عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات الشـــرعيـــة > منتدى الشريعة والحياة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 24-12-2016, 09:58 PM
ابوادريس ابوادريس غير متواجد حالياً


الشريعة والحياة
 
تاريخ التسجيل: May 2016
المشاركات: 494
افتراضي {{أحسن كما أحسن الله إليك}}




قال الله - تعالى -: ( وأحسن كما أحسن الله إليك....) الآية 77 القصص

يا عبد الله: أحسن كما أحسن الله إليك

كل شيء منه إليك داع إلى إحسانك، داع إلي إحسان المسير إليه - سبحانه -.

فأسمائه هي الأسماء الحسنى ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه)

ودينه وصبغته وشرعته هي أحسن صبغة (صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة)

حكمه لا أحسن منه ( أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون)

الأنبياء الذين ابتعثهم كلهم فيهم معاني الأسوة الحسنة والقدوة الطيبة (لقد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءآؤ منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده)، وقال: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا)

أوامره ونواهيه كلها داعية لإحسانك، بل أنت لا تبلغ درجة الإحسان إلا بالاستقامة عليها وبالعمل بمقتضاها.

كتب - سبحانه - الإحسان على كل شيء، كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته)) وقال - سبحانه -: (وبالوالدين إحسانا)، وقال: (وقولوا للناس حسنا) وقال: (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها)، وقال: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن)، وقال: (قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين)، وقال: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون)، وقال: (ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين)، وقال: (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه)

فأوامره كلها حسنة ونواهيه لا يمكن أن يحدث الإحسان إلا بالانتهاء عنها.

ولذلك تقدم الصالحون من عباد الله، رأوا ربهم يُذَكِرهم بإحسانه فتذكروا، ذكرهم - سبحانه - بإحسانه وأياديه، فأحسنوا المسير إلى الله تبارك وتعالى، إحسانه عم كل مؤمن وكافر، كل بر وفاجر

قال - جل وعلا -: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقه فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين)، وقال: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين امنوا الصالحات) أن صورك بهذه الصورة الحسنة (صوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون)، (أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون)

وكله إحسان منه إليك، فكان الواجب عليك أن تحسن، (وأحسن كما أحسن الله إليك)

(أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين)، وقال: (لقد كرمنا بني ادم وحملناهم في البر والبحر)

هيئة حسنة، وتكريم من خالق الأرض والسماوات لبني آدم فكان الواجب علينا أن نحسن المسير إلى الله- تبارك وتعالى -

جعل لك الأرض التي تسير عليها مهيأة، أرض هي أشبه بالدابة الذلول، مهيأة على مثل هذا النحو، انظروا جاذبية أرضية هذه لو زادت لالتصق الإنسان بالأرض، ولو خفت لطار في الهواء، ولها ضغط جوى لو زاد لانسحقت، ولو خف هذا الضغط لكانت النتيجة أن ينفجر هذا المخلوق.

هو الذي أحسن كل شيء خلقه - سبحانه -، (وكل شيء عنده بمقدار عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال)

يقولون عن الأكسجين الذي نتنفسه لو زاد إلى نسبة الخمسين بالمائة تحترق الدنيا لا تقوم لها قائمة، هذا لم يكن خبط عشواء ولا هو قبيل الصدفة، (وكل شيء عنده بمقدار عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال)، جعل من الماء كل شيء حي، فله الحمد على ذلك حمداً كثيراً

هيأ ذلك لك فأحسن المسير إلى الله كما أحسن الله إليك

امتن عليك بنعمة الإسلام وكفى بها نعمة، امتن عليك وأحسن إليك ببعثته -صلوات الله وسلامه عليه- فقال: (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين)

ركب فيك عقلاً، وأودع فيك فطرةً، أنزل إليك الكتب، وأرسل إليك الرسل، وكل ذلك إحسان منه إليك، فـ (أحسن كما أحسن الله إليك)

عدد - سبحانه - إحسانه على خلقه وأياديه حتى يحسنوا المسير إليه، حتى يقيموا واجب العبودية حتى يسمعوا ويطيعوا لأمره، ذكرهم بذلك كله، ذكر بذلك الولي والعدو، ذكر بذلك المؤمن والكافر والبر والفاجر، فقال - سبحانه - في معرض الامتنان على نبيه - صلى الله عليه وسلم - قال: ( والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك وبك فترض ألم يجدك يتيما فأوى ووجدك ضالا فهدى ووجدك عائلا فأغنى) تذكرة بالإحسان، وقال: (ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك الذي انقض ظهرك ورفعنا لك ذكرك)

وقال في معرض الامتنان على نبيه موسى -صلوات الله وسلامه عليه-: (وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني)، دعا ربه فقال: (هارون أخي اشدد به أزرى وأشركه في أمري كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا إنك كنت بنا بصيرا) فكانت الإجابة قيل له: ( قد أوتيت سؤلك يا موسى ولقد مننا عليك مرة أخرى) وهذا إحسان من الله إلى خلقه، هو الذي يجيب المضطر، ويكشف الضر، هو الذي يجيب دعاء من دعاه، هو الذي يكشف الكربات ويقضى الحاجات، كل إحسان منه فكان الواجب عليك أن تحسن كما أحسن الله إليك.

ذكر ربنا خلقه وعباده بإحسانه، ذكر المؤمن والكافر بذلك فقال - جل وعلا -: ( لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف) لما اهلك لهم ربنا- تبارك وتعالى -أبرهه، ولذلك سبقت سورة ارتبطت بهذه السورة قال ربنا - جل وعلا -: ( ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل الم يجعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم طيراً أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول) فلما أهلك أبرهه وجيشه، خرجوا آمنين مطمئنين، فلم يتعرض لهم احد، وصارت لهم مكانة وحظوة، ثم هو - سبحانه - أطمعهم من جوع بفعل هاشم، وآمنهم من خوف إحسان منهم إليهم، ثم دعاهم إلى طاعته والى إحسان المسير إليه، قال: (فليبعدوا رب هذا البيت الذي أطمعهم من جوع وآمنهم من خوف)

إحسان من الله - جل وعلا - لهؤلاء على كفرهم وعلى ضلالهم، إحسانه لا ينقطع إلى خلقه،

قال: (أولم نمكن لهم حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم)

إحسانه للمسلمين وللكفار قال: (واذكروا إذ انتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون)، بل المصيبة التي تبتلى بها لا تخلو من نعم، لا تخلو من إحسان فما أصيب عبد بمصيبة إلا وكان له فيها ثلاث نعم: أنها لم تكن بأكبر مما كانت، وأنها لا بد كائنة وقد كانت، وأنها لم تكن في دينه، ثم يؤخر عنك العذاب عندما يملي لك، هذا إحسان منه إليك و إلا فـ (لو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة)، و (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي علموا لعلهم يرجعون)

انظروا لحالكم وانظروا لإساءتكم وانظروا للبغي والشر والفساد الذي تعملون به ومازالت الأنفاس تترد فينا، هذا إحسان من الله إلى خلقه عساهم يتوبون إليه، و إلا لو أخذنا بذنوبنا لأهلكنا وهو غير ظالم لنا.

وربنا- تبارك وتعالى -من إحسانه لهذه الأمة انه لا يأخذها بسنة عامة كما فعل بالأمم السابقة، فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، أحسنوا المسير إلى الله، تذكروا نعمه وأياديه، تذكروا إحسانه، إحسان لا ينقطع ليل نهار، أحسن إلى الخلق أجمعين إلى البر والى الفاجر منهم وكان الواجب أن نحسن المسير إليه.

(وأحسن كما أحسن الله إليك....)

تذكر الصالحون إحسانه فقاموا يذكرون أنفسهم والدنيا من حولهم، يذكرونهم أنه يجب عليهم الإحسان في مواجهه الإحسان يذكرونهم بنعمته - جل وعلا - عليهم.

انظروا لما ذكر الله- تبارك وتعالى -نبيه موسى بإحسانه فقال:

(إذ تمشى أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كي تقرعينها ولا تحزن وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى واصطنعك لنفسي اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكرى اذهبا إلى فرعون انه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى)

ذهب نبي الله موسى -صلوات الله وسلامه عليه- وقد امتلأ قلبه ونفسه بالشكر لله - جل وعلا -، والشعور بهذا الإحسان الذي أحسن به ربنا- تبارك وتعالى- إليه، وكان الصبر والثبات، وكان الوقوف في مواطن الحق يسأله فرعون وهو من هو طغياناً وكفراً يقول له: (فمن ربكما يا موسى) يقول: (ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى)، يذكره بإحسان الله عليه: (قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى قال فما بال القرون الأولى قال علمها عند ربى في كتاب لا يضل ربى ولا ينسى الذي جعل لكم الأرض مهداً وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماءاً فأخرجنا به أزواجاً من نبات شتى كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهى منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى)، ثم قال -جل في علاه-: (ولقد آتيناه آياتنا كلها فكذب وأبى)، واجه هذا الإحسان بإساءة من عنده، وهو لو تبصر في مقولته لأحسن المسير إلى الله، وما اجتح صاحب بدعة على بدعته بدليل إلا وكان في الدليل ما يرد عليه ويدحض بدعته عندما يقول للمصرين: (أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجرى من تحتي) حتى لو كان له ملك مصر، من الذي وهبه ذلك، من الذي ملكه ذلك؟!

و إلا فالأرض ومن فيها ملك لله - عز وجل – (يؤتى الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء)

فكان الواجب عليه أن يعبد ربه لا أن يتنطع، ولا أن يدعى الربوبية والألوهية مع الله حتى قال: (ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد)، ولو كان الأمر حقاً من الذي وهبه هذا العقل، من الذي وهبه هذه الفطنة، هذه الآراء الرشيدة التي يزعمها (وما أمر فرعون برشيد)، و إلا فلو كان صاحب عقل لأحسن المسير إلى الله، لواجه إحسان ربه بإحسان من عنده وأقام الدنيا على أساس من دين الله - جل وعلا -

انظروا إلى اعتراف الأنبياء والمرسلين بهذا الإحسان، نبي الله يوسف -صلوات الله وسلامه عليه- يتعرض لفتنة ولمحنة فيقول: (معاذ الله إنه ربى أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون)

ويقص علينا ربنا- تبارك وتعالى -قصة ذي القرنين (حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذاباً نكراً وأما من آمن وعمل صالحا ًفله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا ثم اتبع سببا)، هل يستوي من أحسن مع من أساء، يختلفان اختلافاً عظيماً في الدنيا والآخرة فمن أحسن فسيقول له حسناً ثم إذا مارد إلى ربه- تبارك وتعالى -كان الجزاء الحسن.

قص علينا ربنا من الآيات ومن القصص ما فيه عظة وعبرة وقال: (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أو حينا إليك هذا القرآن وان كنت من قبله لمن الغافلين)

وقصصه - سبحانه - هو أحسن القصص فيه عظة وعبرة، فيه تذكرة لك حتى تحسن المسير إلى الله، حتى تتذكر نعمة ربك عليك، حتى تتواضع لجناب الله، بدلاً من التنطع والغرور، بدلاً من الكبر والعجب، بدلاً من الصد عن سبيل الله، بدلاً من أن تنصب نفسك ندا وإلها مع الله، عندما تتذكر إحسانه ستحسن المسير إليه (أحسن كما أحسن الله إليك)

قص علينا النبي - صلى الله عليه وسلم - قصة الأعمى والأبرص والأقرع جاءهم الملك في صورة سائل لاختبارهم ولامتحانهم، وكان الكل فقيراً وكان الكل ذا عاهة، فامتن عليهم ربنا -تبارك وتعالى-، جحد الأبرص، وجحد الأقرع نعمة ربه عليه، وقال للسائل إنما ورثتة كابراً عن كابر، وكله كذب وكله جحود للاحسان، ثم أتى هذا الأعمى، يقول سائل وابن سبيل شيء أتبلغ به في سفري، فيقول: خذ ما شئت ودع ما شئت، لا أجهدك في شيء أخذته لله تبارك وتعالى، كنت أعمى فرد الله علي بصري، كنت فقيراً فأغناني الله، يعترف بإحسان الله إليه، فلما اعترف اعترافه هذا حفظ الله عليه النعمة، مثل مضروب حتى نأخذ منه العبرة والعظة.

لما ذهب بلال -رضوان الله عليه- لكي يخطب لأخيه، ماذا قال لأسرة العروس، قال: كنا عبدين فأعتقنا الله، كنا فقيرين فأغنانا الله، كنا ذليلين فأعزنا الله، فإن تزوجونا فالحمد لله، وإن تردونا فسبحان الله اعتراف بلال بإحسان الله إليه، هذا الإحسان لم يمنع بلال من أن يذكر حالته، وما انتقل إليه، وما انتقل إلى ذلك إلا بفضل الله عليه، كان هذا شأن المحسنين من عباد الله، يحسنون المسير إلى الله، يعترفون بإحسان الله عليهم.

وأنت تطالع السير والقصص ستجد الكثير من ذلك، انظر في سير سلفك الصالح -رضوان الله عليهم- أجمعين كان الواحد منهم إذا ما سئل كيف أصبحت؟ يقول: أصبحت بين نعمتين لا أدري أيتهما أشكر، بين ذنوب سترها الله علي لا يستطيع أن يعيرني بها أحد، ومحبة قذفها الله في قلوب عباده لا يبلغها عملي، اعتراف منه بإحسان الله إليه،

ويكتب الأخ لأخيه يقول له: أما بعد، فقد أصبح بنا من نعم الله ما لا نحصيه مع كثرة ما نعصيه، فلا ندرى أيتهما نشكر أجميل ما يسر أم قبيح ما ستر، ثم يخرجون للخلق للحكام وللمحكومين، للأغنياء وللفقراء يذكرونهم بإحسان الله إليهم.

يخرج العز بن عبد السلام للسلطان أيوب في يوم عيد وقد اصطفت الحاشية وهو في قلعته، فيقول له العز بن عبد السلام: يا أيوب ما قولك إن وقفت بين يدي الله غداً، فقال لك: ألم أبوأ لك ملك مصر، وأنت تبيح الخمور، قال: هذا قد كان؟ قال: نعم حانة كذا يباع فيها الخمر، فقال له السلطان أيوب بل هذا كان من زمن أبي، قال له: بل أنت ممن قال الله فيهم: (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون)، يذكره العز بإنعام الله عليه، بإحسان الله إليه، بوأه الله على مصر، فكيف لا يحسن المسير إلى الله، كيف لا يُحَكِّم شرع الله، كيف لا ينقاد لأمر الله، وإن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.

وتحدث المحاورة بين سعيد بن جبير وبين الحجاج بن يوسف الثقفي وكان ما كان ثم ضحك سعيد بن جير، فسأله الحجاج عن سبب ضحكه فقال، عجبت من جرأتك على الله وحلم الله عنك، إحسان كان على الحجاج أن يواجهه بإحسان لا أن يجترأ على مثل هذا النحو لا أن يصد عن سبيل الله، لا أن يمنع من طاعة الله -جل جلاله-، لا أن يقف مثل هذا الموقف الذي دعاه لجبروت ولظلم ولتعد حتى سأل سعيد بن جبير وقال له: أنت شقي بن كسير قال: بل كانت أمي أعلم باسمي منك، قال: شقيت وشقيت أمك، قال: الغيب يعلمه غيرك، قال: لأبدلنك بالدنيا ناراً تلظى، قال: لو علمت أن ذلك بيدك لاتخذتك إلها، انظروا محاورة تدل على جبروت من جهة و ثبات من جهة أخرى، تذكير بإحسان الله إلى خلقه وإلى عباده.

يقف أبو حازم مع سليمان بن عبد الملك، فيقول له عظني، فيقول له: إن آباءك أخذوا هذا الأمر بغير حق وسفكوا في سبيله دماً كثيراً، فلو عملت مكانهم عند الله غداً، ضجت القاعة لقولة أبي حازم، وقالوا له: بئس ما قلت لأمير المؤمنين، قال: بل بئس ما قلتم أنتم إن الله أخذ علينا العهد والميثاق لنبينن لله أمره ولا نكتمه، قال له أبو سليمان: عظني، قال له: احذر أن يراك حيث نهاك وأن يفتقدك حيث أمرك، هكذا كانوا قوامين بالحق، وقافين عند حدود ما أنزل الله، معترفين بإحسان الله إليهم، مذكرين الخلق أجمعين بوجوب إحسان المسير إلى الله.

كان أبو بكر وعمر يقول: وليت عليكم ولست بخيركم فإذا أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني، أطيعوني ما أطعت اله فيكم فإن عصيت فلا طاعة لي عليكم.

كان هذا هو شأنهم، لما استشعروا إحسان الله إليهم وعلموا أن النفس إلى موت، وأن المال إلى فوت وأن الإنسان لا يحسن إلى نفسه بأعظم من القيام بأمر الله- تبارك وتعالى -باعوا الغالي والرخيص، والنفس والنفيس في سبيل الله، فكيف يدخرون وسعاً في طاعة ربهم، كيف لا يحسنون المسير إليه، فهان عليهم المال، وهانت عليهم النفس، و بذلوا ذلك كله في سبيل الله راضية بذلك نفوسهم مطمئنة بذلك قلوبهم، (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) الواحد منهم يبذل ماله، فإذا ما قيل له في ذلك ما تركت لأولادك، يقول لهم: تركت لهم الله ورسوله، فالمال منه واليه، والملك هو ملك الله - جل وعلا -، أحسن إليك، فكيف لا تحسن أنت المسير إليه؟!

ومن قبل كان الأنبياء والمرسلون، نبي الله إبراهيم يُواجْه بصلف و ظلم وتحد، فيقول: (إني ذاهب إلى ربى سيهدين) ينيب إلى الله، يتوكل عليه، يحسن المسير إليه، يؤمر بذبح ولده فَيَهِمُ بذبحه نزولاً على أمر لله، هو طوع إشارة ورهين أمر، كلهم طالع إحسان الله عليه فكان الحياء وكان الخجل، كان البعض يقول: لو ضمنت الجنة لظلت هموم الحياء تؤرقني، هذا هو الحياء من الله، هذا هو إحسان المسير إلى الله، في سرهم وعلانيتهم، في جلوتهم وخلوتهم كانوا يحرصوا على طاعة ربهم، فـ((اتق الله حيثما كنت واتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن))

وإذا ما خلوت الدهر يوماً فلا *** تقل خلوت ولكن قل على رقيب

ولا تحسبن الله يغفل ســاعة *** ولا أن ما يخفى عليه يــغيب

ومن ظن أن الله لا يراه فقد كفر، ومن علم أن الله يراه فكيف يجعله أهون الناظرين إليه، فالإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، (هو الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين)، فليكن منك العدل في الغضب والرضا، والإخلاص في السر والعلانية، والقصد في الفقر والغنى، وادع ربك- تبارك وتعالى -أن يجعل صمتك فكراً، ونطقك ذكراً، ونظرك عبراً، انه - سبحانه - ولي ذلك والقادر عليه.
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مختصر السيرة النبوية almohajerr منتدى الشريعة والحياة 43 15-05-2017 07:36 PM
سلسلة "مسك الختام في الصلاة والسلام على خير الأنام"1-5 صلاح عامر منتدى الشريعة والحياة 6 28-11-2016 11:29 PM
هكذا كان سيدنا ( محمد ) صلي الله عليه وسلم .. ابوادريس منتدى الشريعة والحياة 0 21-10-2016 10:08 PM
مبادئ الاسلام المختصرة سامي. منتدى العلوم والتكنولوجيا 1 24-08-2013 12:44 AM
سيّــــــر خالـــــــدة (( أبو بكــر الصديق )) حلوة ميراج منتدى الأسرة والمجتمع 3 15-02-2011 02:08 PM


الساعة الآن 04:56 PM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2018 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com