عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات العلمية > منتدى العلوم والتكنولوجيا

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 29-05-2009, 06:39 PM
الــعــربــي الــعــربــي غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Jun 2003
المشاركات: 4,887
افتراضي أمجاد الرماد: تاريخ السي آي آيه




أمجاد الرماد: تاريخ السي آي آيه
د. محمد الأحمري



كل الأمم تتفرس في وجه الجمهورية العظيمة كي تكشف فيه السذاجة، أو التجاعيد، والرضا أو عدم الاستقرار، والارتجال أو التخطيط، والوضوح أو العناد.. وللمرة الأولى يجب على أمريكا أن تكون أمة كغيرها من الأمم.[1]".

نتحدث هنا عن كتاب: (تراث الرماد: تاريخ السي آي آي)"، الذي ألفه: تيم وينر،[2]، يفتتح المؤلف كتابه بنكتة طريفة عن الرئيس الأمريكي هاري ترومان، الذي تولى الرئاسة بعد موت روزفلت، فقد كان يتوقع أن عمل (مكتب الخدمات الإستراتيجية) ـ الذي قامت وكالة الاستخبارات الأمريكية على أنقاضه ـ مجرد توفير معلومات فقط، أي أشبه بالجريدة، وفهم أن كل ما يحتاجه ليحكم ويعلم هو الجرائد وما أشبهها، أو الحصول على النسخة السرية من جريدة (نيو يورك تايمز)"، فقد تخيل وكالة معلومات بلا (غدّارة ولا درع)، كما كتب الرئيس بعد سنين ساخراً من نفسه.

كانت أمريكا قد خاضت العام الأول من الحرب العالمية الثانية، معتمدة على التجسس البريطاني، ولكن الوكالة أصبح لها ما يشبه الجيش بجانب الجيش النظامي، مهمة هذا الجيش القيام بالعمل الأكثر قذارة كالاغتيالات والحروب الجانبية والانقلابات، وصناعة القيادات والزعماء، وإثارة الشغب، وشراء الناس وبيعهم، وإقامة جيوش وثورات ومؤسسات ومنظمات وهمية، وأحزاب وبنوك كـ (بنك التضامن ربما؟). وتأسيس وسائل إعلام الهيمنة على المعلومات، من إذاعات وصحف ومجلات، مثل راديو أوروبا الحرة الذي كان يعمل فيه ثلاثة آلاف مذيع ومهندس وكاتب.[3].

كنا في الجامعة عندما دعي لها فيليب آقي: 1935-2008م؛ ليتحدث عن مغامراته مع السي آي آيه، ومطاردتهم له وهروبه من بلد لآخر، وقصة نجاح كتابه "من داخل الشركة"، الذي ترجم إلى سبع وعشرين لغة، منها العربية، وقد ساعده الكتاب في الحصول على المال والشهرة، وفي الخلاص من غرمائه السابقين، ومرت مدة قصيرة قبل أن أقرأ "حبال من رمال"، ذلك الكتاب المثير عن إخفاق السي آي أيه في الشرق الأوسط (ترجم إلى العربية مرتين، إحداهما مختصرة)، وكان قد سبقه وأثار نقاشاً طويلاً كتاب مايلز كوبلاند: (لعبة الأمم)، ومذكرات دلس رئيس السي آي آيه، وكتاب كيم روزفلت عن إعادة الشاة: (الثورة والثورة المضادة).

ومنذ بضع سنين خرج كتاب: (رجال الشاه)، وهو أتم وأوسع من سابقه، ثم كتب بين ذلك كثير، ولكن كتاب التاريخ الذي بين أيدينا له أشمل، فهو تاريخ الفشل المديد ـ كما يرى مؤلفه ـ منذ الحرب العالمية الثانية إلى قبل عامين، وفي الوقت نفسه موسع وطويل وعن كثير من دول العالم، وفيه تغطية جيدة عن العراق وجواره والمنطقة عموماً، وقد ركز على نقاط الفشل، وكأنه يوسع: (حبال من رمال).

الكتاب مدخل تاريخي يهم من يتابع تاريخ هذه المنظمة، وفيه طريقة سلسة ومشوقة في كتابة الأحداث فيخلط المعلومات الشخصية عن المؤسسين والناشطين مع التاريخ العام للحدث، فلا يقلل من أثر الدوافع الشخصية والعوامل الدينية والثقافية للمؤثرين.

وهكذا يمسكك هذا الكتاب الواسع متعدد القضايا في موضوعه الشائق بالمتعة والمعلومة في آن واحد من أول أسطره إلى آخر تعقيب ألحقه بطبعة 2008، ليصب في السياق جام سخطه وسخريته على السي آي آيه.

الكتاب هجومي فقد تتبع عيوب الوكالة وتقصير قياداتها، لأنها فشلت في إيصال المعلومات إلى الرئيس، وفشلت في تنفيذ واجبها، وفي حماية البلاد وفي التحليل وفي التنبؤ بالأحداث. وفشلهم من قديم وإلى فصل بوش لرئيسها "جوس" بعد 19 شهراً من تعيينه عام 2006 غاضباً منه، وليقول هذا بعد فصله ملخصاً ثقافة الوكالة: "لا تعترف بشيء، أنكر كل شيء، بل واصنع تهماً مضادة"[4]، وليحتج المؤلف بإنهم حتى لما يطردوا بسبب الفشل فسوف ينكرون ويتهمون خصومهم.

القضايا العربية جزء من الكتاب يهمنا، ويبدأ بسوء الفهم المتبادل بسبب اختلاف القيم، فمن العقائد الأمريكية المؤسسة للموقف عن العرب هذا النص الذي ينقله المؤلف عن الرئيس الأمريكي أيزنهاور، متحدثاً إلى رئيس الوكالة آلن دلس: "إذا ذهبت إلى هؤلاء العرب، فستجد ببساطة أنهم لا يستطيعون فهم أفكارنا عن الحرية والكرامة الإنسانية، فقد عاشوا لزمن طويل تحت ديكتاتوريين من نوع أو آخر، فكيف نستطيع أن نتوقعهم قادرين على تسيير حكومة حرة وناجحة![5]"، ويعقب المؤلف بأن إجابة الوكالة بأن جعلت كل شيخ (أو حاكم) مسلم هدفا لعمل سياسي للوكالة بالمال أو الطرد، أي استعباد أو إبعاد، إن لم يستجب بطريقة مناسبة، وأكثرهم قبلوا المال والتوجيه، كما يقول، ثم يذكر نماذج عديدة لذلك في الدول العربية.[6].

ولعل هذه العقيدة (إما حكومة لنا نديرها فهم لا يعرفون، أو إنهم أعداء فنستبدلهم)، عقيدة أكدها بوش لاحقاً: "معنا أو مع الإرهاب"، وللأسف فإنك تجد هذه العقيدة في النظرية والتطبيق، فلا تكاد تجد سواها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى اليوم. وقد كان القرار أنه إن كان السلاح لا يجدي فإن سلاح المال يجب أن يعمل، لإبعاد الذين وصفهم بأنهم لا ينحازون: "في دول عدم الانحياز" —أعداء الإمبريالية وأعداء الاستعمار والأنظمة القومية- يجب أن ينتهوا.[7] ثم نقل المؤلف تبريرا طريفا لعمل الوكالة قاله الرئيس أيزنهاور وهو: "أنه يأمل في عمل عسكري لحماية الإسلام من الإلحاد المسلح[8]" فقد قاموا مثلا بحماية العراق من الشيوعيين بتولية البعثيين للحكم كما ينقل، وقد يرى من يرد عليه بأن الحماية التي شلّت الحياة السياسية والفكرية في أغلب أرجاء العالم الإسلامي مستمرة فقد حموه من الحياة السوية، حموه من القوميين واليساريين والوطنيين والإصلاحيين والمفسدين ومن الليبراليين ومن الإسلاميين، وقد كتبت مصادر عديدة عن التزام الحكومات الخاضعة للوكالة في العالم الإسلامي بعدم إيصال ذوي الأفكار ـ كالقوميين والوطنيين والإسلاميين ـ للمناصب المؤثرة في تلك البلدان، وكأنها تصر على تولية الموالين المجردين من الاهتمام ببلدانهم ومصالحها.[9].

قرأت قديما من سخريات علي شريعتي المريرة، أنه كان واقفاً مع أحد الملالي المخلصين لدينهم، فمرت بهم سيارة أمريكية جديدة، فقال الملا: سبحان الله الذي سخر النصارى للمسلمين يصنعون لنا السيارات لنتفرغ للعبادة! ثم لما قرأت المنطق الذي حدده أيزنهاور للوكالة في العالم العربي والإسلامي، ومنه حماية الإسلام من الوثنيين ومن القوميين ومن دعاة عدم الانحياز، ثم حموه لاحقاً من الأخطار والمغانم والخسائر، ولعلك ترى اليوم أكثر من ذي قبل تلك النعمة التي منّ الله بها على "الشيخ"، فتفرغ للعبادة، وحرم "الملا" بعد أن أغواه شريعتي!

وبالرغم مما نراه نجاحا، فإن المؤلف يصر على الفشل الملازم لأعمال الوكالة منذ عهد تولية البعثيين على العراق إلى دعم إياد علاوي، إلى فشلهم في تنصيبه.[10]. وتحدث عن النهاية الفاشلة مع أحمد شاه مسعود، الذي وصفه بالنبيل الشجاع، الذي كان يأمل أن يكون ملكاً لأفغانستان، تحدث عنه الكاتب بأنه كان عميلاً قديماً للوكالة، الذي وعدهم بإنهاء ابن لادن وطالبان والغوغاء من الفلاحين والملالي وبقايا المجاهدين الحاكمين في كابل.[11].

ثم يعترف بنجاحات قليلة، مثل إنشاء الوكالة لجهاز المخابرات الأردنية ودعم ميزانيتها عند التأسيس مدة عشرين سنة تالية، تلك التي كما يقول، لم تزل إلى اليوم تقوم بالتواصل أو العمل مع أكثر العالم العربي.[12]. فبعض الأمريكيين يقارنونها، كجهاز موثوق "أنشؤوه ويملكونه"، بالمخابرات الباكستانية الوطنية أو المتمردة، التي تمد يداً بالتحية وتطعن بالأخرى.

هذه الحتمية للاستعباد أو الإبعاد أصبحت قديمة، فقد توالت النكسات، وشاخت المؤسسة، وقل ما في اليد، فلعلهم اليوم يلوّحون بنهايتها، فيسمحون بوجود حكومات مستقلة ولو جزئيا في العالم العربي، ولكنهم عندما سمحوا أو اضطروا لذلك، فقد أصبحوا لا يجدون الطموح عند الحكومات لا للحرية ولا للمسؤولية، بل سادت ثقافة التملق والطلب: أن وجّهونا وأديرونا وأغيثونا من تطلعات شعوبنا؛ لقد فجع كريستوفر، وزير خارجية كلينتون، من زعماء العالم الذين كان يقابلهم على أنهم حكام ورؤساء دول، فإذا هم يتحولون بين يديه إلى سكرتارية يطلبون توجيهاً، هذا عالم الذي صنعوه ولما أرادوا اليوم أن يقيموه على الأقدام ليساعدهم، وجدوه مالاً وأقداماً بلا رؤوس!

يشير المؤلف إلى مطامح المسؤولين عن هذه المؤسسة وآمالهم فيها وكيف خيبتهم، فذكر مثلاً غضب الرئيس أيزنهاور من أن ليس للسي آي آيه أحد في مقر الحكم الروسي: "الكرملين"، وعد هذا فشلاً.

ويرى أن فشل الوكالة عام 1991م في تحديد أهداف في العراق ليعطوها لقائد الجيش الأمريكي آنذاك شوارزكوف كان مما أودى عملياً بمكانتهم وجعلهم ثانويين عسكرياً، وتابعين للجيش ولم يكونوا كذلك، فقد طلب منهم تحديد أهداف في بغداد لضربها، فوصفوا له مخبأ كبيراً في بغداد، وضربه الأمريكان، ولكن تبين أنه كان ملجأ للأطفال والنساء، وكانت النتيجة مزيد تشويه لسمعة أمريكا الأخلاقية، ولم يسألهم بعدها عن تحديد هدف، ويقول: إنه بعد هذا الخطأ وبعد عدد من الحوادث المشابهة تراجعت مكانتها.

ونقل في خاتمة طبعة عام 2008 عن باول وزير الخارجية السابق في عهد بوش، أن: "العالم بدأ يشك في الأسس الأخلاقية للحرب على الإرهاب"[13]؛ فالسجون السرية حول العالم وقتل الناس وتعذيبهم دون سبب إلا ما تراه الوكالة، كان فضيحة أخلاقية شوهت الصورة الأمريكية في العالم.

وهذا مما جعل الوكالة تجد صعوبة في تجنيد العملاء حول العالم حين يرون أعمالها المروعة وغير الأخلاقية، كما يتساءل المؤلف، وقد أشار إلى نقد بعض كبار الضباط فيها بأن ما يحدو الوكالة هو الشعار الذي ثبت في أحد غرف التدريب الذي يقول: (اليوم هو الثاني عشر من سبتمبر 2001م)، والذي يعني استمرار حالة الحرب والنقمة، وكأن التاريخ وقف على "12"، ليبقى العمل كله انتقاماً مستمراً، (هذا انطباع المسلمين وغيرهم منذ ذلك اليوم إلى اليوم، انتقام دائم منهم جميعا لعمل لم يشاركوا فيه)! واستمر ذلك بعد إساءة بوش لاستخدام الوكالة، ولعل الجميع يعلم مقدار الجرائم والمصائب المرتكبة في حق العراقيين، وبعضها تم تدبيره عن طريق الصهيوني المتعصب بول وولفوتز، وتشيني، وقد استخدم الجناح الصهيوني أحمد الشلبي الذي رصدت الوكالة اتصالاته، وتبين بقولهم أنه عميل مزدوج لهم وللإيرانيين، فهجموا على بيته ومكاتبه في الحادثة الشهيرة.

وقد استطاع المحافظون اليهود غرس الصحفية الصهيونية جوديث ميلر في جريدة نيويورك تايمز، لتكذب وتهول خطر صدام، بمعلومات مفتراة منهم ومن الشلبي ولويس ليبي، بحيث تخلص الصهاينة والإيرانيون من صدام، وخسرت الوكالة التي هزمت ولم تكن موافقة تماماً على معلومات الصهاينة وميلر والشلبي، وخسر الشلبي وسجنت ميلر فترة قصيرة وخسر لويس ليبي لكشفه اسم امرأة في الوكالة للصحفي نوفاك، وهذا من شواهد الحرب الضروس بين صهاينة البيت الأبيض والوكالة، كانت خسائر تافهة للصهاينة وغنائم عظمى، وخسرت الوكالة الحرب بعد أن ضعفها تشيني وعصابة وولفوتز ورجل الظلام ريشرد بيرل، ويسكت المؤلف عن كثير من هذه القضايا، لأنه طرف ثقافي، ويحب أن يدفن الوكالة خاسرة محسورة، ويبرر للكيانات الجديدة.

قبل 11 سبتمبر، كانت هناك أفكار بتخصيص الوكالة، فقد ساد الركود مع إدارة داخلية تتوارث الوكالة ولا تدخلها دماء قوية من الخارج، وكان العنصر البشري ضعيف المعلومات، سيئ الخلق، أحدهم قتل شخصاً في كونر أفغانستان في أثناء التحقيق، فأحدث يهود وزارة الدفاع منها قصة، بينما يبيدون هم مئات الآلاف دون سؤال، وجعل منها المؤلف قصة تشويه للوكالة! وأيضاً من قصة تعويضات السوري الكندي، ماهر عرار، التي بلغت عشرة ملايين دولار، عندما خطفته الوكالة في أثناء تغيير طائرة في نيويورك وأرسل ليعذب في بلد عربي، وتعذيب آخر ألماني لبناني؛ (أما المسلمون الذين يقتلون وليس لديهم جنسيات غربية، فإن عائلاتهم تعوض بمائتين أو ثلاثمائة دولار فقط إن استطاع ورثته إثبات الجريمة!)، وكانت الوكالة كما تزعم تعهد بالأعمال الأقذر للحكومات العربية!

ومن أسباب ضعف الوكالة، أن الخصم العنيد سقط، وهو: "الكي جي بي" الروسية، ومع سقوطها ضعفت الوكالة، وهذا أمر طبيعي، حذر منه كثيرون، ليس الوكالة فحسب، بل حذروا الحكومة الأمريكية بأن سقوط القوة المنافسة سوف يضعفها، ثم جاء المحافظون الجدد من صهاينة ومتطرفين مسيحيين، ليصنعوا من الإسلام ـ الغريب عليهم ـ العدو الجديد؛ ليحافظ على روح العنف والقوة والعداء لجهة جديدة ولصناعة ولي أقوى؛ "الصهيونية".

ثم تبع ذلك، محاولة تغيير روح هوية الوكالة من شعارات وبروتستانتية وجنس أبيض وقضايا كانت تهيمن خفية على الماضي، حتى جاء آخرون يحكمون "المحافظون الجدد" بأفكار مضادة جديدة، واصطنعوا الخلاف مع كثير من ثقافة أمريكا، فخرج مفكرون ومحللون قياديون من الوكالة للعمل في الوكالات الجديدة أو للتقاعد، واستقال خمسة من القيادات دفعة واحدة احتجاجاً على تغيير هوية الوكالة.

ولا ينسى المؤلف أن يمجّد الزمن الذي كانت الوكالة تستخدم فيه الإسرائيليين، وزعم أن الصهاينة هم من لوّن عملها عدة عقود، بعد أن سرّبوا لها بقية خطاب خرتشوف ضد ستالين بعد شهرين من البحث عنه.[14].

الصراع مع الصهاينة، أشعر الوكالة بأن بلادهم تحكمها إسرائيل والمتطرفون الذين جاؤوا بقوة مال وتنظيم وأفكار للانتقام من وكالة أذلتهم وسجنت بعضهم "مثل بولارد" وطاردت بالتهم أمثال وولفوتز، فقد اتهمته الوكالة بالخيانة لمصلحة إسرائيل في السبعينيات، غير أن وصوله نائباً لرامسفيلد، مكنه من أن ينشئ وكالة معلومات مضادة في الجيش تخضع لأمثاله، ثم هرب نجرو بونتي أيضاً بمجموعة من موظفيها لجهاز الخارجية.

والكتاب حملة مجموعة لا فرد، فمن أنصار المؤلف كاتب آخر[15]، يؤيد توجه الكتاب في انتقاد الوكالة بأن لها تاريخاً من الإخفاق طويلاً، فيبدأ مقاله بكلمة كيسنجر لشوان لاي في الصين عام 1971م، حينما استفسر شوان لاي عن المؤامرات التي تقوم بها الوكالة في العالم، فأجابه بأنهم يبالغون في قدرتها، أصر شوان لاي بأنه كلما حدث شيء في العالم فإنهم يفكرون فيها، فرد كيسنجر: "هذا صحيح، وهذا يصيبهم بالزهو وهم لا يستحقون ذلك".

ويبدو أن المبالغات تخيم على العالم بسبب الدعاية، فلما قبض الإيرانيون على موظف الوكالة في السفارة كانوا يتخيلونه صيداً ثميناً ويشرف على أعمال المنطقة، بينما لم يكن يعرف الفارسية، ولم يكن له إلا ستة أشهر في الوكالة، والوكالة لم تتوقع الوكالة الثورة الإيرانية عام 79 ـ بل إن كان كارتر قال في خطاب عام قبل الثورة بوقت قصير، إن إيران من أكثر دول المنطقة استقراراً ـ ولم تتوقع التفجير النووي لروسيا عام 1949، ولا التفجير النووي الهندي عام 1998، ولا الغزو الكوري عام 1950، ولا اضطرابات شرق أوروبا في 1950، ولا الصواريخ السوفيتية في كوبا عام 1962، ولا الحرب العربية الصهيونية عام 1973، ولا الغزو الروسي لأفغانستان 1979، ولا غزو الكويت 1990، ولم تتوقع انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1989.

وقد استطاعت الوكالة خطف خيال الكثيرين ليس فقط في أمريكا ولكن في داخلها، واستغلت الأفلام سلاحاً، وكان من ضحايا هذا التهويل، معظم الرؤساء المتأخرين.

وقد تنبهت الموساد لخطر وأهمية هذه الدعاية، فسرقت الفكرة وأغرقت الأسواق بكتب كأفلام الرعب عن كفاءة ومهارة رجالها، وهي كتب وأخبار تخطف الأبصار بتلك الكتب الدرامية، مثل كتاب فيكتور أوستروفسكي: "عن طريق الخداع" 1990، ذلك المخادع الذي يكتب من منتجعات كندا تلك التهاويل عن الموساد وبطولاتها، وغيره ممن يمزجون الحقيقة الصغيرة بخيال واسع أخّاذ، يصنع الرعب منهم والتهوين من خصومهم، والتهويل هذا جزء من الحرب النفسية المؤثرة، والقارئ العربي جاهز لقلة حيلته ليتقبل ذلك؛ لأن عنده عدم ثقة دائمة بحكومته، فيرى أنها لا تعرف إلا إهانة نفسها وسجن شعبها! وليس لها من بطولات ولو مكذوبة!

كان العمل في الوكالة مغامرة قاتلة للذين رمي بهم وراء السور الحديدي الروسي، ولكن الذين ذهبوا للشرق الأقصى، كانت متعتهم كبيرة، أو كما قال أحدهم: "يا الله، كانت متعة، ذهبنا حول العالم وفعلنا ما اشتهينا".

مما تقرأ مختصرا خبر علاقة الوكالة بالعائلة العراقية الملكية الحاكمة، وقصص الوكالة في سوريا مع زرع أديب الشيشكلي حاكماً وما تلا ذلك، إلى العراق ولبنان والجزائر، وذكر نجاح الوكالة في تنصيب أعداء الشيوعيين وصناعة ثورة حزب البعث عام 1963 في العراق، بعد عدة محاولات للقضاء على عبد الكريم قاسم، كما نقل قول علي صالح السعدي، وزير الداخلية البعثي في الستينيات: "وصلنا للسلطة بقطار السي آي آيه"، ويكمل بالشارة إلى أن صدام كان أحد هؤلاء البعثيين الذين جاؤوا في قطار الوكالة.[16]، ولكن مصدر المعلومة هو سعيد أبو الريش، الذي كان بعثياً وتحدث عن تفصيلات مركز للوكالة كان في الكويت أيام قاسم نفذ الدعم للبعثيين.[17].

أما النقد على الكتاب، فقد جاء من السي آي أيه نفسها، وقد أفردت له مقالاً ناقداً مطولاً على صفحة الوكالة، وتحرك ناقدون كثيرون ضده، ويقولون إنه قلب الأمور رأساً على عقب، وقدم نص هجاء طويل، حتى إنه حول المكاسب والأعمال الجيدة إلى سيئات، وركز على فشلها في مواضع عدة، وعن عدم قدرة موظفيها على معرفة اللغات المحلية، كالعربية والأوردو والصينية، وأنهم ليسوا قادرين على أن يندمجوا في الثقافة المحلية، ولا أن يقيموا طويلا ليصبحوا جزءاً من نسيج المجتمع الذي يقيمون فيه، وبدلاً من ذلك، يصنعون "أمريكا صغيرة" حيثما حلوا، ثم يقول:"إننا ندفع ثمناً غالياً لهذا الجهل"؛ فالموظفون العرب الجدد في السي آي آيه لا يمكن أن ينوبوا عن تدريب الأمريكان أنفسهم، والكلية التي أنشئت للتجسس لم تقم، وأحد برامج التدريب التي أنشئت عام 1991 بقي متواضعاً، ويكلف فقط مليوني دولار في السنة، بينما الجيش يكلف مليارين في اليوم.

تجد في مواضع من الكتاب ترهيبا وتهويلا، وكأن العرب والمسلمين كلهم يستعدون للقتال، فيطالب بملياري دولار لتدريب رجال السي آي آيه على اللغات وثقافة أمة الإسلام والقوى الصاعدة، فلمعرفة عقل العدو لا بد أن تتحدث معه.[18]، وكما يقول أحد عملائهم القدماء: إن الوكالة لا تستطيع شراء الناس، ولكنها تستأجرهم[19]. ثم يتغيرون كما حدث مثلاً مع نورييجا في بنما.

في الكتاب، بعض الإعادة للقصص المشهورة القديمة مثل: المغامرات في روسيا، وخلاف محطة الوكالة مع السفراء الأمريكان، كالذي حدث في قصة الصحفي مصطفى أمين، الذي كان موظفاً في السي آي آيه ومقرباً من عبد الناصر، ومشكلة المعلومات بين المحطة للسفارة.

وقد تصاعد النقد بعد الرئيس جونسن للوكالة إلى اليوم لعدم أخلاقيتها، وأنها لا تعكس القيم الأمريكية، كاستخدام المخدرات والاغتيالات والتعذيب وإطلاق النار على السجناء وهم في السجن "مثل أبو زبيدة"، الذي أطلق الرصاص على فخذه، وعذب في السجن، وبعد إفاقته طلب بعض الضروريات فلم يستجب له! وهجوم المؤلف وينر على الوكالة ليس بسبب عدم أخلاقيتها فقط، وأنها غير موثوقة، ولا يستحق عملها ما يصرف عليها، لأن أقوى بلد في الحضارة الغربية ـ كما يرى ـ لم يستطع صناعة جهاز تجسس عالي القدرة، وهذا الفشل سبب المخاطر، فلم تتوقع أحداث سبتمبر، ولم يوثق بمعلوماتها بخصوص سلاح العراق، فكانت الحرب المرهقة.

ومع أن الكتاب يركز على فشل الوكالة، إلا أنه يبقى تاريخا مهماً، قيل إنه أهم كتاب كتب عنها، وقد حصل على الجائزتين المهمتين للكتب في أمريكا، جائزة الكتاب الوطني، وجائتزة بولتزر.

وقد أزعج كثيرين حول العالم، أولهم السي آي آيه نفسها التي ردت برد طويل ماحق وساخر بالكتاب، وعرضت بدائل له، واتهمته بأنه ليس تاريخاً بل إساءة للتاريخ، فقد اتهم المؤلف الوكالة بأنها تكتب كتب دعاية تحسن وتخوف منها في العالم [كما تفعل الموساد]، وأنه هون من نجاحها لاحقاً في زرع جواسيس في روسيا، وقلل من نجاحها في منع الشيوعيين من الوصول إلى الحكم في إيطاليا عام 1948م، وهوّن من دورها في حرب 67 بين العرب والصهاينة، مع أنها نجحت، وأيضاً دورها في الحرب الكورية، وقلل من أهمية إعادتها الشاه للحكم في إيران عام 53م، بسبب ما أورثه ذلك من فوضى زرعت بذور الثورة عام 79، و اتهم بأنه توصل إلى نتائج كبرى من معلومات قليلة، وقد قرر المؤلف مسبقاً أنها فشلت، ثم سخّر النص لتأكيد ذلك، وأساء النقل عن المصادر، ولم يستخدم أو يحسن استخدام المصادر الأولية وأنه أخفى معلومات كثيرة، وتظاهر بأنه عمل تاريخي بينما لم يكن كذلك، بل حوّل التاريخ إلى دراما.[20].

وقد ساق المؤلف نصاً يصلح أن يرد به على ناقديه نقله عن همفري، نائب الرئيس ليندن جونسون في حفل للسي آي آيه، قال: "الذين لا ينتقدهم أحد هم فقط الذين لا يفعلون شيئاً، ولا أرغب أن أرى الوكالة في هذا الوضع[21]". ولأن الوكالة عندما تنفذ عملاً ناجحاً فإن الخبر يكتم، أما حين تفشل، فإن الخبر يعلو، فيتحدث الناقدون عن أخطائها دون نجاحها.[22].

ولا ننسى ما يمكن أن يفهم من دور صراع الوكالة مع اليهود، فهي كانت إلى عهد بوش الأب وطنية ولم يزل يسيطر عليها "الواسب" البيض الأنجلو سكسون البروتستانت، ولم تخترقها بوضوح الجماعات الصهيونية المنظمة، ولكنهم استطاعوا تشويهها وإيذاءها من الخارج (وربما هذا الكتاب من السياق)، كما فعلوا ضد بوش الأب، وضد بعض من لحق به، فمنعوا أخيرا ـ من خلال الكونجرس ـ وصول الرئيس الذي اقترحه أوباما للوكالة بتهمة تعاطفه مع العرب، كما أنها تعاني من صراع الأجهزة المتصارعة على المعلومات والنفوذ، التي بلغت نحو 16 وكالة، واحتاجت لتنسيق صعب بعد الفشل المتكرر.

هذه التاريخ على ما فيه، يستحق الاهتمام، فهو يخبر ويمتع وهو رأي، وكشف لزوايا سوداء، قد يعجب بعض قراء العربية لو لقي ترجمة جيدة وناشراً أميناً، فهو كما قال أحد النقاد: "ملحمة تفتح العين على وكالة منفلتة"، ولعل قراءة أخرى تكشف أكثر عن مكان الكتاب كأداة حرب داخلية أو خارجية، وهو يذكرك بمغامرات ورجال من أيام الحرب الباردة في إندونيسيا وإيران وفيتنام وجورج كينان إلى آل دلس و كيم روزفلت، وكيندي والشاه والخميني وكيسي، ومحاولات اغتيال كاسترو وغيرهم، الكتاب تاريخ أشبه برواية ممتعة طويلة، راعت طرائق الأكاديميين في التوثيق.[23]. إنه نص ثقيل يهد يد قارئه قبل أن يحك رأسه أو يبحلق أو يدير عينيه باحثاً عنهم.

هل نقرأ فصلا آخر عن "التراجع المؤلم" في العمق كالذي كتبه كثيرون، فبعد خسارة المال والجيش والسمعة، تتهاوى الوكالة المرهوبة! أم أنها صراع لتجديد البناء، أم أن هذه تسالي وشهوات مغبونين وشامتين، فقد قالوا بأن أمريكا سوف تتهاوى وتتقسم وتموت حتى بعد الانتصار في الحرب الأهلية منذ قرن ونصف!
__________________
عجباً، تلفظني يا وطني العربي وتقهرُني قهرا
وأنا ابنك أفدي طهر ثراك وأجعل من جسدي جسرا!
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 29-05-2009, 06:39 PM
الــعــربــي الــعــربــي غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Jun 2003
المشاركات: 4,887
افتراضي

هوامش
[1] ميشال جوبير، الأمريكيون، ص91
[2] Tim Weiner, Legacy of Ashes, Anchor Books, New York, 2008
قد يترجم العنوان أيضا بـ"تراث الرماد" وهذه طبعة الغلاف الورقي وتقع في 809 صفحات سوى المقدمة، منها أكثر من مئتي صفحة من الملاحظات والفهارس، وقد نال الكتاب جائزة الكتاب الوطني وجائزة بولتزر برايز.
[3] ص144 في حوار مع حسن العلوي لقناة العراقية ذكر فيه تمويل القنصل الأمريكي في لبنان للحفلات التي كانت تقام لشعراء الحداثة، ولكن كتاب الحرب الباردة الثقافية يذهب بعيدا في توثيق اتهامات لعدد كبير جدا من مثقفي العالم وقساوسته وسياسييه.
[4] ص587
[5] ص157
[6] ص157-158
[7] ص 158
[8] هذا المقطع من محادثة مع الرئيس، نقلها في الهامش : ص672 وهو ما كرر مثله بوش الأب عام 1991م.
[9] في مصادر عديدة لمحللي الوكالة والسياسيين أكدوا ضرورة تفريغ المستعمرات أو الحكومات في العالم الإسلامي من الأفكار.
[10] ص 534
[11] ص 548
[12] ص 158
[13] ص 596
[14] ص 142-143
[15] إيفان تومس، نيويورك تايمز، 22 يوليو 2007
[16] ص 162-163 إني أشك أن يعترف السعدي بهذا إلا في حال يختلف عن الوضع الطبيعي له، فقد كان دكتاتورا دمويا متكبرا، نقل عنه قدري قلعجي لما زار سوريا، إنه كان ينظر من نافذة سيارته التي أقلته من مطار دمشق، ويقول لمن معه من الثوار مستنكرا "أين الدماء في الشوارع؟ أي ثورة هذه؟".
[17] ص 673
[18] ص 601
[19] ص727
[20] نيكلوس أوجموفيتش، صفحة السي آي آيه، بعنوان: مراجعة لـ: "تراث الرماد تاريخ السي آي آيه".
[21] ص327
[22] من خطبة إيزنهاور عند وضع حجر الأساس لمبنى الوكالة
[23] كثير من الهوامش مهمة للنص وفيها زيادة معلومات، لا يكتمل الكتاب دون الهوامش.
__________________
عجباً، تلفظني يا وطني العربي وتقهرُني قهرا
وأنا ابنك أفدي طهر ثراك وأجعل من جسدي جسرا!
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:35 AM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2018 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com