عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات العلمية > منتدى العلوم والتكنولوجيا

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 12-09-2009, 12:36 PM
ماوس ماوس غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jul 2001
المشاركات: 29
افتراضي صور الرحلة اليابانية للسعودية قبل قرابة قرن من الزمن




السعودية بعيون يابانية.. أيام الملك عبد العزيز

وفد ياباني يعيش حكايات ألف ليلة وليلة في الرياض قبل سبعة عقود * باحث ياباني يرصد رحلة من خارج القارة الأوروبية إلى البلاد الناشئة * الغترة والمشلح يميزان اليابانيين عن الأوروبيين في السعودية


احدى السواني في حديقة قصر البديعة


احد اعضاء الوفد الياباني يحمل ضباً


مجموعة من الحرس في قصر البديعة


في احدى الخيام المخصصة للوفد


اطفال في الرياض خلال زيارة الوفد الياباني


سوق الرياض قبل 70 عاماً


ظلت مؤلفات عدد من الرحالة من خارج القارة الأوروبية، الذين زاروا الجزيرة العربية في فترات متفاوتة وذات شأن في تاريخ المنطقة، بعيدة عن اهتمام معظم الدارسين والباحثين ممن تناولوا أدب الرحلات المتعلق بالجزيرة العربية.
ورغم أهمية هذه الرحلات مع قلتها مقارنة بالرحلات الأوروبية في رسم صورة عن المنطقة في تلك الفترة إلا أن بعضاً من الباحثين تمكن من رصد معلومات سجلها رحالة من خارج القارة الأوروبية وقدم فيها وجهة نظر عن المنطقة تختلف عن وجهات النظر السائدة خصوصا الأوروبية، ورسم فيها صورة جديدة لا تعتمد على نمط واحد من الرحلات.

وتعد الرحلة اليابانية إلى الجزيرة العربية، التي قام بها وفد ياباني إلى الرياض عام 1939، ذات أهمية تاريخية، وهو ما دفع دارة الملك عبد العزيز إلى طبع الترجمة العربية لهذه الرحلة في كتاب يعد وثيقة تاريخية مهمة، حيث سجل ايجيرو ناكانو أحد أعضاء البعثة اليابانية الرسمية خلال زيارته للرياض عام 1939 مقابلة أعضاء البعثة للملك عبد العزيز واطلاعه على وجهة النظر اليابانية بشأن العلاقات المشتركة السياسية والاقتصادية، وانطباعه عن هذه الرحلة، كما دون فيها يومياته بأسلوب أدبي رائع. وقد ترجمت الكتاب من اليابانية الى العربية سارة تاكاهاشي مستفيدة في ذلك من إقامتها في الرياض لمدة 9 سنوات.

ويقول المؤلف ايجيرو ناكانو الذي تخرج من جامعة اوساكا للغات الأجنبية (قسم اللغة الألمانية) والتحق في عام 1933 بوزارة الخارجية وأقام في القاهرة لمدة 7 سنوات، إن رحلته إلى الرياض جاءت بعد أن زار اليابان في مايو 1938 (السنة الثالثة عشرة من التقويم الياباني شوّا) الشيخ حافظ وهبة سفير المملكة العربية السعودية لدى بريطانيا، لحضور حفل افتتاح مسجد طوكيو الذي بني في منطقة يويوغي. وحث الشيخ حافظ وهبة وزارة الخارجية اليابانية على إرسال وفد ياباني إلى السعودية، لدعم الروابط بين البلدين. فلبت وزارة الخارجية اليابانية الدعوة. وأرسلت وفداً يتكون من ماسويوكي يوكوياما الوزير المفوض في سفارة اليابان في مصر. وتومويوشي ميتسوتشي، وكان مهندسا بوزارة شؤون الصناعة والتجارة الدولية، وكاتب هذه السطور ايجيرو ناكانو. وكان يعمل آنذاك في السفارة اليابانية في القاهرة.

وعن تفاصيل الرحلة يقول الكاتب: «وصلنا إلى مدينة جدة في 4 صفر 1358هـ (26 مارس/ آذار 1939) وفي 31 مارس بلغنا مدينة الرياض، حيث قطعنا الطريق وسط الجزيرة العربية بالسيارة. وبقينا في الرياض 10 أيام. ويتحدث هذا الكتاب عن مشاهداتنا في الأيام العشرة التي أمضيناها في الرياض، والأيام التي قضيناها في رحلتنا في قلب الجزيرة العربية. وصلنا نحن الأربعة، يوكوياما وميتسوتشي ومساعد يوكوياما، وكاتب هذه السطور (ناكانو)، إلى مدينة جدة صباح يوم 26 مارس 1939، كانت الحرارة 32.3 درجة مئوية. وعند نقطة تقع على بعد ميل من الشاطئ كان علينا أن ننتقل إلى يخت صغير تاركين السفينة التي أقلتنا إلى الميناء نظرا لوجود شعب مرجانية كثيرة تكونت في البحر الأحمر منذ القدم. وعدد السكان في جدة 25 ألف نسمة. بمن فيهم من أجانب، ويقال: إن عدد الأجانب فيها 60 أوروبيا وأميركيا، و5 أو 6 من النساء. بينما يكثر وجود الأجانب المسلمين من الشام وتركيا. وجدة هي المكان الوحيد في هذه المنطقة الذي يسمح فيه بوجود الأجانب.

نخيل في كل مكان

* انطلقنا متجهين إلى الرياض وبرعاية كريمة من جلالة الملك عبد العزيز آل سعود الذي وضع تحت تصرفنا سيارتين؛ سيارة لنا وأخرى للمرشد ورئيس الحرس. كما زودنا أيضا بسيارتين: سيارة نقل واحدة لحمل الخيام والطعام، وأخرى بها 30 من الرجال. وأهدانا الشيخ عبد الله السليمان وزير المالية بعض الملابس العربية: أعطانا غترة ومشلحا وعقالا. وقمنا بالتقاط صورة جماعية بعد أن ارتديناها. لقد اخبرنا بأن نرتدي هذه الملابس العربية، دون إبداء السبب، لكنني أعتقد أنهم لم يرغبوا في أن يشاهد الأهالي الملك يستقبل ضيوفا يرتدون ملابس على الطراز الغربي. غير أنني كنت في غاية السعادة وأنا ارتدي الغترة والمشلح والعقال. وأصبحنا نبدو اقرب للعرب منا إلى الأوروبيين. كانت أشجار النخيل تنتشر في كل مكان على جانب الطريق. لكننا لم نشاهد زهورا على الإطلاق.

وأسهب المؤلف في وصف رحلته من جدة إلى الرياض مرورا بمدن وقرى في الحجاز ونجد وصولا إلى الجبيلة قرب العاصمة. وأضاف: بدأنا نتحرك، وبعد قليل وصلنا خارج الجبيلة. كان الطريق سهلا منبسطا، وكانت هناك لوحات إرشادية بعد كل مسافة تشير إلى اسم المكان وانطلقت السيارة بسرعة 80 كيلومترا في الساعة، وشعرت أننا اقتربنا من الرياض، وقبل التاسعة وعلى بعد نحو 3 أميال شاهدنا واحة خضراء وصاح السائق: الرياض.. الرياض.

اتجهنا إلى الناحية الجنوبية الغربية، وصعدنا على مرتفع أمكننا ان نشاهد منه وادي حنيفة، لكننا لم نر فيه ماء على الإطلاق، وأمكننا أن نشاهد أيضا خياما مقامة للمعسكرات وليس للسكن. أوقفنا السيارة ونزلنا نشاهد تلك العلامة التي كتب عليها Art no43 st Heavy Dot Spudder مصنوعة في أميركا، هذا يعني ان شركة أميركية تعمل هنا.

كان سور القصر (القلعة) يغطي مساحة كبيرة ومحاطا بأشجار النخيل. حين كنت في القاهرة ذهبت مرة إلى مطار الماظة وفي الطريق شاهدت قصرا في الصحراء وتذكرت حكايات ألف ليلة وليلة، لكنني أشعر هنا فعلا كأنني أعيش في وسط تلك الحكايات، لأن الجو المحيط بي هنا والهدوء الشديد وقسوة الصحراء توحي بذلك تماما، بالإضافة إلى ملامح منطقة نجد الشهيرة في الأدب العربي، فهذا كله يختلف عن الجو العام في القاهرة، وهذا ما جعلني أشعر كأنني أعيش فعلا حكايات ألف ليلة وليلة.

خيم الصمت علينا جميعا، لم ينطق أحدنا بحرف، ثم سرنا بمحاذاة سور القصر فوجدنا بناء مشيدا من الطين، عرفنا فيما بعد انه مرآب سيارات وبعد ان سرنا مسافة عشرين مترا تقريبا أوقفنا السيارة أمام البوابة، هذا هو قصر البديعة، كان مصمما على الطريقة العربية، وسنبقى هنا عشرة أيام من الآن. قبل سنة، حضر إلى هذا القصر أحد لوردات الأسرة المالكة البريطانية مع زوحته ونزلا فيه!! يتكون المبنى من طابقين، وهو مشيد على طريقة المعمار العربي بشكل مربع مثل شكل الكعبة، وشكل جامعة الأزهر، وشكل قصر الحمراء في غرناطة في إسبانيا ـ لا يختلف عن تصميم الفن المعماري العربي الإسلامي والسلالم ضيقة تسمح لرجلين فقط بالصعود معا وهي مبنية بالطين، ويوجد ما يشبه السجادة على السلالم، يبدو أنها مصنوعة في اليابان وفي آخر السلالم وضعت سجادة يبدو أنها مصنوعة في مصر، وحتى لا تتسخ السجادة وضعوا حصيرة لمسح الأحذية.

في الطابق الثاني المشيد من الطين قادونا إلى غرفة الضيوف، وهي غرفة واسعة مساحتها نحو 30 تتامي (التتامي 90 في 180 سنتيمترا) شممنا رائحة الطين، وكان هذا أول ما شعرنا به.

وفي الغرفة توجد حصيرة وضعت فوقها سجادة، وكان السقف مطليا باللون الأبيض، كذلك كانت جدران الغرفة أيضا وعلى السقف نجوم وهلال وغيرها من الأشكال الهندسية.

وكانت عروق الخشب ظاهرة من السقف وكانت مطلية بخطوط حمراء وسوداء على شكل تموجات وعلى الحائط كانت هناك زخرفة على الطريقة العربية أشكال هندسية ومنمنمات.

كان للغرفة سبع أو ثماني نوافذ، حجم كل منها 60 في 20 سنتيمترا، وفي كل نافذة شيش من الخشب، لا يمكن فتحه مع قضبان حديدية وهناك مساحة في أعلى النافذة مغطاة بالزجاج، تسمح لضوء الشمس بالمرور إلى الغرفة، ومن خلال هذه النافذة تمكنا من معرفة سمك الجدار، كان ثلاثين سنتيمترا وهذا السمك كاف لمنع دخول الحرارة إلى الغرفة.

وكانت هناك ستائر بدا واضحا أنها مصنوعة في اليابان وشاهدنا خطا كهربائيا في السقف، لكن هناك مصباح كهرباء، ربما هناك خطأ ما، وبجوار الحائط وضعت أريكة وكرسي من الخيزران وبجوارهما منضدة.

وفي وسط الغرفة وضعت طاولة صغيرة، ورأينا فوقها محبرة وقلما وسكينا، وكتب على المحبرة «صنع في اليابان» وهي من نوع Pairolink، ظننا بدءا أنهم وضعوا أمامنا عمدا أشياء مكتوبا عليها «صنع في اليابان»، لكننا أدركنا بعد ذلك ان هذا لم يكن متعمدا.

كانت تفوح من الغرفة رائحة الطين وبها نافذتان مثلهما مثل نوافذ غرفة الضيافة، تطلعت من النافذة فشاهدت حديقة أشجار النخيل، ورأيت حيوانا ظننته أسدا، لكنني اكتشف بعد تدقيق أنه كلب.

كان سقف الغرفة مصنوعا من الطين، ويمكن من خلاله مشاهدة عروق سميكة من الخشب، وكانت الزخرفة والطلاء مثلهما مثل ما شاهدناهما في غرفة الضيافة.

وبجوار باب الغرفة منضدة وكرسي ومرآة على المنضدة لا تعكس جيدا ملامح من ينظر فيها، مما يدل على أنها غير مستوية وهناك خط كهربائي في السقف، لكنه لا يعمل وكانت غرفة المهندس شبيهة بغرفتنا.

مع مستشار الملك

* بعد الحمام شعرنا براحة كبيرة فداعبنا النوم، لكن يوسف ياسين ـ مستشار الملك السياسي ـ أتى ليرحب بنا نيابة عن الملك، كانت قامته أطول قليلا من 160 سنتيمترا، ويرتدي «مشلحا» خفيفا غامق اللون، وتحته جلباب أبيض، ويرتدي فوق رأسه غترة من الحرير وعقالا اسود، وجهه مدور إلى حد ما، عيناه شديدتا السواد، مفتوحتان على الدوام قل ان يطرف له رمش، فهو يفتح عينيه دائما، وأنفه معقوق.. ويبدو من مظهره أنه سوري، وليس من البادية العربية.

تبادلنا معه التحيات مدة عشرين دقيقة، ثم قال: لماذا لا نبدأ الليلة بترتيب برنامج الزيارة؟

كان يتكلم العربية بلهجة سورية، لكنه كان في الغالب يتكلم الفصحى ببطء، ولمسنا ان لديه خبرة طويلة في التعامل مع الضيوف، وفي مجال العلاقات العامة، وفي إجراء الحوار مع البريطانيين والعراقيين وبلدان الشرق الأوسط، وهو مكلف بترتيب أمور العلاقات الخارجية في ما يتعلق باليابان والمملكة.

غادرنا الغرفة، وتناولنا طعام العشاء بدون رمال أو غبار أو تراب هذه المرة. تكون العشاء من: حساء بالسمن ولحم الضأن والأرز وبعض الحلوى، وشعرنا بأن كل شيء منظم ومرتب ونظيف جدا، فالأطباق والأكواب تمتاز بالبساطة، إلا أنها كانت مختومة باسم الملك، بحروف ذهبية، ربما أرسلها إلى القاهرة أو إلى بيروت لكتابة هذه الحروف عليها.

اتصل بنا يوسف ياسين وقال لنا: الملك عبد العزيز سوف يقابلنا عند الساعة الثالثة، فشعرنا في البداية ان الأمر غريب، لأن الساعة تجاوزت الثالثة فعلا، لكن فهمنا ان هذا يعني الساعة الثالثة بالتوقيت العربي ـ وهو يطابق الساعة التاسعة لدينا ـ لأنهم يعدون الساعة بعد غروب الشمس معتمدين على وقت الغروب والشروق، ولم نكن قد تعودنا على هذا الأمر.

قدم الينا يوسف ياسين وعرفنا بمستشار الملك «خالد الحكيم» والمسؤول عن الشؤون الداخلية عبد الرحمن الطبيشي، ونائب المستشار السياسي رشدي ملحس وسكرتيره إبراهيم.

في أثناء اللقاءات كان الحديث يدور بين الوزير الياباني ويوسف ياسين باللغة اليابانية والعربية والفرنسية، كان إبراهيم يتولى الترجمة من الفرنسية، وكنت بدوري أتولى الترجمة اليابانية، وبينما كنا نتناول طعام العشاء، شرع يوسف ياسين وإبراهيم في أداء الصلاة (صلاة المغرب).

بدأنا ـ على ضوء المصباح ـ عقد أول لقاء على مستوى المسؤولين في الخارجية اليابانية والخارجية السعودية: الوزير ، يوسف ياسين وإبراهيم، والمهندس الياباني وأنا، لكن هذا اللقاء لم يكن كتلك اللقاءات التي تتم بين مختلف الدول، فالأمر كان مختلفا، لا يمكن بالطبع أن أذكر تفاصيل اللقاء، لأن هذا غير مسموح به.

ولهذا فلن أكتب تفاصيل اللقاء وهو اللقاء الذي كان الهدف الأول والرئيسي لرحلتنا هذه، وكان علينا أن نعقد لقاء كهذا مرة كل يوم من الأيام العشرة التي قضيناها في الرياض.

انتهى اللقاء الأول في تمام الساعة العاشرة والنصف ليلا، بعد محادثات استمرت ثلاث ساعات، وتبلغ الساعة الآن الحادية عشرة تقريبا، ودرجة الحرارة 22 درجة مئوية».

الطريق إلى لقاء الملك

* ويضيف المؤلف «في اليوم السادس من أول ابريل من عام 1939م، استيقظت، واستحممت، واستبدلت ملابسي، ولبست المشلح وتناولنا نحن الثلاثة طعام الإفطار ـ الوزير وأنا والمهندس ـ حيث قدموا لنا برتقالا طازجا، وكان لذيذا جدا.

قدم الينا عبد السلام ومعه رئيس الحرس الذي رافقنا من جدة، وبدا الاثنان في أناقة شديدة: مظهر جميل وملابس نظيفة مرتبة، ووضع رئيس الحرس الطيب الذي يعشقه العرب وهو «دهن العود».

تحركنا، ومعنا عبد السلام ورئيس الحرس، واتجهنا إلى قصر الملك، والسائق الذي جاء بنا من جدة لبس حلة جديدة، فكان رائع الهندام، ذكر لنا انه ذهب إلى السوق ليلة أمس لشراء ساعة فالتقى بأحد أصدقائه هناك، غير انه لم يجد ما يريد فكان بادي القلق.

قال له الوزير: حين نذهب إلى جدة سأشتري لك ساعة من هناك، فسر كثيرا بذلك، وقال مرددا: أشكركم أشكركم. واتجهت سيارتنا إلى القصر، وسرنا في الطريق نفسه الذي سلكناه أمس، ثم دخلنا من بوابة قصر الشمسية، ووجدنا على بوابة القصر مائة من رجال الحرس، وعلى رأسهم رئيس الحرس الذي كان يلبس زيا شبيها بزي العسكريين المصريين، وكان معظمهم يضع العقال على رأسه، وشاهدت اثنين او ثلاثة منهم بدون حذاء.

توقفت السيارة وقدم يوسف ياسين وإبراهيم لاستقبالنا، وقادنا يوسف إلى الغرفة التي سنلتقي فيها بالملك، وهي غرفة الضيافة.

كانت الغرفة تتكون من مائة «تتامي».. غرفة واسعة جدا، وفي كل جانب من جوانبها الأربعة مرآة كبيرة، رسمت على كل منها صور أزهار وورود.

كانت الزخرفة رائعة وجميلة جدا، وجدران الغرفة مثل جدران غرف القصر الذي نقيم فيه، وفي السقف أربع مراوح أو خمس، بينما تدلت الستائر على النوافذ، ووضعت أرائك وكراسي من الخيزران، لكنها أفضل من تلك التي وضعت في القصر الذي نزلنا فيه، وكانت أشعة الشمس تخترق النوافذ لتصل إلى داخل الغرفة الكبيرة.

وقار وهيبة ملك

* دخلنا غرفة الضيافة، واتجهنا إلى رجل يجلس على كرسي ضخم ذي مساند، كان يرتدي مشلحا، ويبدو طويل القامة، وعن يمينه جلس ثمانية رجال يلبسون المشلح، وأدركنا أن الرجل الذي يجلس على الكرسي الضخم هو الملك ابن سعود.

اتجهنا ناحيته ووقف من كرسيه، وسلم علينا سلاما حارا، بدأ بالسلام على الوزير، ثم المهندس، ثم بي وقال: «مرحبا.. أهلا وسهلا.. أهلا وسهلا وصلتم بأمان الله». وحين سلمت عليه قلت له «تشرفنا».

كانت يد الملك ناعمة ملساء، وعلى اثر إشارة منه جلس الوزير عن شماله، وجلست والمهندس عن يمينه، وبجواري جلس إبراهيم ويوسف ياسين على يسار الملك. كانت هناك طاولة وضع عليها جهاز هاتف ومنظار كبير (للرؤية البعيدة) ونسخة من (القرآن الكريم).

شعرت بأن الملك أطول مني بنحو خمسة عشر سنتيمترا، فهو طويل القامة جدا، ربما تصل قامته إلى 180 سنتيمترا، فمظهره يدعو للاحترام الشديد، فهو ملك حقا وصدقا، وعلى رأسه عقال مطرز بخيوط مذهبة مع الخيوط السوداء، وكانت الغترة التي يضعها على رأسه بسيطة جدا، مصنوعة من القطن مثل الغترة، التي يضعها سائقنا على رأسه، لا فرق بين الاثنين على الإطلاق. وتحت المشلح كان الملك يرتدي قفطانا واسع الذيل.

وقد شاهدت مثل هذا على طلاب الأزهر في مصر، لم يكن يضع حذاء في قدميه، بل كان يلبس جوربا من نسيج سميك. وسمعت ان الملك لا يحب الرائحة الكريهة وينفر منها، ويحب الطيب، وقد شعرت بهذا عندما اقتربت منه، شعرت برائحة الطيب، طيب من النوع الغالي، تفوح من جسده. والملك في هذا المشلح أعطانا انطباعا بأنه ملك حقا. ملك لهذه المنطقة بلا منازع، فهذا المشلح يناسبه تماما. ويتناسب مع شخصيته التي تمتاز بالوقار والهيبة. وجه طويل إلى حد ما. يزينه شارب ولحية سوداء جدا، إلا أن الشارب كان أكثر سوادا من اللحية، وكان كثيفا جدا أكثر مما هو لدى العرب عادة. لم أر له مثيلا من قبل، عيناه كبيرتان واسعتان، لكن شعرت ان عينه اليسرى تعاني من شيء ما، ولاحظت ان إصبعه الوسطى في يده اليسرى بها قطع، وهذا يعني انه خاض قتالا ضاريا من قبل، وفي يده اليمنى لاحظت خاتما به حجر كريم، لا اعرف اسمه لبسه في الإصبع الصغرى، وكان تحت عين الملك اليسرى «خال» كبير.

كانت بشرته سمراء، لكنها بالنسبة لنا كانت مليحة جذبت عيوننا، صوته كان خافتا. وفيه «بحة»: حين سمعت صوته لأول مرة كنت أتعجب كيف يمكن لصاحب هذا الصوت أن يصيح او يقود الناس في الصحراء بهذا الصوت الخافت. وحينما كنا نتبادل الحديث كان الملك يبتسم دائما. ولم نلاحظ عليه أبدا أي مظهر من مظاهر الغضب او الامتعاض او حتى الملل. شعرت أنه ملك مختلف تماما عن الملك فاروق في مصر. عربيته التي يتحدث بها قريبة من الفصحى، لكنه يتحدث أحيانا بلهجة نجدية. وتصدر عنه أحيانا عبارات بلهجة سورية، كنت أحيانا لا افهم ما يقول. كان الحديث يدور في معظمه مع الوزير، الا انه أحيانا كان يوجه الحديث اليّ مباشرة. كنا نتحدث عن الدين والموقف الدولي والأمور السياسية. ولمدة ساعة وطوال الوقت كان يبدأ حديثه عادة بعبارة: «سعادة وزير اليابان». وحين كنا نتكلم عن الاتفاق الذي سيعقد بين السعودية واليابان: وعن الأحوال داخل المملكة العربية السعودية، والعلاقات مع الدول الأخرى، كان دائما يبتسم وينظر الى يوسف ياسين والى الآخرين مرددا:

اليس كذلك يا يوسف...؟

أليس كذلك يا خالد..؟

وذلك بطريقة كلها بساطة وود».

نقاش مع الملك

* ويشدد المؤلف بالقول «كما ذكرت قبل ذلك لا يمكن أن أكتب شيئا عما دار بيننا وعما اتفقنا عليه، أو عما كان ينبغي لنا مناقشته أو التحدث فيه. لا يمكن أن أكتب شيئا فيما يتعلق بموقف السعودية أو قضاياها، لكن اذكر هنا ان الملك قال: بلدنا بلد تحكمه الشريعة، والشريعة هي حكمنا ولا شيء غيرها، وأمام الشريعة جميع الناس سواسية، لذا فإن الديمقراطية الغربية التي تطبق بالقوة هي بالنسبة لنا وبالنسبة لبلدنا ليست ديمقراطية حقيقية، عندنا الشريعة، وهي دستور العرب، والمسلم الذي يؤمن إيمانا حقيقيا بالشريعة لا يفرض عليه بالقوة شيء، ولتحقيق الأمن لا نلجأ أبدا الى القوة، وقد سلمنا المسؤولية لأمير كل قبيلة، وعلى الأمير نفسه ان يتعامل مع أهل قبيلته، وأن يؤدي واجبه. فإذا ما حدث شيء ـ لا قدر الله ـ تكون هذه مسؤولية أمراء القبائل ولهذا فنحن الآن نعيش مرحلة أمن وحالة أمن.

وعن العلاقات الدولية قال الملك: نحن نريد ان تكون لنا علاقات طيبة بالدول المجاورة، وبالدول القوية في أوروبا، كما اننا لا نحمل بغضا ولا نحمل كراهية لأحد، وعلى سبيل المثال لا نحمل بغضا لدولة ألمانيا أو ايطاليا أو بريطانيا أو أميركا أو فرنسا، ونحن نحترم اليابان باعتباره بلدا عظيما في جنوب شرقي آسيا.

وعن الشيوعية قال الملك: الشيوعية.. نحن لا نوافق عليها ابدا. بل نود ان تنتهي. وهنا تبذل كل محاولات، لكن رجال بلدنا لا يقبلونها أبدا. وهذا أمر واضح تماما، ولهذا نعتقد ان الشيوعية لا يمكن أن تأتي الى بلدنا ابدا. ومن هنا فنحن لا نشعر بوجود مخاطر من الشيوعية تجاه سياستنا.

وعن اليهود قال الملك: اليهود كانوا دائما أساس الصراعات التي تدور في أوروبا، وهم أساس الصراعات التي تدور الآن، وفيما يتعلق بإخوتنا في فلسطين نساعدهم بما لدينا، ولقد أوضحت هذا تماما حين كتبت الى الرئيس الاميركي روزفلت، أرسلت له رسالة خاصة، وقلت له: ان اليهود سوف يتسببون في ايجاد مشكلات عديدة في جميع أنحاء العالم.

ثم قال الملك لنا مباشرة: وأنا آمل ان تقوموا في اليابان بدعم رأيي هذا.

وشعرت بأنه كان منفعلا وعاطفيا حين كان يتكلم عن اليهود.

تحدثنا كثيرا في موضوعات ليست مهمة، لذا لن أكتب عنها. لكن خلال الاجتماع تحدثنا عن ابنه الثاني فيصل الموجود في لندن في ذلك الوقت، أخبرت الملك بأنني والوزير التقينا به في القاهرة، فسر الملك كثيرا، وظهرت أمارات السرور على وجهه واضحة. كما لو كان عاجزا عن كتم سعادته، وراح يسألنا: كيف كان فيصل؟ هل كان في صحة جيدة؟ وراح يسألنا أسئلة تفصيلية عنه، ثم ذكر لنا أن الأمير فيصل قادم خلال أيام وسوف يسعد كثيراً لو التقى بنا في الرياض. كان يتكلم بأحاسيس الأب والوالد لا الملك. عرفنا أن الملك يحب الأمير فيصل حبا جما.

سعود أمير مهذب

* بعد نصف ساعة دخل علينا رجل يبدو في الثانية والأربعين من عمره، يضع نظارة على عينيه. قامته طويلة الى حد ما، نظر اليه الملك، وقال انه أحد أولادنا، انه الأمير سعود، فأردنا ان نحييه، لكن الملك قال: «فيما بعد». فأومأنا إليه بأيدينا. كان الأمير مهذبا جدا، جلس على الكرسي بأدب شديد وراح يستمع الى حديثنا.

قال الملك للمهندس ميتسوتشي انه طلب من أميركا حفر بئر ماء أمام قصر البديعة وسأله هل هناك احتمال لوجود ماء في الموقع؟ فرد المهندس: لا يمكن أن ابدي رأيي سريعا الآن، لكن أمهلني ليوم غد، سأقوم بدراسة جيولوجية لهذه المنطقة وأعطيكم جوابي.

وفي اثناء المناقشة قدموا لنا الشاي والقرفة والقهوة، قدموا الشاي مرة واحدة، لكن القهوة عدة مرات، كان طعمها لذيذا، كانت كالقهوة التي شربناها من قبل، لكن «فناجين» القهوة كانت «فناجين عادية» وكان الحارس الذي يقدم القهوة لا ينتعل حذاء.

انتهى الحديث تقريبا. وشعرنا بأنه لم يعد هناك داع لجلوسنا، ولكن كلما هممنا بالاستئذان بدا الملك وكأنه لا يريد ان يتركنا نذهب، وأوقفنا أكثر من مرة عن مغادرة المكان، وراح يرحب بنا.

رجعنا الى مكان إقامتنا. وجاء الينا يوسف ياسين ليخبرنا بأننا سنتابع الحديث معاً في الساعة الواحدة، لكن الساعة الواحدة تعني الرابعة. وهكذا جاء يوسف ياسين ثانية، ودار بيننا الحديث حتى الساعة السابعة، أي لمدة ثلاث ساعات.

جولة في مدينة الرياض

* استيقظنا من النوم، وهذا اليوم هو إجازة قومية في اليابان تتعلق بمناسبة خاصة بالإمبراطور، ولهذا فالأعمال التجارية في اليابان متوقفة، والمحلات مغلقة.. تناولنا طعام الإفطار. لم يكن هناك ما أتوق اليه من الطعام الطازج، لكن ما العمل.

وبعد الطعام بدأت أعد لإرسال برقية لوزارة الخارجية، وذلك بالآلة الكاتبة التي كنت أحملها معي، ثم ذهبت مع المهندس ميتسوتشي وأخذت صورة للحديقة. وحين أردنا أن نتجول ونشاهد مدينة الرياض، طلب عبد السلام منا التريث حتى يسأل الملك ليرتب لنا الأمر. وقام بالاتصال بيوسف ياسين الذي تأخر في الرد فترة طويلة، وخلال هذا الوقت أحضر عبد السلام مقالا قال انه سيرسله إلى جريدة «أم القرى» عن رحلتنا، وشاهدنا مسودة ما كتب! جاء رد يوسف ياسين ايجابيا، وذكر أن بالإمكان أن نذهب لمشاهدة مدينة الرياض، والتجول فيها في الساعة الحادية عشرة من هذا الصباح، فشعرنا بأنهم يعاملوننا معاملة ضيوف مهمين، وانطلقنا لنشاهد مدينة الرياض.



المصدر: رتوش

التعديل الأخير تم بواسطة The Pure Soul ; 13-09-2009 الساعة 10:08 PM
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 12-09-2009, 09:50 PM
مؤمن1995 مؤمن1995 غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jun 2009
الدولة: ابوظبي
المشاركات: 628
افتراضي

موضوع رائع وجميل

بورك الطرح
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 13-09-2009, 06:59 AM
رحيق الأزهار رحيق الأزهار غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2003
المشاركات: 5,385
افتراضي



ررررائع ماطرررررح هنااااا بارك الله فيييييك وبلغك ليلة القدر


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 13-09-2009, 10:06 PM
The Pure Soul The Pure Soul غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Oct 2005
الدولة: In My Father's Heart
المشاركات: 5,411
افتراضي

موضوع شيق أخي يعطيك العافية
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 21-09-2009, 09:34 PM
khawlah.F khawlah.F غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Aug 2008
الدولة: في سـلمـ الإبداع أرتقي ..
المشاركات: 1,185
افتراضي


و عليكم السلام و الرحمة ..
موضوع شيق و ممتع جداً ..
ربي يبارك فيك ..
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
نبذة عن الثقافة اليابانية قطر الندي وردة منتدى العلوم والتكنولوجيا 10 13-09-2009 01:05 AM
الرحمن الرحيم أبو عائشة منتدى العلوم والتكنولوجيا 0 12-04-2001 01:37 AM


الساعة الآن 01:56 PM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2018 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com