفردية. وعندئذ خرج بالقانون التالي: إن حريتي تنتهي عندما تبتدئ حرية الآخرين. وبالتالي فإذا كان هو فيلسوف اللبرالية، أي الحرية، فإن ذلك لا يعني أنه مع الفوضى. فالمجتمع اللبرالي هو ذلك الذي يحترم فيه كل شخص حرية الآخرين ولا يعتدي عليها. وعلى هذا النحو تنتظم أمور المجتمع.

وقال جون لوك إن الحرية لا تعني الإباحية وإنما المسؤولية. فالله زودنا بالعقل والحرية لكي نستخدمها بشكل صحيح لا بشكل خاطئ. والقانون الطبيعي الذي يحكم البشر قائم على العقل، وهو ذو أصل إلهي.

ثم نصّ الفيلسوف الكبير على المبادئ التالية: على الناس أن يحافظوا على حياتهم بقدر المستطاع لأنها هبة من الله. على الناس أن يحترموا حياة بعضهم البعض وملكية بعضهم البعض وإلا فإن المجتمع يدخل في حالة من المشاعية والاضطراب الخطير. وهذا ما يؤدي إلى تدمير الحياة الاجتماعية.

على كل فرد أن يحيا بشكل منسجم مع بقية أعضاء المجتمع دون اللجوء إلى العنف. فالعنف مرفوض في المجتمع اللبرالي القائم على العقل والاحترام المتبادل. العنف مسموح به في حالة الدفاع عن النفس أو الدفاع عن شخص مغدور يتعرض للضرب والعدوان من قبل شخص آخر.

لكي تسير أمور المجتمع على ما يرام ينبغي على الناس أن يحترموا المواثيق والعهود التي قطعوها على أنفسهم. فإذا أخل كل واحد بكلامه أو لم يحترم الوعد الذي قطعه على نفسه فإن المجتمع يخرب وينهار. وبالتالي فالحرية تعني احترام كل هذه المبادئ. الحرية مسؤولية في نظر جون لوك. وقوانين الطبيعة هي التي تفرض علينا ذلك. وهي قوانين عقلانية تنطبق على جميع البشر.

ثم قال جون لوك بأنه في المجتمع اللبرالي الحديث فإن للإنسان الحق في الحياة، والحق في الحرية، والحق في الاستمتاع بأملاكه الشخصية. وكل مجتمع يضمن لأفراده هذه الحقوق الأساسية يمكن القول بأنه مجتمع ليبرالي عقلاني. كما أن لكل فرد الحق في الإيمان بدينه أو مذهبه بشرط ألا يفرض ذلك بالقوة على الآخرين.

أما المجتمعات السابقة فكان يسودها قانون الغاب والذئاب. بمعنى أن القوي كان يقتل الضعيف ويعتدي على ملكيته. ولهذا السبب فإن البشرية المتحضرة خرجت من تلك الحالة البدائية الهمجية لحسن الحظ وانتقلت إلى حالة يسود فيها حكم القانون.

ثم يقول المؤلف بما معناه: يمكن القول بأن فكر جون لوك هو الذي أسس اللبرالية: أي فلسفة الحرية وذلك على كلا الصعيدين السياسي والاقتصادي. وبالتالي فالمجتمع الانجليزي المتحضر ناتج عن أفكار هذا الفيلسوف الكبير.

على المستوى السياسي كان السؤال المطروح على لوك هو التالي: هل يمكن الخروج من الحكم الديكتاتوري المفروض على الناس فرضا من فوق؟ وكيف؟ ثم هل يمكن أن نتوصل إلى نظام حكم جديد قائم على الحرية، أي على احترام كرامة الناس المحكومين؟

هذا هو السؤال الأساسي الذي كان مطروحا في ذلك العصر المضطرب الذي شهد أبشع أنواع الاستبداد والحروب الأهلية. ولهذا السبب بذل جون لوك جهودا مضنية لمحاربة الطغيان وتأسيس السياسة على أساس آخر، هو الحرية والمسؤولية. فحكم التعسف والاعتباط ينبغي أن ينتهي إلى غير رجعة.

وبالفعل فقد انتهى في انجلترا بعد الثورة المجيدة 1688 التي ساهم لوك في التنظير لها ودعمها. ويمكن القول بأن أفكاره كانت وراء اندلاع هذه الثورة الانجليزية التي أسست ولأول مرة في التاريخ دولة الحق والقانون.

وهكذا سبقت انجلترا فرنسا بمئة سنة إلى النظام الديمقراطي اللبرالي الحر، ولهذا السبب مجدها فولتير بعد أن زارها عام 1728 ورأى كل التقدم الذي حققته. وأسف لأن فرنسا لا تزال محكومة من قبل نظام أصولي فائد ومستبد بشكل مطلق. والمقصود به نظام لويس الخامس عشر. ومعلوم أن فولتير كان معجبا جدا بأفكار جون لوك. وقد حاول ترجمتها ونقلها إلى فرنسا لكي تشيع فيها جو الحرية والتسامح والديمقراطية.

وبالتالي فلا يمكن فهم النظام السياسي الحديث الذي تشكل في أوروبا لاحقا إلا إذا درسنا فلسفة جون لوك. فقد كان المنظّر الأكبر لهذه الثورة الديمقراطية التي زعزعت العروش وأنظمة الطغيان والاستبداد من أساسها. يضاف إلى ذلك أن جون لوك أسس فلسفة التسامح الديني في أوروبا ودعا إلى محاربة الأصوليين والطائفيين الذين يزرعون البغضاء بين أبناء المجتمع الواحد.

نظرية المعرفة باعتبارها مدخلاً للفلسفة


إن الذى حفز لوك نحو إقامة فلسفة جديدة هو انشغاله بالأسئلة الفلسفية التقليدية المتعلقة بالنفس والعالم والألوهية. لكن بدلاً من انطلاقه نحو البحث فى هذه المشكلات بدأ بطريق لم يطرقه قبله معظم الفلاسفة، وهو البحث فى المعرفة الإنسانية. وكان مبرره فى هذا أن أى آراء حول مشكلات الفلسفة هى نمط من المعرفة، ولذلك فقبل أن نبدأ فى البحث فى المعرفة الإنسانية يجب أولاً البحث فى أداة هذه المعرفة وهى الفهم البشرى. ولهذا السبب يعد لوك أول من نظر إلى البحث فى طبيعة المعرفة الإنسانية على أنه النقطة التى يجب الانطلاق منها قبل البحث فى موضوعات المعرفة ذاتها. وهكذا كان لوك هو أول واضع لمبحث الابستمولوجيا أو نظرية المعرفة. والحقيقة أن الإجابة عن مشكلات الفلسفة التقليدية مثل طبيعة النفس والعالم والألوهية والأخلاق لم تشكل عند لوك الأولوية الأولى فى فلسفته وحلت محلها مهمة إقامة نظرية فى المعرفة، حتى أصبحت نظرية المعرفة عنده ذات الأولوية القصوى. صحيح أننا نجد لدى لوك آراء حول الجوهر والسببية والنفس والعالم والألوهية والأخلاق والسياسة، إلا أن آراءه حول هذه الموضوعات كانت نتيجة ثانوية للمبادئ التى وضعها فى صورة نظرية فى المعرفة.
سبق لديكارت أن بحث فى إشكالية المعرفة، لكنه بحث هذا ظل مقيداً بالطابع الميتافيزيقى لفلسفته، إذ شغلته إشكاليات العلاقة بين الفكر والامتداد، والنفس والجسم، وإثبات وجود الأنا أفكر ووجود العالم والألوهية وبساطة وخلود النفس. أما لوك فيتميز عن ديكارت فى أنه
لم يجعل قضية العلاقة بين النفس والجسم تعيقه عن مهمة البحث فى الفهم الإنسانى. بدأ لوك بتناول عناصر الفهم الإنسانى مباشرة، من إدراكات حسية وأفكار وإحساسات وتصورات، دون أن يشغل نفسه كثيراً بالبحث فى فسيولوجيا الذهن ذات الطابع السيكولوجى أو فى الطبيعة العضوية للإدراك الحسى، وكان كل ما يهمه فى المعرفة الإنسانية هو كيفية حدوث المعرفة للفهم البشرى، لا الطبيعة العضوية للتفكير والتى توقع دائماً فى إشكالية الارتباط بين النفس والجسم.
ينقسم كتاب المقال إلى أربعة أجزاء: الأول عن الأفكار الفطرية، والثانى عن الأفكار، والثالث عن الكلمات، والرابع عن المعرفة.

فى الجزء الأول ينتقد لوك الرأى القائل بالأفكار الفطرية بناء على أن الخبرات البشرية متعددة، وأن ما هو فطرى بالنسبة للبعض ليس كذلك بالنسبة للبعض الآخر، وأن أجناساً بشرية مختلفة تعتنق أفكاراً مختلفة وتعتقد فى أنها فطرية، وأن البشرية كلها ليست مجتمعة على القول بأفكار فطرية واحدة. هناك شعوب لا تعتقد فى وجود هذه الأفكار فى الأصل، وهذا دليل على أنه ليس هناك إجماع بشرى عام على أفكار فطرية واحدة، إذ لو كانت هذه الأفكار الفطرية موجودة لكانت كل البشرية تعتقد فيها.
لا ينشغل لوك بفحص الذهن البشرى ذاته من حيث تركيبه العضوى أو من حيث العمليات العقلية التى يقوم بها، بل ينطلق مباشرة نحو فحص عناصر المعرفة فى الذهن البشرى من إحساسات وإدراكات وأفكار وكلمات. وهو يذهب إلى أن لكل الأفكار أصلها فى الحواس باعتبارها المصدر الأول لتلقى الانطباعات والإدراكات. والأفكار عنده هى ما يشكل كل المعرفة الإنسانية، ولذلك ينطلق نحو البحث فى «كيفية حضورها للذهن» ولا يجد سبيلاً تأتى به الأفكار إلى الذهن البشرى
إلا عبر الإدراكات التى مصدرها الحواس. ولأن لوك قد رفض نظرية الأفكار الفطرية فقد ذهب إلى أن كل أفكارنا ترجع إلى الخبرة التجريبية. وعلى الرغم من ذلك فقد تمسك بمعنى واحد فقط للفطرية، فليست الأفكار هى الفطرية عنده بل ملكات الذهن من تذكر وتخيل ودمج بين الأفكار وبعضها، وكذلك الرغبة والإرادة.
يبدأ لوك كتابه بتوضيح الهدف من تأليفه، ويذهب إلى أن الفهم هو الملكة التى تميز الإنسان عن باقى الكائنات الحية، ولذلك فإن البحث فيها له الأولوية القصوى، ذلك لأنه كما أن العين هى وسيلة الإنسان لرؤية الأشياء، فإن الفهم هو وسيلته فى الإدراك والمعرف. وقبل أن ينشغل الفيلسوف بإنتاج أى نوع من المعرفة فإن الأولى هو البحث فى الفهم الذى هو أداة المعرفة. وهكذا يفتح لوك مجالاً جديداً للبحث الفلسفى يختلف عن مجالات الفلسفة التقليدية، إذ كان كل مذهب فلسفى سابق يبدأ مباشرة بالبحث فى قضايا الوجود وطبيعة الإنسان ومفهوم الحقيقة وواقعية العالم الخارجى ... إلخ، لكن يتوقف لوك عن وضع قضايا تخص هذه الموضوعات التقليدية كى يبدأ أولاً بالبحث فى أداة المعرفة. وبالتالى فإن المبحث الأول فى الفلسفة عند لوك يجب أن يكون بحثاً فى المعرفة الإنسانية، حدودها ونطاقها وإمكانياتها. وبذهب لوك إلى أن الفهم الإنسانى يشتغل على موضوعاته مباشرة دون ملاحظة نشاطه ذاته، وما يجب البدء به هو وضع هذا الفهم الإنسانى نفسه موضع البحث.
وعلى الرغم من أن هدف البحث عند لوك هو الفهم الإنسانى،
إلا أنه لن يتناوله من منطلق دراسة فسيولوجية لوظائف المخ البشرى، ولن يبحث فى الحواس أو فى كيفية إدراكها للأشياء، بل سينطلق مباشرة إلى الكشف عن مكونات الفهم الإنسانى من أفكار بسيطة وأفكار مركبة، وصفات أولية وصفات ثانوية، والبحث فى كيفية إدراكه لمفاهيم مثل الجوهر والسببية والصفات والأحوال. وسوف يكون منهج لوك فى بحثه هو تتبع أصل الأفكار أو المفاهيم إلى مصادرها الأولى التى هى الإدراكات الحسية. وهدفه من ذلك هو بيان الحدود القصوى التى يمكن أن تصل إليها المعرفة البشرية، والتمييز بذلك بين المعرفة الصادقة ومجرد الرأى والاعتقاد. وإذا وصل لوك إلى نطاق معرفى يتعدى قدرات الفهم الإنسانى فسوف يتوقف عن البحث فيه لأنه يتجاوز هذه القدرات، ويقصد بذلك موضوعات الميتافيزيقا التى لا تخضع للحواس أو الإدراك الحسى وتتجاوز بذلك حدود ما يمكن أن يعرفه الإنسان بوضوح وصدق ويقين. ذلك لأن لوك يعتقد فى أن المعرفة الواضحة هى المعرفة المرتبطة بقدرات الفهم الإنسانى المرتبطة بالإدراك الحسى، أما المعرفة الميتافيزيقية فهى فى نظره غامضة ومشوشة دائماً لأنها لا تعتمد على أى مصدر تجريبى. ويهدف لوك من ذلك إلى إمداد المعرفة بمقياس يستطيع الإنسان به التفريق بين المعرفة الواضحة والمعرفة الغامضة أو المشوشة، والتمييز بين الصدق واليقين من جهة والرأى والاعتقاد من جهة. وما دفع لوك نحو ذلك ما لاحظه من إختلاف المفكرين حول موضوعات المعرفة وعدم قدرتهم على الوصول إلى اليقين فى موضوعات الميتافيزيقا، فأراد فى مواجهة هذا الخلاف الوصول إلى الوضوح واليقين فى المعرفة،
ولم يجد لذلك من سبيل سوى ربط المعرفة الإنسانية بأصولها فى الإدراك الحسى الذى هو عنده يتمتع بالوضوح. وبذلك تكون الأفكار الواضحة عنده هى الأفكار ذات المصدر الحسى والمرتبطة بالإدراك الحسى، والأفكار الغامضة هى تلك التى تتجاوز نطاق الخبرة التجريبية.


نقد نظرية الأفكار الفطرية


لا يستقبل الذهن البشرى إلا الإحساسات والإدراكات الحسية والأفكار، أما مفاهيم العلاقة والسببية والجوهر والأعراض والأحوال فلا يستقبلها الذهن من الخبرة بل يتوصل إليها عن طريق التركيب والدمج بين ما تلقاه من مدركات. وبينما يكون استقبال الذهن للمدركات مجرد تلقٍ سلبى لها، فإن العلاقة والسببية والجوهر والأعراض تعبر عن الدور الفاعل للذهن. الحواس سلبية والذهن إيجابى، الحواس متلقية ومستقبلة والذهن فاعل ونشط. وعلى هذا تكون كل المفاهيم العقلية معبرة عن نشاط الذهن الإنسانى فى التركيب بين المدركات، وتكون كل علاقة منها هى الطريقة الخاصة التى ترتبط بها المدركات فى العقل. فالسببية مثلاً هى ربط الذهن بين حادثة وأخرى تكون الأولى سبباً للثانية، والجوهر هو علاقة بين الصفات وحاملها الذى هو الجسم المادى، وتكون علاقة الجوهر والعرض هى ربط الذهن بين صفات أولية مثل الامتداد والصلابة وصفات ثانوية مثل اللون والرائحة والطعم.

وعلى هذا تتحدد فاعلية الذهن البشرى بما يستقبله من إدراكات، أما هذا الذهن نفسه وبدون مدركات يتلقاها من الحواس فهو مثل الصفحة البيضا tabula rasa الخالية من أى تحديد أو علامات مسبقة موروثة أو فطرية وتأتى الخبرة التجريبية لتكتب عليها ما تشاء. لكن يجب أن ننتبه إلى أن استخدام لوك لتعبير الصفحة البيضاء غير دقيق ولا يتفق مع نظريته فى المعرفة.
لقد ذهب لوك إلى أن الذهن البشرى صفحة بيضاء كى يؤكد على أنه يدخل فى التجربة وهو غير محمل بأى أفكار مسبقة أو فطرية وأن كل ما فى هذا الذهن مصدره التجربة والخبرة التجريبية، لكن هذا التعبير غير صحيح إذا جعلنا نعتقد أن الذهن مجرد متلق سلبى للإدراكات، ذلك لأنه كما رأينا فاعل ونشط، يركب ويدمج بين الإدراكات ليقيم بينها علاقات وكذلك فإن أفعال الذهن هى مصدر لأفكار جديدة غير موجودة فى التجربة. فإذا بحثنا فى مفهوم السببية أو مفهوم القوام أو الجوهر والعرض فلن نجدها حاضرة جاهزة فى التجربة، بل هى نتاج لنشاط الذهن فى التركيب والدمج بين الإدراكات على نحو معين. ليس الذهن صفحة بيضاء لأنه هو نفسه يعد مصدراً لمفاهيم غير موجودة فى التجربة. ولذلك ليست تلك الصفحة بيضاء تماماً، إذ نجد فيها مفاهيم مكتوبة عليها غير موجودة فى التجربة، والذهن نفسه مصدرها، لكن وفى نفس الوقت يذهب لوك إلى أن المفاهيم العقلية المجردة لم تكن لتوجد فى الذهن لولا احتكاكه بالتجربة، إذ لو لم استقبل الذهن البشرى أشياء تكون سبباً لأشياء أخرى،أو أشياء تكون متغيرة مثل اللون بالنظر إلى الثابت وهو الجسم الممتد لما توصل إلى مفاهيم مثل السببية والجوهر والأعراض.

ويطلق لوك مصطلح «الفكرة» Idea على كل عناصر وموضوعات الفهم، سواء كانت تصورات أو تمثلات حسية أو مقولات أو كليات، ومبرر لوك فى هذه التسمية الواسعة أن كل هذه المفاهيم هى الموضوعات التى يفكر فيها الفهم الإنسانى. فكل ما يتناوله الفهم بالتفكير ويكون موضوعاً لوظائفه يسميه فكرة. وأول ما يقوم به لوك هو البحث فى مصدر أو أصل الأفكار، ولأن مصدر الأفكار عند لوك هو الإدراك الحسى والخبرة التجريبية فهو يبدأ بنقد النظرية القائلة أن فى العقل البشرى أفكار فطرية يولد بها ويمتلكها من ذاته دون أن يستقيها من أى مصدر خارجى، أى النظرية المعروفة بنظرية الأفكار الفطرية. وأول من قال بهذه النظرية هو أفلاطون، وأبرز من قال بها من المحدثين ديكارت، وفى عصر لوك تم إحياء هذه النظرية فى إنجلترا وخاصة من قبل بعض المفكرين فى جامعة كيمبردج والذين يطلق عليهم اسم «أفلاطونيو كيمبردج». تنص هذه النظرية على أن فى العقل البشرى أفكار فطرية يولد بها ولا ترجع بأصولها إلى الخبرة التجريبية، مثل كل الأفكار العامة عن الكليات مثل الجنس والنوع والكل والأجزاء والجوهر والسببية، وحتى على المستوى الأخلاقى فهناك اعتقاد فى وجود أفكار أخلاقية فطرية مثل العدالة والفضيلة والسعادة. يبدأ لوك كتابه بتوضيح أن ما تعارف عليه دائماً على أنه أفكار فطرية ليس كذلك بل ترجع هذه الأفكار كلها إلى الخبرة التجريبية.
وينكر لوك وجود أى أفكار فطرية فى العقل البشرى، وطريقته فى نقد النظرية القائلة بالأفكار الفطرية هى أن يوضح:
1 - أن الأفكار التى يعتقد أنها فطرية ليست كذلك بل ترجع إلى الخبرة التجريبية.
2 - أننا قادرين على تكوين معرفة دون الاستعانة بأى أفكار فطرية وبالاعتماد على التجربة والخبرة التجريبية وحدها.
وأول دليل تستند عليه نظرية الأفكار الفطرية هو دليل الإجماع والإتفاق، إذ تذهب هذه النظرية إلى أن كل البشر مجمعون ومتفقون على مجموعة من الأفكار يعتقدون أنها فطرية، مثل أن الشئ الواحد لا يمكن أن يوجد وأن لا يوجد فى نفس الوقت؛ أو بتعبير المناطقة أن أ لا يمكن أن تكون أ ولا أ فى نفس الوقت، وأن المساويان لثالث متساويان وأن الكل أكبر من أجزاءه. ويرد لوك على هذه الحجة بقوله إن هذه الأفكار لا يوجد حولها الإجماع أو الاتفاق المفترض فيها، ذلك لأن الأطفال والمجانين لا يعتقدون فيها، فالطفل يمكن أن يقبل بسهولة وجود الشئ وعدم وجوده فى نفس الوقت، كما أنه لا يعرف أن المتساويان لشئ واحد متساويان بالنسبة لبعضهما. ومعنى هذا أنه إذا كانت هناك أفكار فطرية مطبوعة فى النفس الإنسانية فيجب أن يعرفها الأطفال، أو أن يعرفها الهمج والبرابرة الذين لم ينالوا قسطاً من الحضارة والتمدن. فالطفل لا يمكنه أن يعرف مثل هذه الأفكار إلا بالتعلم ولا يمكن أن يتوصل إليها بنفسه، وكونه لا يتوصل إليها إلا بالتعليم يعنى أنها فى حاجة إلى الخبرة وإلى البرهنة على وجودها، وما يفتقر إلى البرهان والتعلم لا يمكن أن يكون فطرياً.
ويدلل أصحاب نظرية الأفكار الفطرية على صحة نظريتهم بقولهم إن العقل يكتشف الأفكار الفطرية بذاته ودون حاجة إلى أى خبرة تجريبية، ويرد عليهم لوك قائلاً إن اكتشاف العقل لها لا يعد دليلاً على فطريتها، إذ معنى هذا أن النظريات الرياضية فطرية تماماً مثل المسلمات والبديهيات التى تنطلق منها، ومحال أن تكون النظريات الرياضية فطرية، لأننا لا نعرف بالفطرة أن مجموع زوايا المثلث تساوى 180 درجة أو أن المثلث ذو الزاويتين المتساويتين لديه ضلعين متساويين. فعلى الرغم من أن هذه النتائج قد توصلنا إليها بالاستنباط من بديهيات سابقة عليها إلا أنها ليست فطرية، فليس كل ما يكتشفه العقل فطرى، ذلك لأن استخدام العقل ذاته فى البرهان والاستنباط يعد نوعاً من الخبرة المرتبطة بالتجربة. ويؤكد لوك على صحة نقده هذا بقوله إنه إذا كانت الأفكار فطرية فكيف إذن احتاجت إلى البرهان وإعمال العقل لاكتشافها؟ وإذا كانت فطرية فلماذا لم يعرفها العقل مباشرة قبل استخدامه للبرهان؟ إذ معنى هذا هو أن فى العقل أفكار فطرية لا يعرفها قبل اكتشافها فى البرهان، أو القول بأن العقل يعرف ولا يعرف الأفكار الفطرية فى نفس الوقت، وهذا تناقض.
إن اكتشاف العقل للأفكار الفطرية يعد تناقضاً، ذلك لأن استخدام العقل ذاته فى التوصل إليها لا يجعلها فطرية بل يجعلها نتاج استخدام هذا العقل. ولذلك يشرح لوك كيف يتوصل العقل إلى الأفكار العامة من الخبرة التجريبية؛ تبدأ الحواس أولاً فى إمداد العقل ببعض الانطباعات التى يفهمها العقل على أنها أفكار، وعندما يعتاد عليها العقل تصبح محفوظة فى الذاكرة ويضع لها العقل أسماء، ثم يقوم العقل بتجريد هذه الأفكار للوصول إلى العام والمشترك بينها ويضع لها اسماً، ويكون هذا الاسم فكرة عامة، وعندما يتوصل العقل أو ينتج الأفكار العامة يستخدمها فى تفكيره. ومعنى ذلك أن الأفكار العامة هى نتاج للنشاط التجريدى والتعميمى للعقل وليست فطرية أبداً، لأنها ليست سوى تجريد للأفكار البسيطة التى يتلقاها العقل من الحواس.
ويذهب لوك إلى أن الإجماع على كون بعض الأفكار فطرية لا يقف دليلاً على فطريتها، ذلك لأن أصحاب هذه النظرية ينظرون إلى الرياضيات على أنها فطرية، فمثلاً ينظرون إلى 3 + 4 = 7 على أنها فطرية وهى ليست كذلك. فالطفل لا يتوصل إليها إلا بعد أن يمارس الجمع ويدرك مفهوم التساوى، وهم يقولون إنه بمجرد ما أن يصل العقل إلى هذه النتيجة حتى يحدث الإجماع حول بداهتها وفطريتها لكن يتناسى هؤلاء أن
ما تم الإجماع عليه ليس سوى نتيجة لفعل الجمع الذى ينتمى إلى التجربة، ولذلك فإجماعهم على ما يعد نتيجة خبرة تجريبية باعتباره فطرياً يعد تناقضاً، فالإجماع لا يعد دليلاً على فطرية أفكار توصلنا إليها بالتجربة. صحيح أننا لا نحتاج إلى التجربة، أى إلى فعل العد والجمع كلما فكرنا فى
3 + 4 من ناحية و7 من ناحية أخرى، إلا أن هذا بسبب اعتياد العقل على هذه الفكرة بعد أن تعلمها، ويشير إلى استغناء العقل عن ممارسة فعل العد والجمع بعد أن مارسه للمرة الأولى. واعتياد العقل على هذه النتيجة هو
ما يجعله يأخذها باعتبارها مسلمة أو بديهية أو فطرية فى حين يكون مصدرها الخبرة التجريبية. وفكرة التساوى بين عددين وعدد ثالث ليست فطرة بأى حال من الأحوال، لأن العقل لا يدرك مفهوم التساوى إلا بعد أن يمارس فعل الجمع نفسه ويكتشف التساوى من الخبرة التجريبية.
ومثلما يرفض لوك وجود أفكار فطرية فى العقل فهو أيضاً ينكر وجود مبادئ أخلاقية فطرية. والحقيقة أن نظرية لوك فى هذا الشأن تتصف بشئ من الغرابة، ذلك لأنه ينكر أن تكون الفضيلة قيمة فطرية، فى حين يُعتقد دائماً أنها قيمة عليا واضحة بذاتها، لكن على العكس من الاعتقاد الشائع حول أسبقية الفضيلة وقيمتها القبلية الفطرية، يذهب لوك إلى أنها ليست كذلك. ذلك لأن الفضيلة وجودها نادر فى العالم الإنسانى،
ولا يتوصل إليها الإنسان إلا عندما يتفاعل مع الآخرين ويعرف الصواب والخطأ ويميز بين البشر على أساس سلوكهم، وهذه كلها خبرات تجريبية، فحسب لوك نحن نعرف الفضيلة من خبرتنا بالسلوك وتفاعلنا مع الآخرين. والفضيلة عنده ليست فطرية لأن من عادة البشر أن يسلكوا حسب المصلحة الشخصية وحسب مبدأ جنى المنفعة وتجنب الخسارة وتعظيم الثروة والسعى نحو اللذة وتجنب الألم. فإذا كانت الفضيلة فطرية لرأينا كل الناس فضلاء، لكن الأمور تسير عكس ذلك، وإذا كانت فطرية لرأينا الناس يمتلكون تعريفاً واحداً واضحاً ومتميزاً عن الفضيلة، فى حين أن مفهوم الفضيلة غامض لدى الكثيري، ولا يمكن أن تكون الفكرة الغامضة والتى ليس عليها اتفاق فى تعريفها فطرية، أما المبادئ الأخلاقية فليست فطرية، ذلك لأن كل أمة لديها المبادئ الأخلاقية الخاصة بها والمختلفة عن باقى الأمم، بل إن الشعوب المختلفة تعتنق مبادئ أخلاقية متناقضة؛ فالصواب عند أمة يمكن أن يكون خطأ عند أمة أخرى، والخطأ عند أمة يمكن أن يكون صواباً عند أمة أخرى. وإذا كانت المبادئ الأخلاقية فطرية فلماذا نراها تنتهك ولا تُتَّبع لدى غالبية الشعوب؟ إن كل ذلك يثبت أنها ليست فطرية.


جون لوك والعقد الاجتماعي

يتفق " لوك " مع " هوبز " في أن الناس يكونون في الحالة الطبيعية قبل التحول إلى المجتمع المنظم ، إلا أن نظرته للأفراد في إطار هذه الحالة يختلف تمام الاختلاف عن نظرة " هوبز " ، فيرى أن للإنسان حقوقاً مطلقة ، لا يخلقها المجتمع وإنما أستحقها الإنسان بحكم إنسانيته ، وأول هذه الحقوق الحرية التي عنها تنشأ المساواة والحقوق الأخرى ، وهى حق الملكية والحرية الشخصية وحق الدفاع عنهما ، كما يرى بأن السلطة السياسية تنشأ بالتراضي المشترك والتعاقد الإرادي ، لأن أعضاء المجتمع جميعهم أفراد ضمن الحالة الطبيعية، وقد تعاقدوا لصيانة حقوقهم الطبيعية ، وعهدوا لأحدهم بالحفاظ على هذه الحقوق لضمان بقاء المجتمع واستمراره .
لقد حرص " لوك " بأن يطور أفكار " هوبز " ولكن من منظور مختلف ، لذا فإن مساهمته الفكرية كانت تطويراً لنظرية العقد الاجتماعي أيضاً ، ومن الممكن أن نلاحظ ذلك من خلال ما يلي :
ـ رغم أن أفكار " لوك " تنطلق من نقطة وجود الحالة الطبيعية مثل " هوبز " ، إلا أنه يختلف معه في تحليله لهذه الحالة ، ففي حين يرى " هوبز " أن الناس في الحالة الطبيعية متوحشين يريد كل واحد منهم أن يقاتل الآخر لإشباع حاجاته ، فإن " لوك " يرى أن الحالة الطبيعية كانت صالحة جداً لحياة الإنسان مع غيره من أبناء جنسه ، يسودها الوئام والطمأنينة والاستقرار ، وتحكمها قواعد عامة كالقوانين الطبيعية التي عرفتها المجتمعات البشرية في تلك الفترة ، حيث أن قانون الطبيعة يحدد تحديداً كاملاً كل حقوق الإنسان وواجباته.
ـ يرى " لوك " بأنه رغم تلك السمات الإيجابية المميزة لحياة الأفراد في الحالة الطبيعية ، إلا أن عيبها يكمن في أنها لا تشمل على تنظيم مثل القضاء والقانون المكتوب والعقوبات المحددة ، لذا فإن القانون الوضعي لا يضيف شيئاً إلى الصفة الأخلاقية التي تتسم بها أنواع السلوك المختلفة ، إلا أنه يهيئ جهازاً للتنفيذ الفعال.
ـ يؤكد " لوك " على ضرورة الفصل بين الكنيسة والدولة والعمل على سيادة الحرية في إطار تأكيده على قيام المجتمع المدني ، كما أيد الملكية الخاصة باعتبارها حق مكفول للجميع ، وهي حق طبيعي يقوم أساساً على العمل وليس التملك أو الحيازة فقط .
ـ على عكس " هوبز " الذي يرى بأن حالة الفطرة الأولى ، أي الحالة الطبيعية ، تحكمها الأهواء والغرائز والأنانية ، وبذلك رأى بأن التعاقد يجب أن يتم على أساس أن يتنازل الأفراد عن كل حقوقهم للحاكم الذي تكون له السلطة المطلقة ، فإن " لوك " يرى بأن حياة الأفراد في الحالة الطبيعية يحكمها العقل ، لذلك فإن الأفراد لا يتنازلون في العقد المبرم مع الحاكم عن كل حقوقهم الطبيعية إلا بالقدر اللازم لكفالة الصالح العام .
ـ في حين أن العقد الاجتماعي عند هوبز يتم بين الأفراد فقط ، فإن الحاكم في رأي "لوك" يكون طرفاً في التعاقد ، وبذلك يكون الحاكم ، فرداً أو جماعة ، مقيداً بالاتفاق المتعاقد عليه لا يمكن له الخروج عنه .
ـ يلتزم الحاكم ، أو السلطان ، باعتباره طرفاً في العقد ، بتسخير سلطته في تحقيق الصالح العام واحترام الحقوق الطبيعية للأفراد ، في حين أنه إذا أخل بالالتزام فإنه يحق للأفراد فسخ العقد والثورة عليه .
ـ يعد المتخصصين " لوك " من مؤسسي النظام الملكي ( المقيد ) ، أو ما يسمى في أدبيات علم الاجتماع السياسي الآن بالملكية الدستورية ، لذلك فإن الحل الذي قدمه لمشكلة بناء النظام السياسي في المجتمعات يعد من المنظور التقليدي حلاً ديمقراطياً .

(جان لوك) المنظــّر الأول لنظرية " سيادة القانون "


إن ما يميز العصر الحديث والمعاصر في حقل الأفكار السياسية في الغرب هو ظهور الفلسفة السياسية والنظريات الدستورية والتي أسست لوجود الدولة الديمقراطية الليبرالية . ولكن في الواقع إن الأفكار الأساسية هذه التي أسست " لدولة الحق " كانت قد شكلت بواسطة المفكرين في العصور القديمة والوسطى . ضمن هذا السياق لا بد من طرح السؤال التالي : لماذا إذا هذه الدولة وهذا المجتمع المتطور لم يزدهر بشكل حقيقي في العصر الحديث والمعاصر ؟ الإجابة السريعة تقول : لأن القرون الأخيرة اكتملت بشكل عميق وكبير ومتقدم فكريا بالمقارنة مع العصور القديمة والوسطى . إن المفكرين في هذه العصور أسسوا نموذجا جديدا للنظام الاجتماعي ، والذي نستطيع أن نصنفه على أنه نموذج أو " براديغم " التنظيم من خلال التعددية . لقد علموا أن الحرية الفردية والتعددية وهما متلازمان ونتاجات طبيعية ، لم تكن عنصرا أو سببا للتفجر الاجتماعي و الفوضى ، بل شكلا راقيا وساميا لتنظيم العلاقات بين البشر . هذه الأسس الفكرية للنظام الاجتماعي هي التي سمحت لهم بإنتاج وتشييد مؤسسات الدولة " دولة الحق والقانون " والنظام التعددي. أم أهم الأفكار فكانت [ حقوق الإنسان ، السوق ، الديمقراطية ، المؤسسات الأكاديمية الحرة ، الصحافة الحرة ..]

فيما بعد ، ومن خلال صيرورة التقوية والدعم والسمو الممنوح من خلال هذه المؤسسات للمجتمعات الغربية والأفضلية على جميع أشكال التنظيمات المعروفة ، تأمنت عملية البقاء والخلود للنموذج الديمقراطي والليبرالي . هذا النوع والنهج من التطور الاجتماعي وتطور تنظيم الدولة وبناء المؤسسات انتصر بشكل ساحق على الأشكال المرضية والتخريبية لبناء المؤسسات والفرد وأهمها الفاشية والشيوعية.

من خلال هذه " الإشكالية " ، إشكالية العلاقة بين بنية هذه الأنظمة المتعاقبة وتداخلاتها ، ونظرتها للدولة والمجتمع والفرد والمؤسسات والحرية ، نستطيع أن نضع الأساس الذي سننطلق منه في هذه المقالات المتعددة حول الفكر السياسي في العصر الحديث والمعاصر .

في بداية هذه الرحلة الطويلة مع قراءة الفكر السياسي الديمقراطي والليبرالي ، لا بد من إيضاح وتعريف عدة مناهج تساعد على القراءة الدقيقة للإشكالية المطروحة أعلاه .

1- براديغمات متعددة للنظام الاجتماعي :

أولا : مفهوم البراديغم " Paradigme " :

ماذا يقصد بالبراديغم أو " النموذج " في الفكر السياسي و الاجتماعي ؟

بشكل عام ، البراديغم : هو نموذج يشكل البناء " التحتي " لفكر ما ، والذي يحدد بنيته ، والذي يطرح أسئلة محددة ، والذي ينظم " المعطيات " ،أو " المعطى " وفق بنى أو " محيطات " متعددة .

" البراديغم " في الفكر السياسي والاجتماعي ، هو نطاق أو محيط في داخله نفكر بالمشاكل المتعلقة بالمجتمع والدولة . وكل "براديغم " يرتكز على استيفاء أو الحصول على شكل ما للتنظيم أو الفوضى الاجتماعية ، وهذا يعني ، ما يحدد بدقة " واحترام " الازدهار ، السلام ، السعادة للمجتمع ، أو بالعكس ، الذي يحدث اضطرابات وبلبلة وعدم استقرار وسقوط وانهيار .

هذا المفهوم " للتنظيم " سيحدد كل شيء على سلم أو مقياس للقيم بما يتعلق بالسياسة والاقتصاد والاجتماع ، ومن خلاله نحدد معيار أو معايير ما نفضل ، والأعمال التي سنقوم بها ، والبرامج التي سنعدها .

ثانيا : " البراديغمات " الثلاث للفكر السياسي والاجتماعي الحديث :


في الفكر السياسي الغربي الحديث نميز ثلاث عائلات من النظريات : اليمين ، اليسار ، والديمقراطية الليبرالية . ونستطيع الاعتبار أن كل واحدة من بينها " تقاد " بشكل عميق من خلال " براديغم " أساسي ، أو رؤية للنظام الاجتماعي . وبشكل عام أكثر تبسيطا ، الفكر اليميني يظهر كأنه يقاد من خلال النظام الفطري أو الطبيعي ، أم اليسار من خلال نظام مصطنع ، والتقليد الديمقراطي والليبرالي من خلال نظام عفوي ، تعددي ، ثقافي ، متداخل ومتعدد التنظيم .

ثالثا : النظام المقدس :


في المجتمعات البدائية يوجد نظام مقدس وهو الذي أقيم بواسطة الآلهة . هذا النظام المقدس كان في الكثير من الأحيان متعذر

مسّه ، حيث أعطته الآلهة و أعطت المجتمع بنى متعددة وفرضت عليه القيام بأشياء عدة . بالنتيجة ، إنسان المجتمعات الابتدائية سيكون خطرا على النظام الاجتماعي القائم ، أما الإنسان الحديث فقد طمح وعمل على التحرر من القوانين الطبيعية والميتافيزيقية . النظام المقدس يستبعد عملية التغيير الاجتماعي ومن ثم يعطل التقدم . فالمجتمع الكهنوتي هو مجتمع " بلا تاريخ " ، والتقدم العلمي والتقني لم يحدث غلا عندما قام المجتمع بتحطيم كل قيود الشعائر والطقوس والأساطير .

رابعا : الأنظمة " الوسطى " ما بين الطبيعي والمصطنع :

القارئ لتطور الفكر السياسي يتوصل على معرفة وجود نوع من " الأنظمة " التي تشكل حقائق داخل المجتمع والتي لا تنتمي لا للنظام الطبيعي ولا للنظام المصطنع . و إذا قمنا باختبار وتحليل " الأخلاق " أو " القانون / الحق " وهي من " الأنظمة " الجوهرية للفكر السياسي / اجتماعي ، فإننا سنعرف تماما ماذا نعني بالأنظمة الوسطى . فهي " الأخلاق والقانون " ليست من الأنظمة الطبيعية حيث أنها تتغير وفق الزمان والمكان . وهي ليست اصطناعية ، حيث لا يستطيع أي كان أن يصمم أو يخلق " أخلاقا " أو نظاما قانونيا على طريقة مهندس يصمم آلة أو أي شيء آخر مصطنع . ولكن فقط في العصر الحديث والمعاصر حتى تيقن المفكرون بكثير من الوعي والتيقظ ، على أهمية ونوعية هذه الأنظمة المذكورة و أنها كوّنت بشكل واضح وعلمي مفاهيمها الخاصة بها .

الاقتصاديون " التوماسيون " thomistes ، في القرن السادس عشر سيقولون أن الأسعار أقيمت وكونت بواسطة " الله " ، وهذا ما يشير إلى مسؤول آخر في العملية الاقتصادية خارج عن طبيعة الإنسان .

" هيوم " hume ، سوف يشرح بوضوح فيما بعد كيف أن " التعاقدات أو الاتفاقات " التي تعرف العدالة هي من أعمال البشر من غير أن تكون من صياغة " العقل الإنساني " . " آدم فيرغوسون " ، سيتحدث عن "أنظمة " ناتجة عن أفعال الإنسان ولكن من غير قصدهم أو نيتهم ، " آدم سميث " ، يضع " اليد الخفية " الشهيرة

للسوق ، وهي ليست يد الله ولا يد الإنسان ، ولكن هو المجتمع الذي ينظم من خلال ذاته وهنا " سميث " لا يحدد " المفردة " الدالة على هذا التنظيم والتي يمكن أن تكون auto-organise .

المشكلة السياسية أيضا وضعت تحت نوع آخر من الأضواء . فهدف مؤسسات الدولة والنظام القانوني لم تكن نهائيا التقرب من النظام الطبيعي ، المصدر الوحيد لكل شيء " عادل " ، " قابل للحياة " ، " خصب " . كما لم تكن الأهداف هي إقامة نظام اجتماعي مثالي أو طوباوي ، بل كان الهدف هو تصور أو إدراك المؤسسات الأكثر " مقبولية " من أجل انبثاق نظام اجتماعي " عفوي " ينتج عن أفعال إنسانية تعددية تهدف للتوافق أو التلاؤم بين البشر ، ثم إنتاج حقائق اجتماعية واقعية وسامية : قوانين مجردة عن أي شيء غير الإنسان تسمح بالسوق أي التنافس الاقتصادي الذي لم يسبق حصوله ، مؤسسات برلمانية وديمقراطية والتي تقلل بشكل كبير خطورة بقاء مجموعة من المتسلطين في أماكنهم بشكل دائم ، وحرية صحافة تسمح بظهور حقائق اجتماعية وسياسية أكثر موضوعية ، الحرية الأكاديمية والتي تسمح بالانبثاق السريع للعلوم . هذه التغيرات الجوهرية و الأساسية للمجتمع الغربي جعلت بالإمكان لتاريخ فكري أن يمتد هذه القرون ، و أن يكون نظريات حديثة للدولة الديمقراطية والليبرالية .

إن تاريخ الفكر السياسي الحديث والمعاصر تمازج مع هذه التكوينات السابقة للمجتمع ، ولكن وجد من يقاوم هذا الفكر الحديث ويعارضه وخاصة من خلال المفكرين التابعين لنماذج فكرية رجعية . من هنا يمكن تصنيف دراسة تطور الفكر الليبرالي والديمقراطي وتمييز ثلاثة محاور أساسية فيها :

- اتجاه من الفكر يصنف ب" التقليد الديمقراطي والليبرالي " ، والذي ينطلق من نموذج غير طبيعي أو مصطنع في النظام الاجتماعي .

- عائلة من التفكير " اليميني " المعتمدة في أساسها على النظام " الطبيعي " .

- عائلة من التفكير " اليساري " القائمة على نموذج " منظّم " .

2- السؤالان الأساسيان للنظرية السياسية وفق " لورد أكتون " [ 1834 – 1902 ]

تختص النظريات السياسية في الرد على سؤالين كبيرين :


أ‌- من يجب أن يأخذ السلطة السياسية ؟

ب‌- ما هي الحدود التي يجب أن تكون للسلطة السياسية ، مع وجود أي كان فيها ؟

من الواضح هنا أن النظرية السياسية تبحث على حل : إما لمسألة السلطة داخل الدولة ، أو لمسألة سلطة الدولة . من المهم والجوهري الفهم أن هذين السؤالين الكبيرين يعودان إلى إشكالية مهمة في تاريخ البشر وهي " إشكالية الخضوع والتبعية " . يمكن اعتبار الإجابات على السؤال الأول تتدرج ما بين القطبين المتضادين أو النقيضين : حكومة تسلطية / الديمقراطية . يوجد حكومة تسلطية والتي تأخذ شكل " الملكية ، أو الديكتاتورية ، أو أرستقراطية مغلقة ....." هنا الفرد الحاكم أو المجموعة الحاكمة تأخذ وحدها القرارات وتحتفظ لوحدها

بالسلطة . ويوجد ديمقراطية حيث الحاكمين يكونون في السلطة وفق إجراءات قانونية سلمية ، مع تعددية للمرشحين ، وحرية التعبير ، والنقاشات العلنية ، انتخابات . من جهة أخرى يمكن تغيير الحاكمين بشكل سلمي على السلطة .

أما الإجابة على السؤال الثاني تترتب حول قطبين متناقضين آخرين :

التوتاليتارية / الليبرالية .


يوجد " توتاليتارية " عندما الدولة تدير أو تقود " كل شيء " في المجتمع ، لديها سلطات غير محددة ، تسيطر على الفكر والتعبير، الحياة الاجتماعية و الاقتصادية ، لا تعترف بحقوق الأفراد ، أو الجماعات الخاصة ، ولا بحقوق الأقليات ، كما لا تعترف ولا تقوم بأي شيء يؤدي لقيام المجتمع المدني .

ويوجد " ليبرالية " حيث سيادة الدولة تكون محدودة ، وتكون مضطرة للاعتراف بالقانون أو ما يتفرع عنه من تشريعات دولية [ مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، أو الأحكام الدستورية الأساسية ] . والدولة تحترم هنا بشكل عملي المبدأ الذي وفقه سلطتها التنفيذية والتشريعية لا تعيق أي حق من الحقوق أو الحريات " الدينية ، التفكير ، الملكية ، العمل ، التعاقد ... "

ولكن هل من تداخل بين هذه الأنظمة ؟
- يمكن أن يكون لدينا " انتقال " ديمقراطي للسلطة السياسية داخل الدولة ، والتي لديها نفوذ أو سلطان محدود على المجتمع ، من خلال الحقوق الأساسية للأفراد . وبالتالي يكون لدينا ديمقراطية ليبرالية .

- يمكن أن يكون لدينا سلطة سياسية " تسلطية " ودولة " شمولية " . وهذا ما نلحظه داخل ما ندعوه الأنظمة التوتاليتارية [ الفاشية ، الشيوعية ] ، حيث الدولة تفعل كل شيء مع الفرد دون حدود ، وبالإضافة لذلك ، الحكام يحتكرون السلطة ويبعدون المعارضة من خلال البوليس السياسي ، وهؤلاء في هذه الدولة لا يعترفون نهائيا بالانتخابات الحرة .

- ولكن بالإمكان وجود حكومة تسلطية في دولة ليبرالية : حصل هذا في الماضي ، في الإمبراطوريتين الفرنسيتين ، وحصل في تشيلي وكوريا الجنوبية وسنجابور ، وفي حكومة الشاه الأخيرة في إيران ، وقليلا في المغرب .

- إذا الإمكانية النظرية موجودة ، وهناك أمثلة تاريخية لدول وأنظمة مهيمنة وشمولية ، ولكنها في الأساس منتخبة ديمقراطيا . الأنظمة الثورية في أسابيعها الأولى تفعل نفس الشيء ، عندما يأخذون التفويض من الشعب في الوصول على السلطة ولا يحترمون الأشخاص والملكيات ، ومن ثم يعتبرون الشعب عدوهم . هذا الشكل من الأنظمة غير مستقر ، ويقود في النهاية على استبعاد الآخرين ، ويتحول من ثوري إلى تسلطي شمولي .


3- الديمقراطية والليبرالية تفترض " براديغم " النظام " العفوي " Spontané :

Spontanéisme : نظرية قائمة على العفوية المبدعة في الفرد .

Spontanisme : نظرية تعتمد على التوالد الذاتي " عفوية التولد " .

عندما يتلازم وجود الديمقراطية والليبرالية عبر تاريخهما معا ، فهذا لم يأت محض صدفة ، بل لأنهما يملكان نقاطا مشتركة في تأسيسهما للأنظمة التعددية " العفوية " أو الأنظمة " المنظمة " ذاتيا من نفسها .

الأنظمة المؤسساتية الديمقراطية تستند على النقاش أو الجدال المتناقض والمتعارض ، وحرية الترشيح والتصويت ، وفي الغالب تعتمد على حكومات تأخذ بالإدارة الجماعية [ Direction collégiaux ] ، إذا هي تتطلب الفصل " séparation " ، وبالتالي التوزيع أو التقسيم " répartition " بين أيد متعددة للسلطة أو السلطات . أنصار الديمقراطية يعتبرون هذا كله لبلوغ فعل سياسي متلاحم وقوي ، ولتعريف وتنفيذ لسياسية تتم متابعتها ، وتكوين تشريع مستمر .

والليبرالية أيضا ، ليس فقط هي حرية السوق والمبادرات الفردية ، إنها تعددية الصحافة والعلوم ، تفتح الحقيقة ونموها ، فالتعددية تولد شكلا ساميا للنظام . لهذا السبب في العصر الحديث والمعاصر مذاهب الديمقراطية والليبرالية تطورت إلى هذا الحد . وتاريخ الفكر السياسي في هذه الفترة يستطيع أن يكون متصفا أو مطبوعا كتاريخ يرتقي أو يدور في داخل " براديغم " التعددية ، وفي داخل كل سؤال من الأسئلة الأساسية للسياسة والتي وردت سابقا . ومن جهة أخرى يدور بنفس التناسق في صراع ضد نموذج من التفكير يقام بواسطة مفكري " اليمين " المرتبطين في " براديغم " النظام الطبيعي ، ومفكري " اليسار " المرتبطين في " براديغم " العقل البنائي " Constructiviste .

Constructivisme : نظرية تعنى بالجمال ظهرت عام 1920 ، جاءت في مكان النحت التقليدي ، وتؤسس نحتا مفرغا متعدد التشابكات والخطوط والسطوح ، وهي تعدّ كل موضوع للفكر " مبنيّا " .

وبهذا تكون الليبرالية قد حاربت على جبهتين : ضد هذه الأنواع من الفكر ، وفي سبيل صياغة نظرية للتعددية .

في الأجزاء التالية أو القادمة سنحاول قراءة تطور الفكر السياسي الحديث والمعاصر فيما يتعلق :

- بالتقليد الديمقراطي والليبرالي .

- خصوم التقليد الديمقراطي والليبرالي من اليسار .

- خصوم التقليد الديمقراطي والليبرالي من اليمين .

- تجديد التقليد الديمقراطي والليبرالي ما بعد عصر " التوتاليتارية " .

مذهب أو نظرية " سيادة القانون " Rule of law

يعتبر جان لوك [ 1632- ـ1704] المنظر الأساسي لهذا المذهب أو لما يسمى " الثورة المجيدة " في إنجلترا عام 1688. هذه الثورة أسست الملكية الدستورية والليبرالية الاقتصادية. ولكن قبل الحديث عن هذه النظرية لابد من الاطلاع على الواقع التاريخي الذي كان قبلها والذي رافقها.

في عام 1685 شقيق شارل الثاني، الدوق " ليورك " ، خلف شقيقه بإسم جاك الثاني. وبما أنه كاثوليكي فقد عمد فورا لإقامة الحكم

المطلق إلى جانب الكاثوليكية. وبما أن طابع حكمه كان سلطويا وتعسفيا، فكر الكثير من البريطانيين بإزاحته. ففي عام 1688 عمد بعضهم إلى " غليوم " ، أحد قادة المقاطعات المتحدة والذي أساسا هو متزوج من ابنة " جاك الثاني " ماري. حاصر غليوم بجيشه جاك الثاني، وهذا الأخير من غير قتال أعلن التنازل عن العرش. وقد أصبح غليوم وماري ملكين، أو حسب ماسميت آنذاك ملكية برأسين. وبعد حصول تصويت لغرفتي البرلمان 13 شباط 1689، صدق البرلمان على نص أساسي سمى :

أو شرعة الحقوق، أو ميثاق الحقوق والذي يؤكد مبادئ النظام الجديد: الاعتراف بالحقوق الأساسية Bill of rights

وبالطابع الدستوري للنظام القائم. إذا هي عقد حقيقي بين البرلمان والملك الجديد وقد اعتمد العقد على مبادئ هوبز. وبالتالي يصبح الشعب الإنكليزي ممثلا من خلال البرلمان المنتخب.

الفلسفة السياسية لهذا النظام تمت صياغتها وتشكيلها بواسطة " جون لوك " ، والذي نشر منذ عام 1680 في أوساط ما يسمى بالإنكليزية "Whigs " [ أعضاء بحزب الأحرار ] أو [ مؤيدي التغيير في إنكلترا ] معالجته المؤلفة من جزأين حول الحكومة المدنية . ومنذ عام 1667 كان جون لوك قد بدأ ينشر مؤلفاته والتي نذكر منها : [ محاولة حول التسامح 1667 ] ، [ حول الاختلاف ما بين السلطة الكهنوتية والسلطة المدنية 1674 ] ، [ تفكير حول التعليم 1693 ] ، [ مؤلف حول النقد والضريبة 1692 ] ، [ نصوص حول التوافق بين المسيحية والعقل 1695 – 1697 ] . لوك هو أحد رجال القانون ، أنها دراسته حول الأدب ومن ثم الطب في جامعة أكسفورد حيث سيعلم فيما بعد اليونانية . عاش في فرنسا فترة طويلة [ 1672 – 1679 ] حيث كان يتعامل بشكل دائم مع كلية الطب المشهورة في جامعة مونبلييه . ثم يغادر فيما بعد إلى هولندا [ 1683 ] ويبقى فيها حتى [ 1689 ] ، التقى هناك ملك إنكلترا " غليوم " ، ثم أصبح بعد دعوة الملك وزيرا للتجارة في إنكلترا ، لكن ما لبس أن انسحب من منصبه فورا ليكمل مؤلفاته الفكرية .

في محاولته [ حول الإدراك الإنساني ] ينتقد لوك نظرية ديكارت أو مذهب الأفكار الفطرية Innéisme ، ويطرح مشكلة حدود المعرفة . يظهر لوك على أنه " تجريبي " دون الذهاب إلى القول ب " Sensualisme " [ مذهب يقول بأن الأحاسيس أساس الفكر ] . إذا هناك توازن عند لوك ما بين " التجريبية " Empirisme ، و " العقلانية " Rationalisme ، ويمكن العثور على هذا التوازن في أعمال جون لوك السياسية . الأعمال السياسية لدى لوك تتألف من جزأين رئيسين : [ الكتابات حول التسامح ] و
[ معالجة الحكومة المدنية ] . لوك في بحثه الأول حول الحكومة المدنية يرفض طروحات الملكيين القائلة أن السلطة السياسية لا يمكن أن تكون إلا ملكية و أن " السلطة الأبوية " للملوك مؤسسة في نفس الوقت وفق الثورة ، وأن الملوك هم ورثة آدم . ومن أجل هذا عمد لوك لإيجاد نظريته حول الحكم .

أولا – حالة الطبيعة :


حالة الانسان الطبيعية عند لوك ، هي حالة من الحرية والمساواة ، حيث لا يوجد الخضوع بين الناس والذين هم من " نفس النوع أو الصنف " ، " ولدوا من غير تمييز " ، " لديهم نفس الحقوق " . هذه

الأطروحة لم يأت بها لوك من عنده ، بل كانت من عصور سبقته وبالتحديد من قبل Grotius ، وقد شرحت بأشكال مختلفة أثناء الثورة الإنكليزية . لكن الحرية الطبيعية محددة عند لوك بواسطة القانون الطبيعي ذاته ، وهذا القانون يمتزج مع الحق : " الذي يعلّم للناس جميعهم وهم متساوون ومستقلون ، ولا أحد يستطيع إنكار شيء على الآخرين ، حقهم في الحياة والصحة والحرية "

. يرى لوك أنه سيكون من العبث أن نقول بأن الإنسان سيحاكم نفسه من خلال القانون فيما يتعلق بمصالحه الخاصة لأن حب الذات " self-love " سيجعل الإنسان متحيزا لنفسه ولأصدقائه . من هنا إذا لابد من الخروج من " حالة الطبيعة " إلى دولة نستطيع أن نشيد فيها محاكم وقضاة غير منحازين . ولكن لن يكون كافيا أن يرتبط الناس بدولة يخلقونها : " لأن الملكية المطلقة أو الحكم المطلق يتألف من بشر ، وبالتالي ماذا سيكون نوع الحكومة التي يتحكم بها شخص واحد ، و الذي سيقود وسيكون له الحرية بأن يقضي في قضاياها هو نفسه ، وهنا يفعل ما يشاء وعلى هواه دون أدنى مساءلة أو مراقبة ؟ " .

عند لوك " الحالة الطبيعية " هي أساسا " حالة اجتماعية " ، حتى ولو لم تكن حالة مدنية أو سياسية . مع هذا في " حالة الطبيعية " الناس مجبورون لعمل أو لعدم عمل الكثير من الأشياء ، حتى بعدم وجود أي اتفاق معلن فيما بينهم : " الانسان في هذه الحالة هو كائن اجتماعي ، يكوّن مجتمعا وحيدا لكل البشر . تأسيس الجسم السياسي هنا المنفصل ، يجب أن يكون معللا أو مشروحا كشكل أو جسم غير [ مشترك ] بقدر ما هو مشترك ، حيث أن تأسيس الدولة يؤدي إلى تقطيع أو تجزئة المجتمع الإنساني الأصلي . مجتمع سياسي أو " تجمع " ، هو مجتمع " منشق " Dissidente بالنسبة للمجتمع الطبيعي الشامل لكل الناس . وهذا ما يجعلنا نفكر بنظرة جديدة تفتح الأفق لخلق مجتمع سياسي شامل " عام " أكثر كمالا من المجتمع الطبيعي الشامل " . وبالفعل هذا ما سنراه مع Kant بعد قرن من الزمان ، والذي يعمد إلى سبر وتحري هذا الموضوع .

ثانيا – الانتقال من الحالة الطبيعية إلى الحالة السياسية :

أ‌- الصعوبات الملازمة لحالة الطبيعة :


يجب القول هنا أن ملكية الإنسان في حالة الطبيعة تعرضت لحالة من الهشاشة يرى لوك : " إذا كان الإنسان تماما " حر " كما هو عليه الحال في حالة الطبيعة ، إذا كان هو السيد المطلق لشخصه و أملاكه [ ....] فلن يكون لديه سوى تمتع هش بأملاكه وستكون معرضة للاغتصاب من الآخر " . فقوانين حالة الطبيعة لن تكون مصانة كفاية بسبب قوة المصالح ، وبسبب حالة الجهل السائد لعدم توفر العلم أو الدراسة .

ب – لا نستطيع أن نترك حالة الطبيعة من أجل حالة ربما تكون أسوأ منها :


حالة الطبيعة حتى ولو كانت هشة ، فإنها عند لوك ليست كما عند هوبز " قاتلة " . عند هوبز ، الإنسان كان في هذه الحالة مستعدا للتضحية بحريته من أجل حماية حياته ، أما عند لوك : " فالإنسان ما يهمه هو الحديث ليس عن حياته بل عن السعادة والازدهار . ولكن نحن لسنا مستعدين لدفع نفس الثمن للمضي إلى الحالة السياسية " . إننا لن نغير إلى الحالة السياسية إذا لم تكن الشروط في هذه الحالة ، على الأقل ، تكون بمستوى الحالة السابقة .

إننا نستطيع في حالة اللزوم قطع الصلات التي تعود أو تتصل بحالة الطبيعة ، خاصة أننا نعرف أن هذه الحالة من الصعوبة بمكان أن تعيش ، على الأقل في الوقت الضروري لتجديد بناء مجتمع مدني يرضي ما نريد . في هذه الحالة لن يكون هناك حق لانشقاق الفرد . هذه النظرة لم يكن مفكر بها عند هوبز ، حيث العقد الاجتماعي كان مدركا " كحركة من الرعب والهلع " ربما تبلغ أو تصبح حالة في اتجاه واحد . أما العقد الاجتماعي عند لوك سيكون قرارا مفكرا فيه وإرادي وخاضع للنقد في أي لحظة .

من أجل وضع نهاية لهشاشة الحياة الطبيعية ، الإنسان " يحض ويوافق من أجل الارتباط بالآخرين ، الجاهزين للارتباط معه أصلا لأجل الحماية المتبادلة للحياة والحرية والأملاك ، يوافق على الأخذ من الملكية " . ومن أجل أن يكون هذا ممكنا ، من الواجب ، وسيكون كافيا ، لأي فرد من الناس أن يتخلى بنفسه عن ممارسة حقه الطبيعي في العقوبة والقصاص ، ويتنازل عنها للجماعة . هنا سيكون من الواجب على الجماعة حيازة القوانين التي تحكم عملية مقاضاتها وحكمها وتنفيذ أحكامها ، في هذه الحالة الحق الطبيعي في العقوبة والقصاص سيكون مكفولا للجماعة في محل حق كل فرد أن يقوم بهذا بنفسه أو مكان الآخرين .

ومن هنا تستنبط السمات الثلاث الجوهرية للتجمع السياسي :

- القوانين : " توضع وتعرف وتستقبل ويصدق عليها بالتوافق " ، وسيكون ممكنا من خلالها وفق المقاييس التي تنتج بها ، إعادة إنتاج العدالة الطبيعية .

- حكم يطبق القوانين بشكل منصف وموضوعي ، وسيكون بعيدا عن شخصنة التطبيق ، وبالتالي سكون معصوما من الأهواء والمصالح التي تضر بالحكم والقضاء في حالة الطبيعية .

- سلطة قادرة على تنفيذ الأحكام لهذا " القاضي/الحكم " ، وسيكون هذا ممكنا حيث أن السلطة لديها قوة تحالف كل الجسم الاجتماعي .

ومع العقد الاجتماعي لن نفقد شيئا من عملية التغيير لأن : الملكية ستكون محفوظة وهذا هو جوهر الحقوق الطبيعية ، سيتم التنازل عن الحقوق التي لا تأتي في مقدمة ممارسة الإنسان لحريته ، والتي ستمارس من قبل الدولة .

إن تحليل لوك الذي استنبط بدقة وقوة وظائف الدولة ، إضافة لوجود عدة حقوق طبيعية للإنسان [ مثل الملكية ] والتي ستحفظ من قبل الإنسان عندما يعبر إلى الحالة السياسية ، وأخرى [ حق محاكمة الأخطاء للآخر ] والتي يتم التنازل عنها للدولة . هذا التحليل يسمح بإعطاء تأسيس عقلاني للانشقاق التقليدي لسلطات الدولة في أجزائها الثلاث : التشريعية ، القضائية ، التنفيذية .

ج- الاجتماع السياسي وحماية الملكية :


كما رأينا سابقا ، الخروج من حالة الطبيعة لن يكون له معنى إذا لم يعمل بشكل أفضل لحماية الملكية التي يتمتع بها الإنسان في حالة الطبيعة . إن الدولة لن يكون لديها سبب بالوجود سوى حماية الملكية : " الدولة بالتالي ليس من واجبها استخدام القوة ضد المجتمع في الداخل

من أجل تطبيق القوانين ، وفي الخارج من أجل الاعتداء أو التدخل بشؤون الآخرين " .

د – حدود السيادة :

إذا كانت حماية " المجال الخاص " هي الغاية الأساسية للمجتمع السياسي ، وهذا ما ينتج عنه مسألة أخرى غاية في الأهمية وهي " حدود السلطة السياسية "

:" بما أن المواطنين ليس لديهم نية أخرى ، إلا في سلطة تحمي شخصهم وحريتهم وممتلكاتهم [ ....] ، فالسلطة في المجتمع ، أو سلطة التشريع التي أقيمت من قبلهم لا تستطيع نهائيا أن تكون " مزوّرة " بكسر الواو لواجبها ، أو تذهب بعيد أكثر مما تطلب منها العامة أو الناس . هذه السلطة يجب ان تختزل إلى وضع : " المجالات الخاصة " للناس في حالة أمن " .

من هنا السلطة التشريعية في أعلى مستوياتها في الدولة لا يمكن أن تكون مطلقة ، إنها محدودة ، كالدولة ذاتها ، ومن خلال الحقوق الطبيعية : " إنها سلطة ليس لها غاية سوى [ المحافظة ] ، وهي بالتالي لن يكون لديها الحق في " التدمير " أو أن تعود " عبودية " [ ....] . قانون الطبيعية يبقى دائما كمقياس أو قاعدة أبدية لكل البشر ، عند المشرعين وعند غيرهم ، وقوانين المشرعين يجب أن تتطابق مع قوانين الحالة الطبيعية " . ومن غير هذا ، فإن الناس يفقدون عندما يتعاقدون ، ما أرادوا التعاقد من أجله . الدولة : " ومهما كان الشخص الذي كانت بيده " ، لا تعط إلا " للموثوق به تحت شروط ولغاية واضحة ومحددة ، وهي معرفة أن الناس يستطيعون الحفاظ و أسياد على ممتلكاتهم وفي حالة أمنية تامة " . هنا يؤسس جون لوك جوهر ما يمكن أن نسميه مذهب أو نظرية " حقوق الإنسان " ، والتي تعترف بها كل الديمقراطيات الليبرالية كأساس لها ، حيث أنها تمتلك كل الدساتير التي تعتمد هذه المبادئ السامية لسلطة القانون ذاتها .

ثالثا – شروط التأسيس ، وإعادة تجديد العقد الاجتماعي :

إن المفهوم الذي يحدثه لوك للعقد الاجتماعي ليس طوباويا . وهو لا يتصور أن الناس يجتمعون في يوم جميل ويخلقون الدولة من خلال اقتراع شكلي . إنه يدرك العقد الاجتماعي بأن يكون بشكل متعاقب وضمني . لقد دفع هذا الموضوع إلى الأمام أكثر بكثير من هوبز ، وأكثر من جان جاك روسو فيما يتعلق بالعقد الاجتماعي .

شروط تأسيس العقد الاجتماعي عند لوك :

1- ضرورة الانتماء الإرادي :


الإرادة هنا مطلوبة وفي كل الحالات حتى يكون العقد الاجتماعي صالحا : " لا أحد يستطيع الانسحاب من حالة الطبيعية ويخضع للسلطة السياسية للآخرين دون رضاء أو قبول " . ولكن الإرادة يمكن أن تكون ، إما شكليا معبر عنها ، أو متنازل عنها لعدة سلوكيات أو تصرفات لا تحتوي غموضا . " على عدد أعضاء المجتمع السياسي ، أن يكون موضوعا ، ليس فقط لمختلف الأشخاص الذين كانوا في حالة الطبيعة ، و أرادوا الدخول في مجتمع لتأليف " شعب " وجسم سياسي ، تحت حكومة سيادية ، ولكن أيضا للذين انضموا في " الحال " لهؤلاء ، والذين اندمجوا في نفس المجتمع وخضعوا لحكومة موجودة سابقا " .

2 - يوجد اعتراضين على فكرة العقد الاجتماعي الإرادي :

أ‌- لا يوجد مثال تاريخي لمجتمع سياسي كان فعليا ، أو بالعقد .

ب‌- ولكن هذا غير ممكن من جهة أخرى ، باعتبار أن كل إنسان ولد في دولة ، ومن هنا ، حريته تكون سابقا متنازل عنها ، وهو ليس حرا بفك اتصاله حيث وجد والانضمام ثم ينضم مع جهة أخرى .


فيما يتعلق بغياب المثال التاريخي ، لوك يعترف بالعقبة ، حيث أننا لا نعرف إلا المجتمعات التي كتبت تاريخها ، وقد فعلوا هذا بعد زمن طويل من تكوينهم الجسم السياسي . الانتقال من حالة الطبيعة إلى الحالة الاجتماعية ضاع أو فقد في ضباب الماضي . رغم ذلك ، لوك يعتبر أن الحكومات الملكية الأولى هي ثمرة لعقد ما أو لاتفاق ، حتى ولو كان هذا ضمنيا في أغلب الأحيان . إذا الملكية أو فكرة الملكية المطلقة والسلطوية التي حكمت ضد رغبة الناس و رأيهم هي شيء جديد في التاريخ. أما فيما يتعلق بالاعتراض الثاني : لوك يرى أنه يدمر نفسه بنفسه . لأنه إذا كان صحيحا أنه لا نستطيع الإنفكاك من الاتصال حيث وجدنا أو أخذنا ولادتنا ، إذا الدول الملكية نفسها لم تكن لتستطيع أن تقام . باختصار ، الدول أسست بعقد اجتماعي إرادي جتى ولو كان غالبا عقدا ضمنيا . ولابد من الختام هنا ، أنه يمكن القول أن إنسانا ما يرتبط بمجتمع سياسي بالانتماء الإرادي لا يستطيع ربط أطفاله أو سلالته لنفس المجتمع . فهؤلاء ببلوغهم يملكون حريتهم الطبيعية للعودة إلى الحالة الطبيعية أو إعادة إنشاء روابط وصلات اجتماعية أخرى .

رابعا – مذهب " الحرية تحت سيادة القانون " Rule of law

لقد رأينا مع لوك أن داخل المجتمع السياسي ، القوانين من الحالة الطبيعية تتجسد داخل القوانين المدنية .وعلى هذه القوانين يستند القضاء والقضاة. إذا " دولة " لوك هي : " حكومة من القوانين وليس من الأشخاص " ، حالة من حالات حكم القانون Rule of law . من هذا المفهوم والذي ظهر قبل لوك وكما رأيناه عند الكثيرين من الإنكليز في القرن السابع عشر ، لوك يعطي تحليلا خاصا وواضحا وعميقا . إنه يعتبر أن سيادة القانون والحرية هما الأكثر ضرورة من الشروط الأخرى لبناء المجتمع السياسي . هذا المذهب الذي أعطاه لوك شكله النظري سيصبح قلب أو جوهر الليبرالية الحديثة .

أ‌- جوهر القانون :


الحرية عند لوك ليس أن نفعل كل ما نريد وكل ما يرضينا . إنها شيء آخر تماما ، وهي بلوغ حالة لا نخضع فيها لسلطة تعسفية لأي " آخر " : " الحرية الطبيعية للإنسان تؤكد عدم خضوعه لي سلطة علة الأرض [...] . الحرية للإنسان داخل المجتمع تؤكد عدم خضوعه لهيمنة أية إرادة " . بمعنى آخر ، الحرية ليست سلطة ، ولكنها علاقة اجتماعية ، والمناقض أو عكس الحرية ليس الضرورة وإنما القهر أو الإكراه " Coercition " .

حالة الحرية توجد في " الحالة الطبيعية " ، حيث لا أحد يخضع لآخر ، و إذا الحقوق الطبيعية يجب أن تكون محفوظة في " الحالة السياسية " ، فإن حالة من الحرية يجب أن توجد في هذه

الحالة الثانية . ربما نكون في المجتمع معرضين دائما للقهر والتعسف من قبل الآخر ، لذلك فرص الصراع هي متعددة . لوك يرى أن حدود " المجالات الخاصة " لكل شخص ستعطي فرصة أفضل لتجنب ذلك الصراع .

ب – جوهر القانون :

يتطرق لوك لهذا الموضوع بدقة . يبين أنه إذا كان القانون يستطيع لعب هذا الدور ، هذا لأن لديه بشكل جوهري قيمة إدراكية / معرفية Cognitive " إنه المعرفة لما يجب أن نفعله أو لا نفعله فيما يتعلق بمضايقة خصوصيات أو ملكيات الآخرين . هذا المفهوم للقانون كما يبدو في تعريف لوك له ، يظهر على نقيض من تعريف " بودان " أو " هوبز " ومن مدرسة " الحكم المطلق " التي لا ترى في القانون سوى جانبه الإجباري والقهري . فالقانون هنا ليس معرفة و إنما قوة . إنه يلامس الإنسان ليس بواسطة العقل بل بالخوف الذي يحدثه . عند لوك وكل أتباع مدرسة " سيادة القانون " ، القانون يمكن أن يكون قوة ، ولكن لا يكون كذلك إلا استثناءا ضد الجانحين وهو دائما فئة قليلة . المواطنون الآخرون ينظرون للقانون بشكل عفوي / طبيعي حيث يتفهمون دوره ، ولهم معه علاقة جوهرية وعقلانية .

ج – العلاقة بين القانون والحرية :

من المهم أن نعرف أن القانون يدرك كإمكانية للوصول إلى الحرية : " إذا لم يوجد القانون لا توجد الحرية " . تحت حكم القانون سلطتنا بالتصرف والفعل ستكون محددة ، في المقابل حريتنا تكون غير محددة في أشياء فيها أسباب من الحق والتي لا تعرض أو تحد من حرية الآخرين ، أو تؤدي لقسرهم أو قهرهم : " نحن نمتلك أو ننعم بحرية حقيقة عندما نتصرف بحرية وكما نريد ، متبعين القوانين التي نعيش في ظلها ، وعندما لا نعتدي على إرادة الآخرين " .

إن قوة الدولة في حكومة " من القوانين لا الأشخاص " لا يمكن أن تطبق إلى في ظل عمل القانون ، القاضي لا يستطيع أن يقضي إلا وفق القانون . لا يمكن القول هنا أن في دولة لوك الناتجة عن العقد الاجتماعي ، القهر الناتج عن الدولة قد تقلص إلى أدنى حد ، لأن بعضه سيكون ضروريا لتحقيق أعلى حد ممكن من الحرية .

ومن الضروري القول هنا وفق لوك ، أن المواطن هو حر بالكامل دون الخوف من أي قهر ، ولا يخضع لأية حالة من الخوف إلا عندما يخالف أو يخرج عن القانون . ولا يمكن أن أكون معرضا لهذا الخوف من القسر " الدولتي " إلا عندما استخدم بكامل الوعي والعلم حريتي بطريقة غير صحيحة ، فالدولة وجودها ليس للحد من الحرية الشخصية أو غيرها من الحريات . وهذا كله لا يمكن تحقيقه إلا في شروط يكون فيها القانون يتمتع بعدة صفات جوهرية :

1- وفق لوك القوانين يجب أن تكون موضوعة " مكتوبة " ، معروفة ويراها الجميع ، مبرهنة بشكل يوافق عليه الجميع ، وحرية الناس في داخل المجتمع حيث يوجد دولة " Freedom of men under gouvernment " تكون

في الحصول على قوانين مستقرة : " لا بد من قوانين مستقرة من خلالها الملكيات الخاصة تكون محددة ، وكل شخص يعترف بما لغيره ، وليس قوانين متبدلة تتبع الظروف والأهواء الشخصية " . وهذه القوانين ستكون مشتركة بين جميع الأفراد في المجتمع ، لا تطبق على الفقراء من غير الأغنياء.

2 - الوضوح : يكون القانون غير مؤكد إذا كان غامضا . ونجن نعلم منذ أيام الرومان ، كل تقدم القوانين يسعى للبحث عن أدوات فكرية تسمح بإزالة الغموض عن القوانين .

3 - الشمولية : شمولية القانون تنتج مباشرة من مفهومه . القانون لا يصدر عن شخص ولا يشير إلى شخص بعينه . القانون المدني يجب أن يكون عاما كما هي " الحالة الطبيعية " .

4 - العلنية : لا يكفي القانون أن يكون معروفا ، بل يجب أن يكون عاما . بمعنى أن يعرف الجميع أن الجميع يعرفون القانون . و يجب أن أعرف ما هي الأشياء التي يفرضها القانون عليّ تجاه الآخرين . فالقانون يشكل بين جميع المواطنين " وسيطا " من الاتصال والذي يسمح لهم بالتكيف وبالتبادل مع تصرفاتهم وسلوكهم .

5 -الرجعية " المفعول الرجعي " Non-rétroactivité " : هذه السمة للقانون تنتج عما قبلها . إذا قانون ما له مفعولا رجعيا ، فهذا يعني انه سيكون له وقتا من خلاله أو ضمنه لن يكون عاما ، وضمن هذا الوقت لا أحد من المواطنين سيستطيع معرفة إذا كان قد حصل عليه . إذا هذا يعتبر " فعلا " خارج القانون.

6 - الاستقرار : عندما يصبح القانون عاما ، فهذا يجبر على عدم تطوير التشريع إلا بهدوء وبطئ . فالتشريع الذي يتغير باستمرار ليس لديه الوقت كي يصبح عاما ، ولا يستطيع أن يشكل أو يؤسس قاعدة ، ولا يضمن تعاون المواطنين فيما بينهم ولا يمكن المواطنين من مراقبة حرياتهم بالنسبة للسلطة .

7 - المساواة : فكرة المساواة أمام القانون ليست من اختراع لوك ، فهي تمتد منذ العصر اليوناني القديم ، لكن مذهب لوك حول القانون يضيف أشياء جديدة . السبب الذي من أجله القانون يجب ان يكون " عادلا " أو " مساويا " لكل الناس هو إدراكي /معرفي

8- وليس أخلاقي : فإذا كان من الواجب أن تكون القوانين " مساوية " للجميع فهذا لأنه الوسيلة الوحيدة ليعرف كل شخص على ماذا " يحصل " مهما كان الشخص الذي يتفاعل معه . فإذا الآخر ليس لديه ما أملك من الحقوق ، فإنه لن يكون لدي ما أحصل عليه ، وما سأحصل عليه في عملية التعامل أو التفاعل معه . سأجهل الالتزامات التي تجعله مقتنع أنه يخضع بالنسبة لي ، وهي نفسها تجعله يظن أنني خاضع بالنسبة له . من غير معرفة الالتزامات فهناك خطر بعدمية العلاقات بيننا أو بضعفها . المساواة أمام القانون قاعدة جوهرية للحياة الاجتماعية والاقتصادية للأمة أو الدولة ، حيث الجميع سيكون باستطاعته المشاركة في نفس " اللعبة " .

إذا كان على القانون أن يحصل على هذه السمات المختلفة ، فهذا يعود لإدانة جميع السياسات التي تستخدم المراسيم ، وقوانين الطوارئ ، والقوانين المقترع عليها من خلال الأغلبية والتي سوف لن تعني سولا الأقلية .

في الحقيقة ، جون لوك أسس نظرية ليبرالية ديمقراطية كاملة ، عرفتها أولا الثورة الإنكليزية 1688 ، ومن ثم الأمريكية والفرنسية . وقد استندت نظرية لوك إلى حجج قديمة للملكيات نفسها وللنظرية التوماسية Thomiste حول صراع الطاغية " لدينا الحق في مقاومة وبالقوة السلطة السياسية الطاغية " . لكن أصالة لوك تكون في تقديم القانون في المقاومة للاضطهاد كمبدأ دستوري متجانس عضويا . " هذا المذهب في السلطة يعطي الشعب تشييدا لأمنه من خلاله تشريع آخر ، عندما التشريعات القائمة تؤدي بالضرر على خاصياته وتعاكس أعماله ومهماته . وهذا التشريع الآخر يؤسس سياجا أو سورا ضد التمرد والفتنة ، وهو الوسيلة الأكثر تأثيرا في منعهما
، ولأن الوسيلة لاستدراك الشر هي في توضيح وتبيين الخطر والظلم لهؤلاء الأكثر تعرضا لتجريبه " .
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:36 AM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2018 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com