عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات العلمية > منتدى العلوم والتكنولوجيا

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 12-12-2012, 12:57 AM
أم بشرى أم بشرى غير متواجد حالياً
مدير عام المنتديات
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: الجزائر
المشاركات: 9,073
افتراضي تجليات تراثية لدى الشعراء الرومانسيين العرب




من أجل أن نستشف تجليات التراث لدى الشعراء الرومانسيين العرب من أقرب مسلك، نوردها في جانبين أساسيين هما:
أ ـ تكوينهم الثقافي ورصيدهم المعرفي.
ب ـ إبداعهم الشعري في مبانيه ومعانيه.
من المعلوم أن الاتجاه الرومانسي (الابتداعي) يضم الحركات أو الفروع الآتية:
ـ مدرسة الديوان.
ـ شعراء المهجر الشمالي (الرابطة القلمية).
ـ شعراء المهجر الجنوبي (العصبة الأندلسية).
ـ جماعة أبولو.
هذه الفروع الأساسية من الاتجاه الرومانسي العربي, كانت لها قوة إشعاعية, ولهذا تجاوب معها الشعراء من مختلف الأقطار العربية في المشرق والمغرب, ولا غرابة أن نجد من يماثل الديوانيين, أو يقتفى أثر المهجريين, أو يحذو حذو جماعة أبولو, مما يدل على وحدة الثقافة العربية ووحدة الهموم والتطلعات.
أ ـ حضور التراث في تكوينهم الثقافي ورصيدهم المعرفي:

إن فحص الرصيد المعرفي للشعراء المنضوين تحت لواء هذا الاتجاه, سيوقفنا على مدى إطلاعهم على التراث وتحصيلهم إياه, وإن اختلفت حظوظهم منه, فمنهم من أولاه عناية فائقة دراسة وتأليفا ومنهم من كان نصيبهم أقل. على أن اغترافهم من الثقافة الحديثة والآداب العالمية يفوق لدى بعضهم درايتهم بالتراث. لنتناول هذا الجانب بإيجاز وتركيز لدى هؤلاء الشعراء, نقف وقفات قصيرة على كل فرع من الفروع المذكورة وفق الترتيب التاريخي.
1 – مدرسة الديوان:
تأسست هذه المدرسة نحو سنة 1921, ومن أبرز مقاصدها: التعبير عن المشاعر الذاتية, وصدق التجربة الشعرية, والتحرر من أي دافع إلى الإبداع غير الحافز الوجداني, وإعمال التأمل الفكري بعمق لاستجلاء خفايا الظواهر, والدعوة إلى الوحدة العضوية للقصيدة مع جواز تنويع القافية.
أعلامها هم: عباس محمود العقاد, وإبراهيم عبد القادر المازني وعبد الرحمن شكري. وقد اتخذت اسمها من الكتاب الذي أصدره العقاد والمازني. أما رصيدهم المعرفي من التراث, فمن المعروف أن عباس محمود العقاد, كتب في التراث كتابات تدل على دراية عميقة, مثل دراسته عن جميل بثينة, وعمر بن أبي ربيعة وابن الرومي وأبي نواس بالإضافة إلى سلسلة كتبه المعروفة بالعبقريات ودراسات فكرية مثل اللغة الشاعرة والفلسفة القرآنية وغيرها وكلها في نطاق التراث.
أما رفيقه المازني فقد كتب دراسات تدل على رسوخ قدمه في التراث مثل ما كتب عن بشار بن برد وابن الرومي. وقد تجلى امتياحه من التراث بقدر كبير في أسلوبه الرائع الذي يضفي عليه سمات فنية من سخرية وتحليل للمواقف النفسية, تجعله أقرب إلى منحى الجاحظ, وتتبدى في نقده مظاهر لجهابذة النقد مثل ما نجده في نقده حافظ إبراهيم, حيث كشف عن كثير من الأخطاء اللغوية التي ارتكبها حافظ في شعره, مما يدل على علو كعبه في اللغة متنا وقواعد, وباقتدار فائق استخلص ما يعد سرقات في أشعاره, أو ما هو من قبيل توارد الخواطر وهذا ما يثبت –بما لا يدع مجالا للشك- إطلاعه العميق على التراث الشعري في كل عصوره. ومن ثنايا نقده لكتاب حديث الأربعاء لطه حسين, ما يؤكد سعة خبرته وحصافة رأيه ورقة ذوقه وتمرسه باساليب العربية وهو الذي انكب على كتاب الأغاني لأبي الفرج ودلائل الإعجاز للجرجاني درسا واستيعابا وتصحيحا. وما انقطع عن كتب التراث زمنا إلا ليعود إليها, وظل على هذه الحال أكثر من ثلث قرن(1).
مما هو ثابت أيضا أن عبد الرحمن شكري درس من جملة ما درس من كتب التراث: الأغاني لأبي الفرج, والحماسة لأبي تمام, وكتاب الوسيلة الأدبية الذي يعد في نطاق بعث التراث, ثم استيعابه أشعار أبي نواس والشريف الرضي,وأبي تمام وغيرهم, وله دراسات أدبية عن أولئك الأعلام, وعن غيرهم مثل المعري والبحتري ومهيار الديلمي, كما وضع كتابا جمع فيه منتخبات من شعر العرب يقع في مجلدين(2).
2 – شعراء المهجر:
حضور التراث في ثقافة شعراء المهجر الأمريكي الشمالي والجنوبي أمر مقطوع به. إن هؤلاء, وإن كانت ديانة أغلبهم مسيحية, فإنها لم تحل بينهم وبين الاعتزاز بعروبتهم, ودراسة التراث العربي الإسلامي, ولو عدنا إلى برامج مدارسهم التي تعلموا فيها لتبين لنا أن للتراث موقعا كبيرا فيها. إذ كانت الثقافة العربية رائـجة في المدارس الطائفية والتبشيرية الإنجيلية في لبنان. ولا يخفى على الدارسين ما أسداه أعلام من المدرسين فيها من خدمات متنوعة للغة العربية وآدابها تجلت في عدة مجالات من إحياء التراث وتحقيقه تحقيقا علميا دقيقا ورصينا في الغالب, وفي وضع المعاجم على نمط جديد, وفي تيسير قواعد اللغة بتآليف مدرسية.
انتظم شعراء المهجر الشمالي في نطاق "الرابطة القلمية" التي أسسوها في نيويورك سنة 1920, وأوكلوا رئاستها إلى جبران خليل جبران, وكان ميخائيل نعيمة مستشارا, ومن أبرز أعضائها إيليا أبو ماضي. ونسيب عريضة, هؤلاء هم أشهر شعراء الرابطة القلمية.
من أهم أهدافها الأدبية –كما سطرها ميخائيل نعيمة- هي أن "الأدب الذي نعتبره هو الأدب الذي يستمد غذاءه من تربة الحياة ونورها وهوائها… والأديب الذي نكرمه هو الأديب الذي خص برقة الحس ودقة الفكر, وبعد النظر في تموجات الحياة وتقلباتها وبمقدرة البيان عما تحدثه الحياة في نفسه من التأثير"(3).
ويؤكد ميخائيل نعيمة أن دعوتهم إلى التجديد ونبذ التقليد, ليست تنكرا للتراث وقطع وشائج الصلة به حيث يقول: "لا نقصد بذلك قطع كل علاقة مع الأقدمين, فبينهم فطاحل الشعراء والمفكرين, من ستبقى آثارهم مصدر إلهام للكثيرين غدا وبعد غد"(4). هذه القولة لا تدع الشك يخامرنا في أن المهجريين ظلوا متمسكين بالاستمداد من التراث باعتباره رافدا يثري إبداعهم, وقد أتاح لهم ذلك أن يتضلعوا في اللغة العربية وآدابها وإن اختلفت حظوظهم وتفاوتت استفادتهم من التراث. فنسيب عريضة وإيليا أبو ماضي كان نصيبهما أوفر من غيرهما, ونعيمة لما استقر به المقام في وطنه, عكف على الثقافة العربية يعب منها بنهم, وجبران, وإن كانت حصيلته العربية أقل في طور التعلم, فقد استدرك ما كان يسشعره من قصور بجهوده الخاصة, ولا ينكر ما أثرى به الأسلوب العربي من صنوف التشبيهات وضروب الاستعارات وصور الخيال المبتكر وتنسيق عباراته وموسيقية جمله, وإن كان يخرج أحيانا عن المعتاد ويخرق السنن المتبع ويقع في هنات وهفوات من الناحية القاعدية المعيارية, ولكن بإمعان النظر يمكن أن نجد تخريجا من هذه الجهة أو تلك لكثير من تعابيره التي يؤاخذ عليها.
إن ما يلاحظ من خلل أو خطأ –أحيانا- في مواطن من أساليب المهجريين, في التراكيب أو الألفاظ, عائد في الغالب إلى ثغرة في تكوينهم الثقافي العربي, استطاع بعضهم تداركها فيما بعد, ومرجع ذلك أيضا إلى معاناتهم في ديار الغربة من بعد المصادر والمراجع وضيق نطاق تداول الفصحى. ولكن إذا نظرنا إلى إبداعهم في جملته –شعرا ونثرا- سنقف على حقيقة لا سبيل إلى التغاضي عنها, وهي أن هذا الإنتاج مع ما فيه من سمات التجديد موضوعا وأسلوبا لا ينأى عن التراث في قدر من خصائصه التعبيرية, وهناك حقيقة أخرى هي إطلاعهم المتواصل على إبداعات نظرائهم من أدباء المشرق المعاصرين لهم مما مكنهم من التجاوب معهم وحصول تأثير متبادل(5).
ـ أما شعراء المهجر الأمريكي الجنوبي, فإن ارتباطهم بالتراث كان أوضح وأكثر من الشماليين, إذ كان اعتزازهم وجدانيا وعميقا بالعروبة وماضيها الزاهر والحافل بالأمجاد من شخصيات فذة وأحداث ذات المواقف المشرفة. لقد أضحى كل ذلك لديهم رموزا ومباعث فخر. ولا أدل على ذلك من تسمية أول تجمع أقاموه ليضم شتاتهم ويلم شعثهم "برواق المعري" سنة 1900. وليس بخاف ما للمعري من مكانة أدبية رفيعة في تراثنا العربي, وما أسداه للغة من ثراء جلي, وما صار يدل عليه باعتباره أحد الرموز الفكرية, إذ هو المعتز بلغته والمتفاني في خدمتها والمتعشق لحرية الرأي والرافض للبغي والطغيان. ثم إن المهجريين الجنوبيين آثروا أن يطلقوا على رابطتهم التي أسسوها سنة 1933 اسم "العصبة الأندلسية", واسم الأندلس له أكثر من دلالة في الذاكرة العربية, إذ هو البلد الذي أقام عليه العرب ذلك الصرح الحضاري الشامخ, ومنه انطلق الإشعاع الفكري والفني لنير ظلمات أوروبا. ومن جهة أخرى, هو القطر الذي يرمز إلى جرح دفين في أعماق الوجدان العربي لما آل إليه مصير العرب هناك نتيجة تهاونهم وتخاذلهم وما تسرب إليهم من داء الفرقة والأثرة, مما أدى إلى جلائهم وهوانهم بعد صولة تطاول النجوم.
لم يقيد شعراء العصبة الأندلسية أنفسهم بمذهب معين يلتزمون بمبادئه, غير رغبتهم في النهوض بالأدب العربي والمساهمة في إثرائه, وترسيخ وجودهم في ديار الغربة ليكون أنيسهم وتذكار وفاء لأصولهم ووشيجة إخاء بينهم وبين أبناء العروبة في مختلف الأقطار. وانسجاما مع اعتدادهم بذواتهم وتطلعاتهم إلى آفاق الحرية الفسيحة والانطلاق الرحب, فإنهم كانوا يؤمنون بأن الأدب أداة للتعبير عن هذا الاختيار، محلقين في عوالم الخيال والآمال التي تملأ جوانحهم وتفيض بها مشاعرهم. وكان الحافز إلى موقفهم ذاك, رد فعل لما عانوه من عسف وظلمفي بلاد الشام إبان الحكم التركي المتجبر كما إنهم وجدوا أنفسهم في بيئتهم المهجرية غير مقيدين بما يكمم أفواههم أو يحد من اختياراتهم.
إن تكوينهم الثقافي وتحصيلهم الدراسي لا يختلف كثيرا عن نظرائهم في المهجر الشمالي, والفرق الذي يمكن أن يلاحظ بجلاء, هو: ما بين البيئتين المهجرتين من تباين, إذ عرفت بيئة المهجر الشمالي بتحرر أكثر وشيوع مظاهر التجديد في أنماط الحياة, ورواج التيارات الفكرية المختلفة, أما بيئة المهجر الجنوبي فهي أقرب إلى المحافظة على الموروث وأقل انسياقا مع بريق التجديد وأكثر هدوءا, وأبعد عن التقلبات السريعة والتوجهات الفكرية المتطرفة أو الجارفة والنزعات المادية, هذه المظاهر تركت آثارها في إنتاج شعراء المهجر الجنوبي وتوجيههم.
أغلب شعراء العصبة الأندلسية لم يواصلوا تعلمهم في المؤسسات الدراسية إلى آخر شوط, إذ اكتفوا بالانتظام الدراسي لبضع سنوات. ثم اعتمدوا على جهودهم الذاتية لتعميق معارفهم. وعن عناصر التراث في ثقافتهم يمكن أن نذكر ما سبقت الإشارة إليه, وهو أن تعلمهم بدءا كان في المدارس الطائفية والإرسالية الشائعة في لبنان خاصة, ولا حاجة إلى التأكيد على ما للغة العربية وآدابها من حضور في برامجها وما للقائمين بالتدريس فيها من مكانة مرموقة في اللغة والتراث دراية وتأليفا, وكل هذا انعكست آثاره على القاعدة المعرفية لشعراء المهجر, وبذلك تيسر لهم استكمال تحصيلهم المعرفي دون عوائق وزاوجوا في ثقافتهم بين التراث والجديد مما أهلهم لأن يضيفوا إلى الأب العربي الحديث ثروة أدبية زادته غنى وطرافة وتنوعا. وظلت العصبة الأندلسية تؤدي دورها الأدبي والقومي في نشر نتاج أعضائها وفي النشاط الصحفي مدة ثلاثين عاما, ومن أبرز أدباء العصبة:
*ميشال معلوف الذي آلت إليه الرئاسة وهو المؤسس,
*الشاعر القروي (رشيد سليم الخوري),
*شفيق معلوف الذي تولى رئاسة العصبة بعد أخيه, إلى أن انحلت العصبة سنة 1953.
ومنهم أيضا شكر الله الجر الذي أصدر مجلة الأندلس الجديدة التي كانت لسان العصبة مدة قبل أن تصدر مجلتها الخاصة العصبة بسان باولو, حيث مقر العصبة. وهناك آخرون ليسوا أقل مكانة وشهرة وإنتاجا.
من أنشطتهم ذات المنحى القومي والدالة على مدى اعتزازهم بالتراث, إقامة احتفال أدبي بمناسبة الذكرى الألفية لوفاة شاعر العربية الأكبر "المتنبي" وذلك قبل احتفال سورية بعام, كما أن مجلة العصبة، مع كونها خاصة غالبا بأدباء المهجر، إلا أنها دأبت على نشر إنتاج أدباء المشرق في الدراسة والإبداع, وخصصت حيزا لنشر روائع التراث في كل عدد.
هذه ملامح عن تجليات التراث في ثقافتهم ومدى اعتزازهم الفائق وعنايتهم المتواصلة به.
3 – جماعة أبولو:
من الحركات الأدبية ذات الشهرة ضمن الاتجاه الرومانسي, أسسها الأديب أحمد زكي أبو شادي في القاهرة سنة 1932. من أشهر أعضائها: إبراهيم ناجي وعلي محمد طه, وحسن كامل الصيرفي, ومحمد عبد المعطي الهمشري, وعبد العزيز عتيق وغيرهم, وجعلت من أهدافها السمو بالشعر العربي وتوجيه جهود الأدباء نحو المقاصد النبيلة, ومناصرة النهضات الفنية في عالم الشعر, مع الاهتمام بأحوال الشعراء.
اتخذت مجلة أبولو لسان حالها ومنبرا لنشر إنتاج أعضائها والمتعاطفين معها وكانت خاصة بالشعر والنقد ولم يكن شعراء هذه الجماعة ذوي مذهب موحد وإن غلب على جلهم الاتجاه الرومانسي, وقد تواصل مع هذه الجماعة عدد من الشعراء من جهات شتى.
بالنظر في مصادر التكوين الثقافي لشعراء هذه الجماعة نجد أن الكثيرين منهم لم يتجاوزوا في دراستهم المراحل الثانوية ثم تخصصوا في العلوم الطبيعية أو الطبية أو القانونية أو غيرها. إلا أنهم اعتمدوا في اكتساب معارفهم الأدبية على جهودهم الذاتية, ومن ذلك إطلاعهم على التراث العربي بالإضافة إلى الثقافة الغربية.
لا يتأتى لنا في هذا المقام أن نقف على النظر في ثقافة هؤلاء الشعراء في جانبها التراثي خاصة. ولكن يمكن القول بكيفية إجمالية إنهم كانوا على دراية عميقة بالتراث غالبا, ووثقوا صلاتهم بأعلام العصر ممن عرفوا بتضلعهم في اللغة العربية وآدابها, مثل مصطفى صادق الرافعي, ومحمد كرد علي, وعبد القادر المغربي ومحمد لطفي جمعة, وأحمد شوقي الذي جعلوه رئيسا شرفيا لجماعتهم, واتخذوا خليل مطران قدوتهم ثم جعلوه خلفا لشوقي(6). وفوق هذا فإنهم استفادوا من تجارب لشعراء البعث والإحياء والديوانيين والمهجريين, وكذا من المعارك النقدية وما كان للمساجلات من آثار إيجابية.
ب ـ حضور التراث في شعر الرومانسيين في مبانيه ومعانيه:

في هذا القسم من الدراسة نتناول ملامح من تجليات التراث في شعر المذهب الرومانسي بفروعه التي سبق تناول مظاهر من حضور التراث في ثقافة الشعراء المنتمين لتلك الفروع, والمقام يقتضي منا أن نتوخى الإيجاز والإشارة الدالة.
مما لا مراء فيه أن التجديد هو الطابع المميز للمذهب الرومانسي في الأدب العربي. ولكن هذا التجديد لم يكن منبت الصلة بالتراث, كما يمكن أن يتوهم البعض. ويمكن أن نتلمس عناصر تراثية وقد صارت مندمجة في مواطن وتوجهات من إنتاج الشعراء الرومانسيين العرب, في المعاني والصور والرموز وبناء القصيدة والمعجم الشعري, ولم يكن ذلك محاكاة تغيب شخصياتهم وواقع عصرهم وتطلعاتهم. ولكن كانت العناصر التراثية مصدر قوة وأصالة لإبداعهم.
شعراء مدرسة الديوان:
لقد دعوا إلى التجديد في كل مناسبة وأبرزوا عناصره ويتضح ذلك في المقدمات التي صدروا بها دواوينهم. كما أن كتاب الديوان للعقاد والمازني قد كرس بجلاء هذا النزوع. وبإمعان النظر في دعوتهم التجديدية يمكن أن نلاحظ أنها تلح على مبدأين أساسيين. ويبدو أنهما ليسا غريبين أو منافيين لما ورد في الرصيد التراثي.
ـ المبدأ الأول وهو الدعوة إلى أن يصدر المبدع في إنتاجه عن ذاته, ويعد هذا المبدأ هو لباب التجربة الشعرية والنزعة الوجدانية, حتى غدا لديهم البيت الشعري لعبد الرحمن شكري شعارا, وفيه يقول(7):
ألا يا طائر الفــردو س إن الشعر وجــدان
ويلح على هذا المعنى في قوله أيضا:
إن القلوب خوافــق والشعر عن نبضاتهـا
والشعر مرآة الحيــا ة تطل من مرآتهـــا
فتراه في آلامهــــــا وتـراه في لذاتهــــــا
بقدر ما يعد هذا المبدأ من عناصر التجديد, فهو أيضا تراثي إذ لا نعدم نظيره لدى الشعراء الذين صدروا عن طبع في إبداعهم الذي كان مرآة لمشاعرهم وتعبيرا عن نبضات قلوبهم, ونجد هذا المنحى بالتحديد لدى شعراء أمثال: قيس بن ذريح وقيس بن الملوح وجميل بن معمر وابن الرومي, وغيرهم. وليس أدل على أن هذا المبدأ التجديدي, الذي بشرت به مدرسة الديوان, وحاول شعراء هذه الجماعة السير على مقتضاه باقتدار, هو تراثي في روحه, والديوانيون لا ينكرون ذلك أو يجهلونه إذ يقول العقاد:
"… والشعر العصري كشعر العرب, في أنه شعر مستمد من الطبع وأنه أثر من آثار روح العصر في نفوس أبنائه, فمن كان يعيش بفكره ونفسه في غير هذا العصر فما هو من أبنائه, وليست خواطر نفسه من خواطره"(8).
أما المبدأ الثاني ضمن التجربة الشعرية, فهو عمق النظر إلى ما تحفل به الحياة. فالشاعر الحق هو من تجاوز في إبداعه الظواهر إلى الأعماق. وفي تصور الإبداع بهذه الكيفية ما يدل على سعة الفكر. وهذا النزوع نجده متجليا بصورة أوضح لدى العقاد, وله نظير في التراث لدى أولئك الشعراء الذين عرفوا بحصيلتهم المعرفية الشاملة والمستوعبة للمعارف الرائجة في عصرهم وما قبله, ورزقوا حصافة في الرأي ورهافة في الحس, مما أهلهم أن يقدموا لنا تلك القصائد الرائـعة الحافلة بالتأملات العيمقة, والتي جمعت بين الجمال الفني والسمو الفكري مثل ما ورد في إبداع المتنبي وأبي تمام والمعري والشريف الرضي وابن الرومي وغيرهم.
من مظاهر التجاوب بين مدرسة الديوان وعناصر من التراث نجد أمثلة في شعر العقاد, وقد تأتت له من كثرة إطلاعه ومصاحبته الطويلة لعيون الشعر العربي وخاصة المتنبي وابن الرومي والمعري. من تلك الأمثلة الاعتداد بالذات, هذا الموضوع الذي كثيرا ما تناوله العقاد في شعره إذ كان يحس إحساسا قويا بتفوقه كما هو حال المتنبي. كما نجد عنده وصف الطبيعة حيث يماثل شعر العقاد ما في شعر ابن الرومي في صوره وألفاظه, وتظهر لنا ملامح تراثية في شعر العقاد في موضوع ثالث وهو شعر التأمل وإعمال النظر فيما يعرض له للنفاذ إلى جوهره واستجلاء خفاياه, كما عند المعري.
من شعره المعبر عن تفرده واعتداده بذاته قوله(9):
دعوني أسر في ساحة العيش مفـردا مغمى فلا أدري مصيري وأولــي
ولا تعذلوني إن يئست فإننــي أرى اليأس أعلى من رجء المذلل
فهذا الشعر يشبه من وجه قول المتنبي:
تحقر عندي همتي كل مطلــــــب ويقصر في عيني المدى المتطـاول
وقول المتنبي أيضا:
ليس التعلل بالآمال من أربــــــي ولا القناعة بالإقلال من شيمـــي
ويقول العقاد:
إن الشقي, الذي لا صنو يشبهــه وللأصاغـر أشبــاه وأمثـــال
من شابه الناس سرته مودتهــــم ومن علا عنهم ساءت به الحـــال
ويقول المتنبي:
إلى أي حين أنت في زي محـــرم وحتى متى في شقـــوة وإلـى كـــم

إن التشابه بين بعض المعاني الواردة في شعر العقاد وشعر المتنبي أو أبي العلاء المعري أو ابن الرومي أو غيرهم متعدد الوجود, مما يضيق المجال هنا عن استحضاره. وقلما نظفر بذلك التطابق التام إلا نادرا, خصوصا لدى شاعر كبير كالعقاد الذي لا يألو جهدا في تنقيح شعره وشحنه بالمعاني الطريفة العميقة, وإن لم يصل إلى الصفاء الأسلوبي والإشراف البياني والإيقاع المؤثر الأخاذ.
في شعر المازني مظاهر متعددة من الأثر التراثي, يتجلى في ثنايا قصائده, في الصور والمعجم الشعري والإيقاع. ومن ذلك على سبيل المثال, موقف الوداع وكيف يعمد الشاعر إلى إشراك مفاتن الطبيعة في ذلك, على عادة الرومانسيين في صورهم التي يبثون فيها ما ينم عن عواطفهم, ينقلونها إلى القارئ مفعمة بذلك الإحساس العميق وبرقة وعذوبة لفظ وروعة إيقاع. يقول المازني(10).
ودعته والليل يخفرنــــــــا والبدر يرمقني ويرمقـــــــه
والماء يجري في تدفقـــــــه ويكاد ماء العين يسبقــــــه
والدل ينهاه تمنعـــــــــــه والحب يأمره ترفقـــــــــه
لما رأيت الليل زايلنــــــــا وأذاع سر الصبح مشرقـــــه
طأطأت لا أرنو لبهجتـــــه فالحسن يطغي الصب رونقه
يبدو أن هناك تشابها بينه وبين قصيدة الحصري القيرواني "يا ليل الصب متى غده" وهي من الشهرة إلى درجة أن الكثيرين قد عارضوها ومنهم أحمد شوقي, كما لاحظ بعض النقاد أن معاني المازني في الأبيات المذكورة شبيهة بما ورد في شعر الشريف الرضي حيث قال:
طأطأت لحظ العين حين خطا والبيــن يرمقنــي ويرمقـــــه
وكذلك حين قال:
ودعته والبدر تحسبـــــه متقاعسا في الفجر أعنقـــه
والليل يكبو فيه أدهمـــه والصبح ينهض منه أبلقــه
هناك تماثل آخر بين شعر المازني وشعر الشريف الرضى من ذلك قول المازني:
وجهه كالربيع روضه القطــر وكفاه كالنسيـم الوافـــــي
يقول الشريف الرضي:
خلق كالربيع روضه القطـــر وصبر صاف من الأضغـــان
ويقول المازني:
يلحظ الأرض والسموات والناس بعين جنيــة الإنســــــــــان
أما الشريف الرضي فيقول:
ينظر الدهر بعد يومك والناس بعين وحشيـــة الإنســـــــان

وهناك مظاهر أخرى من حضور التراث في شعره، من تلك المظاهر معارضة ابن الرومي واقتباس معاني الشاعر ذي الرمة, وغير هذا مما يطول تتبعه أو إيراد أمثلة له.
ومن مظاهر تجاوب شعر عبد الرحمن شكري مع التراث قوله(11) واصفا ما تحدثه الكلمة من تأثير:
وكأنها قطع الرياض يعلهــا مطر رقيق السحم غير صبيب
يبدو أنه إلى قول بشار بن برد أقرب:
وكأن رجــع حديثهــــــــا قطع الرياض كسين زهــرا
كما أن قول شكري:
عمي الدجى عن مطلع الفج في ليلة كسريـرة الدهــــــر
هو احتذاء قول ابن المعتز:
يا ليلة نسي الزمان بهــــــا أحداثه كوني بلا فجــــــــر
وحين يبث شكري شكواه وما يلقاه من نكد يعتصر قلبه وما يقاسيه من آلام مبرحة نظرا لما يواجهه من ظلم, فما ذلك إلا نتيجة اختلال الموازين في مجتمعه.
بكائي أن أرى رجلا لئيما يقدمه الرياء على الكريم
ويردد هذا المعنى في أبيات أخرى, مثل قوله:
بكائي أن لي طبعـا أبيــــــا ورأيا مثل حد السيف ماضيا
بكائي أن في الدنيا أمــــورا يضيق بمثلها الصدر الرحيـب
وكم وغد رفيع الجاه يغــدو كأن الكون ليس فيه ســــواه
نجد هذه المعاني عند ابن الرومي الذي كثيرا ما يندب حظه العاثر مبينا عن تبرمه, مثل قوله:
أتراني دون الألى بلغـوا الآ مال من شرطة وكتـــــــاب
وتجار مثل البهائم فــازوا بالمنى في النفوس والأحباب
ومن قول شكري متأثرا بالمتنبي:
ينعم الغافل الغبي ويشقـى كاتب ساءه وقوع القضـــاء
أما المتنبي فيقول:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
شعراء المهجر الشمالي والجنوبي:

إن التجديد الذي حققه شعراء المهجر لم يقطع كل صلة لهم بالتراث. وتدعو الضرورة هنا إلى استحضار بعض الإشارات الدالة بالإضافة إلى ما سبق ذكره من ملامح تراثية في ثقافتهم.
في شعر إيليا أبي ماضي نجد هذه الأمثلة(12):
حين يتشوق إلى وطنه –لبنان- يقول:
ألا ليت قلبا بين جنبي داميا أصاب سلوا وأصاب الأمانيا
وهذا مثل قول مالك ابن الريب(13):
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلــة بجنب الغضا أزجى القلاص النواجيا
وفي شعر إيليا أبي ماضي مطالع تماثل ما في التراث مثل قوله(14):
لمن الديار تنوح فيها الشمـــــال ما مات أهلوها ولـــــــم يترحلـــــوا
وقوله أيضا:
تمشى الصبا منها برسم دارس لا ركز فيه كأنما هي هوجــل
أصبحت أندب أسدها وظباءها ولطالما أبصرتنـي أتغـــــــزل
هذه الأبيات في معرض تشوقه إلى وطنه, ومثل هذا كثير في الشعر القديم, من ذلك هذه الأبيات:
يقول جميل بن معمر(15).
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بابطح فيـاح باسفلــه نخــــل
ويقول عبد الله بن الدمينة(16):
ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد لقد زادني مسراك وجدا على وجدي
ويقول العباس بن مرداس(17):
يا دار أسماء بين السفح فالرحب أقوت وعفى عليها ذاهب الحقب
هناك مظاهر أخرى في شعر أبي ماضي, يتضح من خلال معانيها وصياغتها مدى المماثلة بينها وبين ما في التراث, وتكفي الإشارة إلى بعض قصائده, ومنها: القصيدة التي رثى بها صديقه يعقوب روفائيل, وقصيدة "الصيف" وقصيدة: "تحية الشام"(18).
يمكن أن نلاحظ أن ما لدى جبران لا نعدم أن نجد فيه ظلالا تراثية تتمثل في تطلعاته ومنحاه الصوفي في لغته وكذا في حكمه وأمثاله التي هي أقرب إلى جوامع الكلم, كما يمكن أن نلاحظ ملامح تراثية في تشوقه العارم, وفي عبق الشرق الذي يطفح به أدبه وحمله إلى الأدب الأمريكي وعطر به صفحاته مما أكسبه ذلك الإقبال, ونال به الإعجاب الذي قل أن يكون له نظير وخاصة بكتابه الذائع الصيت النبي وغيره. وحتى في رسومه التي خطتها ريشته نرى ذاكرته كما وضع صورا لكل من الخنساء ومجنون ليلى وأبي نواس والمعري وديك الجن الحمصي وابن سينا والغزالي وابن الفارض والمعتمد بن عباد وابن خلدون.
من الشعراء المهجريين نجد –أيضا- رشيد أيوب يفخر بالنبي صلى الله عليه وسلم, وبالخلفاء والفاتحين بطريقة تذكرنا من حيث صور الفخر, بما هو معهود في التراث. يقول(19):
فنحن بني الأعراب كنا ولم نزل بما خصنا المولى نفوق الأجانبـا
فمن يا ترى أعلى الورى كمحمد وأرفعهم مجدا وأسمى مناقبـــا
ومن مثل من قادوا الخلافة بعده وكانوا لصرح العدل منه جوانبا
ألسنا الألى سادوا العباد ودوخوا البلاد وأبدوا في الحروب عجائبــــا
ومن شعر ميخائيل نعيمة الذي تلوح لنا منه مظاهر ونفحات تراثية في أسلوبه وتخير معانيه قوله(20):
من أنت,ما أنت يا بن الغرب حتى تأمرني؟! وليس لي رد أمر منك إن صــــدرا
هل صاغك الله يا مولاي من نفس في صدره وبراني خالقي حجــرا
أم اصطفاك منارا في بريتـــــــــه ولم يلهمني لا سمعا ولا بصــــرا؟

وإذا أليقنا نظرة على شعراء المهجر الجنوبي, فإننا نجد عدة مظاهر تراثية بادية في إشعارهم, بصورة أوضح من شعر الشماليين نظرا لما سبق ذكره من تباين بين البيئتين بكل أبعادهما وما ترتب عن ذلك من اختلاف في الرؤى والتطلعات. من أمثلة التأثر بالأسلوب القرآني قول إلياس فرحات موجها موعظته إلى أولئك الذين غرتهم الحياة بزخرفتها وبريقها, فانساقوا جريا وراءها وخاضوا في متاهاتها, مما يذكر بشعر الزهاد أمثال أبي العتاهية(21):
أضلتكم الدنيا عن الفضل والعلا من تضلل الدنيا فليس له هـاد
وهذا يشبه من وجه ما ورد في القرآن الكريم (ومن يضلل الله فما له من هاد). ويقول فرحات أيضا:
تبت يداه فإنه لأحق مــــــن لهب ومن أبويـــه بالخــذلان
فكأن الشاعر نظر إلى قوله تعالى: (تبت يدا أبي لهب). ومن مظاهر التأثر بالشعراء القدامى قول ميشال معلوف في رثاء أخيه فوزي معلوف(22):
أزف الرحيل فلا المدامع تنفـع شيئا ولا ظعن الأحبة يرجـــع
وهذا يماثل قول أبي ذؤيب الهذلي(23):
أمن المنون وريبها تتوجــــــع والدهر ليس بمعتب من يجــزع
لقد عبر شعراء المهجر الجنوبي عن اعتزازهم الفائق بالتراث, ومنه اللغة والأرومة العربية, فهذا جورج عساف يدعو بحماسة, إخوانه في المهجر أن يتشبتوا باللغة العربية, ويبذلوا قصارى جهدهم للحفاظ عليها(24):
أبناء يعرب إن الضاد أمكــــــم لها عليكم حقوق الثدي واللبـن
كونوا السياج لها في دار غربتها لا تتركوها بلا أهل ولا سكـــن
ونجد أبا الفضل الوليد (كان اسمه قبل إعلان إسلامه إلياس طعمة)(25) يعتز بالعربية اعتزازا عظيما ولا يرى لغة أعز وأعلى مكانة مثلها.
إن الذي بعث النبي محمـدا بعروبة القرآن شرف يعربهـــا
كل اللغات تذل للغة التـــي عزت وقد كانت أحب وأعذبا
لقد أدى الإطلاع أبا الفضل الوليد, وحبه العروبة والعربية أن اهتدى إلى الدين القويم –الإسلام- فصار يفتخر به, كما يفتخر بالأمة العربية وتراثها(26).
أعاهد ربي أن أصلي مسلمــــا على أحمد المختار من خير أمة
هداني هداها ثم حبب شرعـه إلي فصحت مثل حبي عقيدتــي
فمن قومه قومي أدين بدينـــه لأني أرى الإسلام روح العروبـة
ونجد الشاعر القروي, رشيد سليم الخوري يحبب إلى قارئيه الانتماء العربي الذي لا ينفصل عن الإسلام ولا عن التراث المجيد الذي يحق للكل أن يعتز به(27).
عش للعروبة هاتفــــــا بحياتهـــــا ودوامهـــــا
انظر إلى آثارهــــــــــا تنبئك عـــن أيامهــــــا
هذا التراث يمـت معظمــــه إلـى إسـلامهـــــــــــا
إن الاعتزاز بالإسلام ظاهرة نجدها لدى شعراء آخرين, وهذا دليل على عمق إيمانهم بأن لا مجد للعرب بغير الإسلام الذي أخرجهم من الضلال إلى الهدى ومن الفرقة إلى الوحدة, ومن الجهل إلى العلم ومن الضعف إلى القوة. وبذلك جعل منهم خير أمة. يقول إلياس حبيب فرحات(28):
إن في الإسلام للعرب عــلا إن في الإسلام للناس أخــوه
فادرس الإسلام يا جاهلــه تلق بطش الله فيه وحنــوه
يا رسول الله إنـــا أمـــــة زجنا التضليل في أعمق هوه
إن القارئ الذي تيسر له أن يتفحص شعر المهجر الجنوبي سيدرك مدى اعتزاز الشعراء العرب بالتراث وبالعربية والعروبة والإسلام, ويتبين كيف كان تطلعهم إلى وحدة العرب واستعادة قوتهم, يملأ قلوبهم فتفيض به مشاعرهم بكل صدق وإخلاص شعرا رائقا.
شعراء أبولو:
إذا ألقينا نظرة عجلى على بعض شعراء هذه الجماعة أو من سار على نهجهم أو اقتدى بإبداعهم, فإن أبرز ما يمكن أن نلاحظه أن هذه الجماعة استفادت من الحركات السابقة, وإنها حققت مكاسب في مضمار التجديد الشعري, ولا يتعذر أن ندرك أن التراث كامن في ثنايا إبداعهم مهما بدا خفيا, ونستطيع أن نتبين ملامحه بمجرد ما نخوض في قراءة قصائد لأبي شادي ولإبراهيم ناجي ولعبد العزيز عتيق ولصالح جودت أو لغيرهم(29).
يبدو أن أحمد زكي أبا شدي متأثر بأبي تمام خاصة, كما يمكن أن نقف على تأثر إبراهيم ناجي بمهيار الديلمي, وبالشريف الرضي وبابن الفارض, ومن جهة أخرى من اليسير أن نقف على تأثره بابي نواس, وقبل هؤلاء نجد تأثره بمعلقة امرئ القيس وبعنترة. كما نجد صالح جودت يقتدي بالمتنبي, من أمثلة هذا التجاوب والتأثر ما يأتي:
قال إبراهيم ناجي(30):
حان حرماني وناداني النذيــر ما الذي أعددت لي قبل المسير
زمني ضاع وما أنصفتنـــــــي زادي الأول كزادي الأخيـــــر
وقريب من هذا نجده عند البهاء زهير في قوله(31):
أسفي على زمن التلاقــــــي والعيـش متســـع النطـــــــاق
وقوله(32):
ضاع عمري في اغتـــــــراب ورحيـــــــــل مستمــــــــر
إن التأسف على الأيام الخوالي, والتفجع على الحاضر, وترقب الآتي والخوف أو الإشفاق, في انتظار المصير المحتوم هي مواقف يقفها الشاعر لاستعراض حياته مستحثا قريحته، فتنثال عليه الصور الشعرية انثيالا وتفيض مقدرته الإبداعية على لسانه نظما بديعا أخاذا طافحا عذوبة ورقة, ومثل هذا في التراث أكثر من أن يدخل تحت حصر.
كما أن معاني الفراق والشوق والتعلق بالمحبوب وما يعانيه العاشق المدنف من تباريح الهوى, وما ينتابه من مشاعر كل آن وكيف يؤرقه الليل أو يروقه منظر القمر, وكيف يقضي أوقاته شاردا كاسف البال, وقد يخال من يراه أنه في غيبوبة.. كل هذه الأحاسيس بتفاصيلها نجدها في شعر ناجي وفي شعر معاصريه من ذوي النزوع الرومانسي, وهذا المنحى ليس غريبا عن الشعر العربي القديم, يقول ناجي(33):
دع النفس تمرح في خيال وأوهام وخل لأجفاني كواذب أحلامي
وقل يا حبيب القلب إنك عائـد على جهل حساد وغفلة لــوام
ويقول أيضا(34):
لك في خيالي روضة فينانـــــة غنى على أغصانها شاديهــا
يحمي مغارسها ويرعى نبتهـا راع يجنبها البلى ويقيهـــــا
فإذا النوى طالت علي وشفني جرحي وعاد لمهجتي يدميها
نسق الخيال زهورها وورودهـا فقطفتها وشممت عطرك فيها
من مظاهر التقارب بين معاني عبد العزيز عتيق وغيره ما نجده في الأمثلة الآتية:
يقول عتيق(35):
يا فؤادا دأبه الصمــــــم ما بهذا الشمل يلتئـــــم
قد أقمت العمر تعطفهــم بعيون الدمع ما رحمـــوا
كأن الشاعر قد استوعب قول مجنون ليلى أو استوحاه بكيفية غير شعورية(36):
ألا أيها القلب اللجــوج المعـــــذل أفق عن طلاب البيض إن كنت تعقل
أفق قد أفاق الوامضون وإنمــــــــا تماديك في ليلى ضـــلال مضلـــــــل
ويقول عتيق(37):
هو حب لو إلى صنـــم كان لبى حبنا الصنــم
ويقول مجنون ليلى(38):
فلوا أن ما ألقى وما بي من الهوى بأعرن ركناه صفـــا وحديــــــد
تقطع من وجد وذاب حديــــــده وأمسى تراه العيـن وهو عميــــد
إن مظاهر الاستناد إلى التراث أو الاستمداد منه بطريقة واعية أو تلقائية نتيجة الاستيعاب والاطلاع, أمر ثابت وأوسع من أن نستوفي الإحاطة به لدى شاعر بعينه, بله لدى الشعراء الرومانسيين في نطاق فروع هذا المذهب الأدبي, ولهذا اقتصرنا على بعض الأمثلة من شعر الأعلام.
إن الاستفادة من التراث تبدو في الموضوعات والصور والأخلية وتخير ضروب الإيقاع,وأبرز الموضوعات التي تناولها أعلام المذهب الرومانسي هي:
ـ التعبير عن المشاعر الذاتية والهموم الخاصة والإفضاء بالتطلعات والتأملات في الوجود والنفس والمصير والحنين إلى الذكريات ومواطنها.
ـ التغني بالجمال في الطبيعة والتعلق بمحاسن المرأة ومفاتنها وعدها كائنا فريدا يستحق التكريم والتقدير الفائق.
ـ التعبير عن الأسى والألم, وما ذلك من جراء ما أصيب به ذلك الجيل من خيبة الأمل, وما كان يعانيه المجتمع من أرزاء وما تفشى فيه من أجواء ومثبطات, وهذا الجانب متفرع عن الموضوع الذاتي.
ـ بروز نزعة إنسانية تتجاوز الحدود الضيقة الوطنية أو القومية لتعبر عن مشاغل الإنسان وهمومه الكبرى.
يبدو أن هذه الموضوعات مترابطة, ومنطلقة أساسا من الذات وهي المحور العام. وإذا نظرنا –بموضوعية- إلى الشعر العربي القديم فإننا نجد جل هذه الموضوعات, قد ترد بنفس المعاني والألفاظ وأحيانا بنفس الأخيلة والصور أو ما يقرب منها مما يبرهن أن التراث كامن في إبداع هؤلاء مع ما أضافوه من تجديد واسع النطاق وصقل المعاني وإحكام البناء الفني للقصيدة بفضل ما لهم من مواهب وما حصلوه من معارف واقتبسوه من الآداب العالمية, وبذلك حققوا للشعر العربي الحديث مكسبا وثراء عظيما على محجة التجديد وتعميق الرؤية وابتداع المعاني الطريفة, دون أن ينفصل عن أصوله الأصيلة العربية الضاربة في أعماق التاريخ الشعري لأن التجديد الرصين والمجدي في المجال الأدبي عموما, لا يتأتى له أن يكون منبتا عن الأصول وإلا صار بهرجا قد يخطف الأبصار بريقه ويستهوي النفوس لأول وهلة, ولكن سرعان ما يخبو هذا البريق ويصير باهتا ورمادا تذروه الرياحn







(1) إبراهيم عبد القادر المازني, للدكتورة نعمات أحمد فؤاد, الهيئة المصرية العامة للكتاب, سلسلة الأعلام, رقم 19 لسنة 1978, ص124-128.
(2) عبد الرحمن شكري, للدكتور عبد الحميد غراب, الهيئة المصرية العامة للكتاب, سلسلة الأعلام, رقم 11 لسنة 1977, ص46-50.
(3) جبران خليل جبران لميخائيل نعيمة مؤسسة نوفل , بيروت, ط3, 1980, ص177.
(4) المصدر نفسه والصفحة.
(5) النثر المهجري للدكتور عبد الكريم الاشتر, دار الفكر بيروتن, ط3, سنة 1970, ص29-30.
(6) جماعة أبولو وأثرها في الشعر الحديث لعبد العزيز الدسوقي, الهيئة العامة للتأليف والنشر, القاهرة, 1970, ص156, 1960, 314.
(7) القصيدة الغنائية في الشعر العربي الحديث للدكتور حسن أحمد الكبير, دار الفكر العربي, القاهرة, ص233.
(8) مطالعات في الكتب والحياة للأستاذ عباس محمود العقاد منشورات المكتبة العصرية, بيروت, ص229.
(9) شاعرية العقاد في ميزان النقد الحديث للدكتور عبد الحي دياب. دار النهضة العربية, القاهرة 1969, ص64. انظر العرف الطيب في شرح ديوان ابي الطيب للشيخ ناصف اليازجي, دون ذكر مكان الطبع وتاريخه, ص29, 31, 11.
(10) المازني شاعرا لعبد اللطيف عبد الحليم, دار الثقافة العربية, القاهرة, ص100. انظر كتاب: إبراهيم عبد القادر المازني، د.نعمات أحمد فؤاد، سبق ذكره، ص54-160. وانظر ديوان الشريف الرضي, ج2, دار صادر بيروت, ص56.
(11) عبد الرحمن شكري شاعرا, د.عبد الفتاح عبد المحسن الشطي, الهيئة المصرية العامة للكتاب, القاهرة 1994, ص56-63.
(12) شعراء الرابطة القلمية, د.نادرة جميل سراج, دار المعارف, القاهرة سنة 1964, ص234.
(13) جمهرة أشعار العرب، تحقيق محمد البجاوي, دار الرشاد الحديثة الدار البيضاء, ص607.
(14) شعراء الرابطة القلمية, د.نادرة جميل سراج, ص233.
(15) الحنين إلى الوطن في الأدب العربي لمحمد إبراهيم حور, دار نهضة مصر للطبع والنشر, القاهرة, ص120.
(16) المرجع نفسه, ص122.
(17) المرجع نفسه, ص96.
(18) تبر وتراب لإيليا أبي ماضي, دار العلم للملايين بيروت, ط12, 1986, ص11 – 36.
(19) شعراء الرابطة القلمية, د.نادرة جميل سراج, ص220.
(20) سبعون لميخائيل نعيمة, ج2, جار صادر, بيروت, 1960, ص208 وما بعدها.
(21) شعراء العصبة الأندلسية في المهجر للدكتور عمر الدقاق, دار الشرق, بيروت, ط2, 1978, ص525.
(22) المرجع نفسه, 526.
(23) جمهرة أشعار العرب, ص534.
(24) الشعر القومي في المهجر الجنوبي, د.عزيزة مريدن, دار الفكر, ط2, 1973, ص350-351.
(25) المرجع نفسه, ص349.
(26) المرجع نفسه, ص354
(27) المرجع نفسه, ص355.
(28) المرجع نفسه, ص359.
(29) الشابي ومدرسة أبولو، تأليف جماعي, المطبعة العربية التونسية, ط1, 1986, ص107. انظر دراسات نقدية في الأدب المعاصر، لمصطفى عبد اللطيف السحرتي, الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة 1979, ص129. وانظر أيضا, ناجي، الموقف والأداة, د.طه وادي, دار المعارف, القاهرة, ط3, 1990, ص46.
(30) ديوان إبراهيم ناجي, دار العودة, بيروت 1988, ص34.
(31) ديوان البهاء زهير, تحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم ومحمد طاهر الجبلاوي, دار المعارف, القاهرة, ط2, 1982, ص186.
(32) المصدر نفسه, ص119.
(33) ديوان ناجي, ص54.
(34) المصدر نفسه, ص250.
(35) أحلام النخيل, ديوان عبد العزيز عتيق, دار النهضة العربية بيروت, ص72.
(36) ديوان قيس بن الملوح –مجنون ليلى- دراسة وتعليق يسري عبد الغني, دار الكتب العلمية, بيروت, ط1, 1990, ص75.
(37) أحلام النخيل, ص74.
(38) ديوان قيس بن الملوح, ص100.

منقول للإفادة
__________________




رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
شعراء العربية النصارى (1) saydsalem منتدى عـــــــذب الكــــــــلام 4 10-01-2012 07:27 AM
الغرب المستعمر يعترف أن خلافة المسلمين باتت قريبة .. فهلا أدرك المسلمون أنفسهم ذلك؟ محمود التركي منتدى العلوم والتكنولوجيا 9 31-10-2011 12:44 PM
أزمة العرب والمسلمين في المناهج الدراسية الأمريكية راجي الحاج سياسة وأحداث 0 25-02-2011 08:36 PM
تاريخ علم التشريح عند العرب المسلمين قطر الندي وردة منتدى العلوم والتكنولوجيا 4 24-10-2010 12:45 AM
أصل الأرقام العربية وحقائق عنها.. أم بشرى منتدى العلوم والتكنولوجيا 0 27-04-2010 06:12 PM


الساعة الآن 03:06 PM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2018 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com