عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات العلمية > منتدى العلوم والتكنولوجيا

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 16-06-2013, 03:44 AM
عبير عبد الرحمن يس عبير عبد الرحمن يس غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 142
افتراضي قراءة جديدة للقيم الحضارية في القران الكريم




قراءة جديدة للقيم الحضارية في القرآن الكريم

أهمية إحياء القيم الحضارية القرآنية :

مما لا شك فيه أن الكثير من القيم الحضارية القرآنية، والتى غذت الرعيل الأول الذين قامت على أكتافهم الحضارة الإسلامية، قد شابها الكثير من المفاهيم الخاطئة التى انحرفت بها عن المفهوم الصحيح، كما أراد الدين، إلى قيم تحمل روح السلبية والخضوع والاستسلام أكثر مما تثيره من روح الفاعلية والقدرة الذاتية على التغيير إلى كل ما هو أصلح، وذلك بسبب تفسيرات للتيارات الفكرية الإسلامية فى عصور الضعف والتفكك لوحدة المسلمين منذ القدم ظلت تلقى بظلالها على بعض العاملين فى الحقل الإسلامى حديثًا، لاسيما الصوفية منهم.
ولقد شخص علماؤنا هذا الداء القاتل الذى أدى إلى توقف الحضارة، بفتور همة المسلمين وضعف الإرادة لديهم، وتمكن المفاهيم الخاطئة والسلبية لقيم الإسلام فى فكرهم ووجدانهم، وممن كتب فى هذا الشأن :

الأستاذ خالد محمد خالد قائلاً- فى ضوء تعليقه على حديث الرسول صلي الله عليه وسلم : «إذا قامت الساعة وفى يد أحدكم فسيلة... الحديث»- لقد خسر المسلمون كثيرًا حين جهلوا هذا الحديث ومثله من الأحاديث الكثر التى مجد الرسول صلي الله عليه وسلم فيها العمل وجعله عبادة وقربى وفريضة، وبعد أن كنا مصدر إشعاع للحضارة بما بذلنا من جهد فى إعمار الحياة أمسينا ولا دور لنا فى الأعمال العظيمة التى تتألق فى الحضارة الماثلة.. لقد مرت بنا عصور جاهلة ومظلمة اهتدينا فيها بغير هدى الإسلام وران على عقولنا وقلوبنا من التعاليم ما صدنا عن الحياة وجعل التفوق فيها عبثًا لا ينبغى للمسلم أن يقترفه ودلانا الجهل بغرور، وظننا أننا سنكون سادة الآخرة بقدر ما نكون فى الدنيا مستضعفين أذلاء.. وتركنا الكثير من الأعمال التى تدفع بذويها إلى الصفوف الأولى، وكانت حجتنا: أن الدنيا ساعة فاجعلها طاعة!! ونسينا الكلمة العظيمة التى قالها أحد عظماء رعيلنا الأول: «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا»

ثم نراه يستصرخ فينا روح الإيجابىة والفاعلية التى هى روح الدين وقوامه بقوله: «ليس العمل وفقًا على العبادات المحضة، بل هو يظل كذلك العمل فى سبيل الحياة.. إعمارها وإكثارها وإزهارها، بل إنه من العبادات والقربات. والمسلم الفاهم لدينه والمخلص له هو الذى يضرب فى الدنيا بذراع قوية باسلة ولا يترك مجالاً للإبداع والعمل إلا نزح منه الدلاء الكثير وأبلى فيه بلاءً حسنا.. وأن خير ما نصنعه لأنفسنا اليوم هو إهاجة القدرة المبدعة الخلاقة، وأن نعرف واجبنا نحو تشكيل المستقبل.. هذا المستقبل الذى لن تصنعه سوى الأعمال الكبيرة والجليلة التى نتخطى بها المخاوف واليأس ونقتحم بها أسوار المجهول، ونتذكر فيها قول الرسول صلي الله عليه وسلم : «إن الله يحب معالى الأمور».. إن العمل فى دنيانا رسالة والعمل عبادة المؤمنين الأقوياء، وكما سنسأل بعد الموت عما قدمنا لأنفسنا من عبادة سنسأل عما خلفنا وراءنا من أعمال وأثار، فإن الله سبحانه قال لنا: ( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) [النور: 56]، وهو الذى قال لنا أيضًا: ( اعملوا فسيري الله عملكم ورسوله والمؤمنون )[التوبة: 105](1).

بمثل هذا المفهوم لقيمة العمل فى الإسلام -لو طبقناه فى واقعنا- لتغير وجه الحياة إلى الأفضل، ولكن أنى ذلك فى مواجهة التفكير السلبى الذى جعل العبادة فقط هى معيار الصلاح، وذلك فى طقوسها الشكلية مجردة من العمل والحركة والسعى فى الأرض بكافة ضروبه. وفى هذا الصدد يقول الدكتور يوسف القرضاوى: «إن الأمم والرسالات تحتاج إلى المعادن المذخورة والثروات المنشورة، ولكنها تحتاج قبل ذلك إلى الرءوس المفكرة التى تستغلها والقلوب الكبيرة التى ترعاها والعزائم القوية التى تنفذها، إنها تحتاج إلى الرجال؛ الرجل أعز من كل معدن نفيس، ولذلك كان وجوده عزيزًا فى دنيا الناس، حتى قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : «إنما الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فىها راحلة» متفق عليه، من حديث ابن عمر. والرجل الكفء هو إكسير الحياة وروح النهضات وعماد الرسالات ومحور الإصلاح»(2).

وعن صفة تلك الصفوة التى تقود الحضارة ودورها فى المسيرة الحضارية لكل شعب (أمة).. يتكلم توينبى قائلاً: «لابد لكل جماعة إنسانية من صفوة، فئة قائدة، لكى تتقدم وتتحسن أحوالها، ولا يتم تقدم إذا عدمتها الجماعة، فكأنها ضرورة للتقدم والنهوض، ولكنها ليست بالضرورة طبقة متماسكة فهى قد تتكون من رجال ذوى ملكات شتى، هذا فى الحرب، وذاك فى السياسة، وثالث فى العلم، ورابع فى الشعر وما إلى ذلك... ولا تزال الجماعة بخير من الناحية السياسية.. ولا تتأثر بما أنزل بها من خطوب مادامت صفوتها القائدة سليمة، ولكن البلاء يأتى عندما تصاب هذه الصفوة أو تفسد أو يقع الشقاق بين أفرادها فتختلف كلمتها وتعجز عن القيادة». وفى هذا الصدد أيضًا تكلم اشبنجلر فى كتابه: «تدهور الحضارة الغربية»، فيقول: «تتولد الحضارة فى الوقت الذى تستقيظ عند فئة من الناس نفس قوية تنتشل نفسها من بين ثنايا الأحوال العقلية البدائية التى يتردى فيها جنس بشرى... وتزدهر هذه النفس على أرض بلا حدود دقيقة تظل ملتصقة بها التصاق النبات»(3).

والمجددون المسلمون كانوا طليعة من كشف اللثام عن العوامل التى تحول دون وجود هذه الصفوة الممتازة من الرجال، على النقيض مما كان فى عصور الإسلام الأولى، منهم الكواكبى فى كتابه: «أم القرى» فنجد تحليلاً دقىقًا لأسباب الفتور الذى ألم بالمسلمين عامة منها:

1- الأصول الجبرية والتزهيدية الممتزجة بعقائد الأمة، مع أن من الصحابة من نال الغنى والرئاسة فضلاً عن الثواب وكانوا زهادًا، لا كالزهد الذى ندعيه الآن كذبًا ورياءً.
2- تحول السياسة بعد عصر الرسول والراشدين إلى ملك عضوض وفقدان الحرية.
3- أننا ألفنا لسنوات: الاستعباد والذل والاستبداد، فصار الانحطاط طبعًا لنا.
4- التضييق على العلماء، لا رزق ولا حرمة، فشوشت العقائد وضعف اليقين فضيع الأكثرون حدود الله، ففسدت دنياهم واعتراهم الفتور.
5- غياب التربية القومية التى ينتج عنها رأى عام لا يطرقه تخاذل ولا جمعيات منتظمة تسعى بالخير.
6- دخول الفساد على التصوف.
7- غياب المجتهدين والفقهاء الذين علموا طرائق الاجتهاد والاستنباط.. وما أحد منهم دعانا إلى الاهتداء به مطلقًا(4).

ولعل فى كلمة الكواكبى السابقة ما يكفى فى هذا الشأن، ويغنى عن ذكر موقف محمد عبده والأفغانى ورفاعة الطهطاوى ومحمد إقبال.. وغيرهم، الذين نقدوا عقيدة الجبر وتلاقوا فى كثير مما ذهب إليه الكواكبى من عوامل كانت سببا فى الفتور الذى ألم بالمسلمىن وأعاقهم عن النهضة المنشودة، حيث انطفأت جذوة العقيدة التى أشعلت حماسة الرعيل الأول من المسلمين فنهضوا لبناء حضارة الإسلام العظيمة، وتحولت العقيدة فى عصرنا الراهن إلى طقوس جوفاء أضاعت سماحة الدين(5).

ولهذا فإن أشد ما يؤدى إلى انهيار الحضارات هى العوامل الداخلية المتعلقة بالإنسان بالدرجة الأولى، ثم يأتى بعدها العوامل الأخرى(6).
وليس من قبيل العجب والدهشة إذًا حين يتفق معظم الباحثين على أن السبب فى تدهور الحضارة الإسلامية يرجع فى معظمه إلى عوامل داخلية، وقلما كانت هناك إشارة إلى عامل خارجى مثل الحروب الصليبية وغيرها، إلا وأتى على استحياء شديد إن لم ينعدم ذكره ، فمن هؤلاء الباحثين الدكتور عماد الدىن خليل فى كتابه: «مدخل إلى الحضارة الإسلامية»، حىث جعل عوامل تدهور الحضارة الإسلامية هى:
1- انحسار الجهاد وتضاؤل الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.
2- غياب مفهوم التوحيد وتسلل الشرك.
3- الاستبداد السياسى.
4- الفصام بين القيادتين الفكرية والسياسية.
5- طغيان القبلية والإقليمية والعرقية على مفهوم الأمة.
6- الظلم الاجتماعى.
7- الترف والتحلل الخلقى والسلوكى.
8- التمزق المذهبى.
9- الغلو والتشدد.
01- انتشار الرؤية الإرجائية.
11- انتشار الصوفية المنحرفة والبدع والخرافات.
21- غياب الاجتهاد وسيادة التقليد والاتباع.
31- غياب العلم وانتشار الجهل.
41- الصراع بين الثنائيات.
51- فوضى التعامل مع الآخر.
61- أخطاء القيادات الإسلامية المتأخرة.
71- العوامل الخارجية(7).

ولا شك أن كل عامل من هذه العوامل يحتاج إلى بحث ودراسة مستفيضة مؤصلة من الكتاب والسنة الصحيحة وخلاصة فكر المجددين والمفكرين المسلمين المستنيرين والذين يقوم منهجهم على الامتثال لقوله تعالى: ( محمد رسول الله والذين معه أشداء علي الكفار رحماء بينهم تراهم ركّعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الانجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوي علي سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما ) [الفتح: 29] وهم على وعى كامل من أن السبيل للخروج من هذا المأزق الحضارى يكمن فى ضرورة النقد الذاتى ومواجهة التحديات فى شجاعة بالغة مهما كانت التضحيات ابتغاء ومثوبة من الله سبحانه.

منهج القرآن فى تقوية الإرادة وشحذ الهمم :

إن إيجابىة المسلم تتحقق على أرض الواقع، بوعيه لحقيقة الآخرة وإدراكه قيمة الدنيا ومعرفته حقيقة وجوده وطبيعة رسالته، فينطلق لينادى الناس بالرسالة.. حتى وإن خذله الناس وإن تكاتفت ضده قوى البغى.. وليس له نفوذ بين أفراد مجتمعه فهو يسعى سعى الرجل الذى (جاء من أقصى المدينة يسعى) ينادى قومه: (يا قوم اتبعوا المرسلين) فلا ينشغل بضعفه وقلة حيلته، ولكنه يسرع الخطى من أقصى المدينة ليأتى أمام الكافرين ليعلنها صريحة أمامهم (إنى آمنت بربكم فاسمعون)، ولم يقل الرجل إنهم كفروا برسل الله فما تغنى كلماتى أو قال: لم يؤمن الناس بالرسل أفتؤمنون بكلام ضعيفهم.. ليزف بعد ذلك إلى السماء شهيدًا: ( ياليت قومي يعلمون . بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين ) [يس:26، 27]، فإما نصر وإما شهادة. إن إيمانه أبى عليه السكون وعدم التحرك، وإن عقيدته أبت عليه الخضوع والاستكانة. إننا مطالبون مع الإيمان بهذا الدين أن نكون أنصار الله لكى ينصرنا ربنا وننال عز الدنيا والآخرة: ( فالذين آمنوا به وعزّروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون ) [الأعراف:157] ، ( وأنتم الأعلون ان كنتم مؤمنين ) [آل عمران: 139]، والتمكين فى الأرض يتحقق بتسخير كل الطاقات أخذًا بالأسباب، وسعادة الآخرة تنال بتقوى الله، وبهذا كله تتحقق على أرض الواقع حضارة اليوم الآخر، ثمرة هذا المنهج الربانى الذى أسس على التقوى من أول يوم، فينتصر المنهج بعمل الرجال وتضحياتهم وثباتهم وانتصارهم على أنفسهم»(8).

فالمنهج الصحيح للتطلع نحو الآفاق ينبغى أن يمهد له بعمل داخلى يمارس فى النفس، لأن الأمانى والتواكل والتبرير وكل المثبطات تنبع من داخل الذات(9)، قال تعالى : ( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءايجز به ولايجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ) [النساء:123]، ويقول الرسول صلي الله عليه وسلم : «ليس الإيمان بالتمنى ولا بالتحلى، ولكن ما وقر فى القلب وصدقه العمل وإن قوما ألهتهم الأمانى وخرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم، وقالوا: نحسن الظن بالله، كذبوا لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل..» حديث صحيح.

وهناك كتاب يدرس موضوع الهمة وكيفية تقويتها من المنظور الإسلامى، حيث نجد فصلاً كاملاً عن أسباب الارتقاء بالهمة ومنها :
(1) العلم والبصيرة، فالعلم يصعد بالهمة ويرفع طالبه عن حضيض التقليد ويصفى النية ويورث صاحبه الفقه بمراتب الأعمال فيراعى التوازن والوسطية بين الحقوق والواجبات امتثالاً لقوله تعالي : «أعط كل ذى حق حقه»، ويبصره بحيل إبليس.

(2) إرادة الآخرة قال تعالى: ( ومن أراد الآخرة وسعي لها سعيها وهو مؤمن فأؤلئك كان سعيهم مشكورا ) [الإسراء: 19]، وقال صلي الله عليه وسلم : «من كانت همته الآخرة جمع الله شمله وجعل غناه فى قلبه وأتته الدنيا راغمة، ومن كانت همته الدنيا فرق الله عليه أمره وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتبه الله له» رواه ابن ماجة وصححه الألبانى (رقم 948).

(3) التحول عن البيئة المثبطة: لأن لها أثرًا جسيمًا على الإنسان، خاصة إذا كانت داعية إلى الكسل والخمول وإيثار الدون، فإن على المرء أن يهجرها إلى حيث تعلو همته، وأشد الناس حاجة إلى ذلك حديث العهد بالتوبة.
(4) ومن أهم أسباب الارتقاء بالهمة: صحبة أولى الهمم العالية ومطالعة أخبارهم، فكل قرىن بالمقارن يقتدى، وإن العبد ليستمد من لحظ الصالحين قبل لفظهم، لأن رؤيتهم تذكره بالله عز وجل، وعن أنس رضى الله عنه قال صلي الله عليه وسلم : «إن من الناس ناسا مفاتيح للخير مغاليق للشر» أخرجه ابن ماجة، وعن ابن عباس رضى الله عنهما عن النبى صلي الله عليه وسلم فى قوله تعالى: ( آلا ان أولياء الله لاخوف عليهم ولاهم يحزنون ) [ىونس: 62]، قال: هم الذىن يذكر الله رؤيتهم. وقال زين العابدين على بن الحسن ابن على رضى الله عنهم: «إنما يجلس إلى من ينفعه فى دينه».

(5) المبادرة والمثابرة فى كل الظروف، فكبير الهمة لا يستنيم للأمر الواقع، بل يبادر ويبادئ فى أقسى الظروف، فهذا شيخ الإسلام ابن تيمىة يكتب فتاواه وهو سجين وىرسلها إلى تلاميذه، ولما أصدر السلطان أمرًا بإخراج ما عنده من الكتب والأقلام ظل يكتب فتاواه ورسائله بالفحم وعلى جدار السجن اقتداء بأنبياء الله، فيوسف الصديق عليه السلام يغتنم سؤال السجينين عن رؤياهما ليبث إليهما دعوة التوحيد(10). ( يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ) [يوسف: 39]، والله سبحانه يدعونا إلى الصبر وتحمل المشاق مهما كانت صعوبة الحياة ومشاقها: ( يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ) [آل عمران: 200]، ( وجاهدوا في الله حق جهاده ) [الحج: 78]، ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وان الله لمع المحسنين ) [العنكبوت: 69].

وقد تواردت نصوص القرآن الكريم فى الحث على ارتياد معالى الأمور، والتسابق فى الخيرات، والتحذير من سقوط الهمة، وتنوعت أساليب القرآن فى ذلك، منها :

" ذم ساقطى الهمة وتصويرهم فى أبشع صورة كما قص الله علينا من قول موسى عليه السلام لقومه: ( أتستبدلون الذي هو أدني بالذي هو خير ) [البقرة:16]، وقال تعالى واصفا حال اليهود الذىن علموا فلم يعملوا: ( مثل الذين حمّلوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لايهدي القوم الظالمين ) [الجمعة: 5].
وشنع عز وجل على الذىن يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة ويجعلونها أكبر همهم باعتبار هذا الإيثار من أسوأ مظاهر خسة الهمة والذى يترفع عنه المؤمن : ( يا أيها الذين آمنوا مالكم اذا قيل لكم انفروا في سبيل الله أثاقلتم الي الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة الا قليل ) [التوبة: 38]، وقال تعالى : ( من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة ) [النساء:134]، وقال تعالى: { فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وماله في الآخرة من خلاق . زمنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ) [البقرة: 220، 222].

وعاب حرص اليهود على حياة أى حياة، ولوكانت ذليلة، فقال عز وجل: ( ولتجدنهم أحرص الناس علي حياة ) [البقرة: 96].
كما أثنى الله سبحانه على أصحاب الهمم العالية، وفى طليعتهم الأنبياء والمرسلين: ( فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ) [الأحقاف: 35]، كما قصر مواقف الهمة العالية عن المؤمنين كما فى قصة موسى عليه السلام: ( قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فاذا دخلتموه فانكم غالبون وعلي الله فتوكلوا ان كنتم مؤمنين [المائدة: 23]، وكما فى قصة مؤمن آل فرعون الذى كان يكتم إيمانه، وقصة حبيب النجار فى سورة يس، وقصة داود وجالوت، والتى قال اهلى فيها: ( قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة باذن الله ) البقرة: 249]

كما عبر عن أوليائه الذين كبرت همتهم بوصف الرجال فى مواطن البأس والجلد والعزيمة والثبات على الطاعة والقوة فى دين الله ، فقال تعالى : ( يسبح له فيها بالغدو والآصال . رجال لاتلهيهم تجارة ولابيع عن ذكر الله واقام الصلاة وايتاء الزكاة ) ( النور : 36 ، 37 ) ، وقال تعالى : ( من المؤمنين رجال صدقوا ماعاهدوا الله عليه فمنهم من قضي نحبح ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ) [الأحزاب: 23].
كما أن الله سبحانه أمر المؤمنين بالهمة العالية والتنافس فى الخيرات، فقال عز وجل : ( وسارعوا الي مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدّت للمتقين ) [البقرة: 148]، وقال : ( لمثل هذا فليعمل العاملون ) [الصافات: 61] ، ( وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ) {$ّفٌى ذّلٌكّ فّلًىّتّنّافّسٌ پًمٍتّنّافٌسٍونّ} [المطففىن: 62]، وامتدح أولياءه بأنهم : ( يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون ) [المؤمنون: 61]، وقال تعالى : ( لايستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم علي القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسني وفضّل الله المجاهدين علي القاعدين أجرا عظيما ) [النساء: 59] (11).

ولأن التنشئة الأولى وغرس قيم الفاعلية والإيجابية فى الصغر له أهمية قصوى، حيث تصير عادة وطبعًا فى الإنسان يصعب فكاك هذه القيم العليا التى تربى عليها عنه. وعدم الاهتمام بعامل التربية على أسس الإسلام الصحيحة منذ الصغر أحد أسباب نكبة المسلمين الحضارية، وقد سبق ذكر موقف مفكرى الإسلام من هذه القضية، ونضيف إليه فى هذه الجزئية الخاصة بالتنشئة قول الكواكبى : «عدم معرفة المسلمين كيف يحصل انتظام المعيشة، أى الإرشاد إلى الحكمة فى شئون الحياة، ومن يعملون لا يقوون على العمل بسبب فساد التنشئة الأولى لجهالة الفساد، ومنها عدم التمرن والألفة، ومنها عدم مساعدة الظروف»(12)، وقد عد الكواكبى ذلك من أسباب فتور المسلمين. ومحمد عبده جعل الفتور وسقوط الهمم منبعه البيت، ثم يصب فى الأمة.

ولذلك كان ينادى بأعلى صوته لعله يحيى النفوس المستكينة للذل والهوان المستسلمة لواقعها مهما كان مؤلمًا ومنافىيا لما دعا وحث عليه الدين فيقول:" يا قوم فإن شئتم فارحموا أنفسكم وإلا فأنتم ساقطون فيما فيه تخافون، يا قوم يوثر فى كتبكم من كلام أسلافكم: الشجاع محبب حتى لعدوه، والجبان مبغض حتى لأبيه وأمه. ما عز قوم بالخضوع ولا استهين شعب بالإباءة.. لماذا تعدون أنفسكم فى الدرجة الدنيا عن سواكم؟ ألستم تمتازن بالإيمان الصادق؟ والعقائد الصحيحة؟ فإن قمتم بطلب حقوقكم يصيبكم أكثر مما يصىب أعداءكم؟ إن كان الموت فهم يخشونه وإن كان الخسار فهم يرهبونه، إنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله مالا يرجون، لأى شىء يخاطر عدوكم بماله ودمه للتغلب على ما ليس له؟ ولأى سبب لا تقدمون شهامتكم فى حفظ ما هو لكم ؟ إن هذا الشىء عجاب. "

ولا نرى واقعنا الحاضر يقل فى مثالبه التى تستدعى صرخات العالم أجمع عن عصر محمد عبده، حيث كان العالم الإسلامى يرزح تحت نير الاستعمار، فالاستعمار قد أطل علينا برأسه من جديد متوعدًا إيانا بهلك الحرث والنسل، وهذا واقع نعيشه فى العراق وفلسطين وأفغانستان، مما يدفعنا إلى العمل بشتى السبل لتنشئة جيل ربانى على قاعدة قيمية من القرآن والسنة.

والدكتور سليم العوا يلفت الانتباه إلى ضرورة الحاجة إلى إعادة بناء القيم التى يتربى عليها الأبناء، والتى غفل عنها الكثير من علماء الإسلام مع أهميتها القصوى فيقول: «نحن نعلم أن حمل الناس على منهج جديد فى تربية الأبناء أمر صعب لأنه يقتضى أن ىغير الكبار فى أنفسهم ما شبوا -وربما شابوا- عليه من مسلك فى التربية يتسم بمثالب كثيرة أهمها : الإهمال وعدم الاهتمام والإفراط فى القسوة والشدة حينا، والإغراق فى اللين والتدليل أحيانا، ولكن الاهتمام بهذا الأمر ضرورة، والاستثمار فيه هو الاستثمار الوحيد المضمون العائد، وهو مرضاة للرب ومجلبة للحمد فى وقت واحد»(13).

ثم هو يلقى الضوء على بعض المعانى التربوية، والتى هى فى حاجة إلى دراسة مستفيضة نظرًا لأهميتها فى بناء الشخصية الحضارية للإنسان المسلم، حيث يقول : «من المعانى التى يغفل عنها كثير من الناس فى فقه التربية : معنى الرفق.. والرفق أصل إسلامى عظيم، وهو مبدأ عام يدخل فى كل شىء... ويتسع لىشمل الناس أجمعين، وفى صحيح الإمام مسلم رواية عن عائشة فيها: «إن الله رفيق يحب الرفق ويعطى على الرفق مالا يعطى على العنف »، وعن أبى الدرداء رضى الله عنه أن النبى صلي الله عليه وسلم قال : «من أعطى حظه من الرفق فقد أعطى حظه من الخير، ومن حرم الرفق فقد حرم حظه من الخير»(14).

بالاضافة الي ذلك فانه يدعو إلى أن يكون الرفق ليس فقط مع الذين يلبون طلباتنا سواء كانوا أطفالاً أو غيرهم فى أى موقع من مواقع الحياة، وإنما أيضًا مع أطفالنا الذين كثيرًا ما يحدث منهم ما نظنه غباء أو تقصيرًا فى العمل فيقول: «إن العنف يحطم الشخصية وىفقد الإنسان الثقة فى نفسه ويورثه كره الذىن يمارسونه معه ولا ينشئ إلا إنسانًا جبانًا يخاف ولا يستحى ويطيع رهبة وخوفًا لا رغبة وحبًا وينفذ ما يؤمر به رعبًا من العقاب لا اقتناعًا بجدوى الصواب»(15).

ومن معالم التربية القرآنية والنبوية والتي تمثل قيمة عليا وسبيلاً للوئام والسلام والمحبة بين الناس جميعًا، الرحمة : «والذين تربوا على الرحمة يكونون فى العادة ذوى حس مرهف وذوق سليم وفكر مستقيم ونفوس هادئة وادعة، وذلك كله عون لصاحبه على مصائب الدهر يجعله يستشعر قرب رحمة الله مهما تكن المحن قاسية وهم الذين حين يدعوهم الداعى لتجدهم أكثر الناس سخاء وأعظمهم عطاءً فتعرف أنهم من الذين وقوا شح أنفسهم : ( ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) ، ونجدهم يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، والرسول صلي الله عليه وسلم يقول: «إنما يرحم الله من عباده الرحماء»(16).

ولذا يدعو القائمين على تربية الآخرين أن يفقهوا دور الرحمة فى التربية وأثرها فى صناعة النفوس البشرية وخطر الجفاء والقسوة، والمجتمع كله مسئول عن شيوع روح الرحمة بين أفراده وجماعاته، فإن المؤمنين الذين يتواصون ( بالصبر وتواصوا بالمرحمة ) [البلد:17]، يكونون يوم القيامة من ( أصحاب الميمنة ) [البلد:18]، والآخرون هم ( أصحاب المشأمة ) [البلد:19].

وفى هذا الصدد أيضًا يعرض الأستاذ خالد محمد خالد الكثير من القيم الحضارية فى السنة النبوية بطريقة مؤثرة فى النفس مستدعيا كل أحاديث الرسول صلي الله عليه وسلم حين مناقشته لكثير من القيم الأخلاقية التي حث عليها صلي الله عليه وسلم وذلك من خلال فهمه وفلسفته التي تعكسها كتاباته لتلك الأحاديث النبوية وماتحمله من معاني القيم الإنسانية التى بدونها يتلاشى المسلم وتضيع قيمته فى ميزان الحضارات بمقدار قوة الحركة والفاعلية والتأثير، ونقتبس من كلماته هذه المعانى(17)...

حين يذكر مدى أهمية أن يكون الإنسان ساعىيا فى خدمة أخيه مفرجًا لكربه فيقول : «عندما قال الله سبحانه مخاطبًا عباده : ( افعلوا الخير لعلكم تفلحون )[الحج: 77]، كان يضع أعينهم على خير مراقيهم إلى السمو والكمال.. فلم تحمل الأرض فوق ظهرها أفضل من أولئك الذين يسدون الخير وينبذون الشر ويتعبدون إلى الله بمقدار ما يقدمون للآخرين من عون، ثم يعدد لنا الأحاديث النبوية الصحيحة فى هذا الشأن منها:
حديث عائشة رضي الله عنها عن النبى صلي الله عليه وسلم في قوله : «ما عظمت نعمة الله عز وجل على عبد إلا اشتدت إليه حاجة الناس، ومن لم يحمل تلك المؤنة للناس فقد عرض نعمة الله عليه للزوال». هذا هو الخير: أن تكون نداء النجدة للمكروبين، وأن يكون اسمك خير عطايا الحياة وهباتها وبشرياتها.. وكان عليه الصلاة والسلام يقول : «لأن أمشى مع أخ فى حاجة أحب إلى من أن أعتكف فى مسجدى هذا شهرًا». وىقول الرسول صلي الله عليه وسلم : «أفضل الأعمال إدخال السرور على المسلم، تكسو عورته أو تشبع جوعته أو تقضى له حاجته»، ويقول الرسول صلي الله عليه وسلم : «إن لله خلقا خلقهم لحوائج الناس يفزع الناس إليهم فى حوائجهم أولئك الآمنون من عذاب الله »(18)، ثم هو يشرح كل حديث بأسلوب تجديدى، نحن فى حاجة إلى مثله فى عرض قيمنا الحضارية التى تنمى فينا الإيجابىة والفاعلية، أى تجديد عرض الخطاب الأخلاقى فى الحضارة الإسلامية، لكى نهيئ الأرضية الأساسية الإسلامية للمعرفة والحياة الإنسانية عامة على الأصول الصحيحة للإسلام، فنحصل على الإنسان المسلم والمجتمع الإسلامى الحق كما صوره الكتاب والسنة.

وهذا أصبح ضرورة من أجل تغيير واقعنا السلبى المتخلف حضاريا، ومما ساعد علي ترسيخ هذا الواقع السلبى الخطاب الدينى الذى حمله الصوفية، بدعوتهم للتزهد فى الدنيا والعزلة عن الحياة والبعد عن العمل باسم التوجه للآخرة والتفرغ للعبادة، فتولدت مشاعر الكراهية للحياة وراجت أحاديث فهمت بمعان سلبية تدعو إلى احتقار الدنيا ونبذ ما فيها.. حتى أن الغزالى وهو الصوفى الورع لم يطق هذا الغلو الشاطح باسم الدين، فجعل العمل فى الدنيا عملاً للآخرة ولا فصل بينهما «فالمعين على قضاء حاجات الدنيا معين على الآخرة، إذ الوصول إلى الآخرة بهذه الأسباب الدنيوية»(19)

وان كانت قد زينت الشهوات للناس ودفعوا إلى إشباعها، لكن فى حدود الوسطية والاعتدال التى عُرف بها الإسلام والتى تحفظ للناس الاستقامة والخير والسعادة دون بغى أو فساد قال تعالى: ( زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المثومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا [آل عمران:14]، وقال تعالى: وقال تعالى فى سؤال إستنكارى : ( قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ) [الأعراف:32].

أما فى السنة فقد روى عن الرسول صلي الله عليه وسلم أحاديث كثيرة فى هذا الشأن منها: «خيركم من لا يترك آخرته لدنياه ولا دنياه لآخرته»، وقوله صلي الله عليه وسلم لحمزة: «يا حمزة إن الدنيا خضرة حلوة فمن أخذها بحقها بورك له فيها»، وقوله: «وكلوا أطيب الطعام والبسوا أجمل الثياب وانتعلوا أحسن النعال، وليمش الواحد منكم بين الناس وكأنه شهبة مضاءة»(20).

«ولن يكون طيب الطعام إلا بإنتاجه وفن طهوه ولا جميل ثياب إلا بغزلها ونسجها وحياكتها، ولا حسن انتعال إلا بمهارة صناعية، ولن يتحول الإنسان إلى شهبة مضاءة إلا بنظافته... ولكن كثيرًا من المسلمين فى عصور الضعف والانحطاط أهملوا ذلك للأسف وساءت أحوالهم.. إن الشعور بالحقارة لا ينتج حضارة، فالحضارة كما عرفها ابن خلدون تتلخص فى عمران وترف وتأنق واستجادة حياة»، فقال عن الحضارة : «هى أحوال عادية زائدة على الضرورى من أحوال العمران.. وهى التفنن فى الترف واستجادة أحواله والكلف بالصنائع التى تؤنق من أصنافه. بحيث يكون التأنق فى البناء والكساء والغذاء وغير ذلك مما يعبر عنه برفه السعداء»(21)، وىقرر بأن «العرب تجاوزوا البداوة وأصلوا الحضارة وبلغوا حد الترف فى الأحوال واستجادة المطاعم والمشارب والملابس والمبانى والأسلحة والفرش والآنية وسائر الماعون(22)، وشعارنا الذى نؤمن به أن يكون الإسلام أولاً للتقدم فى الدنيا قبل أن يكون للتقدم نحو الآخرة ، إن الآخرة خير وأبقى للذين عاشوا دنياهم بحكم الله أعز وأقوى... أما الذين توفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم وكانوا مستضعفين فى الأرض وجودهم باهت وحياتهم مفلسة، فأولئك الذىن ضُربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله»(23).
ولن يجلى معانى القيم الحضارية القرآنية، إلا العلماء الراسخين فى العلم وفقه الدين وأحكامه، ويعمل تحت إشرافهم الباحثون المتخصصون فى الدراسات الإسلامية لاسيما الحضارية منها، وهذا للأسف ما نفتقده فى مجتمعاتنا: العمل الجماعى الذى يجمع الجهود ويدفعها للأمام وليس الأعمال الفردية المبعثرة، والتى غالبًا ما تأتى مكررة، ومما يمثل حجر عثرة فى سبيل هذا الخطاب الحضارى الذى تحمله قيم الإسلام التى يغفل عنها الكثيرون.. المتشددون الذين تختلط فى عقولهم الثوابت بالمتغيرات دون تفرقة بينها، يهملون فروض الدين التى دعا إليها، لا أقصد فى مجال العبادة، وإنما فى مجالات الحياة عامة وبلوغ الرقى والدرجات العلا فيها، فهذه الأمور لا يهتمون بها، ويقفون موقف تشدد وغلو فى أمور هى من فروع الدين والتى جعل الله الاختلاف فيها رحمة بالأمة، ولكن للأسف يحاولون حمل الناس على رأى واحد بسبب ضيق الأفق والتعصب لديهم ، والذى يتنافى مع سماحة الدين وسعته فى مثل هذه الأمور، ومثل هذا الجو لا يمكن أن تتمكن العقلية الإسلامية من الإبداع تحت سياط مثل هذه القيود التى صنعناها بأنفسنا، والتى طالما حارب علماء الإسلام ومفكروه ومجددوه على فكها وتحطيمها من أجل إعادة النهضة والبناء لحضارة الإسلام والعودة بها مرة أخرى لقيادة الإنسانية فى ظل فشل كل الإيديولوچيات المعاصرة.

وهذا لن يتأتى إلا بوضوح الرؤية حول معالم هذا الخطاب الحضارى الإسلامى والتأسيس للعمل انطلاقًا من هذه الرؤية والتى يعبر عنها د. حامد طاهر بقوله: «إن الخطاب الأخلاقى فى الإسلام يتخذ مسارًا يختلف كثيرًا عن الفكر الأخلاقى فى تاريخ الفلسفة العام.. وذلك لأنه خطاب دينى يستمد مصادره الأساسية من القرآن الكرىم والسنة النبوية وسيرة السلف الصالح الصحابة والتابعين وبعض الشخصيات المتميزة فى تاريخ الإسلام، كما أنه يظل دائمًا فى إطار الفكرة الدينية يستلهمها ويستمد منها، وهو خطاب يرتبط بالواقع ارتباطًا وثيقًا ويبعد عن تناول الأمور المجردة، وفى ظل وحدة مصادر هذا الخطاب فإن الفكر الأخلاقى الإسلامى يتمىز بالرؤية المتفردة كأصحابه، فالغزالى غير ابن حزم، وكلاهما غير ابن الجوزى أو المحاسبى أو الجاحظ، وهذا يمنح الخطاب الأخلاقى فى الإسلام قدرًا كبيرًا من الغنى والاتساع وتجديده باستمرار، وأخيرًا فإن الخطاب الأخلاقى فى الإسلام لا يقتصر وجوده على أعمال الفلاسفة المسلمين وحدهم وإنما هو متناثر فى كتابات الأدباء والفقهاء والصوفية والوعاظ وعلماء الكلام، وهكذا ينفتح أمام دارس الأخلاق الإسلامية مجال أكثر رحابه، لكى ينتقى منه أقرب النماذج إلى روح العصر الذى يعىش فيه وأكثرها تعبيرًا عما يرىد أن يقوله للجيل والنشئ الذى يكون فيه»(24).

وللأسف فإننا مع امتلاكنا لهذا الإرث الأخلاقى الواسع، وقبله القرآن الكريم والسنة النبوية واللذان يحويان ألوف الحكم التشريعية والسياسية والتعليمية والأخلاقية مالم يوجد عند المتقدمين والمتأخرين من أعاظم الأمم الأخرى إلا أننا لا نحسن تقديمها بشكل عصرى مناسب يفهمه العامة قبل الخاصة، وقد قطع الغرب شوطًا كبيرًا فى هذا المجال، فكثيرة هى مؤلفاتهم عن تنمية القدرات الذاتية والفاعلية والجوانب الإيجابىة فى الإنسان وتلمس شتى الوسائل والمهارات لاستخراج كوامن الإبداع والمهارة فى الشخصية الإنسانية، وكان هذا مثار إعجاب لعالم جليل مثل الشيخ محمد الغزالى، والذى كان كتابه «جدد حياتك» هو المنهج الذى تأثر فى كتابته بالعالم الأمريكى الشهير «ديل كارنيجى» فى كتابه: «دع القلق وابدأ الحىاة» حيث أصّل الشيخ الجليل كل مبدأ من المبادئ التى ذكرها «كارنيجى» بنظيرها في ثقافتنا الإسلامية الصحيحة والتطبيق العملى لها فى تاريخنا الحضارى الإسلامى ولم ينكر الشيخ ذلك، وإنما حث علي ضرورة أن تكون لنا الريادة فى هذا الصدد، ففى مقدمة كتابه السابق يقول : «وللفطرة فى بلاد الإسلام كتاب يتلى ودروس تلقى وشعوب هاجعة : ولها فى بلاد أخرى رجال ينقبون عن هداياتها كما ينقب المعدنيون عن الذهب فى أعماق الصحارى، فإذا ظفروا بشىء منه أغلوا قدره واستفادوا منه.. ونتاج الفطرة الإنسانية فى البلاد المحرومة من أشعة القرآن الكريم نتاج واسع الدائرة متفاوت القيمة وليس يصعب على من له أثارة من علم بالإسلام الحنيف أن يرى المشابهة بين الدلالة الصامتة هناك والدلالة الناطقة هنا أو بين العنوان المفصول عن موضوعه هنا، والموضوع الذى فقد عنوانه هناك. إن الانحطاط الفكرى فى البلاد المحسوبة على الإسلام يثير اللوعة، واليقظة العقلية فى الأقطار الأخرى تثير الدهشة، ولا يحملنا على العزاء إلا أن هذه اليقظة صدى الفطرة التى جاء الإسلام يعلى شأنها، أما تخلف المسلمين فسببه الأول تنكرهم لهذه الفطرة السليمة وتخاذلهم عن السير معها، وفى هذا الكتاب مقارنة بين تعاليم الإسلام كما وصلت إلينا وبين أصدق وأنظف ما وصلت إليه حضارة الغرب فى أدب النفس والسلوك»(25).

ونفهم مما سبق أن العامل الأساسى لقيام الحضارة هى تنمية الطاقات البشرية وغرس القيم الإيجابية التى تحولها من طاقة كامنة إلى قوى متحركة، ويسهم فى ذلك وجود الدافع القوى لتوجيهها، وكما يقول الدكتور سيد دسوقى: «إن الحالة الحضارية لأمة من الأمم هى مجموع الطاقات الاجتماعية التى تملكها مضافًا إليها قدرة موجهة، فالرصيد الإيمانى الذى يصدر عن تصور متكامل عن الإنسان والكون والحياة يمثل القدرة الموجهة، لأن العلم فى حد ذاته والتقنية كذلك قاصرة عن أن توجه نفسها... والقانون الحضارى الأول هو العمل الذى هو الوسيلة البشرىة لتنمية الطاقات الاجتماعية، ولا نجد فى أى كتاب فى الدنيا غير القرآن دعوة مستمرة إلى العمل حتى فى قبول الدعاء(26): ( ربنا وآتنا ما وعدتنا علي رسلك ولاتخزنا يوم القيامة انك لاتخلف الميعاد . فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثي ) [آل عمران:194، 195].
توفى هذا الصدد كتب الدكتور محمد البهى يقول: «الحضارة الإنسانية هى إيمان بالله طالما هى مجموع النشاط الإنسانى فى تفكيره... وفى ذوقه وإحساسه بالجمال.. وفى مجاله الإرادى الحر، ذلك النشاط الرفيع فى مستواه، ولن يكون نشاط الإنسان رفيعًا فى مستواه إلا إذا وعى القيم العليا أولاً وسعى إلى محاكاتها بعد ذلك، وذلك عن طريق الإيمان والإسلام... حىث إن عبادة الله هى السبيل إلى تحريك الإنسان المؤمن فى سعيه نحو محاكاة صفات الذات له جل جلاله كقيم عليا ينشدها الإنسان إذا ما فكر أو أراد وعمل فى إطار حياته الخاصة أو فى دائرة حياته مع الآخرين فى مجتمعه»(27).

« وباختصار إننا محملون بوقر التاريخ.. تراكم أخطاء الآباء والأجداد التى تمحورت عن خطيئة عدم الاستماع جيدًا لنداءات القرآن وتعاليم الرسول صلي الله عليه وسلم ، وما تنطويان عليه من كشف وإضاءة لقوانين الحركة التاريخية، لقد دعانا كتاب الله وسنة رسوله إلى منظومة من الممارسات والقيم الفاعلة فى صميم العصر: تحرير الفعل البشرى والإرادة الإنسانية من الكوابت، والتعامل الجاد مع الزمن والكتلة المادية المكان ، رفض التشبث الأعمى بالماضى وتقليد الآباء والأجداد، إدانة الأوهام والظنون والأهواء والسحر والخرافة، تأكيد أهمية العقل والحواس وتحفيزهما فى التعامل مع العالم، الإعلان عن مبدأى (التسخير) و(الاستخلاف) اللذين لن يتاح لهما التحقق دون الكشف عن الطاقات المادية وإدراك قوانينها.. هذا إلى تأكيد القرآن الواضح فى مقاطع شتى ضرورة التطبيق الصناعى كشرط من شروط حماية الإيمان فى العالم، من مثل المقاطع الخاصة بإعداد القوة واعتماد الحديد لأغراض السلم والحرب، وواقعة ذى القرنين لحماية المستضعفين فى الأرض ، والتطبىقات الصناعية المعروفة فى ظلال نبوة داود وسليمان عليهما السلام. لم يستمع أجدادنا فى العصور المتأخرة للنداء ولم يلتفتوا إلى عناوين السور القرآنية نفسها؛ تلك التى وضعت مفاتيح التحضر والتقدم فى أيدىهم من مثل (القلم) الذى يقود إلى المعرفة، و(الشورى) التى تقود إلى الحرية، فضلاً عن (الحديد) الذى يقود إلى القوة، وعندما استيقظنا وبدأنا فاعليتنا فى مواجهة تفوق الآخر كنا قد غيبنا الدين فى معظم مساحات حياتنا، فأصبح الفعل لا برنامج له وضاعت البؤرة التى تستقطب الأفعال ففقدت قدرتها على التأثير وأفلتت من بين أيدينا فرصة الحضور المؤكد فى قلب العالم والمشاركة فى صىاغة خرائطه»(28).

ولعل ما سبق يلقى الضوء كيف يسير المسلمون منذ نكبتهم الحضارية إلى الآن فى خط معاكس تمامًا لتوجهات القرآن الكريم والسنة النبوية، بالإضافة إلى أننا فى أمس الحاجة الآن إلى العمل والقيادة المؤمنة بدورها الواعية تمامًا لرسالتها التى حث عليها دينها، حيث الحاجة إليها فى كل موقع من مواقع الحياة لتأثيرها الفعال فى نهضة المجتمعات، وكما أشار إلى ذلك مالك بن نبى، وكذلك مؤرخو الحضارات كما سبق ذكره، فيجب علينا فى هذا الجيل أن نحسن المحاضن التى ينبثق منها هؤلاء الأبطال فى شتى مناحى الحياة، ونزودهم بالمعرفة الإسلامية الصحيحة لقيم دينهم وحضارته التى أشعت بنورها يومًا على العالم أجمع، وحينذاك ستتغير وجه حياتنا ومجتمعاتنا إلى الأفضل، ونستحق بذلك صفة الخيرية التى وصفنا بها فى قوله تعالـى : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) [آل عمران: 110] . شريطة أن نبذل فى سبيل ذلك المال والجهد وكل غال، مؤمنين بأننا لا نحرث فى البحر، لأن الاستثمار فى بناء الإنسان المسلم، كما أراده الكتاب، والسنة، هو هدف جليل تضاءل دونه كل الأهداف على جدتها، وذلك لأنه على سواعد هذا الإنسان المؤمن ستنجلى غياهب الظلمات التى تحيق بأمتنا من كل جانب، وحيث يسفك دماء المسلمين هدرًا وتضيع أموالهم فى أيدى السفهاء بسبب أن تكويننا النفسى كان من أثر عصور التخلف والانحطاط التى كان من نتيجتها السلبية والضعف والتخاذل والاستكانة وعدم القدرة على مواجهة الظلم وأصحابه..
وأخيرًا فإن المجتمعات التى تتحمل فيها نظم التربية ومؤسسات التوجيه مسئولياتها إزاء الزلازل الجارية فى ميدان القيم، سوف تواكب مجرى الحضارة المستقبلية وسوف تسهم فى تحسين كيان الإنسان ونقله من التخلف إلى الرقى، أما التى تتصف بالسلبية فإنها إما سترتد إلى عصر الكهوف وإما ستذوب فى بوتقة التفاعل الجارى بين القيم العالمية المختلفة(29).

مراجع المبحث

1- لقاء مع الرسول : خالد محمد خالد ، ص215 : 217
2- من أجل صحوة راشدة : يوسف القرضاوي ، ص 147
3- تاريخ الحضارة الانسانية : د. محمد خريسات ، د. عصام مصطفي خزاعة ، د . محمد عبد الكريم ، ص 35- 36
4- أم القري : الكواكبي في كتاب طبائع الاستبداد ص 67 -77
5- الاسلام ومشروعات النهضة الحديثة ص 61 ، 92 ، 262 ، 406 ، 560 الموتمر الدولي السادس للفلسفة الاسلامية ، دار العلوم
6- تاريخ الحضارة الانسانية ، ص 46
7- مدخل الي الحضارة الاسلامية : د. عماد الدين خليل ، ص 149- 205 ولمزيد في هذا الصدد ينظر الي كتب أعلام الفكر والمجددين المسلمين خاصة ( الأعمال الكاملة لمحمد عبده ، رفاعة الطهطاوي
8- والله ليتمن الله هذا الأمر : جمعة أمين عبد العزيز ، ص 194 ، 195
9- المرجع السابق ص 199 ، 200
10- علو الهمة : محمد بن أحمد بن اسماعيل المقدم ص 324 - 363 نقلا عن أخلاق العلماء : للآجري ، البداية والنهاية لابن كثير
11- المرجع السابق ص 126 - 129
12- طبائع الاستبداد ، كتاب أم القري ص 102 ، الكواكبي
13- تاريخ الأستاذ الامام : رشيد رضا 1/ 369
14- الفقه الاسلامي في طريق التجديد : محمد سليم العوا ص121
15- صحيح سنن الترمذي للألباني ص 195
16- الفقه الاسلامي في طريق التجديد ، ص 125 ، 126
17- صحيح الجامع الصغير للألباني رقم 894
18- الفقه الاسلامي في طريق التجديد ص130 ، 131
19- لقاء مع الرسول ص 115-122
20- ميزان العمل : الغزالي ، ص 59 ، 71-74
21- تاريخ بغداد : الخطيب البغدادي ج4 ص 221
22- المقدمة : ابن خلدون ، ص 368-372
23- المرجع السابق ص 172
24- الابداع في الثقافة والتربية : د . محمود قمبر وآخرون ، دار الثقافة - الدوحة ص 34 ، 35
25- الخطاب الأخلاقي في الحضارة الاسلامية : د . حامد طاهر ص 8-10
26- جدد حياتك : محمد الغزالي ، ص 11 ، 12
27- من قضايا الفكر الاسلامي المعاصر : بحث للدكتور سيد دسوقي ص 132 ، 133
28- نحو القرآن : محمد البهي ص 8
29- الوسيط في الحضارة الاسلامية ص 351 ، 352
30- التربية والتجديد وتنمية الفاعلية عند المسلم المعاصر : ماجد عرسان الكيلاني ص 16
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 16-06-2013, 08:13 PM
حلوة ميراج حلوة ميراج غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
الدولة: السعـــــــــــودية
المشاركات: 3,888
افتراضي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أهلاً بك أختي عبير
كثيراً من العوامل المذكورة بل وأغلبها نعيشها واقعاً
يدمي القلب فلا نستغرب اذا ما رأينا الأمم الأخرى تقود
المسلمين بل وتحكمهم بشكل غير مباشر
اللهم أهدي شباب الامة وأصلحهم.
__________________
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
العدل والظلم ( 1 ) : آيات الظلم في القرآن الكريم ( 12 ) : عبدالله سعد اللحيدان منتدى الشريعة والحياة 2 17-04-2014 06:42 PM
العدل والظلم ( 1 ) : آيات الظلم في القرآن الكريم ( 2 ) : عبدالله سعد اللحيدان منتدى الشريعة والحياة 2 17-04-2014 06:11 PM
العدل والظلم ( 1 ) : آيات الظلم في القرآن الكريم ( 1 ) : عبدالله سعد اللحيدان منتدى الشريعة والحياة 2 17-04-2014 06:06 PM
دليل مواقع القران الكريم . بندر ابراهيم منتدى العلوم والتكنولوجيا 0 07-01-2012 02:03 PM
بنك المعلومات.... عاشقة الازهار منتدى النقاش الحر والحوار الفكري البنّاء 4 16-12-2009 04:12 PM


الساعة الآن 08:14 PM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2018 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com