عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات العلمية > منتدى العلوم والتكنولوجيا

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 01-06-2002, 11:45 AM
الرصَــد الرصَــد غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Dec 2001
المشاركات: 1,069
Lightbulb يا.. فتى الفتيان . حـ2ـلقة




درء تناقض العقل والنقل
- شيخ الإسلام - رحمه الله :

الوجه الثامن :
المسائل التي يقال : أنه قد تعارض فيها العقل والسمع ليست من المسائل البينة المعروفة بصريح العقل ، كمسائل الحساب والهندسة والطبيعيات الظاهرة والإلهيات البينة ونحو ذلك ، بل لم ينقل أحد بإسناد صحيح عن نبينا صلي الله عليه وسلم شيئاً من هذا الجنس ، ولا في القرآن شيء من هذا الجنس ، ولا يوجد ذلك إلا في حديث مكذوب موضوع يعلم أهل النقل أنه كذب ، أو في دلالة ضعيفة غلط المستدل بها علي الشرع .
فالأول :مثل حديث عرق الخيل الذي كذبه بعض الناس علي أصحاب حماد بن سلمة ، وقالوا : إنه كذبه بعض أهل البدع ، اتهموا بوضعه محمد بن شجاع الثلجي ، وقالوا: إنه وضعه ورمي به بعض أهل الحديث ، ليقال عنهم إنهم يروون مثل هذا ، وهو الذي يقال في متنه : إنه خلق خيلاً فأجراها ، فعرقت ، فخلق نفسه من ذلك العرق تعالي الله عن فرية المفترين وإلحاد الملحدين ، وكذلك حديث نزوله عشية عرفة إلي الموقف علي جمل أورق ، ومصافحته للركبان ، ومعانقته للمشاة ، وأمثال ذلك : هي أحاديث مكذوبة موضوعة باتفاق أهل العلم ، فلا يجوز لأحد أن يدخل هذا وأمثاله في الأدلة الشرعية .
والثاني :مثل الحديث الذي في الصحيح عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال : يقول الله تعالي : عبدي مرضت فلم تعدني ، فيقول :رب كيف أعودك وأنت رب العالمين ؟فيقول : أما علمت أن عبدي فلانا مرض ، فلو عدته لوجدتني عنده ، عبدي جعت فلم تطعمني ، فيقول : ربي كيف أطعمك، وأنت رب العالمين ؟ فيقول : أما علمت أن عبدي فلاناً جاع ، فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي .
فإنه لا يجوز لعاقل أن يقول : إن دلالة هذا الحديث مخالفة لعقل ولا سمع ، إلا من يظن أنه قد دل علي جواز المرض والجوع علي الخالق سبحانه وتعالي ، ومن قال هذا فقد كذب علي الحديث . ومن قال إن هذا ظاهر الحديث أو مدلوله أو مفهومه فقد كذب ، فإن الحديث قد فسره المتكلم به ، وبين مراده بياناً زالت به كل شبهة ، وبين فيه أن العبد هو الذي جاع وأكل ومرض وعاده العواد ، وأن الله سبحانه لم يأكل ولم يعد .
بل غير هذا الباب من الأحاديث ، كالأحاديث المروية في فضائل الأعمال علي وجه المجازفة ، كما يروي مرفوعاً : أنه من صلي ركعتين في يوم عاشوراء يقرأ فيهما بكذا وكذا كتب له ثواب سبعين نبياً . ونحو ذلك ، هو عند أهل الحديث من الأحاديث الموضوعة ، فلا يعلم حديث واحد يخالف العقل أو السمع الصحيح إلا وهو عند أهل العلم ضعيف ، بل موضوع ، بل لا يعلم حديث صحيح عن النبي صلي الله عليه وسلم في الأمر والنهي أجمع المسلمون علي تركه ، إلا أن يكون له حديث صحيح يدل علي أنه منسوخ ، ولا يعلم عن النبي صلي الله عليه وسلم حديث صحيح أجمع المسلمون علي نقيضه ، فضلا عن أن يكون نقيضه معلوماً بالعقل الصريح البين لعامة العقلاء ، فإن ما يعلم بالعقل الصريح البين أظهر مما لا يعلم إلا بالإجماع ونحوه من الأدلة السمعية .
فإذا لم يوجد في الأحاديث الصحيحة ما يعلم نقيضه بالأدلة الخفية كالإجماع ونحوه ، فأن لا يكون فيها ما يعلم نقيضه بالعقل الصريح الظاهر أولي وأحرى ، ولكن عامة موارد التعارض هي من الأمور الخفية المشتبهة التي يحار فيها كثير من العقلاء ، كمسائل أسماء الله وصفاته وأفعاله ، وما بعد الموت من الثواب والعقاب والجنة والنار والعرش والكرسي ، وعامة ذلك من أنباء الغيب التي تقصر عقول أكثر العقلاء عن تحقيق معرفتها بمجرد رأيهم ، ولهذا كان عامة الخائضين فيها بمجرد رأيهم إما متنازعين مختلفين ، وإما حيارى متهوكين ، وغالبهم يرى أن إمامه أحذق في ذلك منه .
ولهذا تجدهم عند التحقيق مقلدين لأئمتهم فيما يقولون : إنه من العقليات المعلومة بصريح العقل ، فتجد أتباع أرسطوطاليس يتبعونه فيما ذكره من المنطقيات والطبيعيات والإلهيات ، مع أن كثيراً منهم قد يري بعقله نقيض ما قاله أرسطو ، وتجده لحسن ظنه به يتوقف في مخالفته ، أو ينسب النقص في الفهم إلي نفسه ، مع أنه يعلم أهل العقل المتصفون بصريح العقل أن في المنطق من الخطأ البين ما لا ريب فيه ، كما ذكر في غير هذا الموضع .
وأما كلامه وكلام أتباعه : كالإسكندر الأفروديسي ، وبرقلس ، وثامسطيوس ، والفاربي ، وابن سينا ، والسهروردي المقتول ، وابن رشد الحفيد ، وأمثالهم في الإلهيات ، فما فيه من الخطأ الكثير والتقصير العظيم ظاهر لجمهور عقلاء بني آدم ، بل في كلامهم من التناقض ما لا يكاد يستقصي .
وكذلك أتباع رؤوس المقالات التي ذهب إليها من ذهب من أهل القبلة ، وإن كان فيها ما فيها من البدع المخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة ، ففيها أيضاً من مخالفة العقل الصريح ما لا يعلمه إلا الله ، كأتباع أبي الهذيل العلاف ، وأبي إسحاق النظام ، وأبي القاسم الكعبي ، وأبي علي وأبي هاشم ، وأبي الحسين البصري ، وأمثالهم .
وكذلك أتباع من هو أقرب إلي السنة من هؤلاء ن كإتباع حسين النجار ، وضرار بن عمرو ، مثل أبي عيسي محمد بن عيسي برغوث الذي ناظر أحمد بن حنبل ، مثل حفص الفرد الذي كان يناظر الشافعي ، وكذلك أتباع متكلمي أهل الإثبات كأتباع أبي محمد عبد الله بن سعيد ين كلاب ، وأبي عبد الله محمد بن عبد الله بن كرام ، وأبي الحسن علي ابن إسماعيل الأشعري وغيرهم .
بل هذا موجود في اتباع أئمة الفقهاء وأئمة شيوخ العبادة ، كأصحاب أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد ، وغيرهم ، تجد أحدهم دائماً يجد في كلامهم ما يراه هو باطلاً ، وهو يتوقف في رد ذلك ، لاعتقاده أن إمامه أكمل منه عقلاً وعلما وديناً ، هذا مع علم كل من هؤلاء أن متبوعه ليس بمعصوم ، وأن الخطأ جائز عليه ، ولا تجد أحداً من هؤلاء يقول : إذا تعارض قولي وقول متبوعي قدمت قولي مطلقاً ، لكنه إذا تبين له أحياناً الحق في نقيض قول متبوعه ، أو أن نقيضه أرجح منه قدمه ، لاعتقاده أن الخطأ جائز عليه .
فكيف يجوز أن يقال : إن في كتاب الله وسنة رسوله الصحيحة الثابتة عنه ما يعلم زيد وعمرو بعقله أنه باطل ؟ وأن يكون كل من اشتبه عليه شيء مما أخبر به النبي صلي الله عليه وسلم قدم رأيه علي نص الرسول صلي الله عليه وسلم في أنباء الغيب التي ضل فيها عامة من دخل فيها بمجرد رأيه ، بدون الاستهداء بهدي الله ، والاستضاءة بنور الله الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه ، مع علم كل أحد بقصوره وتقصيره في هذا الباب ، وبما وقع فيه من أصحابه وغير أصحابه من الاضطراب ؟ .
ففي الجملة :النصوص الثابتة في الكتاب والسنة لا يعارضها معقول بين قط ، ولا يعارضها إلا ما فيه اشتباه واضطراب ، وما علم أنه حق ، لا يعارضه ما فيه اضطراب واشتباه لم يعلم أنه حق .
بل نقول قولاً عاماً كلياً : إن النصوص الثابتة عن الرسول صلي الله عليه وسلم لم يعارضها قط صريح معقول ، فضلا عن أن يكون مقدما عليها وإنما الذي يعارضها شبه وخيالات ، مبناها علي معان متشابهة وألفاظ مجملة ، فمتي وقع الاستفسار والبيان ظهر أن ما عارضها شبه سوفسطائية ، لا براهين عقليه . ومما يوضح هذا :

الوجه التاسع :
وهو أن يقال : القول بتقديم الإنسان لمعقوله علي النصوص النبوية قول لا ينضبط ، وذلك لأن أهل الكلام والفلسفة الخائضين المتنازعين فيما يسمونه عقليات ، كل منهم يقول : :إنه يعلم بضرورة العقل أو بنظره ما يدعي الآخر أن المعلوم بضروة العقل أو بنظره نقيضه .
وهذا من حيث الجملة معلوم ، فالمعتزلة ومن اتبعهم من الشيعة يقولون : إن أصلهم المتضمن نفي الصفات والتكذيب بالقدر ـ الذي يسمونه التوحيد والعدل ـ معلوم بالأدلة العقلية القطعية ، ومخالفوهم من أهل الإثبات يقولون : إن نقيض ذلك معلوم بالأدلة القطعية العقلية .
بل الطائفتان ومن ضاهاهما يقولون : إن علم الكلام المحض هو ما أمكن علمه بالعقل المجرد بدون السمع ، كمسألة الرؤية والكلام وخلق الأفعال ، وهذا هو الذي يجعلونه قطعياً ، ويؤثمون المخالف فيه .
وكل من طائفتي النفي والإثبات فيهم من الذكاء والعقل والمعرفة ما هم متميزون به علي كثير من الناس ، وهذا يقول : إن العقل الصريح دل علي النفي ، والآخر يقول : العقل الصريح دل علي الإثبات .
وهم متنازعون في المسائل التي دلت عليها النصوص ، كمسائل الصفات والقدر ، وأما المسائل المولدة كمسألة الجوهر الفرد وتماثل الأجسام وبقاء الأعراض وغير ذلك ففيها من النزاع بينهم ما يطول استقصاؤه ، وكل منهم يدعي فيها القطع العقي .
ثم كل من كان عن السنة أبعد كان التنازع والاختلاف بينهم في معقولاتهم أعظم ، فالمعتزلة أكثر اختلافاً من متكلمة أهل الإثبات ، وبين البصريين والبغداديين منهم من النزاع ما يطول ذكره ، والبصريون أقرب إلي السنة والإثبات من البغداديين ، ولهذا كان البصريون يثبتون كون الباريء سميعاً بصيراً مع كونه حياً عليماً قديراً ، ويثبتون له الإرادة ، ولا يوجبون الأصلح في الدنيا ، ويثبتون خبر الواحد والقياس ، ولا يؤثمون المجتهدين ، وغير ذلك . ثم بين المشايخة والحسينية ـ أتباع أبي الحسن البصري ـ من التنازع ما هو معروف .
وأما الشيعة فأعظم تفرقاً واختلافاً من المعتزلة ، لكونهم أبعد عن السنة منهم ، حتى قيل : إنهم يبلغون اثنتين وسبعين فرقة .
وأما الفلاسفة فلا يجمعهم جامع ، بل هم أعظم اختلافاً من جميع طوائف المسلمين واليهود والنصارى . والفلسفة التي ذهب إليها الفارابي وابن سينا إنما هي فلسفة المشائين أتباع أر سطو صاحب التعاليم ، وبينه وبين سلفه من النزاع والاختلاف ما يطول وصفة ، ثم بين أتباعه من الخلاف ما يطول وصفه . وأما سائر طوائف الفلاسفة ، فلو حكي اختلافهم في علم الهيئة وحده لكان أعظم من اختلاف كل طائفة من طوائف أهل القبلة ، والهيئة علم رياضي حسابي هو من أصح علومهم ، فإذا كان هذا اختلافهم فيه فكيف باختلافهم في الطبيعيات أو المنطق ؟ فكيف بالإلهيات ؟ .
واعتبر هذا بما ذكره أرباب المقالات عنهم في العلوم الرياضية والطبيعية ، كما نقله الأشعر عنهم في كتابه في مقالات غير الإسلاميين وما ذكره القاضي أبو بكر عنهم في كتابه الدقائق فإن في ذلك من الخلاف عنهم أضعاف أضعاف ما ذكره الشهرستاني وأمثاله ممن يحكي مقالاتهم ، فكلامهم في العلم الرياضي ـ الذي هو أصح علومهم العقلية ـ قد اختلفوا فيه اختلافاً لا يكاد يحصي ، ونفس الكتاب الذي اتفق عليه جمهورهم ـ وهو كتاب المجسطي لبطليموس ـ فيه قضايا كثيرة لا يقوم عليها دليل صحيح ، وفيه قضايا ينازعه غيره فيها ، وفيه قضايا مبنية علي أرصاد منقولة عن غيره تقبل الغلط والكذب .
وكذلك كلامهم في الطبيعيات في الجسم ، وهل هو مركب من المادة والصورة ، أو الأجزاء التي لا تنقسم ، أو ليس بمركب لا من هذا ولا من هذا ؟
وكثير من حذاق النظار حار في هذه المسائل ، حتى أذكياء الطوائف كأبي الحسين البصري ، وأبي المعالي الجو يني ، وأبي عبد الله بن الخطيب ـ حاروا في مسألة الجوهر الفرد ، فتوقفوا فيها تارة ، وإن كانوا قد يجزمون بها أخري ، فإن الواحد من هؤلاء تارة يجزم بالقولين المتناقضين في كتابين أو كتاب واحد ، وتارة يحار فيها ، مع دعواهم أن القول الذي يقولونه قطعي برهاني عقلي لا يحتمل النقيض .
وهذا كثير في مسائل الهيئة ونحوها من الرياضيات ، وفي أحكام الجسم وغيره من الطبيعيات ، فما الظن بالعلم الإلهي ؟ وأساطين الفلسفة يزعمون أنهم لا يصلون فيه إلي اليقين ، وإنما يتكلمون فيه بالأولي والأحرى والأخلق .
وأكثر الفضلاء العارفين بالكلام والفلسفة ، بل وبالتصوف ، الذين لم يحققوا ما جاء به الرسول تجدهم فيه حيارى ، كما أنشد الشهرستاني في أول كتابه لما قال : قد أشار إلي من إشارته غنم ، وطاعته حتم ، أن أجمع له من مشكلات الأصول ، ما أشكل علي ذوي العقول ، ولعله استسمن ذا ورم ، ونفخ في غير ضرم ، لعمري :
لقد طفت في تلك المعاهد كلها -- وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعا كف حائر -- على ذقن ، أو قارعاً سن نادم
وأنشد أبو عبد الله الرازي في غير موضع من كتبه مثل كتاب أقسام اللذات لما ذكر أن هذا العلم أشرف العلوم ، وأنه ثلاث مقامات العلم بالذات ، والصفات ، والأفعال ، وعلي كل مقام عقدة ، فعلم الذات عليه عقدة :
هل الوجود هو الماهية أو زائد في الماهية ؟ وعلم الصفات عليه عقدة : هل الصفات زائدة علي الذات أم لا ؟ وعلم الأفعال عليه عقدة :هل الفعل مقارن للذات أو متأخر عنها ؟ ثم قال ومن الذي وصل إلي هذا الباب ، أو ذاق من هذا الشراب ؟ ثم أنشد :
نهاية إقدام العقول عقال وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا وحاصل دنيانا أذي ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
لقد تأملت الطرق الكلامية ، والمناهج الفلسفية ، فما رأيتها تشفي عليلاً ، ولا تروي غليلاً ، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن ، اقرأ في الإثبات " الرحمن على العرش استوى " [ طه :5 ] " إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه " [ فاطر : 10 ] واقرأ في النفي " ليس كمثله شيء " [ الشورى : 11 ] " ولا يحيطون به علما " [ طه : 110 ] ، " هل تعلم له سميا " [ مريم : 65 ] ، ومن جرب مثل تجربتي ، عرف مثل معرفتي .
وكان ابن أبي الحديد البغدادي من فضلاء الشيعة المعتزلة المتفلسفة ، وله أشعار في هذا الباب ،
كقوله :
فيك يا أغلوطة الفكر -- حار أمري وانقضى عمري
سافرت فيك العقول ، فما -- ربحت إلا أذى السفر
فلحى الله الأولى زعموا -- أنك المعروف بالنظر
كذبوا ، إن الذي ذكروا -- خارج عن قوة البشر

هذا مع إنشاده :
وحقك لو أدخلتني النار قلت -- للذين بها :قد كنت ممن يحبه
وأفنيت عمري في علوم كثيرة -- وما بغيتي إلا رضاه وقربه
أما قلتم :من كان فينا مجاهداً -- سيكون مثواه ويعذب شربه
أما رد شك ابن الخطيب وزيغه -- وتمويهه في الدين إذ جل خطبه
وآية حب الصب أن يعذب الأسى -- إذا كان من يهوى عليه يصبه

وابن رشد الحفيد يقول في كتابه الذي صنفه رداً على أبي حامد في كتابه المسمى تهافت الفلاسفة فسماه تهافت التهافت ومن الذي قاله في الإلهيات ما يعتمد به ، وأبو الحسن الأمدي في عامة كتبه هو واقف في المسائل الكبار يزيف حجج الطوائف ويبقي حائراً واقفاً . والخونجي المصنف في أسرار المنطق الذي سمى كتابه كشف الأسراء يقول لما حضره الموت : أموت ولم اعرف شيئاً إلا أن الممكن يفتقر إلي الممتنع ، ثم قال :الافتقار وصف سلبي ، أموت ولم اعرف شيئاً ـ حكاه عنه التلمساني وذكر أنه سمعه منه وقت الموت .
ولهذا تجد أبا حامد ـ مع فرط ذكائه وتألهه ، ومعرفته بالكلام والفلسفة ، وسلوكه طريق الزهد والرياضة والتصوف ـ ينتهي في هذه المسائل إلي الوقف ، ويحيل في آخر أمره علي طريقة أهل الكشف ، وإن كان بعد ذلك رجع إلي طريقة أهل الحديث ، ومات وهو يشتغل في صحيح البخاري .
والحذاق يعلمون أن تلك الطريقة التي يحيل عليها لا توصل إلي المطلوب ، ولهذا لما بني قول النفاة من سلك هذه الطريق ، كابن عربي وأبن سبعين وأبن الفارض وصاحب خلع النعلين والتلمساني وأمثالهم ـ وصلوا إلي ما يعلم فساده بالعقل والدين ، مع دعواهم أنهم أئمة المحققين .
ولهذا تجد أبا حامد في مناظرته للفلاسفة إنما يبطل طرقهم ولا يثبت طريقة معينة ، بل هو كما قال : نناظرهم ـ يعني مع كلام الأشعري ـ تارة بكلام المعتزلة ، وتارة بكلام الكرامية ، وتارة بطريق الواقفة ، وهذه الطريق هي الغالب عليه في منتهى كلامه .
وأما الطريقة النبوية السنية السلفية المحمدية الشرعية فإنما يناظرهم بها من كان خبيراً بها بأقواله التي تناقضها ، فيعلم حينئذ فساد أقوالهم بالمعقول الصريح المطابق للمنقول الصحيح .
وهكذا كل من أمعن في معرفة هذه الكلاميات والفلسفيات التي تعارض بها النصوص من غير معرفة تامة بالنصوص ولوازمها وكمال المعرفة بما فيها وبالأقوال التي تنافيها ، فإنه لا يصل إلي يقين يطمئن إليه ، وإنما تفيده الشك والحيرة .
بل هؤلاء الفضلاء الحذاق الذي يدعون أن النصوص عارضها من معقولاتهم ما يجب تقديمه تجدهم حيارى في أصول مسائل الإلهيات ، حتى مسألة وجود الرب تعالي وحقيقته حاروا فيها حيرة أوجبت أن يتناقض هذا ، كتناقض الرازي ، وأن يتوقف هذا ، كتوقف الآمدي ، ويذكرون عدة أقوال يزعمون أن الحق ينحصر فيها ، وهي كلها باطلة .
وقد حكي عن طائفة من رؤوس أهل الكلام أنهم كانوا يقولون بتكافؤ الأدلة ، وأن الأدلة قد تكافأت من الجانبين ، حتى لا يعرف الحق من الباطل ، ومعلوم أن هذا إنما قالوه فيما سلكوه هم من الأدلة .
وقد حكي لي أن بعض الأذكياء ـ وكان قد قرأ علي شخص هو إمام بلده ومن أفضل أهل زمانه في الكلام والفلسفة ، وهو ابن واصل الحموي ـ أنه قال : أضطجع علي فراشي ، وأضع الملحفة علي وجهي ، وأقابل بين أدلة هؤلاء وأدله هؤلاء حتى يطلع الفجر ، ولم يترجح عندي شيء ، ولهذا انتهي أمره إلي كثرة النظر في الهيئة ، لكونه تبين له فيه من العلم ما لم يتبين له في العلوم الإلهية .
ولهذا تجد كثيراً من هؤلاء لما لم يتبين له الهدي في طريقة نكص علي عقبيه ، فاشتغل باتباع شهوات الغي في بطنه وفرجه أو رياسته وماله ونحو ذلك، لعدم العلم واليقين الذي يطمئن إليه قلبه ، وينشرح له صدره .
وفي الحديث المأثور عن النبي صلي الله عليه وسلم " إن أخوف ما أخاف عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ، ومضلات الفتن " وهؤلاء المعرضون عن الطريقة النبوية السلفية يجتمع فيهم هذا وهذا : اتباع شهوات الغي ، ومضلات الفتن ، فيكون فيهم من الضلال والغي بقدر ما خرجوا عن الطريق الذي بعث الله به رسوله .
ولهذا أمرنا الله أن نقول في كل صلاة " اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين " وقد صح " عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال : اليهود مغضوب عليهم ، والنصارى ضالون " .
وكان السلف يقولون : احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل ، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون فكيف إذا اجتمع في الرجل الضلال والفجور ؟
ولو جمعت ما بلغني في هذا الباب عن أعيان هؤلاء ، كفلان وفلان ن لكان شيئاً كثيراً ، وما لم يبلغني من حيرتهم وشكهم أكثر وأكثر . وذلك لأن الهدى هو فيما بعث الله به رسله ن فمن أعرض عنه لم يكن مهتدياً ، فكيف بمن عارضه بما يناقضه وقدم مناقضه عليه ؟
قال الله تعالي لما أهبط آدم " قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى * ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى * قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا * قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى " [ طه : 123-126 ] .
قال ابن عباس رضي الله عنهما : تكفل الله لمن قرأ القرآن وعلم بما فيه أن لا يضل في الدنيا ، ولا يشقي في الآخرة ثم قرأ هذه الآية .
وقوله تعالى " ومن أعرض عن ذكري " يتناول الذكر الذي أنزله ، وهو الهدي الذي جاءت به الرسل ، كما قال تعالي في آخر الكلام " كذلك أتتك آياتنا فنسيتها " أي تركت اتباعها والعمل بما فيها ، فمن طلب الهدي بغير القرآن ضل ، ومن اعتز بغير الله ذل ، وقد قال تعالى " اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء " [ الأعراف : 3 ] ، وقال تعالى : " وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله " [ الأنعام :153 ] .
وفي حديث علي رضي الله عنه الذي رواه الترمذي ، ورواه أبو نعيم من عدة طرق ، " عن علي ، عن النبي صلي الله عليه وسلم لما قال إنها ستكون فتنة . قلت : فما المخرج منها يا رسول الله ؟ قال : كتاب الله ، فيه نبأ ما قبلكم ، وخبر ما بعدكم ، وحكم ما بينكم ، هو الفصل ليس بالهزل ، من تركه من جبار قصمه الله ، ومن ابتغى الهدي في غيره أضله الله ، وهو حبل الله المتين ، وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم ، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ، ولا تلتبس به الألسن ، ولا يخلق عن كثرة الرد ، ولا تنقضي عجائبه ، ولا تشبع منه العلماء ، من قال به صدق ، ومن عمل به أجر ، ومن حكم به عدل ، ومن دعا إليه هدي إلي صراط مستقيم " ، وهذا مبسوط في غير هذا الموضع .
والمقصود هنا التنبيه علي أنه لو سوغ للناظرين أن يعرضوا عن كتاب الله تعالي ويعارضوه بآرائهم ومعقولاتهم ، لم يكن هناك أمر مضبوط يحصل لهم به علم ولا هدي ن فإن الذين سلكوا هذه السبيل كلهم يخبر عن نفسه بما يوجب حيرته وشكه ، والمسلمون يشهدون عليه بذلك ، فثبت بشهادته وإقراره علي نفسه وشهادة المسلمين ، الذين هم شهداء الله في الأرض ، أنه لم يظفر من أعرض عن الكتاب ، وعارضه بما يناقضه ، بيقين يطمئن إليه ، ولا معرفة يسكن بها قلبه .
والذين ادعوا في بعض المسائل أن لهم معقولاً صريحاً يناقض الكتاب قابلهم آخرون من ذوي المعقولات ، فقالوا : إن قول هؤلاء معلوم بطلانه بصريح المعقول ، فصار ما يدعي معارضته للكتاب من المعقول ليس فيه ما يجزم بأنه معقول صحيح : إما بشهادة أصحابه عليه وشهادة الأمة ، وإما بظهور تناقضهم ظهوراً لا ارتياب فيه ، وإما بمعارضة آخرين من أهل هذه المعقولات لهم ، بل من تدبر ما يعارضون به الشرع من العقليات وجد ذلك مما يعلم بالعقل الصريح بطلانه .
والناس إذا تنازعوا في المعقول لم يكن قول طائفة لها مذهب حجة علي أخرى ، بل يرجع في ذلك إلي الفطر السليمة التي لم تتغير باعتقاد يغير فطرتها ولا هوي ، فامتنع حينئذ أن يعتمد علي ما يعارض الكتاب من الأقوال التي يسمونها معوقلات ، وإن كان ذلك قد قالته طائفة كبيرة ، لمخالفة طائفة كبيرة لها ، ولم يبق إلا أن يقال : إن كل إنسان له عقل فيعتمد علي عقل نفسه ، وما وجده معرضاً لأقوال الرسول صلي الله عليه وسلم من رأيه خالفه ، وقدم رأيه علي نصوص الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ، ومعلوم أن هذا أكثر ضلالاً واضطراباً .
فإذا كان فحول النظر واساطين الفلسفة الذين بلغوا في الذكاء والنظر إلي الغاية ، وهم ليلهم ونهارهم يكدحون في معرفة هذه العقليات ، ثم لم يصلوا فيها إلي معقول صريح يناقض الكتاب بل إما إلي حيرة وارتياب ، وإما إلي اختلاف بين الأحزاب ، فكيف غير هؤلاء ممن لم يبلغ مبلغهم في الذهن والذكاء ومعرفة ما سلكوه من العقليات ؟
فهذا وأمثاله مما يبين أن من أعرض عن الكتاب وعارضه بما يناقضه ، لم يعارضه إلا بما هو جهل بسيط أو جهل مركب فالأول " كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب " [ النور : 39 ] والثاني " كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور " [ النور : 40 ] وأصحاب القرآن والإيمان في نور علي نور ، قال تعالي " وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم * صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور " [ الشوري : 52-53 ] وقال تعالي " الله نور السماوات والأرض مثل نوره " ـ إلي آخر الآية ، [ النور : 35 ] وقال تعالى " فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون " [ الأعراف : 157 ] .
فأهل الجهل البسيط منهم أهل الشك والحيرة من هؤلاء المعارضين للكتاب المعرضين عنه ، وأهل الجهل المركب أرباب الاعتقادات الباطلة التي يزعمون أنها عقليات . وآخرون ممن يعارضهم يقول : المناقض لتلك الأقوال هو العقليات .
ومعلوم أنه حينئذ يجب فساد أحد الاعتقادين أو كليهما ، والغالب فساد كلا الاعتقادين ، لما فيهما من الإجمال والاشتباه ، وأن الحق يكون فيه تفصيل يبين أن مع هؤلاء حقاً وباطلاً ، ومع هؤلاء حقاً ، والحق الذي مع كل منهما هو الذي جاء به الكتاب الذي يحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ، والله أعلم .


الوجه العاشر :معارضة دليلهم بنظير ما قالوه .
أن يعارض دليلهم بنظير ما قالوه ، فيقال : إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم النقل ، لأن الجمع بين المدلولين جمع بين النقيضين ، ورفعهما رفع للنقيضين ، وتقديم العقل ممتنع ، لأن العقل قد دل علي صحة السمع ووجوب قبول ما أخبر به الرسول صلي الله عليه وسلم ، فلو أبطلنا النقل لكنا قد أبطلنا دلالة العقل ، وإذا أبطلنا دلالة العقل لم يصلح أن يكون معارضاً للنقل ، لأن ما ليس بدليل لا يصلح لمعارضة شيء من الأشياء ، فكان تقديم العقل موجبا عدم تقديمه ، فلا يجوز تقديمه .
وهذا بين واضح ، فإن العقل هو الذي دل علي صدق السمع وصحته وأن خبره مطابق لمخبره ، فإن جاز أن تكون هذه الدلالة باطلة لبطلان النقل لزم أن لا يكون العقل دليلاً صحيحاً ، وإذا لم يكن دليلاً صحيحاً لم يجز أن يتبع بحال ، فضلا عن أن يقدم ، فصار تقديم العقل علي النقل قدحاً في العقل بانتفاء لوازمه ومدلوله ، وإذا كان تقديمه علي النقل يستلزم القدح فيه ، والقدح فيه يمنع دلالته ، والقدح في دلالته يقدح في معارضته ، كان تقديمه عند المعارضة مبطلاً للمعارضة ، فامتنع تقديمه علي النقل ، وهو المطلوب .

تقديم النقل لا يستلزم فساد النقل في نفسه
وأما تقديم النقل عليه فلا يستلزم فساد النقل في نفسه ومما يوضح هذا أن يقال :
معارضة العقل لما دل العقل علي أنه حق ، دليل علي تناقص دلالته ، وذلك يوجب فسادها ، وأما السمع فلم يعلم فساد دلالته ولا تعارضها في نفسها ، وإن لم يعلم صحتها . وإذا تعارض دليلان أحدهما علمنا فساده والآخر لم نعلم فساده كان تقديم ما لم يعلم فساده أقرب إلي الصواب من تقديم ما يعلم فساده ، كالشاهد الذي علم أنه يصدق ويكذب ، والشاهد المجهول الذي لم يعلم كذبه ، فإن تقديم قول الفاسق المعلوم كذبه علي قول المجهول الذي لم يعلم كذبه لا يجوز ، فكيف إذا كان الشاهد هو الذي شهد بأنه قد كذب في بعض شهاداته ؟
والعقل إذا صدق السمع في كل ما يخبر به ثم قال : إنه أخبر بخلاف الحق ، كان هو قد شهد للسمع بأنه يجب قبوله ، وشهد له بأنه لا يجب قبوله ، وشهد بأن الأدلة السمعية حق ، وأن ما أخبر به السمع فهو حق ، وشهد بأن ما أخبر به السمع فليس بحق ، فكان مثله مثل من شهد لرجل بأنه صادق لا يكذب ، وشهد له بأنه قد كذب ، فكان هذا قدحاً في شهادته مطلقاً وتزكيته ، فلا يجب قبول شهادته الأولي ولا الثانية ، فلا يصلح أن يكون معارضاً للسمع بحال .
ولهذا تجد هؤلاء الذين تتعارض عندهم دلالة العقل والسمع في حيرة وشك واضطراب ، إذ ليس عندهم معقول صريح سالم عن معارض مقاوم ، كما أنهم في نفس المعقول الذي يعارضون به السمع في اختلاف وريب واضطراب .
وذلك كله مما يبين أنه ليس في المعقول الصريح ما يمكن أن يكون مقدماً علي ما جاءت به الرسل ، وذلك لأن الآيات والبراهين دالة علي صدق الرسل ، وأنهم لا يقولون علي الله إلا الحق ، وأنهم معصومون فيما يبلغونه عن الله من الخبر والطلب ، لا يجوز أن يستقر في خبرهم عن الله شيء من الخطأ، كما اتفق علي ذلك جميع المقرين بالرسل من المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم .
فوجب أن جميع ما يخبر به الرسول عن الله صدق وحق ، لا يجوز أن يكون في ذلك شيء مناقض لدليل عقلي ولا سمعي . فمتي علم المؤمن بالرسول أنه أخبر بشيء من ذلك جزم جزماً قاطعاً أنه حق ، وأنه لا يجوز أن يكون في الباطن بخلاف ما أخبر به ، وأنه يمتنع أن يعارضه دليل قطعي ، ولا عقلي ولا سمعي ، وأن كل ما ظن أنه عارضه من ذلك فإنما هو حجج داحضة ، وشبه من جنس شبه السوفساطئية .
وإذا كان العقل العالم بصدق الرسول قد شهد له بذلك ، وأنه يمتنع أن يعارض خبره دليل صحيح ، كان هذا العقل شاهدا بأن كل ما خالف خبر الرسول فهو باطل ، فيكون هذا العقل والسمع جميعاً شهدا ببطلان العقل المخالف للسمع .



اعتراض


فإن قيل : فهذا يوجب القدح في شهادة العقل ، حيث شهد بصدق الرسول ، وشهد بصدق العقل المناقض لخبره .

الرد عليه . الجواب الأول
قيل له عن هذا جوابان :أحدهما :إنا نحن يمتنع عندنا أن يتعارض العقل والسمع القطعيان ، فلا تبطل دلالة العقل ، وإنما ذكرنا هذا علي سبيل المعارضة ، فمن قدم دلالة العقل علي السمع يلزمه أن يقدم دلالة العقل الشاهد بتصديق السمع ، وأنه إذا قدم دلالة العقل لزم تناقضها وفسادها ، وإذا قدم دلالة السمع لم يلزم تناقضها في نفسها ، وإن لزمه أن لا يعلم صحتها ، وما علم فساده أولي بالرد مما لم تعلم صحته ولا فساده .
الجواب الثاني
والجواب الثاني : أن نقول : الأدلة العقلية التي تعارض السمع غير الأدلة العقلية التي يعلم بها أن الرسول صادق ، وإن كان جنس المعقول يشملها . ونحن إذا أبطلنا ما عارض السمع إنما أبطلنا نوعاً مما يسمي معقولاً ، لم نبطل كل معقول ، ولا أبطلنا المعقول الذي علم به صحة المنقول ، وكان ما ذكرناه موجباً لصحة السمع وما علم به صحته من العقل .
ولا مناقضة في ذلك ، ولكن حقيقة أنه قد تعارض العقل الدال علي صدق الرسول والعقل المناقض لخبر الرسول ، فقدمنا ذلك المعقول علي هذا المعقول ، كما نقدم الأدلة الدالة علي صدق الرسول علي الحجج الفاسدة والقادحة في نبوات الأنبياء ، وهي حجج عقلية .
بل شبهات المبطلين القادحين في النبوات قد تكون أعظم من كثير من الحجج العقلية التي يعارض بها خبر الأنبياء عن أسماء الله وصفاته وأفعاله ومعاده ، فإذا كان تقديم الأدلة العقلية الدالة علي أنهم صادقون في قولهم : إن الله أرسلهم مقدمة علي ما يناقض ذلك من العقليات ، كذلك تقديم هذه الأدلة العقلية المستلزمة لصدقهم فيما أخبروا به علي ما يناقض ذلك من العقليات ، وعاد الأمر إلي تقديم جنس من المعقولات علي جنس .
وهذا متفق عليه بين العقلاء ، فإن الأدلة العقلية إذا تعارضت فلا بد من تقديم بعضها علي بعض ، ونحن نقول : لا يجوز أن يتعارض دليلان قطعيان : لا عقليان ولا سمعيان ، ولا سمعي وعقلي ، ولكن قد ظن من لم يفهم حقيقة القولين تعارضهما لعدم فهمه لفساد أحدهما .




اعتراض آخر
فإن قيل : نحن نستدل بمخالفة العقل للسمع علي أن دلالة السمع المخالفة له باطلة ، إما لكذب الناقل عن الرسول ، أو خطئه في النقل ، وإما لعدم دلالة قوله علي ما يخالف العقل في محل النزاع .

الرد عليه
قيل : هذا معارض بأن يقال : نحن نستدل بمخالفة العقل للسمع علي أن دلالة العقل المخالفة له باطلة بعض مقدماتها ، فإن مقدمات الأدلة العقلية المخالفة للسمع فيها من التطويل والخفاء والاشتباه والاختلاف والاضطراب ما يوجب أن يكون تطرق الفساد إليها أعظم من تطرقه إلي مقدمات الأدلة السمعية .
ومما يبين ذلك أن يقال : دلالة السمع علي مواقع الإجماع مثل دلالته علي موارد النزاع ، فإن دلالة السمع علي علم الله تعالي وقدرته وإرادته وسمعه وبصره ، كدلالته علي رضاه ومحبته وغضبه واستوائه علي عرشه ونحو ذلك ، وكذلك دلالته علي عموم مشيئته وقدرته كدلالته علي عموم علمه .
فالأدلة السمعية لم يردها من ردها لضعف فيها وفي مقدماتها ، لكن لاعتقاده أنها تخالف العقل ، بل كثير من الأدلة السمعية التي يريدونها تكون أقوي بكثير من الأدلة السمعية التي يقبلونها ، وذلك لأن تلك لم يقبلوها لكون السمع جاء بها ، لكن لاعتقادهم أن العقل دل عليها ، والسمع جعلوه عاضداً للعقل ، وحجة علي من ينازعهم من المصدقين بالسمع ، لم يكن هو عمدتهم ولا أصل علمهم ، كما صرح بذلك أئمة هؤلاء المعارضين لكتاب الله وسنة رسوله بآرائهم .
وإذا كان كذلك ، تبين أن ردهم الأدلة السمعية المعلومة الصحة بمجرد مخالفة عقل الواحد ، أو لطائفة منهم ، أو مخالفة ما يسمونه عقلاً لا يجوز ، إلا أن يبطلوا الأدلة السمعية بالكلية ، ويقولون : إنها لا تدل علي شيء ، وإن إخبار الرسول عما أخبر به لا يفيد التصديق بثبوت ما أخبر به ، وحينئذ فما لم يكن دليلاً لا يصلح أن يجعل معارضاً .
والكلام هنا إنما هو لمن علم أن الرسول صادق ، وأن ما أخبر به ثابت ، وأن إخباره لنا بالشيء يفيد تصديقنا بثبوت ما أخبر به ، فمن كان هذا معلوماً له امتنع أن يجعل العقل مقدماً علي خبر الرسول صلي الله عليه وسلم ، بل يضطره الأمر إلي أن يجعل الرسول يكذب أو يخطئ تارة في الخبريات ، ويصيب أو يخطئ أخري في الطلبيات ، وهذا تكذيب للرسول ، وإبطال لدلالة السمع ، وسد لطريق العلم بما أخبر به الأنبياء والمرسلون ، وتكذيب بالكتاب وبما أرسل الله تعالي به رسله .
وغايته إن أحسن المقال : أن يجعل الرسول مخبراً بالأمور علي خلاف حقائقها لأجل نفع العامة . ثم إذا قال ذلك امتنع أن يستدل بخبر الرسول علي شيء ، فعاد الأمر جذعاً ، لأنه إذا جوز علي خبر الرسول التلبيس كان كتجويزه عليه الكذب ، وحينئذ فلا يكون مجرد إخبار الرسول موجباً للعلم بثبوت ما أخبر به ، وهذا :وإن كان زندقة وكفراً وإلحاداً فهو باطل في نفسه ، كما قد بين في غير هذا الموضع .



المقصودون بالخطاب في هذا الكتاب
فنحن في هذا المقام إنما نخاطب من يتكلم في تعارض الأدلة السمعية والعقلية ممن يدعي حقيقة الإسلام من أهل الكلام ، الذين يلبسون علي أهل الإيمان بالله ورسوله ، وأما من أفصح بحقيقة قوله : وقال : إن كلام الله ورسوله لا يستفاد منه علم بغيب ، ولا تصديق بحقيقة ما أخبر به ، ولا معرفة بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله وملائكته وجنته وناره وغير ذلك ـ فهذا لكلامه مقام آخر .
فإن الناس في هذا الباب أنواع :
منهم من يقر بما جاء به السمع في المعاد دون الأفعال والصفات .
ومنهم من يقر بذلك في بعض أمور المعاد دون بعض . ومنهم من يقر بذلك في بعض الصفات والمعاد مطلقاً دون الأفعال وبعض الصفات . ومنهم من لا يقر بحقيقة شيء من ذلك لا في الصفات ولا في المعاد . ومنهم من لا يقر بذلك أيضاً في الأمر والنهي ، بل يسلك طريق التأويل في الخبر والأمر جميعا لمعارضة العقل عنده ، كما فعلت القرامطة الباطنية . وهؤلاء أعظم الناس كفراً وإلحاداً .
والمقصود هنا أن من أقر بصحة السمع وأنه علم صحته بالعقل لا يمكنه أن يعرضه بالعقل البتة ، لأن العقل عنده هو الشاهد بصحة السمع ، فإذا شهد مرة أخري بفساده كانت دلالته متناقضة ، فلا يصلح لا لإثبات السمع ولا لمعارضته .




اعتراض : الشهادة بصحة السمع ما لم يعارض العقل
فإن قال : أنا أشهد بصحته ما لم يعارض العقل .

الرد عليه من وجوه :
الأول
قيل : هذا لا يصح لوجوه :
أحدهما : أن الدليل العقلي دل علي صدق الرسول وثبوت ما أخبر به مطلقاً ، فلا يجوز أن يكون صدقه مشروطاً بعدم المعارض .

الثاني : أنك إن جوزت عليه أن يعارضه العقل الدال علي فساده لم تثق بشيء منه ، لجواز أن يكون في عقل غيرك ما يدل علي فساده ، فلا تكون قد علمت بعقلك صحته البتة ، وأنت علمت صحته بالعقل .

الثالث : أن ما يستخرجه الناس بعقولهم أمر لا غاية له ، سواء كان حقاً أو باطلاً ، فإذا جوز المجوز أن يكون في المعقولات ما يناقض خبر الرسول لم يثق بشيء من أخبار الرسول ، لجواز أن يكون في المعقولات التي لم تظهر له بعد ما يناقض ما أخبر به الرسول . ومن قال : أنا أقر من الصفات بما لم ينفه العقل ، أو أثبت من السمعيات ما لم يخالفه العقل ، لم يكن لقوله ضابط ، فإن تصديقه بالسمع مشروط بعدم جنس لا ضابط له ولا منتهى ، وما كان مشروطا بعدم ما لا ينضبط لم ينضبط ، فلا يبقي مع هذا الأصل إيمان .
ولهذا تجد من تعود معارضة الشرع بالرأي لا يستقر في قلبه الإيمان ، بل يكون كما قال الأئمة : إن علماء الكلام زنادقة ، وقالوا : قل أحد نظر في الكلام إلا كان في قلبه غل علي أهل الإسلام ، ومرادهم بأهل الكلام من تكلم في الله بما يخالف الكتاب والسنة .
ففي الجملة : لا يكون الرجل مؤمنا حتى يؤمن بالرسول إيماناً جازما ، ليس مشروطاً بعدم معارض ، فمتي قال : أؤمن بخبره إلا أن يظهر له معارض يدفع خبره لم يكن مؤمناً به ، فهذا أصل عظيم تجب معرفته ، فإن هذا الكلام هو ذريعة الإلحاد والنفاق .


الرابع : أنهم قد سلموا أنه يعلم بالسمع أمور . كما يذكرونه كلهم من أن العلوم ثلاثة أقسام : منها ما لا يعلم إلا بالعقل ، ومنها ما لا يعلم إلا بالسمع ، ومنها ما يعلم بالسمع والعقل .
وهذا التقسيم حق في الجملة ، فإن من الأمور الغائبة عن حس الإنسان ما لا يمكن معرفته بالعقل ، بل لا يعرف إلا بالخبر .
وطرق العلم ثلاثة : الحس ، والعقل ، والمركب منهما كالخبر . فمن الأمور ما لا يمكن علمه إلا بالخبر ، كما يعلمه كل شخص بأخبار الصادقين كالخبر المتواتر ، وما يعلم بخبر الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين .
وهذا التقسيم يجب الإقرار به ، وقد قامت الأدلة اليقينية علي نبوات الأنبياء ، وأنهم قد يعلمون بالخبر ما لا يعلم إلا بالخبر ، وكذلك يعلمون غيرهم بخبر هم .
ونفس النبوة تتضمن الخبر ، فإن النبوة مشتقة من الإنباء وهو الإخبار بالمغيب ، فالنبي يخبر بالمغيب ويخبرنا بالغيب ، ويمتنع أن يقوم دليل صحيح علي أن كل ما أخبر به الأنبياء يمكن معرفته بدون الخبر ، فلا يمكن أن يجزم بأن كل ما أخبرت به الأنبياء هو منتف . فإنه يمتنع أن يقوم دليل علي هذا النفي العام ، ويمتنع أن يقول القائل : كل ما أخبر به الأنبياء يمكن غيرهم أن يعرفه بدون خبرهم ، ولهذا كان أكمل الأمم علماً المقرون بالطرق الحسية والعقلية والخبرية ، فمن كذب بطريق منها فاته من العلوم بحسب ما كذب به من تلك الطرق .
والمتفلسفة الذين أثبتوا النبوات علي وجه يوافق أصولهم الفاسدة ـ كابن سينا وأمثاله ـ لم يقروا بأن الأنبياء يعلمون بخبر يأتيهم عن الله ، لا بخبر ملك ولا غيره ، بل زعموا أنهم يعلمونه بقوة عقلية ، لكونهم أكمل من غيرهم في قوة الحدس ، ويسمون ذلك القوة القدسية ، فحصروا علوم الأنبياء في ذلك .
وكان حقيقة قولهم : أن الأنبياء من جنس غيرهم ، وأنهم لم يعلموا شيئاً بالخبر، ولهذا صار هؤلاء لا يستفيدون شيئاً بخبر الأنبياء ، بل يقولون : :إنهم خاطبوا الناس بطريق التخييل لمنفعة الجمهور ، وحقيقة قولهم : أنهم كذبوا لمصلحة الجمهور ، هؤلاء في الحقيقة يكذبون الرسل ، فنتكلم معهم في تحقيق النبوة علي الوجه الحق ، لا في معارضة العقل والشرع .
وهذا الذي ذكرته مما صرح به فضلاؤهم ، يقولون : الرسل إنما ينتفع بخبرهم الجمهور في التخييل ، لا ينتفع بخبرهم أحد من العامة والخاصة في معرفة الغيب ، بل الخاصة عندهم تعلم ذلك بالعقل المناقض لأخبار الأنبياء ، والعامة لا تعلم ذلك لا بعقل ولا خبر، والبنوة إنما فائدتها تخييل ما يخبرون به للجمهور، كما يصرح بذلك الفارابي وابن سيناء وأتباعهما .
ثم لا يخلو الشخص إما أن يكون مقراً بخبر نبوة الأنبياء ، وإما أن يكون غير مقر ، فإن كان غير مقر بذلك لم نتكلم منه في تعارض الدليل العقلي والشرعي ، فإن تعارضهما إنما يكون بعد الإقرار بصحة كل منهما لو تجرد عن المعارض ، فمن لم يقر بصحة دليل عقلي البتة لم يخاطب في معارضة الدليل العقلي والشرعي ، وكذلك من لم يقر بدليل شرعي لم يخاطب في هذا التعارض .
ومن لم يقر بالأنبياء لم يستفد من خبرهم دليلاً شرعياً ، فهذا يتكلم معه في تثبيت النبوات ، فإذا ثبتت فحينئذ يثبت الدليل الشرعي ، وحينئذ فيجب الإقرار بأن خبر الأنبياء يوجب العلم بثبوت ما أخبروا به ، ومن جوز أن يكون في نفس الأمر معارض ينفي ما دلت عليه أخبارهم أمتنع أن يعلم بخبرهم شيئاً ، فإنه ما من خبر أخبروا به ولم يعلم هو ثبوته بعقله إلا وهو يجوز أن يكون في نفس الأمر دليل يناقضه ، فلا يعلم شيئاً مما أخبروا به بخبرهم ، فلا يكون مقراً بنبوتهم ، ولا يكون عنده شيء يعلم بالسمع وحده ، وهم قد أقروا بأن العلوم ثلاثة : منها ما يعلم بالسمع وحده ، ومنها ما يعلم بالعقل وحده ، ومنها ما يعلم بهما .
وأيضاً ، فقد قامت الأدلة العقلية اليقينية علي نبوة الأنبياء ، وأنهم قد يعلمون ما يعلمونه بخبر الله وملائكته ، تارة بكلام يسمعونه من الله كما سمع موسى بن عمران ، وتارة بملائكة تخبرهم عن الله ، وتارة بوحي يوحيه الله ، كما قال تعالي " وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء " [ الشورى : 51 ] .
فتبين أن تجويزهم أن يكون في نفس الأمر دليل يناقض السمع يوجب أن لا يكون في نفس الأمر دليل سمعي يعلم به مخبره ، وهذا مما تبين به تناقضهم ـ حيث أثبتوا الأدلة السمعية ، ثم قالوا ما يوجب إبطالها ، حيث أثبتوا الأدلة العقلية ، ثم قالوا ما يوجب تناقضها ، فإن العقل يعلم به صحة الأدلة السمعية ، فمتي بطلت بطل العقل الدال علي صحة السمع ، والدليل مستلزم للمدلول ، ومتي انتفي اللازم الذي هو المدلول انتفي ملزومه الذي هو الدليل ، فيبطل العقل ـ وتناقضهم حيث أقروا بنبوات الأنبياء ثم قالوا ما يوجب بطلانها .
وأيضاً ، فالأدلة العقلية توجب الإقرار بنبوة الأنبياء ، فالقدح في نبوة الأنبياء قدح في الأدلة العقلية ، ومع كون قولهم مستلزماً لتناقضهم فهو مستلزم لبطلان الأدلة العقلية والسمعية ،وبطلان النبوات ، وهذا من أعظم أنواع السفسطة ، فتبين بعض ما في قولهم من أنواع السفسطة الدالة علي فساده ، ومن أنواع التناقض الدالة علي جهلهم وتناقض مذاهبهم .
وإن قالوا: نحن لا نعلم شيئاً مما دل عليه الشرع من الخبريات ، أو من الخبريات وغيرها ، إلا أن نعلم بالاضطرار أن الرسول أخبر به .
قيل : فيقال لكم علي هذا التقدير : فكل ما لا يعلم شخص بالاضطرار أن الرسول أخبر به يجب أن ينفيه إذا قام عنده ما يظنه دليلاً عقلياً !.
فإن قالوا: نعم ، لزم أنه يجوز لكل أحد أن يكذب بما لم يضطر إلي أن الرسول أخبر به ، وإن كان غيره قد علم بالاضطرار أن الرسول أخبر به ، وحينئذ فيلزم من ذلك تجويز تكذيب الرسول ، ونفي الحقائق الثابتة في نفس الأمر، والقول بلا علم ، والقطع بالباطل . وإن قالوا : نحن إنما نجوز ذلك إذا قام دليل عقلي قاطع .
قيل : هذا باطل لوجهين :
أحدهما : أنه إذا لم يعلم بالاضطرار أنه أخبر به كان علي قولكم غير معلوم الثبوت ، وحينئذ فإذا قام عنده دلالة ظنية ترجح النفي أخبر بموجبهما ، وإن جوز أن يكون غيره يعلم باضطرار نقيضها .
الثاني : أن الأدلة العقلية القطعية ليست جنساً متميزاً عن غيره ، ولا شيئاً اتفق عليه العقلاء ، بل كل طائفة من النظار تدعي أن عندها دليلاً قطعياً علي ما تقوله ، مع أن الطائفة الأخرى تقول : إن ذلك الدليل باطل ، وإن بطلانه يعلم بالعقل ، بل قد تقول : إنه قام عندها دليل قطعي علي نقيض قول تلك الطائفة ، وإذا كانت العقليات ليست متميزة ، ولا متفقاً عليها ، وجوز أصحابها فيما لم يعلمه أحدهم بالاضطرار من أخبار الرسول أن يقدمها عليه ـ لزم من ذلك تكذيب كل من هؤلاء بما يعلم غيره بالاضطرار أن الرسول أخبر به .
ومعلوم أن العلوم الضرورية أصل للعلوم النظرية ، فإذا جوز الإنسان أن يكون ما علمه غيره من العلوم الضرورية باطلاً جوز أن تكون العلوم الضرورية باطلة ، وإذا بطلت بطلت النظرية ، فصار قولهم مستلزماً لبطلان العلوم كلها ، وهذا مع أنه مستلزم لعدم علمهم بما يقولونه ، فهو متضمن لتناقضهم ، ولغاية السفسطة .
وإن قالوا : ما علمنا بالاضطرار أن الرسول أراده أقررنا به ن ولم نجوز أن يكون في العقل ما يناقضه ، وما علمه غيرنا لم نقر به ، وجوزنا أن يكون في العقل ما يناقضه ـ أمكن تلك الطائفة أن تعارضهم بمثل ذلك ، فيقولون : بل نحن نقر علمنا الضروري ، ونقدح في علمكم الضروري بنظرياتنا .
وأيضاً ، فمن المعلوم أن من شافهه الرسول بالخطاب يعلم من مراده بالاضطرار ما لا يعلمه غيره ، وأن من كان أعلم بالأدلة الدالة علي مراد المتكلم كان أعلم بمراده من غيره ، وإن لم يكن نبياً فكيف بالأنبياء ؟.
فإن النحاة أعمل بمراد الخليل وسبويه من الأطباء ، والأطباء أعلم بمراد أبقراط وجالينوس من النحاة ، والفقهاء أعلم بمراد الأئمة الأربعة وغيرهم من الأطباء والنحاة ، وكل من هذه الطوائف يعلم بالاضطرار من مراد أئمة الفن ما لا يعلمه غيرهم ، فضلاً عن أن يعلمه علماً ضرورياً أو نظرياً .
وإذا كان كذلك فمن له اختصاص بالرسول ، ومزيد علم بأقواله وأفعاله ومقاصده ، يعلم بالاضطرار من مراده ما لا يعلمه غيره ، فإذا جوز لمن يحصل له هذا العلم الضروري أن يقوم عنده قاطع عقلي ينفي ما علمه هؤلاء بالاضطراب لزم ثبوت المعارضة بين العلوم النظرية والضرورية ، وأنه يقدم فيها النظرية ، ومعلوم أن هذا فاسد .
فتبين أن قول هؤلاء يستلزم من تناقضهم وفساد مذاهبهم وتكذيب الرسل ما يستلزم من الكفر والجهل ، وأنه يستلزم تقديم النظريات علي الضروريات ، وذلك يستلزم السفسطة التي ترفع العلوم الضرورية والنظرية .


الخامس : أن الدليل المشروط بعدم المعارض لا يكون قطعياً ، لأن القطعي لا يعارضه ما يدل علي نقيضه ، فلا يكون العقل دالاً علي صحة شيء مما جاء به السمع ، بل غاية الأمر : أن يظن الصدق فيما أخبر به الرسول .
وحينئذ فقولك : إنه تعارض العقل والنقل قول باطل ، لأن العقل عندك قطعي ، والشرع ظني ن ومعلوم أنه لا تعارض بين القطعي والظني .
فإن قيل : نحن جازمون بصدق الرسول فيما أخبربه ، وأنه لا يخبر إلا بحق ن لكن إذا احتج علي خلاف ما اعتقدناه بشيء مما نقل عن الرسول يقبل هذه المعارضة للقدح : إما في الإسناد وإما في المتن :
إما أن نقول : النقل لم يثبت ، إن كان مما لم تعلم صحته ، كما تنقل أخبار الآحاد وما ينقل عن الأنبياء المتقدمين . وإما في المتن بأن نقول : دلالة اللفظ علي مراد المتكلم غير معلومة ، بل مظنونة ، إما في محل النزاع ، وإما فيما هو أعلم من ذلك ، فنحن لا نشك في صدق الرسول ، بل في صدق الناقل ، أو دلالة المنقول علي مراده .
قيل : هذا العذر باطل في هذا المقام لوجوه :
أحدها : أن يقال لكم : فإذا علمتم أن الرسول أراد هذا المعني ، إما أن تعملوا مراده بالاضطرار ، كما يعلم أنه أتي بالتوحيد والصلوات الخمس والمعاد بالاضطرار ، وإما بأدلة أخري نظرية ، وقد قام عندكم القاطع العقلي علي خلاف ما علمتم أنه أراده ، فكيف تصنعون ؟
فإن قلتم : نقدم العقل ، لزمكم ما ذكر من فساد العقل المصدق للرسول ، مع الكفر وتكذيب الرسول .
وإن قلتم : نقدم قول الرسول ، أفسدتم قولكم المذكور الذي قلتم فيه العقل أصل النقل ، فلا يمكن تقديم الفرع علي أصله .
وإن قلتم : يمتنع معارضة العقل الصريح بمثل هذا السمع ، لأنا علمنا مراد الرسول قطعاً .
قيل لكم : وهكذا يقول كل من علم مراد الرسول قطعاً : يمتنع أن يقوم دليل عقلي يناقضه ، وحينئذ فيبقي الكلام : هل قام سمعي قطعي علي مورد النزاع أم لا ؟ ويكون دفعكم للأدلة السمعية بهذا القانون باطلاً متناقضاً .
الوجه الثاني : أنه إذا كنتم لا تردون من السمع إلا ما لم تعلموا أن الرسول أرداه ، دون ما علمتم أن الرسول أراده ، بقي احتجاجكم بكون العقل معارضاً للسمع احتجاجاً باطلاً لا تأثير له .
الثالث : أنكم تدعون في مواضع كثيرة أن الرسول جاء بهذا ، وأنا نعلم ذلك اضطراراً ، ومنازعوكم يدعون قيام القاطع العقلي علي مناقض ذلك كما في المعاد وغيره ، فكذلك يقول منازعوكم في العلو والصفات : إنا نعلم اضطرار مجيء الرسول بهذا ، بل هذا أقوي ، كما بسط في موضع آخر .


السادس : أن هذا يعارض بأن يقال : دليل العقل مشروط بعدم معارضة الشرع ، لأن العقل ضعيف عاجز ، والشبهات تعرض له كثيراً ، وهذه المتائه والمحارات التي اضطرب فيها العقلاء لا أثق فيها بعقل يخالف الشرع .
ومعلوم أن هذا أولي بالقبول من الأول ، بأن يقال ما يقال في :


السابع :
وهو : أن العقل لا يكون دليلا مستقلاً في تفاصيل الأمور الإلهية واليوم الآخر ، فلا أقبل منه ما يدل عليه إن لم يصدقه الشرع ويوافقه ، فإن الشرع قول المعصوم الذي لا يخطئ ولا يكذب ، وخبر الصادق الذي لا يقول إلا حقاً ، وأما آراء الرجال فكثيرة التهافت والتناقض ، فأنا لا أثق برأيي وعقلي في هذه المطالب العالية الإلهية ، ولا بخبر هؤلاء المختلفين المتناقضين الذين كل منهم يقول بعقله ما يعلم العقلاء أنه باطل ، فما من هؤلاء أحد إلا وقد علمت أنه يقول بعقله ما يعلم أنه باطل ، بخلاف الرسل ، فإنهم معصومون ، فأنا لا أقبل قول هؤلاء إن لم يزك قولهم ذلك المعصوم : خبر الصادق المصدوق .
ومعلوم أن هذا الكلام أولي بالصواب ، وأليق بأولي الألباب ، من معارضة أخبار الرسول ، الذي علموا صدقه وأنه لا يقول إلا حقاً ، بما يعرض لهم من الآراء والمعقولات ، التي هي في الغالب جهليات وضلالات .
فإنا في هذا المقام نتكلم معهم بطريق التنزل إليهم ، كما نتنزل إلي اليهودي والنصراني في مناظرته ، وإن كنا عالمين ببطلان ما يقوله ، اتباعاً لقوله تعالي " وجادلهم بالتي هي أحسن " [ النحل : 125 ] ،وقوله " ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن " [ العنكبوت : 46 ] .
وإلا فعلمنا ببطلان ما يعارضون به القرآن والرسول ، ويصدون به أهل الإيمان عن سواء السبيل ـ وإن جعلوه من المعقول بالبرهان ـ أعظم من أن يبسط في هذا المكان .
وقد تبين بذلك أنه لا يمكن أن يكون تصديق الرسول فيما أخبر به معلقاً بشرط ، ولا موقوفاً علي انتفاء مانع ، بل لا بد من تصديقه في كل ما أخبر به تصديقاً جازماً ، كما في أصل الإيمان به ، فلو قال الرجل : أنا أؤمن به إن أذن لي أبي أو شيخي ، أو : إلا أن ينهاني أبي أو شيخي ـلم يكن مؤمناً به بالاتفاق ،وكذلك من قال : أؤمن به إن ظهر لي صدقه ، لم يكن بعد قد آمن به ، ولو قال : أؤمن به إلا أن يظهر لي كذبه ، لم يكن مؤمنا .
وحينئذ فلا بد من الجزم بأنه يمتنع أن يعارض خبره دليل قطعي : لا سمعي ولا عقلي ، وأن ما يظنه الناس مخالفاً له إما أن يكون باطلاً ، وإما أن يكون مخالفاً ، وأما تقدير قول مخالف لقوله وتقديمه عليه : فهذا فاسد في العقل ، كما هو كفر في الشرع .
ولهذا كان من المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أنه يجب علي الخلق الإيمان بالرسول إيماناً مطلقاً جازماً عاماً : بتصديقه في كل ما أخبر ، وطاعته في كل ما أوجب وأمر ، وأن كل ما عارض ذلك فهو باطل ، وأن من قال: يجب تصديق ما أدركته بعقلي، ورد ما جاء به الرسول لرأيي وعقلي، وتقديم عقلي علي ما أخبر به الرسول ، مع تصديقي بأن الرسول صادق فيما أخبر به ، فهو متناقض ، فاسد العقل، ملحد في الشرع.
وأما من قال : لا أصدق ما أخبر به حتى أعلمه بعقلي، فكفره ظاهر، وهو ممن قيل فيه " وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته" [ الأنعام : 124 ] ، وقوله تعالى " فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون * فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين * فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا " [ غافر : 82-85 ] .
ومن عارض ما جاءت به الرسل برأيه فله نصيب من قوله تعالى" كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب " [ غافر : 34 ] وقوله تعالى " الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار " [ غافر : 35 ] وقوله تعالى " الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه " [ غافر : 56 ] والسلطان : هو الكتاب المنزل من السماء ، فكل من عارض كتاب الله المنزل بغير كتاب الله الذي قد يكون ناسخاً له أو مفسراً له ، كان قد جادل في آيات الله بغير سلطان أتاه .
ومن هذا قوله تعالى " وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب " [ غافر: 5 ] ، وقوله تعالى " وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا " [ الكهف : 56 ] وأمثال ذلك مما في كتاب الله تعالي مما يذم به الذين عارضوا رسل الله وكتبه بما عندهم من الرأي والكلام .
والبدع مشتقة من الكفر، فمن عارض الكتاب والسنة بآراء الرجال كان قوله مشتقاً من أقوال هؤلاء الضلال ، كما قال مالك : أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلي محمد صلي الله عليه وسلم لجدل هذا ؟
فإن قيل : هذا الوجه غايته أنه لا تصح معارضة الشرع بالعقل، ولكن إذا طعن في العقل لم يبق لنا دليل علي صحة الشرع .
قيل: المقصود في هذا المقام أنه يمتنع تقديم العقل علي الشرع، وهو المطلوب . وأما ثبوت الشرع في نفسه وعلمنا به ، فليس هذا مقام إثباته ، ونحن لم ندع أن أدلة العقل باطلة، ولا أن ما به يعلم صحة السمع باطل، ولكن ذكرنا أنه يمتنع معارضة الشرع بالعقل وتقدميه عليه، وأن من قال ذلك تناقض قوله ، ولزمه أن لا يكون العقل دليلاً صحيحاً، إذ كان عنده العقل يستلزم صحة ما هو باطل في نفسه ، فلا بد أن يضطره الأمر إلي أن يقول : ما عارضه الدليل العقلي فليس هو عندي دليلا في نفس الأمر ، به هو باطل ، فيقال له : وهكذا ما عارضه الدليل السمعي فليس هو دليلاً في نفس الأمر ، بل هو باطل، وحينئذ فيرجع الأمر إلي أن ينظر في دلالة الدليل ، سواء كان سمعيا أو عقلياً ، فإن كان دليلاً قطعياً لم يجز أن يعارضه شيء ، وهذا هو الحق .
وأيضاً ، فقد ذكرنا أن مسمي الدليل العقلي ـ عند من يطلق هذا اللفظ ـ جنس تحته أنواع ، فمنها ما هو حق ومنها ما هو باطل باتفاق العقلاء، فإن الناس متفقون علي أن كثيراً من الناس يدخلون في مسمي هذا الاسم ما هو حق وباطل .
وإذا كان كذلك فالأدلة العقلية الدالة علي صدق الرسول إذا عارضها ما يقال إنه دليل عقلي يناقض خبره المعين ، ويناقض مادل علي صدقه مطلقاً ، لزم أن يكون أحد نوعي ما يسمي دليلاً عقلياً باطلاً : وتمام هذا بأن يقال :





الوجه الحادي عشر :
كثير مما يسمي دليلاً ليس بدليل
أن ما يسميه الناس دليلاً من العقليات والسمعيات ليس كثير منه دليلاً ، وإنما يظنه الظان دليلاً . وهذ متفق عليه بين العقلاء ، فإنهم متفقون علي أن ما يسمي دليلاً من العقليات والسمعيات قد لا يكون دليلاً في نفس الأمر .
فنقول : أما المتبعون للكتاب والسنة ـ من الصحابة والتابعين وتابعيهم ـ فهم متفقون علي دلالة ما جاء به الشرع في باب الإيمان بالله تعالي وأسمائه وصفاته واليوم الآخر وما يتبع ذلك ، لم يتنازعوا في دلالته علي ذلك ، والمتنازعون في ذلك بعدهم لم يتنازعوا في أن السمع يدل علي ذلك، وإنما تنازعوا : هل عارضه من العقل ما يدفع موجبه ؟ وإلا فكلهم متفقون علي أن الكتاب والسنة مثبتان للأسماء والصفات ، مثبتان لما جاءا به من أحوال الرسالة والمعاد .
والمنازعون لأهل الإثبات من نفاة الأفعال والصفات لا ينازعون في أن النصوص السمعية تدل علي الإثبات، وأنه ليس في السمع دليل ظاهر علي النفي . فقد اتفق الناس علي دلالة السمع علي الإثبات ، وإن تنازعوا في الدلالة : هل هي قطعية أو ظنية ؟ .
وأما المعارضون لذلك من أهل الكلام والفلسفة فلم يتفقوا علي دليل واحد من العقليات ، بل كل طائفة تقول في أدلة خصومها : إن العقل يدل علي فسادها ، لا علي صحتها، فالمثبتة للصفات يقولون : إنه يعلم بالعقل فساد قول النفاة ، كما يقول النفاة : إنه يعلم بالعقل فساد قول المثبتة .
ومثبتة الرؤية يقولون : إنه يعلم بالعقل إمكان ذلك ، كما تقول النفاة : إنه يعلم بالعقل امتناع ذلك .
والمتنازعون في الأفعال هل تقوم به؟ يقولون :إنه علم بالعقل قيام الأفعال به، وإن الخلق والإبداع والتأثير أمر وجودي قائم بالخالق المبدع الفاعل .
ثم كثير من هؤلاء يقولون : إن التسلسل إنما هو ممتنع في العلل ، لا في الآثار والشروط ، وخصومهم يقولون : ليس الخلق إلا المخلوق ، وليس الفعل إلا المفعول ، وليس الإبداع والخلق شيئاً غير نفس الفعل ونفس المفعول المنفصل عنه، وإن ذلك معلوم بالعقل ، لئلا يلزم التسلسل .
وكذلك القول في العقليات المحضة كمسألة الجوهر الفرد ، وتماثل الأجسام ، وبقاء الأعراض ، ودوام الحوادث في الماضي أو المستقبل أو غير ذلك، كل هذه مسائل عقلية قد تنازع فيها العقلاء، وهذا باب واسع ، فأهل العقليات من أهل النفي والإثبات كل منهم يدعي أن العقل دل علي قوله المناقض لقول الآخر ، وأما السمع فدلالته متفق عليها بين العقلاء .
وإذا كان كذلك قيل : السمع دلالته معلومة متفق عليها ، وما يقال إنه معارض لها من العقل ليست دلالته معلومة متفقاً عليها ، بل فيها نزاع كثير ، فلا يجوز أن يعارض ما دلالته معلومة باتفاق العقلاء ، بما دلالته المعارضة له متنازع فيها بين العقلاء .
واعلم أن أهل الحق لا يطعنون في جنس الأدلة العقلية ، ولا فيما علم العقل صحته، وإنما يطعنون فيما يدعي المعارض أنه يخالف الكتاب والسنة . وليس في ذلك ـ ولله الحمد ـ دليل صحيح في نفس الأمر ، ولا دليل مقبول عند عامة العقلاء ، ولا دليل لم يقدح فيه بالعقل . وحينئذ فنقول في :





الوجه الثاني عشر . كل ما عارض الشرع من العقليات فالعقل يعلم فساده
إن كل ما عارض الشرع من العقليات فالعقل يعلم فساده ، وإن لم يعارض العقل ، وما علم فساده بالعقل لا يجوز أن يعارض به لا عقل ولا شرع .
وهذه الجملة تفصيلها هو الكلام علي حجج المخالفين للسنة من أهل البدع بأن نبين بالعقل فساد تلك الحجج وتناقضها ، وهذا ـ ولله الحمد ـ مازال الناس يوضحونه ، ومن تأمل ذلك وجد في المعقول مما يعلم به فساد المعقول المخالف للشرع ما لا يعلمه إلا الله .





الوجه الثالث عشر . الأمور السمعية التي يقال إن العقل عارضها معلومة من الدين بالضرورة
أن يقال : الأمور السمعية التي يقال :إن العقل عارضها كإثبات الصفات والمعاد ونحو ذلك ، هي مما علم بالاضطرار أن الرسول صلي الله عليه وسلم جاء بها ، وما كان معلوما بالاضطرار من دين الإسلام امتنع أن يكون باطلاً ، مع كون الرسول رسول الله حقاً ، فمن قدح في ذلك وادعي أن الرسول لم يجيء به ، كان قوله معلوم الفساد بالضرورة من دين المسلمين .
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 01-06-2002, 11:56 AM
الرصَــد الرصَــد غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Dec 2001
المشاركات: 1,069
Post حلقة 3 : له ولغيره من إخوته :

وهو عن أسماء الله وصفاته .. سبحانه وتعالى عما يصفون .

==
صحيح البخاري
كتاب :كتاب التوحيد
باب :باب إن لله مائة اسم إلا واحداً قال ابن عباس ذو الجلال العظمة البر اللطيف
رقم الحديث :6957
الجزء :6
الصفحة :2691
حدثنا أبو اليمان : أخبرنا شعيب : حدثنا أبو الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة :
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن لله تسعة وتسعين اسماً ، مائة إلا واحداً ، من أحصاها دخل الجنة ) . " أحصيناه " : حفظناه .

==
صحيح مسلم
كتاب :كتاب الدعوات الذكر والدعاء والتوبة والإستغفار
باب :باب في أسماء الله تعالى وفضل من أحصاها
رقم الحديث :6751
الجزء :17
الصفحة :8
حدثني محمد بن رافع ، حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة ، وعن همام بن منبه ، عن أبي هريرة ،

عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن لله تسعة وتسعين اسما ، مائة إلا واحدا ، من أحصاها دخل الجنة .
وزاد همام ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : إنه وتر يحب الوتر .

==

سنن الترمذي
كتاب :كتاب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
باب :باب
رقم الحديث :3506
الجزء :5
الصفحة :496
حدثنا يوسف بن حماد البصري . حدثنا عبد الأعلى عن سعيد عن قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة رضي الله عنه
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة غير واحد من أحصاها دخل الجنة.
قال يوسف : وحدثنا عبد الأعلى عن هشام بن حسان عن محمد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم .

==

سنن ابن ماجه
كتاب :كتاب الدعاء
باب :باب أسماء الله عز وجل
رقم الحديث :3860
الجزء :3
الصفحة :361
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا عبدة بن سليمان ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال :
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن لله تسعة و تسعين اسما مائة إلا واحد من أحصاها دخل الجنة .

==

صحيح ابن حبان
كتاب :كتاب الرقائق
باب :باب الأذكار
رقم الحديث :807
الجزء :3
الصفحة :87
أخبرنا عبد الله بن أحمد بن موسى بعسكر مكرم، قال: حدثنا يوسف بن حماد المعني، قال: حدثنا عبد الأعلى، قال: حدثنا هشام، عن محمد عن أبي هريرة، قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إن لله تسعة وتسعين اسماً، مئة إلا واحد، من أحصاها دخل الجنة)).

==

مستدرك الحاكم
كتاب :كتاب الإيمان
باب :كتاب الإيمان
رقم الحديث :41
الجزء :1
الصفحة :62
حدثنا أبو زكريا يحيى بن محمد بن عبد الله العنبري ، ثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم العبدي ، ثنا موسى بن أيوب النصبي . و حدثنا أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه ، أنبأنا محمد بن أحمد بن الوليد الكرابيسي ، ثنا صفوان بن صالح الدمشقي قالا : حدثنا الوليد بن مسلم ، ثنا شعيب بن أبي حمزة ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن لله تسعة و تسعين إسماً مائة إلا واحدة ، من أحصاها دخل الجنة ، إنه وتر يحب الوتر ( هو الله ) الذي لا إله إلا هو الرحمن ، الرحيم ، الملك ، القدوس ، السلام ، المؤمن ، المهيمن ، العزيز ، الجبار ، المتكبر ، الخالق ، البارىء ، المصور ، الغفار ، القهار ، الوهاب ، الرزاق ، الفتاح ، العليم ، القابض ، الباسط ، الخافض ، الرافع ، المعز ، المذل ، السميع ، البصير ، الحكم ، العدل ، اللطيف ، الخبير ، الحليم ، العظيم ، الغفور ، الشكور ، العلي ، الكبير ، الحفيظ ، المغيث ، و قال صفوان في حديثه ( المقيت ) و إليه ذهب أبو بكر محمد بن إسحاق في مختصر الصحيح ـ الحسيب ، الجليل ، الكريم ، الرقيب ، المجيب ، الواسع ، الحكيم ، الودود ، المجيد ، الباعث ، الشهيد ، الحق ، الوكيل ، القوي ، المتين ، الولي ، الحميد ، المحصي ، المبدىء ، المعيد ، المحيي ، المميت ، الحي ، القيوم ، الواجد ، الماجد ، الواحد ، الصمد ، القادر ، المقتدر ، المقدم ، المؤخر ، الأول ، الآخر ، الظاهر ، الباطن ، الوالي ، المتعالي ، البر ، التواب ، المنتقم ، العفو ، الرؤوف ، مالك الملك ، ذو الجلال و الإكرام ، المقسط ، الجامع ، الغني ، المغني ، المانع ، الضار ، النافع ، النور ، الهادي ، البديع ، الباقي ، الوارث ، الرشيد ، الصبور .

==
مصنف عبدالرزاق
كتاب :كتاب الجامع
باب :أسماء الله تبارك وتعالى
رقم الحديث :19656
الجزء :10
الصفحة :445
أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة ، وعن همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
لله تسعة وتسعون إسماً ، مائة إلا واحد ، من أحصاها دخل الجنة ، وزاد همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه وتر يحب الوتر .

==

سنن البيهقي الكبرى
كتاب :كتاب اللإقرار
باب :باب الاستثناء في الكلام
رقم الحديث :11646
الجزء :8
الصفحة :471
حدثنا السيد أبو الحسن محمد بن الحسين العلوي أنبأ أبو القاسم عبيد الله بن إبراهيم بن بالويه المزكي ثنا أحمد بن يوسف السلمي ثنا عبد الرزاق أنبأ معمر عن همام بن منبه قال :
هذا ما حدثنا أبو هريرة قال : و قال أبو القاسم صلى الله عليه و سلم لله عز وجل تسعة و تسعون اسماً ، مائة إلا واحد ، من أحصاها دخل الجنة ، إنه وتر يحب الوتر . رواه مسلم في الصحيح عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق ، و أخرجاه من حديث الأعرج عن أبي هريرة .

==

شعب الايمان
كتاب :الأول من شعب الإيمان و هو باب في الإيمان بالله عز و جل
باب :فصل في معرفة الله عز وجل و معرفة صفاته و أسمائه
رقم الحديث :102
الجزء :1
الصفحة :114
أخبرنا أبو منصور أحمد بن علي الدامغاني ، أنبأ أبو بكر الإسماعيلي :
و حدثنا أبو عبد الرحمن السلمي محمد بن الحسين ، حدثنا جدي إسماعيل بن نجيد ، و أبو عمرو بن مطر ، و علي بن بندار الصيرفي ، و أبو عمرو بن حمدان ، و أبو بكر بن قريش و غيرهم قالوا ثنا الحسن بن سفيان ، ثنا صفوان بن صالح ، ثنا الوليد بن مسلم ثنا شعيب بن أبي حمزة عن أبي الزناد عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ـ قال
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :
إن لله تسعة و تسعين اسماً ـ مائة إلا واحدة . إنه وتر يحب الوتر ـ من أحصاها دخل الجنة :
هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن ، الرحيم ، الملك ، القدوس ، السلام ، المؤمن ، المهيمن ، العزيز ، الجبار ، المتكبر ، الخالق ، البارئ ، المصور ، الغفار ، القهار ، الوهاب ، الرزاق ، الفتاح ، العليم ، القابض ، الباسط ، الخافض ، الرافع ، المعز ، المذل ، السميع ، البصير ، الحكم ، العدل ، اللطيف ، الخبير ، الحليم ، العظيم ، الغفور ، الشكور ، العلي ، الكبير ، الحفيظ ، المقيت ، الحبيب ، الجليل ، الكريم ، الرقيب ، المجيب ، الواسع ، الحكيم ، الودود ، المجيد ، الباعث ، الشهيد ، الحق ، الوكيل ، القوي ، المتين ، الولي ، الحميد ، المحصي ، المبدئ ، المعيد ، المحيي ، المميت ، الحي ، القيوم ، الماجد ، الواجد ، الواحد ، الأحد ، الصمد ، القادر ، المقتدر ، المقدم ، المؤخر ، الأول ، الآخر ، الظاهر ، الباطن ، البر ، التواب ، المنتقم ، العفو ، الرؤوف ، مالك الملك ، ذو الجلال و الإكرام ، الوالي ، المتعالي ، المقسط ، الجامع ، الغني ، المغني ، الرافع ، الضار ، النافع ، النور ، الهادي ، البديع ، الباقي ، الوارث ، الرشيد ، الصبور ، الذي ليس كمثله شيء ، و هو السميع البصير .
و قال غيره : المانع بدل قوله الرافع .
و قال : الوالي المتعالي عقب قوله الباطن . و قال البيهقي ـ رحمه الله : ـ
و ذكر الأستاذ أبو إسحاق إبراهيم بن محمد إبراهيم الاسفراييني : أن قوله من أحصاها يريد من علمها و ذكر أن من هذه الأسماء ثمانية و عشرين اسماً للذات ، و ثمانية و عشرين اسماً لصفات الذات ، و ثلاثة و أربعين اسماً للفعل .

==

سنن النسائي الكبرى
كتاب :كتاب النعوت
باب :قول الله جل ثناؤه ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ذكر أسماء الله تعالى و تبارك
رقم الحديث :7659
الجزء :4
الصفحة :393
أخبرنا أبو القاسم حمزة بن محمد بن علي بن محمد بن العباس الكناني بمصر قال : ثنا أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي قراءه عليه أنا الربيع بن سليمان قال : ثنا عبد الله بن وهب قال : أخبرني مالك و ذكر آخر قبله عن أبي الزناد و أخبرنا عمران بن بكار قال ثنا علي بن عياش قال : ثنا شعيب قال حدثني أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة
أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال :
الله تسعة و تسعون اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة ، إنه و تر يحب الوتر .
اللفظ لربيع .

==

الواجب على المسلم نحو أسماء الله وصفاته
الجزء :1
الصفحة :37
الواجب على المسلم نحو أسماء الله وصفاته :
موصوف بما وصف به نفسه في كتابه العظيم ، وعلى لسان نبيه الكريم . وكل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى عليه السلام من صفات الرحمن ، وجب الإيمان به ، وتلقيه بالتسليم والقبول ، وترك التعرض له بالرد والتأويل والتشبيه والتمثيل .

== التفاصيل بإسهاب ==
وبعض التكرار وإعادة بعض النصوص لا يحدث أي أضرار :

الملل والنحل ج1/ص146
الفصل السادس
الشيعة الشيعة هم الذين شايعوا عليا رضى الله عنه على الخصوص وقالوا بامامته وخلافته نصا ووصية اما جليا واما خفيا واعتقدوا ان الامامة لا تخرج من اولاده وان خرجت فبظلم يكون من غيره او بتقيه من
عنده وقالوا ليست الامامية قضية مصلحية تناط باختيار العامة وينتصب الامام بنصبهم بل هى قضية اصولية وهى ركن الدين لا يجوز للرسل عليهم الصلاة والسلام اغفاله واهماله ولا تفويضه الى العامة وارساله
يجمعهم القول بوجوب التعيين والتنصيص وثبوت عصمة الانبياء والائمة وجوبا عن الكبائر والصغائر والقول بالتولى والتبري قولا وفعلا وعقدا الا فى حال التقية ويخالفهم بعض الزيدية فى ذلك ولهم فى تعدية الامام كلام وخلاف كثير وعند كل تعدية وتوقف مقالة ومذهب وخبط وهم خمس فرق كيسانية وزيدية وامامية وغلاة واسماعيلية وبعضهم يميل في الاصول الى الاعتزال وبعضهم الى السنة وبعضهم الى التشبيه .


تابع لدرء تناقض العقل والنقل :-

الوجه الرابع عشر :
العلم بمقاصد الرسول علم ضروري يقيني .
أن يقال : إن أهل العناية بعلم الرسول ، العلمين بالقرآن، وتفسير الرسول صلي الله عليه وسلم ، والصحابة والتابعين لهم بإحسان ، والعلمين بأخبار الرسول والصحابة والتابعين لهم بإحسان ، عندهم من العلوم الضرورية بمقاصد الرسول ومراده ما لا يمكنهم دفعه عن قلوبهم ، ولهذا كانوا كلهم متفقين علي ذلك من غير تواطؤ ولا تشاعر ، كما اتفق أهل الإسلام علي نقل حروف القرآن ، ونقل الصلوات الخمس والقبلة، وصيام شهر رمضان، وإذا كانوا قد نقلوا مقاصده ومراده عنه بالتواتر ، كان ذلك كنقلهم حروفه وألفاظه بالتواتر .
ومعلوم أن النقل المتواتر يفيد العلم اليقيني ، سواء كان التواتر لفظياً أو معنوياً ، كتواتر شجاعة خالد وشعر حسان وتحديث أبي هريرة عن النبي صلي الله عليه وسلم ، وفقه الأئمة الأربعة ، وعدل العمرين ، ومغازي النبي صلي الله عليه وسلم مع المشركين وقتاله أهل الكتاب ، وعدل كسري ، وطب جالينوس ، ونحو سيبويه ، يبين هذا أن أهل العلم والإيمان يعلمون من مراد الله ورسوله بكلامه أعظم مما يعلمه الأطباء من كلام جالينوس ، والنحاة من كلام سيبويه ، فإذا كان من ادعي في كلام سيبونه وجالينوس ونحوهما ما يخالف ما عليه أهل العلم بالطب والنحو والحساب من كلامهم كان قوله معلوم البطلان، فمن ادعي في كلام الله ورسوله خلاف ما عليه أهل الإيمان كان قوله أظهر بطلاناً وفساداً ، لأن هذا معصوم محفوظ .
وجماع هذا : أن يعلم أن المنقول عن الرسول صلي الله عليه وسلم شيئان : ألفاظه وأفعاله ، ومعاني ألفاظه ومقاصده بأفعاله ، وكلاهما منه ما هو متواتر عند العامة والخاصة ، ومنه ما هو متواتر عند الخاصة ، ومنه ما يختص بعلمه بعض الناس ، وإن كان عند غيره مجهولاً أو مظنوناً مكذوباً ، وأهل العلم بأقواله كأهل العلم بالحديث والتفسير المنقول والمغازي والفقه يتواتر عندهم من ذلك ما لا يتواتر عند غيرهم ممن لم يشركهم في علمهم ، وكذلك أهل العلم بمعاني القرآن والحديث والفقه في ذلك يتواتر عندهم من ذلك ما لا يتواتر عند غيرهم من معاني الأقوال والأفعال المأخوذة عن الرسول ، كما يتواتر عند النحاة من أقوال الخليل و سيبويه والكسائي والفراء وغيرهم ما لا يعلمه غيرهم ، ويتواتر عند الأطباء من معاني أقوال أبقراط وجالينوس وغيرهما ما لا يتواتر عن غيرهم ، ويتواتر عند كل أحد من أصحاب مالك و الشافعي و الثوري و الأوزعي و أحمد و أبي داود و أبي ثور وغيرهم من مذاهب هؤلاء الأئمة ما لا يعلمه غيرهم ، ويتواتر عند أتباع رؤوس أهل الكلام والفلسفة من أقوالهم ما لا يعلمه غيرهم ، ويتواتر عند أهل العلم بنقله الحديث من أقوال شعبةو يحيى بن سعيد وعلي بن المديني ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل وأبي زرعة وأبي حاتم والبخاري وأمثالهم في الجرح والتعديل ما لا يعلمه غيرهم ، بحيث يعلمون بالاضطرار اتفاقهم علي تعديل مالك والثوري وشعبة وحماد بن زيد والليث بن سعد وغير هؤلاء ، وعلى تكذيب محمد بن سعيد المصلوب وأبي البختري وهب بن وهب القاضي وأحمد بن عبد الله الجويباري وأمثالهم .


الوجه الخامس عشر
الدليل الشرعي لا يقابل بكونه عقلياً وإنما بكونه بدعياً .
أن يقال : كون الدليل عقلياً أو سمعياً ليس هو صفة تقتضي مدحاً ولا ذماً ولا صحة ولا فساداً، بل ذلك يبين الطريق الذي به علم ، وهو السمع أو العقل ، وإن كان السمع لا بد معه من العقل، وكذلك كونه عقلياً أو نقلياً ، وأما كونه شرعياً فلا يقابل بكونه عقلياً ، وإنما يقابل بكونه بدعياً ، إذ البدعة تقابل الشرعة ، وكونه شرعياً صفة مدح ، وكونه بدعياً صفة ذم، وما خالف الشريعة فهو باطل .
ثم الشرعي قد يكون سمعياً وقد يكون عقلياً ، فإن كون الدليل شرعياً يراد به كون الشرع أثبته ودل عليه ، ويراد به كون الشرع أباحه وأذن فيه، فإذا أريد بالشرعي ما أثبته الشرع ، فإما أن يكون معلوماً بالعقل أيضاً ، ولكن الشرع نبه عليه ودل عليه ، فيكون شرعياً عقلياً .
وهذا كالأدلة التي نبه الله تعالي عليها في كتابه العزيز ، من الأمثال المضروبة وغيرها الدالة علي توحيده وصدق رسله ، وإثبات صفاته وعلي المعاد ، فتلك كلها أدلة عقلية يعلم صحتها بالعقل ، وهي براهين ومقاييس عقلية ، وهي مع ذلك شرعية.
وإما أن يكون الدليل الشرعي لا يعلم إلا بمجرد خبر الصادق ، فإنه إذا أخبر بما لا يعلم إلا بخبره كان ذلك شرعياً سمعياً . وكثير من أهل الكلام يظن أن الأدلة الشرعية منحصرة في خبر الصادق فقط، وأن الكتاب والسنة لا يدلان إلا من هذا الوجه ، ولهذا يجعلون أصول الدين نوعين : العقليات، والسمعيات ، ويجعلون القسم الأول مما لا يعلم بالكتاب والسنة .
وهذا غلط منهم ، بل القرآن دل علي الأدلة العقلية وبينها ونبه عليها، وإن كان من الأدلة العقلية ما يعلم بالعيان ولوازمه ، كما قال تعالى " سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد " [ فصلت : 53 ] .
وأما إذا أريد بالشرعي ما أباحه الشرع وأذن فيه، فيدخل في ذلك ما أخبر به الصادق ، وما دل عليه ونبه عليه القرآن ، وما دلت عليه وشهدت به الموجودات .
والشارع يحرم الدليل لكونه كذباً في نفسه ، مثل أن تكون إحدي مقدماته باطلة ، فإنه كذب ، والله يحرم الكذب ، لاسيما عليه ، كقوله تعالى " ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه " [ الأعراف : 169 ] .
ويحرمه لكون المتكلم به بلا علم ، كما قال تعالى " ولا تقف ما ليس لك به علم " [ الإسراء : 36 ] ، وقوله تعالي " وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون " [ الأعراف: 33 ] ، وقوله " ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم " آل عمران : 66 ] .
ويحرمه لكونه جدالاً في الحق بعد ما تبين ، كقوله تعالى " يجادلونك في الحق بعد ما تبين " الأنفال : 6] ، وقوله تعالى " ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق " [ الكهف : 56 ] .
وحينئذ فالدليل الشرعي لا يجوز أن يعارضه دليل غير شرعي، ويكون مقدماً عليه ، بل هذا بمنزلة من يقول : إن البدعة التي لم يشرعها الله تعالي تكون مقدمة علي الشرعة التي أمر الله بها ، أو يقول : الكذب مقدم علي الصدق ، أو يقول ، خبر غير النبي صلي الله عليه وسلم يكون مقدما علي خبر النبي ، أو يقول: ما نهي الله عنه يكون خيراً مما أمر الله به ، ونحو ذلك ، وهذا كله ممتنع .
وأما الدليل الذي يكون عقلياً أو سمعيا من غير أن يكون شرعيا، فقد يكون راجحا تارة ومرجوحا أخري ، كما أنه قد يكون دليلا صحيحا تارة ، ويكون شبهة فاسدة أخري ، فما جاءت به الرسل عن الله تعالي إخباراً أو أمراً لا يجوز أن يعارض بشيء من الأشياء ، وأما ما يقوله الناس فقد يعارض بنظيره ، إذ قد يكون حقا تارة وباطلاً أخري ، وهذا مما لا ريب فيه لكن من الناس من يدخل في الأدلة الشريعة ما ليس منها ، كما أن منهم من يخرج منها ما هو داخل فيها ، والكلام هنا علي جنس الأدلة ، لا علي أعيانها .



الوجه السادس عشر :
المعارضون ينتهون إلي التأويل أو التفويض وهما باطلان وهو ،
أن يقال : غاية ما ينتهي إليه هؤلاء المعارضون لكلام الله ورسوله بآرائهم ، من المشهورين بالإسلام ، هو التأويل أو التفويض ، فأما الذي ينتهون إلي أن يقولوا الأنبياء أوهموا وخيلوا ما لا حقيقة له في نفس الأمر ، فهؤلاء معروفون عند المسلمين بالإلحاد والزندقة .
والتأويل المقبول : هو ما دل علي مراد المتكلم ، والتأويلات التي يذكرونها لا يعلم أن الرسول أرادها ، بل يعلم بالاضطرار في عامة النصوص أن المراد منها نقيض ما قاله الرسول ، كما يعلم مثل ذلك في تأويلات القرامطة والباطنية من غير أن يحتاج ذلك إلي دليل خاص .
وحينئذ فالمتأول إن لم يكن مقصوده معرفة مراد المتكلم كان تأويله للفظ بما يحتمله من حيث الجملة في كلام من تكلم بمثله من العرب ، هو من باب التحريف والإلحاد ، لا من باب التفسير وبيان المراد .
وأما التفويض : فإن من المعلوم أن الله تعالي أمرنا أن نتدبر القرآن، وحضنا علي عقله وفهمه ، فكيف يجوز مع ذلك أن يراد منا الإعراض عن فهمه ومعرفته وعقله ؟
وأيضاً، فالخطاب الذي أريد به هدانا والبيان لنا، وإخراجنا من الظلمات إلي النور، إذا كان ما ذكر فيه من النصوص ظاهره باطل وكفر، ولم يرد منا أن نعرف لا ظاهره ولا باطنه، أو أريد منا أن نعرف باطنه من غير بيان في الخطاب لذلك ، فعلي التقديرين لم نخاطب بما بين فيه الحق، ولا عرفنا أن مدلول هذا الخطاب باطل وكفر .
وحقيقة قول هؤلاء في المخاطب لنا : أنه لم يبين الحق، ولا أوضحه، مع أمره لنا أن نعتقده، وأن ما خاطبنا به وأمرنا باتباعه والرد إليه لم يبين به الحق ولا كشفه، بل دل ظاهره علي الكفر والباطل، وأراد منا أن نفهم منه شيئاً، أو أن نفهم منه ما لا دليل عليه فيه. وهذا كله مما يعلم بالاضطرار تنزيه الله ورسوله عنه، وأنه من جنس أقوال أهل التحريف والإلحاد.
وبهذا احتج الملاحدة، كابن سينا وغيره، علي مثبتي المعاد، وقالوا : القول في نصوص المعاد كالقول في نصوص التشبيه والتجسيم، وزعموا أن الرسول صلي الله عليه وسلم لم يبين ما الأمر عليه في نفسه، لا في العلم بالله تعالي ولا باليوم الآخر، فكان الذي استطالوا به علي هؤلاء هو موافقتهم لهم علي نفي الصفات، وإلا فلو آمنوا بالكتاب كله حق الإيمان لبطلت معارضتهم ودحضت حجتهم .
ولهذا كان أبن النفيس المتطبب الفاضل يقول : ليس إلا مذهبان : مذهب أهل الحديث، أو مذهب الفلاسفة، فأما هؤلاء المتكلمون فقولهم ظاهر التناقض والاختلاف، يعين أن أهل الحديث أثبتوا كل ما جاء به الرسل، وأولئك جعلوا الجميع تخيلا وتوهيماً . ومعلوم بالأدلة الكثيرة السمعية والعقلية فساد مذهب هؤلاء الملاحدة، فتعين أن يكون الحق مذهب السلف أهل الحديث والسنة والجماعة .
ثم إن ابن سينا وأمثاله من الباطنية المتفلسفة والقرامطة يقولون: إنه أراد من المخاطبين أن يفهموا الأمر علي خلاف ما هو عليه، وأن يعتقدوا ما لا حقيقة له في الخارج، لما في هذا التخييل والاعتقاد الفاسد لهم من المصلحة .
والجهمية والمعتزلة وأمثالهم يقولون : إنه أراد أن يعتقدوا الحق علي ما هو عليه، مع علمهم بأنه لم يبين في الكتاب والسنة ، بل النصوص تدل علي نقيض ذلك، فأولئك يقولون : أراد منهم اعتقاد الباطل وأمرهم به، وهؤلاء يقولون: أراد اعتقاد ما لم يدلهم إلا علي نقيضه.
والمؤمن يعلم بالاضطرار أن كلا القولين باطل، ولا بد للنفاة أهل التأويل من هذا أو هذا : وإذا كان كلاهما باطلاً كان تأويل النفاة للنصوص باطلاً : فيكون نقيضه حقاً، وهو إقرار الأدلة الشرعية علي مدلولاتها، ومن خرج عن ذلك لزمه من الفساد ما لا يقوله إلا أهل الإلحاد.
وما ذكرناه من لوازم قول التفويض : هو لازم لقولهم الظاهر المعروف بينهم، إذ قالوا : إن الرسول كان يعلم معاني هذه النصوص المشكلة المتشابهة، ولكن لم يبين للناس مراده بها، ولا أوضحه إيضاحاً يقطع به النزاع.
وأما علي قول أكابرهم:إن معاني هذه النصوص المشكلة المتشابهة لا يعلمه إلا الله، وأن معناها الذي أراده الله بها هو ما يوجب صرفها عن ظواهرها ـفعلي قول هؤلاء يكون الأنبياء والمرسلون لا يعلمون معاني ما أنزل الله عليهم من هذه النصوص،ولا الملائكة، ولا السابقون الأولون، وحينئذ فيكون ما وصف الله به نفسه في القرآن، أو كثير مما وصف الله به نفسه،لا يعلم الأنبياء معناه، بل يقولون كلاماً لا يعقلون معناه، وكذلك نصوص المثبتين للقدر عند طائفة، والنصوص المثبتة للأمر والنهي والوعد والوعيد عند طائفة، والنصوص المثبتة للمعاد عند طائفة .
ومعلوم أن هذا قدح في القرآن والأنبياء، إذ كان الله أنزل القرآن، وأخبر أنه جعله هدي وبياناً للناس، وأمر الرسول أن يبلغ البلاغ المبين، وأن يبين للناس ما نزل إليهم وأمر بتدبر القرآن وعقله، ومع هذا فأشرف ما فيه ـوهو ما أخبر به الرب عن صفاته، أو عن كونه خالقاً لكل شيء، وهو بكل شيء عليم، أو عن كونه أمر ونهي، ووعد وتوعد،أو عما أخبر به عن اليوم الآخر ـ لا يعلم أحد معناه، فلا يعقل ولا يتدبر، ولا يكون الرسول بين للناس ما نزل إليهم، ولا بلغ البلاغ المبين.
وعلي هذا التقدير فيقول كل ملحد ومبتدع: الحق في نفس الأمر ما علمته برأيي وعقلي، وليس في النصوص ما يناقض ذلك، لأن تلك النصوص مشكلة متشابهة لا يعلم أحد معناها، وما لا يعلم أحد معناه لا يجوز أن يستدل به.
فيبقي هذا الكلام سداً لباب الهدي والبيان من جهة الأنبياء، وفتحاً لباب من يعارضهم ويقول : إن الهدي والبيان في طريقنا لا في طريق الأنبياء، لأنا نحن نعلم ما نقول ونبينه بالأدلة العقلية، والأنبياء لم يعلموا ما يقولون: فضلاً عن أن يبينوا مرادهم.
فتبين أن قول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف من شر أقوال أهل البدع والإلحاد.
فإن قيل : أنتم تعلمون أن كثيراً من السلف رأوا أن الوقف عند قوله "وما يعلم تأويله إلا الله " [ آل عمران: 6] ، بل كثير من الناس يقول: هذا هو قول السلف، ونقلوا هذا القول عن أبي بن كعب وابن مسعود وعائشة وابن عباس وعروة بن الزبير وغير واحد من السلف والخلف، وإن كان القول الآخر ـوهو أن السلف يعلمون تأويله ـ منقولاً عن ابن عباس أيضاً، وهو قول مجاهد ومحمد بن جعفر وابن إسحاق وابن قتيبة وغيرهم ، وما ذكرتموه قدح في أولئك السلف وأتباعهم.
قيل: ليس الأمر كذلك، فإن أولئك السلف الذين قالوا: لا يعلم تأويله إلا الله كانوا يتكلمون بلغتهم المعروفة بينهم، ولم يكن لفظ التأويل عندهم يراد به معني التأويل الاصطلاحي الخاص، وهو صرف اللفظ عن المعني المدلول عليه المفهوم منه إلي معني يخالف ذلك ، فإن تسمية هذا المعني وحده تأويلا إنما هو اصطلاح طائفة من المتأخرين من الفقهاء والمتكلمين وغيرهم، ليس هو عرف السلف من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم، لاسيما ومن يقول إن لفظ التأويل هذا معناه يقول: إنه يحمل اللفظ علي المعني المرجوح لدليل يقترن به، وهؤلاء يقولون: هذا المعني المرجوح لا يعلمه أحد من الخلق، والمعني الراجح لم يرده الله .
وإنما كان لفظ التأويل في عرف السلف يراد به ما أراده الله بلفظ التأويل في مثل قوله تعالي " هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق" [ الأعراف:53 ] ، وقال تعالي " ذلك خير وأحسن تأويلاً "[النساء: 59]، وقال يوسف" يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل " [يوسف:100]،وقال يعقوب له " ويعلمك من تأويل الأحاديث " [يوسف:6]،" وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله" [ يوسف: 45] ، وقال يوسف " لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما " [ يوسف: 37] .
فتأويل الكلام الطلبي : الأمر والنهي، وهو نفس فعل المأمور به وترك المنهي عنه، كما قال سفيان بن عيينة : السنة تأويل الأمر والنهي ، و"قالت عائشة:كان رسول الله صلي الله عليه وسلم في يقول ركوعه وسجوده : سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي، يتأول القرآن " ، وقيل لعروة بن الزبير : فما بال عائشة كانت تصلي في السفر أربعاً ؟ قال: تأولت كما تأول عثمان ونظائره متعددة .
وأما تأويل ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر فهو نفس الحقيقة التي أخبر عنها ، وذلك في حق الله : هو كنه ذاته وصفاته التي لا يعلمها غيره، ولهذا قال مالك وربيعة وغيرهما :الاستواء معلوم، والكيف مجهول. وكذلك قال ابن الماجوشون وأحمد بن حنبل وغيرهما من السلف يقولون: إنا لا نعلم كيفية ما أخبر الله به عن نفسه، وإن علمنا تفسيره ومعناه.
ولهذا رد أحمد بن حنبل علي الجهمية والزنادقة فيما طعنوا فيه من متشابه القرآن وتأولوه علي غير تأويله ، فرد علي من حمله علي غير ما أريد به ، وفسر هو جميع الآيات المتشابهة، وبين المراد بها.
وكذلك الصحابة والتابعون فسروا جميع القرآن، وكانوا يقولون: إن العلماء يعلمون تفسيره وما أريد به ، وإن لم يعلموا كيفية ما أخبر الله به عن نفسه، وكذلك لا يعلمون كيفية الغيب، فإن ما أعده الله لأوليائه من النعيم لا عين رأته، ولا أذن سمعته ، ولا خطر علي قلب بشر، فذاك الذي أخبر به لا يعلمه إلا الله ، فمن قال من السلف إن تأويل المتشابه لا يعلمه إلا الله بهذا المعني ، فهذا حق.
وأما من قال: إن التأويل الذي هو تفسيره وبيان المراد به لا يعلمه إلا الله ، فهذا ينازعه فيه عامة الصحابة والتابعين الذين فسروا القرآن كله ، وقالوا: إنهم يعلمون معناه.كما قال مجاهد: عرضت المصحف علي ابن عباس من فاتحته إلي خاتمته أقفه عند كل آية وأسأله عنها. وقال ابن مسعود :ما في كتاب الله آية إلا وأنا أعلم فيم أنزلت . وقال الحسن البصري: ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم ما أراد بها .
ولهذا كانوا يجعلون القرآن يحيط بكل ما يطلب من علم الدين ، كما قال مسروق: ما نسأل أصحاب محمد عن شيء إلا وعلمه في القرآن ، ولكن علمنا قصر عنه وقال الشعبي : ما ابتدع قوم بدعة إلا في كتاب الله بيانها. وأمثال ذلك من الآثار الكثيرة المذكورة بالأسانيد الثابتة، مما ليس هذا موضع بسطه.





العقيدة الأصفهانية لأبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية رحمه الله .
قال القرمطي :
ومن أعظم ما أتت به طائفة من أهل هذه النحلة في إقامة رأيهم من أن المبدع سبحانه غير موصوف ولا منعوت أنهم أثبتوا له الأسامي التي لا تتعرى عن الصفات والنعوت فقالوا إنه سميع بالذات بصير بالذات عالم بالذات ونفوا عنه السمع والبصر والعلم ولم يعلموا أن هذه الأسامي إذا لزمت ذاتا من الذوات لزمته الصفات التي من أجلها وقعت الأسامي إذ لو جاز أن يكون عالما بغير علم أو سميعا بغير سمع أو بصيرا بغير بصر لجاز أن يكون الجاهل مع عدم العلم عالما والأعمى مع فقد البصر بصيرا والأصم مع غيبوبة السمع سميعا فلما لم يجز ما وصفناه صح أن العالم إنما صار عالما لوجود العلم والبصير لوجود البصر والسميع لوجود السمع قال فإن قال قائل منهم إنما نفينا عن البصير البصر إذ كان اسم البصير متوجها نحو ذات الخالق لأنا هكذا شاهدنا أن من كان اسمه البصير لزمه من أجل البصر أن يجوز عليه العمى ومن كان اسمه السميع يلزمه من أجل السمع أن يجوز عليه الصمم ومن كان اسمه العالم يلحقه من أجل العلم أن يجوز عليه الجهل والله تعالى لا يلحق به الجهل والعمى والصمم فنفينا عنه ما يلزم بزواله ضده يقال له ليس علة وجوب العمى البصر ولا علة وجوب الصمم السمع ولا علة وجوب الجهل العلم ولو كانت العلة فيه ما ذكرناه كان واجبا أنه متى
وجد البصر وجد العمى أو متى وجد السمع وجد الصمم أو متى وجد العلم وجد الجهل فلما وجد البصر في بعض ذوي البصر من غير ظهور عمى به ووجد كذلك في بعض ذوي السمع من غير وجود صمم يتبعه ووجد العلم في بعضهم من غير وجود جهل به صح أن العلة في ظهور الجهل والصمم والعمى ليس هو العلم والسمع والبصر بل في قبول إمكان الآفة في بعض ذوي العلم والسمع والبصر والله
تعالى ذكره ليس بمحل الآفات ولا الآفات بداخلة عليه فهو إذا كان اسم العالم والسميع والبصير يتوجه نحو ذاته ذا علم وسمع وبصر فتعالى الله عما أضاف إليه الجهلة المغترون من هذه الأسامي بأنها لازمة له لزوم الذوات بل هذه الأسامي مما تتوجه نحو الحدود المنصوبة من العلوي والسفلي والروحاني والجسماني لمصلحة العباد تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا قال ويقال لهم إن كان الاستشهاد الذي استشهدتموه صحيحا فإن الاستشهاد الآخر الذي لا يفارق الاستشهاد الأول مثله في باب الصحة لأنكم إن كنتم هكذا شاهدتم أن من كان عالما من أجل علمه أو سميعا من أجل سمعه أو بصيرا من أجل بصره جاز عليه الجهل والعمى والصمم فنحن كذلك شاهدنا أن من كان عالما فإن العلم سابقه ومن كان بصيرا كان البصر قرينه ومن كان سميعا كان السمع شهيده فإن جاز لكم أن تتعدوا حكم الشاهدعلى الغائب في أحدهما فتقولوا جاز أن يكون في الغائب عالم بغير علم وبصير بغير بصر وسميع
بغير سمع جاز لنا أن نتعدى حكم الشاهد على الغائب في الباب الآخر فنقول إنا وإن كنا لم نشاهد عالما بعلم إلا وقد جاز عليه الجهل وبصيرا بالبصر إلا وقد جاز عليه العمى وسميعا بالسمع إلا وقد جاز عليه الصمم أن يكون في الغائب عالم بعلم لا يجوز عليه الجهل وبصير بالبصر لا يجوز عليه
العمى وسميع بالسمع لا يجوز عليه الصمم وإلا فما الفصل ولا سبيل لهم إلى التفصيل بين الاستشهادين فاعرفه فليتدبر المؤمن العليم كيف ألزم هؤلاء الزنادقة الملاحدة المنافقون الذين هم أكفر من اليهود والنصارى ومشركي العرب كالمعتزلة ونحوهم من نفاة الصفات نفي أسماء الله الحسنى وأن تكون أسماؤه الحسنى لبعض المخلوقات فيكون المخلوق هو المسمى بأسمائه الحسنى ،

كقوله في الأول والآخر والظاهر والباطن أن الظاهر هو محمد الناطق والباطن هو على الأساس ومحمد هو الأول وعلي هو الآخر وتأويلهم قوله تعالى بل يداه مبسوطتان أن اليد الواحدة هو محمد والأخرى علي وقوله تعالى تبت يدا أبي لهب أن يديه هما أبو بكر وعمر لكونهما كانا مع أبي لهب في الباطن فأمرهما بقتل النبي صلى الله عليه وسلم فعجزا عن ذلك فأنزل الله تبت يدا أبي لهب .

وأمثال هذه التأويلات المعروفة عن القرامطة وأصل كلامهم استدلالهم بما يزعمونه من نفي التشبيه وإلزامهم لكل من وافقهم على شيء من النفي يطردمقالته وإتباع لوازمها ولازمها التعطيل الذي يصدونه قال القرمطي وأيضا فمن نزه خالقه عن الصفة والحد والنعت ولم يجرده عما لا صفة له ولا حد ولا نعت فقد أثبته بما لم يجرده عنه وإذا كان إثباته لمعبوده ينفي الصفة والحد والنعت فقد كان إثباته مهملا غير معروف لأن مالا صفة له ولا حد ولا نعت ليس هو الله بزعمه فقط بل هو والنفس والعقل وجميع الجواهر البسيطة من الملائكة وغيرهم والله تعالى أثبت من أن يكون إثباته مهملا غير معلوم فإذا الإثبات الذي يليق بمجد المبدع ولا يلحقها الإهمال هو نفي الصفة ونفي أن لا صفة ونفي الحد ونفي أن لا حد لتبقى هذه العظمة لمبدع العالمين إذ لا يحتمل أن يكون معه لمخلوق شركة في هذا التقديس وامتنع أن يكون الإثبات من هذه الطريق مهملا فاعرفه قال فإن قال إن من شريطة القضايا المتناقضة أن يكون أحد طرفيها صدقا والآخر كذبا فقولكم لا موصوفة ولا لا موصوفة قضيتان قتناقضتان لا بد أحدهما من أن تكون صادقة والأخرى كاذبة يقال له غلطت في معرفة القضايا المتناقضة وذلك أن القضايا المتناقضة أحد طرفي النقيض منه موجب والآخر سالب فإن كانت القضية كلية موجبة كان نقيضها جزئية سالبة كقولنا كل إنسان حي وهو قضية كلية موجبة نقيضة لا كل إنسان حي فلما كان من شرط من النقيض أنه لا بد من أن يكون أحد طرفيها موجبة والآخر سالبة رجعنا إلى قضيتنا في المبدع هل نجد فيها هذه الشريطة فوجدناها في كلتا طرفيها لم يوجب له شيئا بل كلتا طرفيها سالبتان وهي قولنا لا موصوف ولا لا موصوف فهي إذا لم يناقض بعضها بعضا وإنما تتناقض القضية في هذا الموضع أن نقول له صفة وأن ليس له صفة أو نقول له حد وأن لا حد له أو إنه في مكان وإنه لا في مكان فيلزمنا حينئذ إثبات لاجتماع طرفي النقيض على الصدق فأما إذا كانت القضيتان سالبتين إحداهما سلب الصفة اللاحقة بالجسمانيين والأخرى نفي الصفة اللازمة للروحايين كان من ذلك تجريد الخالق عن سمات المربوبين وصفات المخلوقين قال فقد صح أن من نزه خالقه عن الصفة والحد والنعت واقع في التشبيه الخفي كما أن من وصفه وحده ونعته واقع في التشبيه الجلي قلت فهذا حقيقة مذهب القرامطة وهو قد رد على من وصفه منهم بالنفي دون الإثبات ونفي النفي قال لأن في الإثبات تشبيها له بالجسمانيين وفي النفي تشبيها له بالروحانيين وهي العقول والنفوس عندهم أنها موصوفة عندهم بالنفي دون الإثبات ولهذا يقولون بسائط ليس فيها تركيب عقلي من الجنس والفصل كما إله ليس فيها تركيب الأجسام وظن هذا الملحد وأمثاله أنهم بذلك خلصوا من الالزمات ومعلوم عند من عرف حقيقة قولهم أن هذا القول من أفسد الأقوال شرعا وعقلا وأبعدها من مذاهب المسلمين واليهود والنصارى بل مع ما قد حققوه من الفلسفة وعرفوه من مذهب أهل الكلام وادعوه من العلوم الباطنة ومعرفة التأويل ودعوى العصمة في أئمتهم وقد قرروا أنا لا نقول الجمع بين النقيضين فليس في قولنا مجال فيقال لهم ولكن سلبتم النقيضين جميعا وكما أنه يمتنع الجمع بين النقيضين فيمتنع الخلو من النقيضين فالنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان ولهذا كان المنطقيون يقسمون الشرطية المنفصلة إلى مانعة الجمع ومانعة الخلو ومانعتي الجمع والخلو فالمانعة من الجمع والخلو كقول القائل الشيء إما أن يكون موجودا وإما أن يكون معدوما وإما أن يكون ثابتا وإما أن يكون منفيا فتفيد الاستثنآت الأربعة لكنه موجود فليس بمعدوم أو هو معدوم فليس بموجود أو ليس بموجود فهو معدوم أو ليس بمعدوم فهو موجود وكذلك ما كان من الإثبات بمنزلة النقيضين كقول القائل هذا العدد إما شفع وإما وتر فكونه شفعا ووترا لا يجتمعان ولا يرتفعان وهؤلاء ادعوا إثبات شيء يخلو عنه النقيضان فإن جوزوا خلوه عن النقيضين جاز اجتماع النقيضين فيه ، وهذا مذهب أهل الوحدة القائلين بوحدة الوجود كصاحب الفصوص وابن سبعين وابن أبي المنصور وابن الفارض والقونوي وأمثالهم فإن قولهم وقول القرامطة من مشكاة واحدة والاتحادية قد يصرحون باجتماع النقيضين وكذلك يذكرون مثل هذا عن الحلاج والحلاج لما دخل بغداد كانوا ينادون عليه هذا داعى القرامطة وكان يظهر للشيعة أنه منهم ودخل على ابن نوبخت رئيس الشيعة ليتبعه فطالبه بكرامات عجز عنها ومقالات أهل الضلال كلها تستلزم الجمع بين النقيضين أو رفع النقيضين جميعا لكن منهم من يعرف لازم قوله فيلتزمه ومنهم من لا يعرف ذلك وكل
أمرين لا يجتمعان ولا يرتفعان فهما في المعنى نقيضان لكن هذا ظاهر في الوجود والعدم وقول مثبتة الحالين الذين يقولون لا موجودة ولا معدومة هو شعبة من مذهب القرامطة وإنما التحقيق إنها ليست موجودة في الأعيان ولا منتفية في الأذهان ومن الأمور الثبوتية ما يكونان بمنزلة الوجود والعدم ،

كقولنا :

إن العدد إما شفع وإما وتر وقولنا أن كل موجودين إما أن يقترنا في الوجود أو يتقدم أحدهما على الآخر وكل موجود إما قائم بنفسه وإما قائم بغيره وكل جسم إما متحرك وإما ساكن وإما حي وإما ميت وكل حي إما
عالم وإما جاهل وإما قادر وإما عاجز وإما سميع وإما أصم وإما أعمى وإما بصير بل وكذلك كل موجودين فإما أن يكونا متجانسين وإما أن يكونا متباينين وأمثال هذه القضايا وكل من رام سلب هذين جميعا كان من جنس القرامطة الرافعة للنقيضين لكن التناقض قد يظهر باللفظ كما إذا قلنا إما أن يكون وإما أن لا يكون وقد يظهر بالمعنى كما إذا قلنا إما قديم بنفسه وإما قائم بغيره وهذا كله مبسوط في غير هذا الموضع بل وقد زدنا في جواب السائل عما هو مقصوده لكن نبهنا على أصول نافعة جامعة الطريق الثالث لأهل النظر في إثبات السمع والبصر أن السمع والبصر من صفات الكمال فإن الحي السميع البصير أكمل من حي ليس بسميع ولا بصير كما أن الموجود الحي أكمل من موجود ليس بحي والموجود العالم أكمل من موجود ليس بعالم وهذا معلوم بضرورة العقل وإذا كانت صفة كمال فلو لم يتصف الرب بها لكان ناقصا والله منزه عن كل نقص وكل كمال محض لا نقص فيه فهو جائز عليه وما
كان جائزا عليه من صفات الكمال فهو ثابت له فإنه لو لم يتصف به لكان ثبوته له موقوفا على غير نفسه فيكون مفتقرا إلى غيره في ثبوت الكمال له وهذا ممتنع إذا لم يتوقف كمال إلا على نفسه فيلزم من ثبوت نفسه ثبوت الكمال لها وكل ما ينزه عنه فإنه يستلزم نقصا يجب تنزيهه له وأيضا فلو لم يتصف بهذا الكلام لكان السميع البصير من مخلوقاته أكمل منه ومن المعلوم في بداية العقول أن المخلوق لا يكون أكمل من الخالق إذ الكمال لا يكون إلا بأمر وجودي والعدم المحض ليس فيه كمال وكل موجود للمخلوق فالله خالقه ويمتنع أن يكون الوجود الناقص مبدعا وفاعلا للوجود الكامل إذ من المستقر في بداية العقول أن وجود العلة أكمل من وجود المعلول دع وجود الخالق الباري الصانع فإنه من المعلوم بالاضطرار إنه أكمل من وجود المخلوق المصنوع المفعول وقد بسطنا الكلام على مثل هذه الطريقة في غير هذا الموضع وبينا أن الله سبحانه وتعالى يستعمل في حقه قياس الأولى كما
جاء بذلك القرآن وهو الطريق التي يسلكها السلف والأئمة كأحمد وغيره من الأئمة فكل كمال ثبت للمخلوق فالخالق أولى به وكل نقص ينزه عنه مخلوق فالخالق أولى أن ينزه عنه كما قال تعالى ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم . وقال تعالى : وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم . وقوله تعالى ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون وذلك لأن صفات الكمال أمور وجودية أو أمور سلبية مستلزمة لأمور وجودية كقوله تعالى الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم فنفي السنة والنوم استلزم كمال صفة الحياة والقيومية وكذلك قوله وما ربك بظلام للعبيد استلزم ثبوت العدل وقوله تعالى ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض استلزم كمال العلم ونظائر ذلك كثيرة وأما العدم المحض فلا كمال فيه وإذا كان كذلك فكل كمال لا نقص فيه بوجه ثبت للمخلوق فالخالق أحق به من وجهين :
أحدهما أن الخالق الموجود الواجب بذاته القديم أكمل من المخلوق القابل للعدم المحدث المربوب .
الثاني أن كل كمال فيه فإنما استفاده من ربه وخالقه فإذا كان هو مبدعا للكمال وخالقا له كان من المعلوم بالاضطرار أن معطي الكمال وخالقه ومبدعه أولى بأن يكون متصفا به من المستفيد المبدع المعطي .
وقد قال الله تعالى ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما بوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو من يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم وهذا المثل وإن كان يفيد الدعاء إلى عبادة الله وحده دون عبادة ما سواه ونفى عبادة الأوثان لوجود هذا الفرقان فإذا علم انتفاء التساوي بين الكامل والناقص وعلم أن الرب أكمل من خلقه وجب أن يكون أكمل منهم وأحق منهم بكل كمال بطريق الأولى والأحرى الطريق
الرابع في إثبات السمع والبصر والكلام إن نفي هذه الصفات نقائص مطلقا سواء نفيت عن حي
أو جماد وما انتفت عنه هذه الصفات لا يجوز أن يحدث عنه شيء ولا يخلقه ولا يجيب سائلا ولا يعبد ولا يدعى كما قال الخليل يا أبت لم تعبد مالا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا وقال إبراهيم لقومه هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون وقال
تعالى واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوا وكانوا ظالمين وقال تعالى فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسى أفلا يرون أن لا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا وهذا لأنه من المستقر في الفطر أن مالا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم لا يكون ربا معبودا كما أن مالا يغنى شيئا ولا يهدى ولا يملك ضرا ولا نفعا لا يكون ربا معبودا ومن المعلوم أن خالق العالم هو الذي ينفع عباده بالرزق وغيره ويهديهم وهو الذي يملك أن يضرهم بأنواع الضرر فإن هذه الأمور من جملة الحوادث التي يحدثها رب العالمين فلو قدر أنه
ليس محدثا لها كانت حادثة بغير محدث أو كان محدثها غيره وإذا كان محدثها غيره فالقول في إحداث ذلك الغير كالقول في سائر الحوادث فلا بد أن تنتهي إلى قديم لا محدث ولذلك من المستقر في العقول أن مالا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم ناقص عن صفات الكمال لأنه لا يسمع كلام أحد ولا يبصر
أحد ولا يأمر بأمر ولا ينهى عن شيء ولا يخبر بشيء فإن لم يكن كالحي الأعمى الأصم كان بمنزلة ما هو شر منه وهو الجماد الذي ليس فيه قبول أن يسمع ويبصر ويتكلم ونفي قبول هذه الصفات أبلغ في النقص والعجز وأقرب إلى إنصاف المعدوم ممن يقبلها واتصف بأضدادها إذ الإنسان الأعمى أكمل من الحجر والإنسان الأبكم أكمل من التراب ونحو ذلك مما لا يوصف بشيء من هذه الصفات وإذا كان نفي هذه الصفات معلوما بالفطرة إنه من أعظم النقائص والعيوب وأقرب شبها بالمعدوم كان من المعلوم بالفطرة أن الخالق أبعد عن هذه النقائص والعيوب من كل ما ينفى عنه وإن اتصافه بهذه العيوب من أعظم الممتنعات وهذه الطريق ليست الثانية ولا الثالثة فإن الثانية مبنية على أنه حي فلا بد من اتصافه بها أو بضدها والثالثة مبنية على أنها صفات كمال فيجب اتصاف الرب بها وأما هذه فمبنية على أن نفي هذه الصفات نقائص ومعايب ومذام يمتنع وصف الرب بها .

سبحان الله عما يصفون .

والله سبحانه وتعالى أعلم
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 01-06-2002, 12:15 PM
المهندالبتار المهندالبتار غير متواجد حالياً
الوسام الفضي


 
تاريخ التسجيل: Mar 2002
المشاركات: 1,113
افتراضي

احسنت بارك الله فيك اخي الحبيب لقد اقمت عليهم الحجة .
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 01-06-2002, 12:20 PM
zahco zahco غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Mar 2002
المشاركات: 8,371
افتراضي

أخي الكريم / الرصد
جزاك الله عنا كل خير داعياً الله لك بالتوفيق
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 01-06-2002, 12:41 PM
أبو غيثان أبو غيثان غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Mar 2002
المشاركات: 496
افتراضي

جزاك الله خير الجزاء أخي في الله (( الرصد )) على كل هذه المعلومات القيمة المفيدة وجعلها الله في ميزان حسناتك يوم تلقاه . وياليتهم يفهمون ذلك ويهتدون وألا يعتبرون الأمر تحديا لهم فنحن ندعوهم إلى كلمة سواء بيننا وبينهم لكي ننقذهم من ظلام الجهل والعبودية لغير الله إلى نور الحق والعبودية لله وحده لا شريك له . اسأل الله أن يهديهم إلى سواء السبيل .اللهم أرهم الحق حقا وارزقهم اتباعه وأرهم الباطل باطلا وارزقهم اجتنابه آمين .
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 01-06-2002, 09:13 PM
الرصَــد الرصَــد غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Dec 2001
المشاركات: 1,069
افتراضي

السلام عليكم ورحمة الله ..

الأخ الفاضل المهند البتار بارك الله فيك
أخي الفاضل زاهكو بارك الله فيك
أخي الفاضل أبو غيثان بارك الله فيك
بارك الله فيكم جميعا وحفظكم من كل سوء

الحجة مقامة عليهم قبل أربعة عشر قرنا فلولا قبلتها عقولهم ما كانت هذه الفُرقة بين ابناء هذه الأمة .
قال الله سبحانه وتعالى قال :
(( ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين ))
[ الحج 11 ]
وفي الآية 53 قال الله سبحانه وتعالى تعالى :
(( ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد ))

بارك الله فيكم وحفظكم من كل سوء .

والله .. يا إخوتي الكرام وأحبتي في الله أنه لم يخطر ببالي أن أتحدى أحدا في يوم من الأيام ، و الله على ما أقول شهيد وكفى بالله شهيدا . ولكن أغاضني وأغضبني هؤلاء بالمراوغة التي إتخذوها سبيلا لهم ومنهجا ينتهجونه في حوارهم وقد رأيتم ذلك .
فإذا كان ذلك مسلكهم فتأكدوا إخوتي الكرام أن الوضوح التام و الدخول فورا في صميم الحوار من أهم السمات التي تميز أهل السنة والجماعة في حواراتهم وجميع أموهم فهم أهل الصدق والتقوى ، فإن عرفوا للسؤال إجابة ذكروها وإن لم يعرفوها بحثوا عنها ، فلم التألي و الكذب على الله سبحانه وتعالى و رسوله عليه الصلاة والسلام ، و هم يعرفون جيدا مصير من يفعل ذلك ، وأن القول : لا أدري ، فيه جواب أحيانا يعدل مجلدات من الكتب التي لا جدوى منها .

وهذا مثالا بسيط : ماهي الروح ؟
عشرات الكتب والمجلدات ألفها العقلاء من القوم ونشروها مع أنهم هم أنفسهم لا يكادون يفقهون أو يقتنعون بما فيها ، لأن الجواب باختصار
لا ندري ، الله أعلم .
(( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ))
[ الإسراء 85 ]
ألم ترد صفة عليم كصفة لله سبحانه وتعالى 99 مرة في كتابه الكريم .

إن هؤلاء الزمرة يحاولون التشكيك بكتب علماء وأئمة الإسلام ، مع أنهم لم يرجعوا يوما إلى كتب علمائهم ، وكرسوا جهدهم في تنفير الناس عموما من كتب أهل السنة والجماعة !

يقول هؤلاء :
الظاهر : محمد ، الباطن : علي . الأول : محمد ، الآخر : علي .
يدا أبي لهب : أبوبكر ( الصديق ) و عمر ( الفاروق )
اللهم صل على محمد وسلم تسليما كثيرا وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين المهديين .

يصرح سبحانه وتعالى بأبي لهب ، ويشير إلى الشيخين إشارة خفية ! ماعلمها على وجه هذه البسيطة سوى فرق الرافضة ! سبحان الله ... ألم يكن لهم أسماء !!!!
بل رضي الله عنهم و أعد الله : السميع البصير الأول والآخر والظاهر والباطن جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا .

قال الله سبحانه وتعالى :
وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ {42} قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ {43} [هود]
هذا إبن أحد الرسل عليهم السلام و هو من أولوا العزم !

قال ابن سيرين رحمه الله ( لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا : سمّوا لنا رجالكم ، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم و ينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم ) .
قال السخستاني ( إن من سعادة الحدث والأعجمي أن يوفقهما الله لعالم من أهل السنة ) . والحدث: الشاب .

والله أعلم

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:23 AM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2018 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com