عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات العلمية > منتدى العلوم والتكنولوجيا

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 30-10-2002, 01:02 PM
الصواعق الصواعق غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Sep 2002
المشاركات: 68
افتراضي إتحاف الإخوان بمزالق العلــوان




إتحاف الإخوان بمزالق العلــوان .. .. بقلم / أبي عبدالله عبدالرحمن بن عبدالله آل إبراهيم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وبعد
فقرأت الرسالة الصغيرة المسماة ( ألا إن نصر الله قريب ) لمؤلفها الشيخ سليمان بن ناصر العلون – وفقنا الله وإياه لهداه - ، فرأيته قد أصابه شيء من الغبش في تشخيص داء المسلمين، أما الدواء فقد أبعد النجعة في وصفه واضطرب فيه ، فمرة جعله الجهاد فوصف من لا يدعو إلى الجهاد بأنه من المرجفين المخذلين فقال: "والمهزومون نفسياً وفكرياً والمرجفون والمخذلون عن الجهاد والتضحيات ومواجهة الأفكار والمبادئ الجاهلية والتشريعات الكفرية لا يناصرون هذه البواعث الإيمانية"(1) مع كونه قرر أنه يصح ترك الجهاد في حالة ضعف أو عجز فقال:" ما لم يترتب على ذلك أضرار راجحة أو يمنع المسلمين من ذلك عجز أو ضعف "(2) ، وفي صدر رسالته قرر أن المسلمين ضعفاء منحرفون فقال:" وضياع للحقوق والممتلكات واضطراب في الأفكار وخمول وضعف في الإنتاج والعمل وتفلت متزايد وانحرافات منهمرة في العقيدة والمنهج وشؤون الحياة السياسية والحياة الاقتصادية"(3) .
فالنتيجة من نص كلامه لا مفهومه: أنه لا يصح الجهاد لأن المسلمين في ضعف وعجز، فهل يصح أن يطلق عليه مخذل ومرجف ومنهزم من باب معاملة الإنسان بما يراه؟ . وهذا الاضطراب يعود إلى قلة فقه لواقع المسلمين أو قصور فهمه لما جاء به الوحيان أو أن يكون فقيهاً لواقع المسلمين فاهماً لما جاء به الوحيان في هذا الأمر لكن غلبته روح الثورة والمواجهة فشوشت عليه ، وهذا ما أرجحه فإنه فيما علمت لازال شاباً بينه وبين الأربعين من عمره سنوات قال تعالى( حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً… ) .
وفي الرسالة على صغرها مزالق أخرى من لمز للعلماء، واتهامهم بالسوء، ودعوة للثورة والفتنة ، وادعاء دعاوى عريضة لا أساس لها من الصحة ، وأمور أخرى أذكرها مزلقاً مزلقاً نصحاً للأمة لا سيما الشباب الذين تعصف بهم رياح الفتنة يمنة ويسرة ، وهم في عواطفهم تائهون غارقون وعن سبيل النجاة وهو التمسك بغرز علمائهم الربانيين منعزلون إلا من رحم الله ، وعدد هذه المزالق – في هذا الجزء الأول - عشرة مزالق :
المزلق الأول / قال الشيخ العلون:" ولم يكن أحد منهم ( أي العلماء الماضين ) يجد أدنى حرج من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والفتوى بما يعلم أنه الحق وإيصال الصوت الإسلامي إلى عالمهم والتحدث عن الإسلام وحقائقه ومقوماته وخصائصه. وما كانوا يقبعون في بيوتهم ينتظرون الإذن السياسي في قول كلمة الحق والإنكار على أهل الباطل"(1)
هذا ليس على الإطلاق بل كانوا يسكتون عن بعض الحق درءاً لمفسدة شر أكبر فإنه ليس من الحق – دائماً – قول الحق فإن التكلم بالحق – أحياناً – يكون باطلاً مذموماً شرعاً كما قال تعالى (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ ) فسب آلهة المشركين حق لكن إذا كان يترتب عليه مفسدة أكبر فهو محرم ممنوع شرعاً . وعن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال: بال أعرابي في طائفة المسجد فزجره الناس فنهاهم النبيr فلما قضى بوله أمر بذنوب من ماء فأهريق عليه " متفق عليه، فالصحابة المنكرون على الأعرابي قالوا: حقاً لكن لما كان يترتب على قولهم منكر أكبر صار نهيهم عن المنكر منكراً فلذلك نهاهم رسول اللهr. قال ابن تيمية:" حرم سب الآلهة مع أنه عبادة لكونه ذريعة إلى سبهم سبحانه وتعالى لأن مصلحة تركهم سب الله سبحانه راجحة على سبنا لآلهتهم "(2)
وقال ابن القيم: فحرم الله تعالى سب آلهة المشركين – مع كون السب غيظاً وحمية لله وإهانة لآلهتهم – لكونه ذريعة إلى سبهم الله تعالى، وكانت مصلحة ترك مسبته تعالى أرجح من مصلحة سبنا لآلهتهم ، وهذا كالتنبيه بل كالتصريح على المنع من الجائز لئلا يكون سبباً في فعل ما لا يجوز "(3) فتدبر كلام الله ورسوله r وما قرره العلماء ومنهم الإمامان ابن تيمية وابن القيم في هذه الآية وأمثالها تعلم حقيقة الحال وهو أن سكوت العلماء الناصحين عن بعض الحق من باب درء المفسدة الكبرى بالمفسدة الصغرى ، وهذا الباب دقيق يخفى على كثير من طلبة العلم فضلاً عن غيرهم ولا يعقله ويضبطه إلا العلماء الربانيون الذين شابت لحاهم وقضوا عقوداً من عمرهم في التعلم والتعليم ، واعتبر ذلك بالصحابة مع رسول الله r لما خفي عليهم حقيقة الأمر فبادروا بالإنكار على الأعرابي البائل في طائفة المسجد وزجرهم رسول الله rوهم مَنْ هم في العلم والعمل ولا تنس قصة الفاروق أبي حفص عمر بن الخطاب مع رسول الله r وأبي بكر في صلح الحديبية .

المزلق الثاني / قال العلوان:" وأما الآن فقد أصبح كثير من أهل العلم موظفين لدى السلاطين فأخرست الأطماع ألسنتهم فلا يقدرون على القيام بالعهد والميثاق المأخوذ عليهم في الكتاب . ولا يستطيعون مصاولة الباطل ولا مقارعة الفساد – ثم قال – وإني لأرمق بإجلال وإكبار عالماً عزت عليه نفسه فلم يذلها بالتردد على قصور السلاطين واستغنى عما في أيديهم فجعل العلم خادماً للدين وليس للسياسة . وسخر الفتوى للديانة وليست للإعاشة" (1)
إن كون العالم موظفاً لدى دولة السلطان أو ذا علاقة به ويدخل عليه ليس ذماً يذم به فقد كان كثير من سلفنا ذا علاقة بالسلطان فظن بعضهم – في زمنهم - بهم ظن السوء كما ظننت بعلمائنا فبينوا واقع حالهم فقبل من قبل وأعرض من أعرض، فيا سبحان الله ما أشبه الليلة بالبارحة ، وما أكثر ما يظن الجهلة والغالون ظن السوء بغيرهم من العلماء الربانيين.
روى ابن أبي حاتم عن إمام دار الهجرة مالك بن أنس أنه قيل له: إنك تدخل على السلطان وهم يظلمون ويجورون ؟ فقال:" يرحمك الله فأين المتكلم بالحق "(2) وسئل الإمام أحمد عن إسحاق بن راهويه ؟ فقال: أنا أسأل عنه ، إنما ينبغي أن يسأل إسحاق عني ! فقيل: يا أبا عبد الله لم أرد به في الحديث إنما أردت دخوله على السلاطين وأخذه أموالهم . فقال أحمد: نعم، يدخل عليهم ويأخذ أموالهم ويدعوهم إلى السنن ويعلمهم إياها، فربما يثنى على واحد حتى يولى على مدينة ، فيدعو الناس إلى السنة ، فيكون الأجر كله لإسحاق .(3) قال ابن الوزير: "وأما من خالط الملوك أو كاتبهم أو قبل عطاياهم فهم السواد الأعظم من المتقدمين والمتأخرين والصحابة والتابعين "(4) وقال الشوكاني:" ولا يمكن حصر عدد من يتصل من أهل العلم والفضل بسلاطين قرن من القرون بل بسلاطين بعض القرن في جميع الأرض "(5) . إذا علمت هذا، وغيره كثير ، علمت كم في كلام العلوان من سوء الظن بعلماء هُمْ في درجة أشياخه بل أشياخ أشياخه وكم في كلامه من الجهل بأن عاب ما لم يعبه الله ورسولهr.

المزلق الثالث / قال العلوان: "وإني لأرمق بإجلال وإكبار عالماً عزت عليه نفسه فلم يذلها بالتردد على قصور السلاطين واستغنى عما في أيديهم فجعل العلم خادماً للدين وليس للسياسة . وسخر الفتوى للديانة وليست للإعاشة" (6)
ليس من لازم التردد على السلاطين وأخذ أموالهم جعل الفتوى للإعاشة لا للديانة، وإلا فما أنت قائل في إسحاق بن راهويه، وقبله كثيرون كابن ابن عباس وابن عمر والحسين بن علي بن أبي طالب وأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين وعلقمة والأسود والنخعي والحسن البصري والشعبي فإنهم جوزوا وأخذوا أموال السلاطين (1). فلعلك بهذا تكون على يقين بأن الشيخ العلوان تكلم في هذه الأمور بجهل وسوء ظن بالعلماء فيا حسرتاه أين الغيورون على علمائهم لا سيما من أناس ظلموهم ؟
قال الإمام ابن عبد البر حافظ المغرب:
قل لمن ينكر أكـلي لطعام الأمراء
أنت من جهلك عندي بمحل السفهاء
وانظر تقريراً مفيداً حول هذه الأموال ، وشرعيتها في كلام للشيخ العلامة عبداللطيف بن عبد الرحمن بن حسن – رحمه الله – عندما رد على رجل عاب على غيره أخذ الأموال ، وبين له أن تنقصه لهم غيبة (2).

المزلق الرابع / نسب الشيخ العلوان إلى أكثر السلف أنهم كانوا يكرهون أعطيات السلاطين فقال:" ومن هنا كان أكثر أئمة السلف يدعون إلى الأعمال التجارية الحرة دون التقيد بالأعمال الحكومية ويكرهون أعطيات السلاطين وهدايا الملوك ويرفضون قبولها"(3)
وما عزاه إلى الأكثر فيه نظر لا يوافقه عليه ابن الوزير إذا عزا – كما تقدم – الأخذ إلى السواد الأعظم من الصحابة والتابعين .

المزلق الخامس / قال العلوان:"وسخر الفتوى للديانة وليست للإعاشة. وعبيد الدنيا والشهوات ينكرون هذا الكلام ويكافحون هذا الفكر ويعيشون في ظلمات التيه والرذيلة والشرود عن حقيقة الواقع. والأغرب من هذا أن يطاردوا هذا الفكر باسم الدين والعلم أو التقدم والحضارة الجديدة "(4)
ذكرني كلامه هذا بما قاله محمد سرور زين العابدين في مجلته المسماة – تلبيساً وزوراً – بمجلة السنة إذ قال: وصنف آخر يأخذون ولا يخجلون، ويربطون مواقفهم بمواقف ساداتهم … فإذا استعان السادة بالأمريكان، انبرى العبيد إلى حشد الأدلة التي تجيز هذا العمل… وإذا اختلف السادة مع إيران الرافضة، تذكر العبيد خبث الرافضة…- ثم قال – لقد كان الرق في القديم بسيطاً، لأن للرقيق سيداً مباشراً، أما اليوم فالرق معقد ولا ينقضي عجبي من الذين يتحدثون عن التوحيد وهم عبيد عبيد عبيد عبيد العبيد، وسيدهم الأخير نصراني"(5) .
يا ترى من هؤلاء المتحدثون عن التوحيد وليسوا أهله؟ صدق الله (تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) .

ومقصدي من ذكر هذه المزالق الخمسة ردع الشيخ العلوان وأمثاله ومن اغتر بكلامه وتأديبهم بسياط العلم عن الوقوع في لحوم العلماء وتجرئة السفهاء على ذلك . قال ابن الوزير:" والقصد ما ذكرته من الزجر عن الغيبة، واعتقاد جرح من فعله من أهل الديانة والعلم، فقد ذكر العلماء من أنواع الغيبة قول القائل: فلان مبتلى بمخالطة السلاطين، فالله يسامحه، ونحو ذلك من غيبة القراء"(1) .

المزلق السادس / قال العلوان:"وقد يخلطون بين الصبر على جور الحكام…. وبين الثبات على الإيمان ومواجهة الحاكمية الجاهلية والقرارات السياسية الضارة بالرعية ولم يزل الأئمة الصادقون والدعاة الناصحون في سائر قرون الإسلام يفرقون بين الأمرين ويواجهون الأهواء والانحرافات الفكرية والسياسية …" (2)
الواقع الذي يعرفه العارفون لا العاطفيون أن هناك أموراً ينبغي معرفتها والتفريق بينها وهي إنكار المنكر ، والنصح للسلطان، والسمع والطاعة له في غير ما حرم الله . فأهل السنة ومقدمهم -في هذا الزمن -علماؤنا الأجلاء الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ محمد بن صالح العثيمين والشيخ صالح الفوزان والشيخ صالح اللحيدان والشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ – رحم الله ميتهم وحيهم – ساعون في إنكار المنكرات من الشرك والبدع وعموم المعاصي مع النصح لسلطانهم وولي أمرهم بالتي هي أحسن للتي هي أقوم ، وهم في ذلك مدينون له بالبيعة في أعناقهم طاعة لله ورسولهr ، وسيراً على نهج من سلف من خيار هذه الأمة ، ولن أطيل بذكر النقولات ولكن أختصر(3) مقتصراً على نقلين عن عالمين جليلين معاصرين :
الأول/ سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز – رحمه الله – قال: "ليس من منهج السلف التشهير بعيوب الولاة وذكر ذلك على المنابر ، لأن ذلك يفضي إلى الفوضى، وعدم السمع والطاعة في المعروف ، ويفضي إلى الخوض الذي يضر ولا ينفع. ولكن الطريقة المتبعة عند السلف: النصيحة فيما بينهم وبين السلطان، والكتابة إليه، أو الاتصال بالعلماء الذين يتصلون به حتى يوجه إلى الخير. وإنكار المنكر يكون من دون ذكر الفاعل، فينكر الزنى، وينكر الخمر ، وينكر الربا ، من دون ذكر من فعله ، ويكفي إنكار المعاصي والتحذير منها من غير ذكر أن فلاناً يفعلها، لا حاكم ولا غير حاكم . ولما وقعت الفتنة في عهد عثمان، قال بعض الناس لأسامة بن زيد – رضي الله عنه -: ألا تنكر على عثمان؟ قال: أأنكر عليه عند الناس؟ لكن أنكر عليه بيني وبينه، ولا أفتح باب شر على الناس. ولما فتحوا الشر في زمن عثمان – رضي الله عنه -، وأنكروا على عثمان جهرة تمت الفتنة والقتال والفساد الذي لا يزال الناس في آثاره إلى اليوم، حتى حصلت الفتنة بين علي ومعاوية، وقتل عثمان وعلي بأسباب ذلك ، وقتل جم كثير من الصحابة وغيرهم بأسباب الإنكار العلني وذكر العيوب علناً، حتى أبغض الناس ولي أمرهم، وحتى قتلوه. نسأل الله العافية"(1)
الثاني: الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – قال: "فإذا كان الكلام في الملك بغيبة، أو نصحه جهراً، والتشهير به من إهانته التي توعد الله فاعلها بإهانته ، فلا يشك أنه يجب مراعاة ما ذكرناه – يريد الإسرار بالنصح ونحوه – لمن استطاع نصيحتهم من العلماء الذين يَغْشَوْنَهم ويخالطونهم، وينتفعون بنصيحتهم دون غيرهم… - ثم قال – فإن مخالفة السلطان فيما ليس من ضروريات الدين علناً ، وإنكار ذلك عليه في المحافل والمساجد والصحف ومواضع الوعظ وغير ذلك، ليس من باب النصيحة في شيء ، فلا نغتر بمن يفعل ذلك ، وإن كان عن حسن نية، فإنه خلاف ما عليه السلف الصالح المقتدى بهم، والله يتولى هداك"(2)
إذا عقلت ما قرره هذان العالمان الربانيان اتضح لك كم في كلام الشيخ العلوان من الإجمال الملبس على من لا دراية له ، وما هذا صنيع الناصحين؟
فاحرص أيها السني على إنكار المنكر – بالضوابط الشرعية – ومناصحة من ولاه الله عليك ، وإياك والتشهير به في غيبته باسم النصح وإيغار صدور الناس عليه ، فإن هذا يضر ولا ينفع وما أحداث الجزائر عنا ببعيد (3).

أيها الشيخ العلوان الرِّفقَ الرِّفقَ والنظر بعين البصر والبصيرة مع الاتعاظ بمن حولك من الدول ولمن سبقك من الرجال، وإياك أن يغرر بك الهمجيون الرعاء ، واستفد من تجربة غيرك، فإنهم كانوا على ما أنت فيه – الآن – أقوى، والناس من حولهم أكثر ، لكن تبين لهم أن الطريق الذي كانوا يسيرون عليه لا يوصل ، فهلا استفدت من تجارب الآخرين . على أن من قرأ الأحاديث النبوية ، وسيرة من سلف بشيء من التدبر علم أن طريق التهيج والثورة على السلطان باسم إنكار المنكر خطأ، فلا صاحبه أقام ديناً ولا حقق في الدنيا مراداً .

المزلق السابع / دعا الشيخ العلوان الأمة في رسالته الصغيرة هذه إلى الجهاد وزعمه حلاً – الآن – لإحياء ما مات وإصلاح ما عطل وفسد منها .
دعوة الأمة – الآن – وفي مثل حالتها الراهنة إلى الجهاد هو في الواقع إهلاك لها، وإضاعة لجهود وأنفس شبابها ، وليس معنى هذا إنكار جهاد الطلب حاشا لله، بل الجهاد من خير الأعمال وأفضلها حتى ذهب بعض العلماء كالإمام أحمد إلى أنه أفضل أعمال البر، قال الأثرم: قال أحمد:" لا نعلم شيئاً من أبواب البر أفضل من السبيل. وقال الفضل بن زياد: سمعت أبا عبد الله، وذكر له أمر الغزو؟ فجعل يبكي، ويقول: ما من أعمال البر أفضل منه . وقال عنه غيره: ليس يعدل لقاء العدو شيء "(1)
إذا تبين أنه ليس معنى هذا الكلام إنكار جهاد الطلب وإنما المراد بيان أنه لا يصح القيام به – الآن – لكون المسلمين ضعفاء والقيام به يضر أكثر مما ينفع ، وقد يستنكر بعض القراء مثل هذا لكن لكي يتضح له الأمر بدليله – وهذا من حقه – فليتفهم بنفس متجردة ما سأذكر :
1- أن جهاد الأعداء وقتالهم مشروع في شرع الله لغيره لا لذاته فهو من باب الوسائل لا الغايات والمقاصد وإنما المقصد والغاية إقامة دين الله في الأرض كما قال تعالى(وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ) قال ابن جرير: "يقول: وحتى تكون الطاعة والعبادة كلها لله خالصة دون غيره "(2) وروى أبو موسى عن رسول اللهr أنه قال:" من قاتل لتكون كلمة الله العليا فهو في سبيل الله " رواه البخاري. قال ابن تيمية:" فالعقوبة على ترك الواجبات وفعل المحرمات هي مقصود الجهاد في سبيل الله "(3) وقال ابن القيم:" ولأجلها – أي التوحيد- جردت سيوف الجهاد" (4) . ولو كان الجهاد مقصوداً لذاته لما سقط بأخذ الجزية كما قال تعالى)قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ).
فإذا تقرر أن الجهاد مشروع في شرع الله لغيره وهو إقامة دين الله في الأرض ، فإنه إذا كان الجهاد يؤدي إلى إهلاك المسلمين زيادة على هلاكهم فإنه لا يشرع بل يحرم فإن الشرع جاء بدرء المفاسد وتقليلها وجلب المصالح وتكميلها ، وبهذا تدرك لماذا لم يشرع الجهاد والصحابة في مكة لكون الصحابة ضعفاء وقيامهم بالجهاد يضرهم أكثر مما ينفع . قال الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسيره: "ومنها: أنه لو فرض عليهم القتال – مع قلة عَدَدهم وعُدَدهم، وكثرة أعدائهم- لأدى ذلك إلى اضمحلال الإسلام، فروعي جانب المصلحة العظمى على ما دونها، ولغير ذلك من الحكم. وكان بعض المؤمنين يودون أن لو فرض عليهم القتال في تلك الحال غير اللائق فيها ذلك، وإنما اللائق فيها القيام بما أمروا به في ذلك الوقت من التوحيد والصلاة والزكاة ونحو ذلك، كما قال تعالى(وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً) فلما هاجروا إلى المدينة، وقوي الإسلام، كتب عليهم القتال في وقته المناسب لذلك"(5) وقال ابن تيمية:" وكان مأموراً بالكف عن قتالهم لعجزه وعجز المسلمين عن ذلك، ثم لما هاجر إلى المدينة وصار له بها أعوان أذن له في الجهاد، ثم لما قووا كتب عليهم القتال ولم يكتب عليهم قتال من سالمهم؛ لأنهم لم يكونوا يطيقون قتال جميع الكفار . فلما فتح الله مكة وانقطع قتال قريش ملوك العرب، ووفدت إليه وفود العرب بالإسلام أمره الله – تعالى – بقتال الكفار كلهم إلا من كان له عهد مؤقت، وأمره بنبذ العهود المطلقة، فكان الذي رفعه ونسخه ترك القتال"(1) وقال:" وسبب ذلك أن المخالفة لهم لا تكون إلا مع ظهور الدين وعلوه كالجهاد، وإلزامهم بالجزية والصغار، فلما كان المسلمون في أول الأمر ضعفاء لم تشرع المخالفة لهم، فلما كمل الدين وظهر وعلا، شرع ذلك"(2) .
وبعد هذا فأنا أسأل الشيخ العلوان بربه هل المسلمون – الآن – في قوة بالنسبة لعدوهم أم في ضعف؟ هل هم أشبه بالحال المكية أم المدنية في هذا الأمر؟
لا يشك عقول غير مكابر ولا جهول أن المسلمين – الآن – أشبه بالحالة المكية من الحالة المدنية في هذا الأمر فجهادهم العدو يضر أكثر مما ينفع قال الشيخ محمد صالح العثيمين:" ولهذا لو قال لنا قائل الآن لماذا لا نحارب أمريكا وروسيا وفرنسا وانجلترا ؟؟!!!! لماذا؟؟ لعدم القدرة، الأسلحة إلي قد ذهب عصرها عندهم هي التي في أيدينا وهي عند أسلحتهم بمنزلة سكاكين الموقد عند الصواريخ ما تفيد شيئاً فكيف يمكن أن نقاتل هؤلاء ولهذا أقول: إنه من الحمق أن يقول قائل: أنه يجب علينا أن نقاتل أمريكا وفرنسا وانجلترا وروسيا كيف نقاتل؟ هذا تأباه حكمة الله عز وجل ويأباه شرعه لكن الواجب علينا أن نفعل ما أمر الله به عز وجل(َأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ( ، هذا الواجب علينا أن نعد لهم ما استطعنا من قوة، وأهم قوة نعدها هو الإيمان والتقوى …"(3)
2- أن الذنوب والمعاصي وعلى رأسها الشرك والبدعة سبب عظيم من أسباب انهزام المسلمين ونكوسهم وفي المقابل التوحيد والسنة سبب عظيم من أسباب عزهم وقوتهم ، قال ابن تيمية: "وحيث ظهر الكفار، فإنما ذاك لذنوب المسلمين التي أوجبت نقص إيمانهم، ثم إذا تابوا بتكميل إيمانهم نصرهم الله، كما قال – تعالى –(وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) وقال( أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ( "(4) وقال: "وأما الغلبة فإن الله تعالى قد يديل الكافرين على المؤمنين تارة، كما يديل المؤمنين على الكافرين، كما كان يكون لأصحاب النبي r مع عدوهم، لكن الغلبة للمتقين فإن الله يقول( إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) وإذا كان في المسلمين ضعفاً، وكان عدوهم مستظهراً عليهم كان ذلك بسبب ذنوبهم وخطاياهم؛ إما لتفريطهم في أداء الواجبات باطناً وظاهراً، وإما لعدوانهم بتعدي الحدود باطناً وظاهراً، قال الله تعالى( إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا) وقال تعالى( أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ( وقال تعالى) وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ( "(1) وقال ابن القيم: "فلو رجع العبد إلى السبب والموجب لكان اشتغاله بدفعه أجدى عليه، وأنفع له من خصومة من جرى على يديه. فإنه – وإن كان ظالماً – فهو الذي سلطه على نفسه بظلمه . قال الله تعالى(أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) فأخبر أن أذى عدوهم لهم، وغلبتهم لهم: إنما هو بسبب ظلمهم . وقال الله تعالى( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ( "(2) وقال: "وكذلك النصر والتأييد الكامل، إنما هو لأهل الإيمان الكامل، قال تعالى)إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ( وقال) فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ( فمن نقص إيمانه نقص نصيبه من النصر، والتأييد، ولهذا إذا أصيب العبد بمصيبة في نفسه أو ماله، أو بإدالة عدوه عليه، فإنما هي بذنوبه، إما بترك واجب، أو فعل محرم. وهو من نقص إيمانه. وبهذا يزول الإشكال الذي يورده كثير من الناس على قوله تعالى) وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً( ويجيب عنه كثير منهم بأنه لن يجعل لهم عليهم سبيلاً في الآخرة، ويجيب آخرون بأنه لن يجعل لهم عليهم سبيلاً في الحجة . والتحقيق: أنها مثل هذه الآيات، وأن انتفاء السبيل عن أهل الإيمان الكامل، فإذا ضعف الإيمان صار لعدوهم عليهم من السبيل بحسب ما نقص من إيمانهم، فهم جعلوا لهم عليهم السبيل بما تركوا من طاعة الله تعالى. فالمؤمن عزيز غالب مؤيد منصور، مكفي، مدفوع عنه بالذات أين كان، ولو اجتمع عليه من بأقطارها، إذا قام بحقيقة الإيمان وواجباته، ظاهراً وباطناً. وقد قال تعالى للمؤمنين) وَلا تَهنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ( وقال تعالى) فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ( فهذا الضمان إنما هو بإيمانهم وأعمالهم، التي هي جند من جنود الله، يحفظهم بها، ولا يفردها عنهم ويقتطعها عنهم، كما يَتِرُ الكافرين والمنافقين أعمالهم، إذ كانت لغيره، ولم تكن موافقة لأمره"(3) .
فإذا تقرر أن سبب ضعف المسلمين ذنوبهم فلنسع جميعاً لإرجاع أنفسنا وإخواننا المسلمين إلى الله فنحذرهم من الشرك ووسائله والبدعة والمبتدعة ولا نضيع الأعمار ونهدر الطاقات في مشاكسة الحكام ومنازعتهم فإنه ما ولي حاكم فاسد إلا لفساد المحكومين والعكس بالعكس كما قال تعالى(وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) .
كيف نريد نصراً وأطناب الشرك الأكبر من عبادة الأولياء والتقرب للأموات في العالم الإسلامي قد ضربت ، والناس يهوون إليها زرافات ووحداناً ، وكيف نريد نصراً والتصوف الغالي قد عم كثيراً من المعمورة ، بل كيف نريد نصراً والتمشعر والاعتزال والتجهم هو المقرر في كثير من الجامعات والمعاهد المسماة إسلامية ، أم كيف تريد نصراً وعلى البدعة ينشأ الصغير ويهرم الكبير حتى إذا غيرت قيل: غيرت السنة .
يا منشدي الإصلاح وعز الإسلام والمسلمين وذل الكفرة والكافرين، ابدءوا بتصحيح معتقدات وعبادات وأخلاق من ضل من عامة الناس، فإن تم ذلك فأبشروا بنصر الله (وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) .
3- الجهاد المشروع نوعان: الجهاد المشروع نوعان: جهاد طلب، وجهاد دفع . إلا أن جهاد الدفع أوجب من جهاد الطلب. قال ابن تيمية: "أما قتال الدفع: فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين. فواجب إجماعاً، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه. فلا يشترط له شرط. بل يدفع بحسب الإمكان. وقد نص على ذلك العلماء أصحابنا وغيرهم. فيجب التفريق بين دفع الصائل الظالم الكافر، وبين طلبه في بلاده"(1) وقال ابن القيم: "أقسام الجهاد فإذا كانت المسابقة شرعت ليتعلم المؤمن القتال ويتعوده ويتمرن عليه فمن المعلوم أن المجاهد قد يقصد دفع العدو إذا كان المجاهد مطلوبا والعدو طالبا وقد يقصد الظفر بالعدو ابتداء إذا كان طالبا والعدو مطلوبا وقد يقصد كلا الأمرين والأقسام ثلاثة يؤمر المؤمن فيها بالجهاد وجهاد الدفع أصعب من جهاد الطلب فإن جهاد الدفع يشبه باب دفع الصائل ولهذا أبيح للمظلوم أن يدفع عن نفسه، كما قال الله تعالى( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا)وقال النبي r :"من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد" لأن دفع الصائل على الدين جهاد وقربة ودفع الصائل على المال والنفس مباح ورخصة فإن قتل فيه فهو شهيد، فقتال الدفع أوسع من قتال الطلب وأعم وجوبا ،ولهذا يتعين على كل أحد يقم ويجاهد فيه العبد بإذن سيده وبدون إذنه والولد بدون إذن أبويه والغريم بغير إذن غريمه وهذا كجهاد المسلمين يوم أحد والخندق ، ولا يشترط في هذا النوع من الجهاد أن يكون العدو ضعفي المسلمين فما دون فإنهم كانوا يوم أحد والخندق أضعاف المسلمين فكان الجهاد واجبا عليهم لأنه حينئذ جهاد ضرورة ودفع لا جهاد اختيار ولهذا تباح فيه صلاة الخوف بحسب الحال في هذا النوع وهل تباح في جهاد الطلب إذا خاف فوت العدو ولم يخف كرته فيه قولان للعلماء هما روايتان عن الإمام أحمد ومعلوم أن الجهاد الذي يكون فيه الإنسان طالبا مطلوبا أوجب من هذا الجهاد الذي هو فيه طالب لا مطلوب والنفوس فيه أرغب من الوجهين، وأما جهاد الطلب الخالص فلا يرغب فيه إلا أحد رجلين إما عظيم الإيمان يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله وإما راغب في المغنم والسبي فجهاد الدفع يقصده كل أحد ولا يرغب عنه إلا الجبان المذموم شرعا وعقلا وجهاد الطلب الخالص لله يقصده سادات المؤمنين وأما الجهاد الذي يكون فيه طالبا مطلوبا فهذا يقصده خيار الناس لإعلاء كلمة الله ودينه ويقصده أوساطهم للدفع ولمحبة الظفر"(1) إلا أنه ينبغي أن يتنبه أن العدو إذا تمكن من المسلمين في أرضهم وصارت له الغلبة والتمكين، وصار المسلمون مستضعفين متغلباً عليهم، فهنا تغيرت الصورة ولم تكن من جنس جهاد الدفع الذي يجب الاستمرار فيه ، بل من جنس المستضعفين المأمورين بالهجرة وجوباً إذا لم يستطيعوا إظهار دينهم قال تعالى)إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً) وثبت عند النسائي وابن ماجه عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن رسول اللهr قال:" كل مسلم على مسلم محرم، أخوان نصيران لا يقبل الله عز وجل من مشرك بعدما أسلم عملاً، أو يفارق المشركين إلى المسلمين" وقد حكى الإجماع جماعة من أهل العلم، قال ابن كثير:" فنزلت هذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهرانيّ المشركين وهو قادر على الهجرة، وليس متمكناً من إقامة الدين فهو ظالم لنفسه مرتكبٌ حراماً بالإجماع وبنص هذه الآية …"(2) .وقال العيني :"وأما الهجرة عن المواضع التي لا يتأتى فيها أمر الدين فهي واجبةٌ اتفاقاً"(3) . وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن " لأن هذا ذنبٌ –أي عدم الهجرة –قد تقرر أنه من الكبائر المُتوعَّد صاحبها بالوعيد الشديد بنص القرآن وإجماع أ هل العلم إلا لمن أظهر دينه …. "(4) وقال الشيخ المحقق عبد الرحمن السعدي "وكلام أهل العلم في هذه المسألة كثيرٌ متفقون على الوجوب إذا عجز عن إظهار دينه ، واستحبابه إذا كان قادراً على ذلك وليس لأحدٍ خروجٌ عما قالوا واستدلوا عليه وعللوه …"(5). وعلة وجوب الهجرة كونهم مستضعفين لا يستطيعون إظهار دينهم، ويستوي في هذا ما إذا كانت الأرض أرض مسلمين فاستولى عليها الكفار، وتمكنوا، وإذا كانت الأرض أرض كفار فأسلم فيها مسلمون. وقد قام بالهجرة رسول الله r وأصحابه، فتركوا دورهم وأموالهم، ومنهم من ترك أهله وأبناءه، وهم في ذلك يهاجرون عن البيت الحرام (مكة) وهي أحب البقاع إلى الله. فإذا تقرر هذا فالمسلمون الذين يعيشون في أرض متغلب فيها الكفار إن استطاعوا إظهار دينهم، فلا تجب عليهم الهجرة، لكن لا يجوز لهم أن يقاتلوا الكفار المتغلبين على أرضهم؛ لكونهم ضعفاء ويتسبب في أذى الكفار للمسلمين أكثر.
وهذا الكلام وإن كان مؤلماً لا تتحمله نفوس كثيرين، إلا أنه الذي يجب اعتقاده والعمل به حفظاً لدماء وأعراض إخواننا المسلمين المستضعفين .

المزلق الثامن/ أشاد الشيخ العلوان في رسالته بالعمليات الاستشهادية وحظ عليها مستدلاً بقصة الغلام الذي دل الملك على قتله. أخرجه الإمام مسلم في صحيحه . وفي الاستدلال بهذا الحديث نظر من أوجه :
1- أن هذا الحديث من شرع من قبلنا ، وهل شرع من قبلنا شرع لنا هذا فيه خلاف معروف بين العلماء مذكور في علم أصول الفقه.
2- الناظر في قصة هذا الغلام يجده مؤيداً بالكرامات وبأمور راجعة إلى إعلامه بعلم الغيب ، ومن المعلوم أن الكرامات والآيات الكونية وإعلام الغيب من فعل الله ، وما كان فعلاً لله فلا يقاس عليه فعال المخلوقين ، وإلا من أين علم الغلام أن الملك إذا رماه على هذه الصورة قتله لما قال له: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، قال: وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد، وتصلبني على جذع ثم خذ سهماً من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس ثم قل: باسم الله رب الغلام ثم ارمني فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني " أليس هذا من علم الغيب؟! .
3- أن الملك لما قتل الغلام حصل خير عظيم بإسلام خلق كثير ، فإن الناس بعد قتله قالوا: آمنا برب الغلام آمنا برب الغلام آمنا برب الغلام " وهذه المصلحة الراجحة لا نراها تنتج من العمليات المسماة استشهادية بل إنه يقتل من الكفار عشرة أو عشرون وفي المقابل يباد من المسلمين مائة أو مائتان إن لم يكن أكثر مع المضاعفة في أذى الأحياء في نفوسهم وأعراضهم – كان الله في عونهم وعجل بالفرج من عنده إنه أرحم الراحمين - .
فكل ذي معرفة بالواقع ولو قليلاً يعلم هذا ويدريه ، فبهذا يتبين الفرق بين واقع فعل الغلام وهذه العمليات المسماة استشهادية ، ففعل الغلام نتج عنه مصالح راجحة أما هذه العمليات فنتجت عنها مفاسد راجحة .
أما قول الشيخ العلوان:" وقد ثبت في دنيا الواقع فوائد هذه العمليات وكبير فعاليتها، فقد أذهلت الأعداء وزرعت الرعب في قلوبهم وأصبحت ويلاً وثبوراً عليهم، وكان سبب رحيل أعداد كبيرة من اليهود عن أراضي فلسطين وسبباً كبيراً في تقليل نسبة المهاجرين إلى الأرض المقدسة "(1) فإن الجازمين بحرمة هذه العمليات لا ينكرون وجود مصلحة فيها لكنهم يقررون بوضوح أن هذه مصلحة قليلة مقابل المفسدة الكبيرة التي تترتب عليها وما كان كذلك فهو في شرع الله حرام كما قال تعالى في الخمر والميسر (يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) قال ابن تيمية:" لأن المصلحة في المنفعة الحاصلة أو الغالبة ، وكثيراً ما يتوهم الناس أن الشيء ينفع في الدين والدنيا ويكون فيه منفعة مرجوحة بالمضرة ، كما قال تعالى في الخمر والميسر (يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) وكثير مما ابتدعه الناس من العقائد والأعمال من بدع أهل الكلام وأهل التصوف وأهل الرأي وأهل الملك حسبوه منفعة أو مصلحة نافعاً وحقاً وصواباً ولم يكن كذلك"(1) لذا ذهب العلماء الربانيون الراسخون في شرع الله إلى حرمة هذه العمليات كالشيخ محمد بن صالح العثيمين والشيخ محمد ناصر الدين الألباني والشيخ صالح بن فوزان الفوزان والشيخ عبد العزيز آل الشيخ وآخرين(2) ، وأكتفي بنقل كلام أحدهم وهو فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – في شرحه لهذا الحديث الذي استدل به العلوان وهو حديث الغلام مع الملك قال: فأما ما يفعله بعض الناس من الانتحار بحيث يحمل آلات متفجرة ويتقدم بها إلى الكفار ثم يفجرها إذا كان بينهم، فإن هذا من قتل النفس والعياذ بالله . ومن قتل نفسه فهو خالد مخلد في نار جهنم أبد الآبدين كما جاء في الحديث عن النبيr . لأن هذا قتل نفسه لا في مصلحة الإسلام لأنه إذا قتل نفسه وقتل عشرة أو مائة أو مائتين لم ينتفع الإسلام بذلك فلم يسلم الناس، بخلاف قصة الغلام. وهذا ربما يتعنت العدو أكثر ويوغر صدره هذا العمل حتى يفتك بالمسلمين أشد الفتك . كما يوجد من صنع اليهود مع أهل فلسطين فإن أهل فلسطين إذا مات الواحد منهم بهذه المتفجرات وقتل ستة أو سبعة أخذوا من جراء ذلك ستين نفراً أو أكثر فلم يحصل في ذلك نفع للمسلمين ولا انتفاع للذين فجرت المتفجرات في صفوفهم . ولهذا نرى أن ما يفعله بعض الناس من هذا الانتحار نرى أنه من قتل النفس بغير حق وأنه موجب لدخول النار والعياذ بالله . وأن صاحبه ليس بشهيد. لكن إذا فعل الإنسان هذا متاولاً ظاناً أنه جائز فإننا نرجو أن يسلم من الإثم ، وأما أن تكتب له الشهادة فلا ، لأنه لم يسلك طريق الشهادة ، ومن اجتهد وأخطأ فله أجر." (3)
والكلام في هذه العمليات ،ومتى تجوز، طويل الذيل لا يناسبه هذا المختصر ، وإنما المقصود بيان عدم صحة استدلاله بحديث الغلام وأن تجويزه للعمليات المسماة استشهادية في أرض فلسطين راجع إلى عدم تمييزه بين مطلق المصلحة والمصلحة الراجحة ،وأن الشريعة إنما تجوز الثاني دون الأول .

المزلق التاسع / قال الشيخ العلوان: "وقد ذكر الحافظ ابن رجب رحمه الله في فتح الباري (1/23) عن سفيان بن عيينة أنه قال: المرجئة سموا ترك الفرائض ذنباً بمنزلة ركوب المحارم وليسا سواء لأن ركوب المحارم متعمداً من غير استحلال معصية وترك الفرائض من غير جهل ولا عذر هو كفر "(4)
وفي هذا أمران :
الأول / أنه عزاه لابن رجب في شرحه على البخاري ولم يعزه إلى مصدر أصلي مخرج له بإسناده وهذا نقص ، لاسيما ومصادره المخرجة له موجودة متوفرة عند أهل الاطلاع والمعرفة وقد أخرجه على سبيل المثال الإمام عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة برقم ( 745) .
الثاني / أن إسناد الأثر ضعيف لايصح لأن فيه سويد بن سعيد الهروي ، قال فيه الإمام علي بن المديني: ليس بشيء ، وقال يعقوب بن شيبة: صدوق مضطرب الحفظ ولاسيما بعدما عمي . قال ابن حجر: صدوق في نفسه إلا أنه عمي فصار يتلقن ما ليس من حديثه .



المزلق العاشر/ استدل الشيخ العلوان بأثر رواه الخلال عن الحميدي قال: وأخبرت أن قوماً يقولون: إن من أقر بالصلاة والزكاة …. وفي إسناد الأثر عبيد الله بن حنبل ذكر البغدادي في تاريخه(1) بأنه قيل إنه : عبد الله – وقد تقدم -، وبالرجوع إلى ترجمة عبد الله (2) فإنه لم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً .
ومن كان حاله مثل هذا فهو مجهول الحال لا يعول على خبره لضعفه ، ولا أدري لماذا استدل به العلوان مع ضعفه ووجود ما يغني عنه وهو أصرح ؟ أكان غير عالم بضعفه ؟ أم ماذا ؟

هذه المزالق العشرة هي ما أردت التنبيه عليها في هذا الجزء الأول ، وقريباً - إن شاء الله – ترون الجزء الثاني وفيه مزالق غير قليلة علمية ومنهجية .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

عبد الرحمن بن عبد الله آل إبراهيم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ





المرجع من هنا
  #2  
قديم 30-10-2002, 05:17 PM
الولـيد الولـيد غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Mar 2001
المشاركات: 16
افتراضي

اقول للشيخ عبدالرحمن بن عبدالله آل إبراهيم
الله يجزاه كل خير ..

رغم همزة بالشيخ العلوان وغمزة بصغر سنة

(( فإنه فيما علمت لازال شاباً بينه وبين الأربعين من عمره سنوات )) !!!

لكن الحق اكبر واكبر من الجميع .. ومتى كان الحق مرتبطا بسن معين !

وفضيلة الشيخ العلوان صدح بالحق وسيؤجر عليه باذن الله ..

وتحياتي لك اخي الصواعق على نقلك للموضوع ...

اخوك الوليد
  #3  
قديم 30-10-2002, 10:05 PM
مهنق مهنق غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jul 2002
المشاركات: 601
افتراضي

سبب الأخطاء من الشيخ العلوان

وغيره من الشباب

هو عدم الرجوع للعلماء المحققين .
  #4  
قديم 31-10-2002, 01:10 AM
الولـيد الولـيد غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Mar 2001
المشاركات: 16
افتراضي

اخي الحبيب مهنق ..

مهما اختلف العلماء فلا اظن اننا اهل للحكم بخطأ احدهم ..

وجزى الله فضيلة الشيخ العلوان كل خير على وقوفة موقف الحق وصدحة بايات الله ونصرته للمجاهدين ..

اخوكم الوليد
  #5  
قديم 31-10-2002, 09:32 AM
نواف2002 نواف2002 غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Dec 2001
المشاركات: 7,023
افتراضي

حتى العلوان ماسلم منكم

اخي العزيز منهق لاتكون امعه
  #6  
قديم 31-10-2002, 09:55 AM
الكبيسي الكبيسي غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Mar 2002
المشاركات: 59
افتراضي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
  #7  
قديم 31-10-2002, 10:13 AM
نواف2002 نواف2002 غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Dec 2001
المشاركات: 7,023
افتراضي

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
  #8  
قديم 31-10-2002, 07:17 PM
مهنق مهنق غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Jul 2002
المشاركات: 601
افتراضي

نواف 2002

لم لاتكون انت الإمعة ؟؟؟؟؟
  #9  
قديم 03-11-2002, 03:41 PM
نواف2002 نواف2002 غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Dec 2001
المشاركات: 7,023
افتراضي

اخي منهق

هذه نصيحه لك اترك عنك العلماء من انت حتى تنتقد العلوان
  #10  
قديم 04-11-2002, 06:38 AM
ابو زيد ابو زيد غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Apr 2001
المشاركات: 150
افتراضي

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

لا إله إلا الله :

[شرح العقيدة الطحاوية |الجزء :1|الصفحة :77]

قوله : ( نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله أن الله واحد لا شريك له ) .
ش : أعلم أن التوحيد أول دعوة الرسل ، وأول منازل الطريق ، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله عز وجل . قال تعالى : " لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره " . وقال هود عليه السلام لقومه : "اعبدوا الله ما لكم من إله غيره" . وقال صالح عليه السلام لقومه : "اعبدوا الله ما لكم من إله غيره" . وقال شعيب عليه السلام لقومه : "اعبدوا الله ما لكم من إله غيره" . وقال تعالى : "ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت" . وقال تعالى : "وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون" . " وقال صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله " . ولهذا كان الصحيح أن أول واجب يجب على المكلف شهاده أن لا إله إلا الله ، لا النظر ، ولا القصد إلى النظر ، ولا الشك ، كما هي أقوال لأرباب الكلام المذموم . بل أئمة السلف كلهم متفقون على أن أول ما يؤمر به العبد الشهادتان ، ومتفقون على أن من فعل ذلك قبل البلوغ لم يؤمر بتجديد ذلك عقب بلوغه ، بل يؤمر بالطهارة والصلاة إذا بلغ أو ميز عند من يرى ذلك . ولم يوجب أحد منهم على وليه أن يخاطبه حينئذ بتجديد الشهادتين ، وإن كان الإقرار بالشهادتين واجباً باتفاق المسلمين ، ووجوبه يسبق وجوب الصلاة ، لكن هو أدى هذا الواجب قبل ذلك .
وهنا مسائل تكلم فيها الفقهاء : كمن صلى ولم يتكلم بالشهادتين ، أو أتى [بغير ذلك من خصائص الإسلام ، ولم يتكلم بهما ، هل يصير مسلماً أم لا ؟ والصحيح أنه يصير مسلماً بكل ما هو من خصائص الإسلام . فالتوحيد أول ما يدخل به في الإسلام ، وآخر ما يخرج به من الدنيا ، " كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة " ] . وهو أول واجب وآخر واجب .
فالتوحيد أول الأمر وآخره ، أعني : توحيد الإلهية، فإن التوحيد يتضمن ثلاث أنواع :
أحدها : الكلام في الصفات . والثاني : توحيد الربوبية ، وبيان أن الله وحده خالق كل شيء . والثالث : توحيد الإلهية ، وهو استحقاقه سبحانه وتعالى أن يعبد وحده لا شريك له .
أما الأول : فإن نفاة الصفات أدخلوا نفي الصفات [في] مسمى التوحيد ، كجهم بن صفوان ومن وافقه ، فإنهم قالوا : اثبات الصفات يستلزم تعدد الواجب ، وهذا القول معلوم الفساد بالضرورة ، فإن اثبات ذات مجردة عن جميع الصفات لا يتصور لها وجود في الخارج ، وانما الذهن قد يفرض المحال ويتخيله وهذا غاية التعطيل . وهذا القول قد أفضى بقوم الى القول بالحلول والإتحاد ، وهو أقبح من كفر النصارى ، فإن النصارى خصوه بالمسيح ، وهؤلاء عموا جميع المخلوقات. ومن فروع هذا التوحيد : أن فرعون وقومه كاملو الإيمان ، عارفون بالله على الحقيقة .
ومن فروعه : أن عباد الأصنام على الحق والصواب ، وأنهم إنما عبدوا الله لا غيره.
ومن فروعه : أنه لا فرق في التحريم التحليل بين الأم والأخت والأجنبية، ولا فرق بين الماء والخمر، والزنا والنكاح ، والكل من عين واحدة ، لا بل هو العين الواحدة .
ومن فروعه : أن الأنبياء ضيقوا على الناس .
تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً .
وأما الثاني : وهو توحيد الربوبية ، كالإقرار بأنه خالق كل شيء، وأنه ليس للعالم صانعان متكافئان في الصفات والأفعال ، وهذا التوحيد حق لا ريب فيه ، وهو الغاية عند كثير من أهل النظر والكلام وطائفة من الصوفية ، وهذا التوحيد لم يذهب إلى نقيضة طائفة معروفة من بني آدم ، بل القلوب مفطورة على الإقرار به أعظم من كونها مفطورة على الإقرار بغيره من الموجودات ، كما قالت الرسل فيما حكى الله عنهم : "قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض" .
وأشهر من عرف تجاهله وتظاهره بإنكار الصانع فرعون ، وقد كان مستسيقناً به في الباطن ، كما قال له موسى : "لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر" . وقال تعالى عنه وعن قومه . "وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً" . ولهذا [لما] قال : وما رب العالمين ؟ على وجه الإنكار له تجاهل العارف ، قال [له] موسى : "رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين * قال لمن حوله ألا تستمعون * قال ربكم ورب آبائكم الأولين * قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون * قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون" .
وقد زعم طائفة أن فرعون سأل موسى مستفهماً عن الماهية ، وأن المسؤول عنه لما لم تكن له ماهية عجز موسى عن الجواب وهذا غلط . وإنما هذا استفهام إنكار وجحد ، كما دل سائر آيات القرآن على أن فرعون كان جاحداً لله نافياً له ، لم يكن مثبتاً له طالب للعلم بماهيته . فلهذا بين لهم موسى أنه معروف ، وأن آياته ودلائل ربوبيته أظهر وأشهر من أن يسأل عنه بما هو؟ بل هو سبحانه أعرف وأظهر وأبين من أن يجهل ، بل معرفته مستقرة في الفطر أعظم من معرفة كل معروف . ولم يعرف عن أحد من الطوائف أنه قال : أن العالم له صانعان متماثلان في الصفات والأفعال ، فإن الثنوية من المجوس ، والمانوية القائلين بالأصلين : النور والظلمة ، وأن العالم صدر عنهما - : متفقون على أن النور خير من الظلمة ، وهو الإله المحمود ، وأن الظلمة شريرة مذمومة ، وهم متنازعون في الظلمة ، هل هي قديمة أو محدثة ؟ فلم يثبتوا ربين متماثلين .
وأما النصارى القائلون بالتثليت ، فانهم لم يثبتوا للعالم ثلاثة أرباب ينفصل بعضهم عن بعض ، بل متفقون على أن صانع العالم واحد ، ويقولون : باسم الإبن والأب وروح القدس إله واحد . وقولهم في التثليث متناقض في نفسه ، وقولهم في الحلول أفسد منه ، ولهذا كانوا مضطربين في فهمه ، وفي التعبير عنه ، لا يكاد واحد منهم يعبر عنه بمعنى معقول ، ولا يكاد أثنان يتفقان على معنى واحد ، فانهم يقولون : هو واحد بالذات ، ثلاثة بالاقنوم ! والاقانيم يفسرونها تارة بالخواص ، وتارة بالصفات ، وتارة بالأشخاص . وقد فطر الله العباد على فساد [هذه] الاقوال بعد التصور التام . وبالمجلة فهم لا يقولون باثبات خالقين متماثلين .
والمقصود هنا : أنه ليس في الطوائف من يثبت للعالم صانعين متماثلين، مع أن كثيراً من أهل الكلام والنظر والفلسفة تعبوا في اثبات هذا المطلوب وتقريره . ومنهم من اعترف بالعجز عن تقرير هذا بالعقل ، وزعم أنه يتلقى من السمع .
والمشهور عند أهل النظر اثباته بدليل التمانع ، وهو : أنه لو كان للعالم صانعان فعند اختلافهما مثل أن يريد أحدهما تحريك جسم وآخر تسكينه ، أو يريد أحدهما احياءه والآخر اماتته - : فإما أن يحصل مرادهما ، أو مراد أحدهما ، أو لا يحصل مراد واحد منهما . والأول ممتنع ، لأنه يستلزم الجمع بين الضدين ، والثالث ممتنع ، لأنه يلزم خلو الجسم عن الحركة والسكون ، وهو ممتنع ، ويستلزم أيضاً عجز كل منهما ، والعاجز لا يكون إلهاً ، واذا حصل مراد أحدهما دون الآخر، كان هذا هو الإله القادر ، والآخر عاجزاً لا يصلح للإلهية .
وتمام الكلام على هذا الأصل معروف في موضعه ، وكثير من أهل النظر يزعمون أن دليل التمانع هو معنى قوله تعالى : "لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا" . لاعتقادهم أن توحيد الربوبية الذي قرروه هو توحيد الإلهية الذي بينه القرآن ، ودعت اليه الرسل عليهم السلام ، وليس الامر كذلك ، بل التوحيد الذي دعت اليه الرسل ، ونزلت به الكتب ، هو توحيد الإلهية المتضمن توحيد الربوبية ، وهو عبادة الله وحده لا شريك له ، فإن المشركين من العرب كانوا يقرون بتوحيد الربوبية ، وأن خالق السماوات والأرض واحد ، كما أخبر تعالى عنهم بقوله : " ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله " . " قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون * سيقولون لله قل أفلا تذكرون " . ومثل هذا كثير في القرآن ، ولم يكونوا يعتقدون في الأصنام أنها مشاركة لله في خلق العالم ، بل كان حالهم فيها كحال أمثالهم من مشركي الأمم من الهند والترك والبربر وغيرهم ، تارة يعتقدون أن هذه تماثيل قوم صالحين من الأنبياء والصالحين ، ويتخذونهم شفعاء ، ويتوسلون بهم الى الله ، وهذا كان أصل شرك العرب ، قال تعالى حكاية عن قوم نوح . "وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن وداً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسراً" وقد ثبت في صحيح البخاري ، وكتب التفسير، وقصص الأنبياء وغيرها ، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وغيره من السلف ، أن هذه أسماء قوم صالحين في قوم نوح ، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ، ثم صوروا تماثيلهم ، ثم طال عليهم الأمد ، فعبدوهم وأن هذه الأصنام بعينها صارت إلى قبائل العرب ، ذكرها ابن عباس رضي الله عنهما ، قبيلة قبيلة وقد ثبت في صحيح مسلم " عن أبي الهياج الاسدي ، قال : قال لي علي بن أبي طالب رضي الله عنه : ألا أبعثك على ما بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ أمرني أن لا أدع قبراً مشرفاً إلا سويته ، ولا تمثالاً إلا طمسته " وفي الصحيحين " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في مرض قبل موته : لعن الله اليهود والنصارى ، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " يحذره ما فعلوا ، قالت عائشة رضي الله عنها : ولولا ذلك لأبرز قبره ، ولكن كره أن يتخذ مسجداً ، وفي الصحيحين " أنه ذكر في مرض موته كنيسة بأرض الحبشة ، وذكر من حسنها وتصاوير فيها ، فقال : إن أولئك اذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً ، وصورا فيه تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة " . وفي صحيح مسلم " عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال قبل أن يموت بخمس : إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد ، فإني أنهاكم عن ذلك " .
ومن أسباب الشرك عبادة الكواكب واتخاذ الاصنام بحسب ما يظن أنه مناسب للكواكب [من] طباعها .
وشرك قوم إبراهيم عليه السلام كان - فيما يقال - من هذا الباب . وكذلك الشرك بالملائكة والجن واتخاذ الأصنام لهم .
وهؤلاء كانوا مقرين بالصانع ، وأنه ليس للعالم صانعان ، ولكن اتخذوا هؤلاء شفعاء ، كما أخبرعنهم تعالى بقوله : " والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى " . "ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون" .
وكذلك كان حال الأمم السالفة المشركين الذين كذبوا الرسل . [كما] حكى الله تعالى عنهم في قصة صالح عليه السلام عن التسعة الرهط الذين تقاسموا بالله ، [أي تحالفوا بالله] ، لنبيتنه وأهله . فهؤلاء المفسدون المشركون تحالفوا بالله عند قتل نبيهم وأهله ، وهذا بين أنهم كانوا مؤمنين بالله إيمان المشركين .
فعلم أن التوحيد المطلوب هو توحيد الإلهية ، الذي يتضمن توحيد الربوبية . قال تعالى : "فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون" . " منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين * من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون * وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون * ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون * أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون * وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون ". وقال تعالى : "أفي الله شك فاطر السماوات والأرض" . " وقال صلى الله عليه وسلم : كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " ولا يقال : أن معناه يولد ساذجاً لا يعرف توحيداً ولا شركاً ، كما قال بعضهم - لما تلونا ، " ولقوله صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه عز وجل : خلقت عبادي حنفاء ، فاجتالتهم الشياطين " الحديث . وفي الحديث المتقدم ما يدل على ذلك ، حيث " قال : يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" ولم يقل : ويسلمانه . وفي رواية " يولد على الملة " وفي أخرى : " على هذه الملة " .
وهذا الذي أخبر به صلى الله عليه وسلم هو الذي تشهد الأدلة العقلية بصدقه . منها ، أن يقال : لا ريب أن الإنسان قد يحصل له من الأعتقادات والإرادات ما يكون حقاً ، وتارة ما يكون باطلًا ، وهو حساس متحرك بالإرادات ، ولا بد له من أحدهما ، ولا بد له من مرجح لأحدهما . ونعلم أنه إذا عرض على كل أحد أن يصدق وينتفع وأن يكذب ويتضرر ، مال بفطرته إلى أن يصدق وينتفع ، وحينئذ فالاعتراف بوجود الصانع الإيمان به هو الحق أو نقيضه ، والثاني فاسد قطعاً ، فتعين الأول ، فوجب أن يكون في الفطرة ما يقتضي معرفة الصانع والإيمان به . وبعد ذلك : أما أن يكون في فطرته [محبته أنفع للعبد أولاً . والثاني فاسد قطعاً ، فوجب أن يكون في فطرته] محبة ماينفعه .
ومنها : أنه مفطور على جلب المنافع ودفع المضار بحسه . وحينئذ لم تكن فطرة كل واحد مستقلة بتحصيل ذلك ، بل يحتاج إلى سبب معين للفطرة، كالتعليم ونحوه ، فإذا وجد الشرط وانتفى المانع استجابت لما فيها من المقتضي لذلك .
ومنها : أن يقال : من المعلوم أن كل نفس قابلة للعلم وإرادة الحق ، ومجرد التعليم والتحضيض لا يوجب العلم والإرادة ، لولا أن في النفس قوة تقبل ذلك ، وإلا فلو علم الجهال والبهائم وحضضا لم يقبلا . ومعلوم أن حصول إقرارها بالصانع ممكن من غير سبب منفصل من خارج ، وتكون الذات كافية في ذلك ، فإذا كان المقتضي قائماً في النفس وقدر عدم المعارض ، فالمقتضي السالم عن المعارض يوجب مقتضاه ، فعلم أن الفطرة السليمة إذا لم يحصل لها ما يفسدها ، كانت مقره بالصانع عابدة له . ومنها : أن يقال ، إنه إذا لم يحصل المفسد الخارج ولا المصلح الخارج ، كانت الفطرة مقتضية للصلاح ، لأن المقتضي فيها للعلم والارادة قائم ، والمانع منتف .
ويحكى عن أبي حنيفة رحمه الله : أن قوماً من أهل الكلام أرادوا البحث معه في تقرير توحيد الربوبية . فقال لهم : أخبروني قبل أن نتكلم في هذه المسألة عن سفينة في دجلة، تذهب فتمتلىء من الطعام والمتاع وغيره بنفسها ، وتعود بنفسها ، فترسي بنفسها ، وتفرغ وترجع ، كل ذلك من غير أن يدبرها أحد؟ ! ! فقالوا : هذا محال لا يمكن أبداً ! فقال لهم : إذا كان هذا محالاً في سفينة ، فكيف في هذا العالم كله علوه وسفله ! ! وتحكى هذه الحكاية أيضاً عن غير أبي حنيفة .
فلو أقر رجل بتوحيد الربوبية ، الذي يقر به هؤلاء النظار ، ويفنى فيه كثير من أهل التصوف ، ويجعلونه غاية السالكين ، كما ذكره صاحب منازل السائرين وغيره ، وهو مع ذلك إن لم يعبد الله وحده ويتبرأ من عبادة ما سواه - كان مشركاً من جنس أمثاله من المشركين .
والقرآن مملوء من تقرير هذا التوحيد وبيانه وضرب الأمثال له . ومن ذلك أنه يقرر توحيد الربوبية ، ويبين أنه لا خالق إلا الله ، وأن ذلك مستلزم أن لا يعبد إلا الله ، فيجعل الأول دليلاً على الثاني ، إذ كانوا يسلمون [في] الأول وينازعون في الثاني ، فيبين لهم سبحانه أنكم إذا كنتم تعلمون أنه لا خالق إلا الله [وحده] ، وأنه هو الذي يأتي العباد بما ينفعهم ، ويدفع عنهم ما يضرهم ، لا شريك له في ذلك ، فلم تعبدون غيره ، وتجعلون معه آلهة أخرى ؟
كقوله تعالى : " قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما يشركون * أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون " الآيات . يقول الله تعالى في آخر كل آية : " أإله مع الله " أي أإله مع الله فعل هذا ؟ وهذا استفهام انكار ، يتضمن نفي ذلك ، وهم كانوا مقرين بأنه لم يفعل ذلك غير الله ، [فاحتج عليهم بذلك ، وليس المعنى أنه استفهام هل مع الله إله ، كما ظنه بعضهم ، لأن هذا المعنى لا يناسب سياق الكلام ، والقوم كانوا يجعلون مع الله] آلهة أخرى، كما قال تعالى . " أإنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد " ، وكانوا يقولون : "أجعل الآلهة إلها واحداً إن هذا لشيء عجاب" . لكنهم ما كانوا يقولون : أن معه إلها "جعل الأرض قراراً وجعل خلالها أنهاراً وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزاً" . بل هم مقرون بأن الله وحده فعل هذا ، وهكذا سائر الآيات . وكذلك قوله تعالى : "يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون" . وكذلك قوله في سورة الأنعام : "قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به" . وأمثال ذلك .
واذا كان توحيد الربوبية ، الذي يجعله هؤلاء النظار، ومن وافقهم من الصوفية هو الغاية في التوحيد - : داخلاً في التوحيد الذي جاءت به الرسل ، ونزلت به الكتب ، فليعلم أن دلائله متعددة ، كدلائل اثبات الصانع ودلائل صدق الرسول ، فإن العلم كلما كان الناس إليه أحوج كانت أدلته أظهر ، رحمة من الله بخلقه .
والقرآن قد ضرب الله للناس فيه من كل مثل ، وهي المقاييس العقلية المفيدة للمطالب الدينية ، لكن القرآن يبين الحق في الحكم والدليل ، فماذا بعد الحق إلا الضلال ؟ وما كان من المقدمات معلومة ضرورية متفقاً عليها ، استدل بها ، ولم يحتج إلى الاستدلال عليها .
والطريقة الصحيحة في البيان أن تحذف ، وهي طريقة [القرآن ، بخلاف ما يدعيه الجهال ، الذين يظنون أن القرآن ليس فيه طريقة] برهانية ، بخلاف ما قد يشتبه ويقع فيه نزاع ، فإنه يبينه ويدل عليه .
ولما كان الشرك في الربوبية معلوم الأمتناع عند الناس كلهم ، باعتبار اثبات خالقين متماثلين في الصفات والافعال ، وإنما ذهب بعض المشركين إلى أن ثم خالقاً خلق بعض العالم ، كما يقوله الثنوية في الظلمة ، وكما يقوله القدرية في أفعال الحيوان ، وكما يقوله الفلاسفه الدهرية في حركة الأفلاك أو حركات النفوس ، أو الأجسام الطبيعية ، فإن هؤلاء يثبتون أموراً محدثة بدون أحداث الله إياها ، فهم مشركون في بعض الربوبية ، وكثير من مشركي العرب وغيرهم قد يظن في آلهته شيئاً من نفع أوضر، بدون أن يخلق الله ذلك .
فلما كان هذا الشرك في الربوبية موجوداً في الناس ، بين القرآن بطلانه ، كما في قوله تعالى : "ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض" . فتأمل هذا البرهان الباهر ، بهذا اللفظ الوجيز الظاهر . فإن الإله الحق لا بد أن يكون خالقاً فاعلاً ، يوصل إلى عابده النفع ويدفع عنه الضر ، فلو كان معه سبحانه إله آخر يشركه في ملكه ، لكان له خلق وفعل ، وحينئذ فلا يرضى تلك الشركة ، بل أن قدر على قهر ذلك الشريك وتفرده بالملك والإلهية دونه فعل ، وإن لم يقدر على ذلك انفرد [بخلقه وذهب بذلك الخلق ، كما ينفرد ملوك الدنيا بعضهم عن بعض بملكه ، إذا لم يقدر المنفرد] منهم على قهر الآخر والعلو عليه . فلا بد من أحد ثلاثة آمور :
أما أن يذهب كل إله بخلقه وسلطانه .
واما أن يعلو بعضهم على بعض .
واما أن يكونوا تحت قهر ملك واحد يتصرف فيهم كيف يشاء ، ولا يتصرفون فيه ، بل يكون وحده هو الإله ، وهم العبيد المربوبون المقهورون من كل وجه .
وانتظام أمر العالم كله واحكام أمره ، من أدل دليل على أن مدبره إله واحد ، وملك واحد ، ورب واحد ، لا إله للخلق غيره ، ولا رب لهم سواه . كما قد دل [دليل] التمانع على أن خالق العالم واحد ، لا رب غيره ولا إله سواه ، فذلك تمانع في الفعل والإيجاد ، وهذا تمانع في العبادة والإلهية . فكما يستحيل أن يكون للعالم ربان خالقان متكافئان ، كذلك يستحيل أن يكون [لهم] إلهان معبودان .
فالعلم بأن وجود العالم عن صانعين متماثلين ممتنع لذاته ، مستقر في الفطر معلوم بصريح العقل بطلانه ، فكذا تبطل إلهية اثنين . فالآية الكريمة موافقة لما ثبت واستقر في الفطر من توحيد الربوبية ، دالة مثبتة مستلزمة لتوحيد الإلهية .
وقريب من معنى هذه الآية قوله تعالى : "لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا" . وقد ظن طوائف أن هذا دليل التمانع الذي تقدم ذكره ، وهو أنه لو كان للعالم صانعان الخ ، وغفلوا عن مضمون الآية ، فإنه سبحانه أخبر أنه لو كان فيهما آلهة غيره ، ولم يقل أرباب .
وأيضاً فإن هذا إنما هو بعد وجودهما ، وأنه لو كان فيهما وهما موجودتان آلهة سواه لفسدتا .
وأيضا فإنه قال : (لفسدتا)، وهذا فساد بعد الوجود ، ولم يقل : لم يوجدا . ودلت الآية على أنه لا يجوز أن يكون فيهما آلهة متعددة ، بل لا يكون الإله إلا واحد ، وعلى أنه لا يجوز أن يكون هذا الإله الواحد إلا الله سبحانه وتعالى ، وأن فساد السموات والأرض يلزم من كون الآلهة فيهما متعددة ، ومن كون الإله الواحد غير الله وأنه لا صلاح لهما إلا بأن يكون الإله فيهما هو الله وحده لا غيره . فلو كان للعالم إلهان معبودان لفسد نظامه كله ، فإن قيامه إنما هو بالعدل ، وبه قامت السموات والارض .
وأظلم الظلم على الاطلاق الشرك ، وأعدل العدل التوحيد .
وتوحيد الإلهية متضمن لتوحيد الربوبية دون العكس . فمن لا يقدر على أن يخلق يكون عاجزاً ، والعاجز لا يصلح أن يكون إلها . قال تعالى : "أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون" . وقال تعالى : "أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون" . وقال تعالى : "قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً" .
وفيها للمتأخرين قولان : أحدهما : لا تخذوا سبيلاً الى مغالبته ، والثاني ، وهو الصحيح المنقول عن السلف ، كقتادة وغيره ، وهو الذي ذكره ابن جرير ولم يذكر غيره - : لاتخذوا سبيلاً بالتقرب اليه ، كقوله تعالى : " إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا " . وذلك أنه قال : "لو كان معه آلهة كما يقولون" وهم لم يقولوا : إن العالم [له] صانعان ، بل جعلوا معه آلهة اتخذوهم شفعاء ، وقالوا : "ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى" ، بخلاف الآية الأولى .

--

[انواع التوحيد الذي دعت إليه الرسل]
الجزء :1
الصفحة :89
[انواع التوحيد الذي دعت إليه الرسل]
ثم التوحيد الذي دعت إليه رسل الله ونزلت به كتبه نوعان : توحيد في الإثبات والمعرفة ، وتوحيد في الطلب والقصد .
فالأول : هو اثبات حقيقة ذات الرب تعالى وصفاته وأفعاله وأسمائه ، ليس كمثله شيء في ذلك كله ، كما أخبر به عن نفسه ، وكما أخبر رسوله صلى الله عليه وسلم . وقد أفصح القرآن عن هذا [النوع] كل الإفصاح ، كما في أول (الحديد) و(طه) وآخر (الحشر) وأول (آلم تنزيل السجدة) وأول (آل عمران) وسورة (الإخلاص) بكمالها ، وغير ذلك .
والثاني : وهو توحيد الطلب والقصد ، مثل ما تضمنته سورة "قل يا أيها الكافرون" ، و "قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم" ، وأول سورة (تنزيل الكتاب) وآخرها ، وأول سورة (يونس) وأوسطها وآخرها ، وأول سورة (الأعراف) وآخرها ، وجملة سورة (الأنعام) .
وغالب سور القرآن متضمنة لنوعي التوحيد ، بل كل سورة في القرآن . فالقرآن إما خبرعن الله وأسمائه وصفاته ، وهو التوحيد العلمي الخبري . وأما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له ، وخلع ما يعبد من دونه ، فهو التوحيد الإرادي الطلبي . وأما أمر ونهي والزام بطاعته ، فذلك من حقوق التوحيد ومكملاته . وإما خبرعن اكرامه لأهل توحيده ، وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة ، فهو جزاء توحيده . وأما خبر عن أهل الشرك ، وما فعل بهم في [الدنيا] من النكال ، وما يحل بهم في العقبى من العذاب فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد .
فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه ، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم . فـ "الحمد لله رب العالمين" توحيد ، "الرحمن الرحيم" توحيد، "مالك يوم الدين" توحيد ، "إياك نعبد وإياك نستعين" توحيد ، "اهدنا الصراط المستقيم" توحيد متضمن لسؤال الهداية إلى طريق أهل التوحيد ، "الذين أنعمت عليهم"، "غير المغضوب عليهم ولا الضالين" الذين فارقوا التوحيد .
وكذلك شهد الله لنفسه بهذا التوحيد، وشهدت له به ملائكته وأنبياؤه ورسله . قال تعالى : " شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم * إن الدين عند الله الإسلام " . فتضمنت هذه الآية الكريمة اثبات حقيقة التوحيد ، والرد على جميع طوائف الضلال ، فتضمنت أجل شهادة وأعظمها وأعدلها وأصدقها ، من أجل شاهد ، بأجل مشهود به .
وعبارات السلف في شهد - تدور على الحكم ، والقضاء ، والإعلام ، والبيان ، والإخبار. وهذه الأقوال كلها حق لا تنافي بينها : فإن الشهادة تتضمن كلام الشاهد وخبره ، وتتضمن إعلامه وإخباره وبيانه .
فلها أربع مراتب : فأول مراتبها : علم ومعرفة واعتقاد لصحة المشهود به وثبوته . وثانيها : تكلمه بذلك ، وان لم يعلم به غيره ، بل يتكلم بها مع نفسه ويتذكرها وينطق بها أو يكتبها. وثالثها : أن يعلم غيره بما يشهد به ويخبره [به] ويبينه له . ورابعها : أن يلزمه بمضمونها ويأمره به .
فشهادة الله سبحانه لنفسه بالوحدانية والقيام بالقسط تضمنت هذه المراتب الأربع : علمه بذلك سبحانه ، وتكلمه به ، وإعلامه وإخباره لخلقه به ، وأمرهم والزامهم به .
فأما مرتبة العلم فإن الشهادة تضمنتها ضرورة ، وإلا كان الشاهد شاهداً بما لا علم له به . قال تعالى : "إلا من شهد بالحق وهم يعلمون" . " وقال صلى الله عليه وسلم : على مثلها فاشهد " ، وأشار إلى الشمس .
وأما مرتبة التكلم والخبر، فقال تعالى : "وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون" . فجعل ذلك منهم شهادة ، وإن لم يتلفظوا بلفظ الشهادة ولم يؤدوها عند غيرهم .
وأما مرتبة الإعلام والإخبار فنوعان : إعلام بالقول ، وإعلام بالفعل . وهذا شأن كل معلم لغيره بأمر : تارة يعلمه به بقوله ، وتارة بفعله . ولهذا كان من جعل داره مسجداً وفتح بابها وأفرزها بطريقها وأذن للناس بالدخول والصلاة فيها - : معلماً أنها وقف ، وان لم يتلفظ به . وكذلك من وجد متقرباً الى غيره بأنواع المسار، يكون معلماً له ولغيره أنه يحبه ، وان لم يتلفظ بقوله ، وكذلك بالعكس . وكذلك شهادة الرب عز وجل وبيانه وإعلامه ، يكون بقوله تارة ، وبفعله أخرى . فالقول ما أرسل به رسله وأنزل به كتبه . وأما بيانه وإعلامه بفعله فكما قال ابن كيسان : شهد الله بتدبيره العجيب وأموره المحكمة عند خلقه - : أنه لا إله إلا هو. وقال آخر :
وفي كل شيء له أية تدل على أنه واحد
ومما يدل على أن الشهادة تكون بالفعل ، قوله تعالى : "ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر" . [فهذه شهادة منهم على أنفسهم] بما يفعلونه .
[والمقصود أنه سبحانه يشهد بما جعل آياته] المخلوقة دالة عليه ، ودلالتها إنما هي بخلقه وجعله .
وأما مرتبة الأمر بذلك والإلزام به ، وأن مجرد الشهادة لا يستلزمه ، لكن الشهادة في هذا الموضع تدل عليه وتتضمنه - فإنه سبحانه شهد به شهادة من حكم به ، وقضى وأمر وألزم عباده به ، كما قال تعالى : " وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه " . وقال الله تعالى : " لا تتخذوا إلهين اثنين " . وقال تعالى : "وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين" . "وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحداً" . وقال تعالى : "لا تجعل مع الله إلهاً آخر" . وقال تعالى : "ولا تدع مع الله إلهاً آخر" . والقرآن كله شاهد بذلك .
ووجه استلزام شهادته سبحانه لذلك : أنه إذا شهد أنه لا إله إلا هو ، فقد أخبر وبين وأعلم وحكم وقضى أن ما سواه ليس بإله ، أو آلهية ما سواه باطلة ، فلا يستحق العبادة سواه ، كما لا تصلح الإلهية لغيره ، وذلك يستلزم الأمر باتخاذه وحده إلها ، والنهي عن اتخاذ غيره معه إلها ، وهذا يفهمه المخاطب من هذا النفي والإثبات ، كما إذا رأيت رجلاً يستفتي رجلاً أو يستشهده أو يستطبه وهو ليس أهلاً لذلك ، ويدع من هو أهل له ، فتقول : هذا ليس بمفت ولا شاهد ولا طبيب ، المفتي فلان ، والشاهد فلان ، والطبيب فلان ، فإن هذا أمر منه ونهي .
وأيضا : فالآية دلت على أنه وحده المستحق للعبادة ، فإذا أخبر أنه هو وحده المستحق للعبادة ، تضمن هذا الإخبار أمر العباد وإلزامهم بأداء ما يستحق الرب تعالى عليهم ، وأن القيام بذلك هو خالص حقه عليهم .
وأيضا : فلفظ الحكم و القضاء يستعمل في الجملة الخبرية ، ويقال للجملة الخبرية : قضية ، وحكم ، وقد حكم فيها بكذا . قال تعالى : "ألا إنهم من إفكهم ليقولون * ولد الله وإنهم لكاذبون * أصطفى البنات على البنين * ما لكم كيف تحكمون" . فجعل هذا الإخبار المجرد منهم حكماً وقال تعالى : "أفنجعل المسلمين كالمجرمين * ما لكم كيف تحكمون" . لكن هذا حكم لا إلزام معه .
والحكم والقضاء بأنه لا إله الا هو متضمن الإلزام . ولو كان المراد مجرد شهادة لم يتمكنوا من العلم بها ، [ولم ينتفعوا بها ،] ولم تقم عليهم بها الحجة . بل قد تضمنت البيان للعباد ودلالتهم وتعريفهم بما شهد به ، كما أن الشاهد من العباد إذا كانت عنده شهادة ولم يبينها بل كتمها، لم ينتفع بها أحد، ولم تقم بها حجة .
وإذا كان لا ينتفع بها إلا ببيانها ، فهو سبحانه قد بينها غاية البيان بطرق ثلاثة : السمع ، والبصر ، والعقل . أما السمع : فبسمع آياته المتلوة المبينة لما عرفنا إياه من صفات كماله كلها ، الوحدانية وغيرها ، غاية البيان ، لا كما يزعمه الجهمية ومن وافقهم من المعتزلة ومعطلة بعض الصفات من دعوى احتمالات توقع الحيرة ، تنافي البيان الذي وصف الله به كتابه العزيز ورسوله الكريم ، كما قال تعالى : "حم * والكتاب المبين" . " الر تلك آيات الكتاب المبين " . " الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين " . "هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين" . "فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين" . " وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون " . وكذلك السنة تأتي مبينة أو مقررة لما دل عليه القرآن ، لم يحوجنا ربنا سبحانه وتعالى إلى رأي فلان ، [ولا إلى ذوق فلان] ووجده في أصول ديننا .
ولهذا نجد من خالف الكتاب والسنة مختلفين مضطرين . بل قد قال تعالى : " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا " . فلا يحتاج في تكميله إلى أمر خارج عن الكتاب والسنة .
وإلى هذا المعنى أشار الشيخ أبو جعفر الطحاوي فيما يأتي من كلامه من قوله : لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا ، فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم .
وأما آياته العيانية الخلقية : فالنظر فيها والإستدلال بها يدل على ما تدل عليه آياته القولية السمعية ، والعقل يجمع بين هذه وهذه ، ويجزم بصحة ما جاءت به الرسل ، فتتفق شهادة السمع والبصر والعقل والفطرة .
فهو سبحانه لكمال عدله ورحمته واحسانه وحكمته ومحبته للعذر واقامة الحجة - لم يبعث نبياً إلا ومعه آية تدل على صدقه فيما أخبر به ، قال تعالى : "لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط" .
وقال تعالى : " وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون * بالبينات والزبر " . [وقال تعالى : "قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم" .] وقال تعالى : "فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاؤوا بالبينات والزبر والكتاب المنير" . وقال تعالى : "الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان" . حتى إن من أخفى آيات الرسل آيات هود ، حتى قال له قومه : يا هود ما جئتنا ببينة، ومع هذا فبينته من أوضح البينات لمن وفقه الله لتدبرها ، وقد أشار إليه بقوله : "إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون * من دونه فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون * إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم" . فهذا من أعظم الآيات : أن رجلاً واحداً يخاطب أمة عظيمة بهذا الخطاب ، غير جزع ولا فزع ولا خوار ، بل هو واثق بما قاله ، جازم به ، فأشهد الله أولاً على براءته من دينهم وما هم عليه ، اشهاد واثق به معتمد عليه ، معلم لقومه أنه وليه وناصره وغير مسلط لهم عليه . ثم أشهدهم إشهاد مجاهر لهم بالمخالفة أنه بريء من دينهم وآلهتهم التي يوالون عليها ويعادون عليها ويبذلون دماءهم وأموالهم في نصرتهم لها ، ثم أكد ذلك عليهم بالإستهانة لهم واحتقارهم وازدرائهم . ولو يجتمعون كلهم على كيده وشفاء غيظهم منه ، ثم يعاجلونه ولا يمهلونه [لم يقدروا على ذلك إلا ما كتبه الله عليه] . ثم قرر دعوتهم أحسن تقرير، وبين أن ربه تعالى وربهم الذي نواصيهم بيده هو وليه ووكيله القائم بنصره وتأييده ، وأنه على صراط مستقيم ، فلا يخذل من توكل عليه وأقر به ، ولا يشمت به أعداءه .
فأي آية وبرهان أحسن من آيات الأنبياء عليهم السلام وبراهينهم وأدلتهم ؟ وهي شهادة من الله سبحانه لهم بينها لعباده غاية البيان .
ومن أسمائه تعالى المؤمن وهو في أحد التفسيرين : المصدق الذي يصدق الصادقين بما يقيم لهم من شواهد صدقهم ، فإنه لا بد أن يري العباد من الآيات الافقية والنفسية ما يبين لهم أن الوحي الذي بلغه رسله حق [قال] تعالى : "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق" : . أي القرآن ، فإنه هو المتقدم في قوله : "قل أرأيتم إن كان من عند الله" . ثم قال : "أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد" . فشهد سبحانه لرسوله بقوله أن ما جاء به حق ، ووعد أنه يري العباد من آياته الفعلية الخلقية ما يشهد بذلك أيضاً . ثم ذكر ما هو أعظم من ذلك كله وأجل ، وهو شهادته سبحانه [بأنه] على كل شيء شهيد ، فإن من أسمائه الشهيد الذي لا يغيب عنه شيء ، ولا يعزب عنه ، بل هو مطلع على كل شيء مشاهد له ، عليم بتفاصيله . وهذا استدلال بأسمائه وصفاته ، والأول استدلال بقوله وكلماته ، واستدلاله بالآيات الأفقية والنفسية استدلال بأفعاله ومخلوقاته .
فإن قلت : كيف يستدل بأسمائه وصفاته ، فإن الاستدلال بذلك لا يعهد في الأصطلاح ؟
فالجواب : أن الله تعالى قد أودع في الفطرة التي لم تتنجس بالجحود والتعطيل ، ولا بالتشبيه والتمثيل ، أنه سبحانه الكامل في أسمائه وصفاته ، وأنه الموصوف بما وصف به نفسه ووصفه به رسله ، وما خفي عن الخلق من كماله أعظم وأعظم مما يعرفونه منه . ومن كماله المقدس شهادته على كل شيء واطلاعه عليه ، بحيث لا يغيب عنه ذرة في السموات ولا في الأرض باطناً وظاهراً . ومن هذا شأنه كيف يليق بالعباد أن يشركوا به ، وأن يعبدوا غيره ويجعلوا معه إلهاً آخر؟ وكيف يليق بكماله أن يقر من يكذب عليه أعظم الكذب ، ويخبر عنه بخلاف ما الأمر عليه ، ثم ينصره على ذلك ويؤيده ويعلي شأنه ويجيب دعوته ويهلك عدوه ، ويظهر على دينه من الآيات والبراهين ما يعجز عن مثله قوى البشر ، وهو مع ذلك كاذب غير مفتر؟ !
ومعلوم أن شهادته سبحانه على كل شيء وقدرته وحكمته وعزته وكماله المقدس يأبى ذلك . ومن جوز ذلك فهو من أبعد الناس عن معرفته .
والقرآن مملوء من هذه الطريق ، وهي طريق الخواص ، يستدلون بالله على أفعاله وما يليق به أن يفعل [ولا يفعله] ، قال تعالى : "ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين * فما منكم من أحد عنه حاجزين" . وسيأتي لذلك زيادة بيان إن شاء الله تعالى . ويستدل أيضاً بأسمائه وصفاته على وحدانيته وعلى بطلان الشرك ، كما في قوله تعالى : "هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون" . وأضعاف ذلك في القرآن . وهذه الطريق قليل سالكها ، لا يهتدي إليها إلا الخواص . وطريقة الجمهور الاستدلال بالآيات المشاهده ، لأنها أسهل تناولاً وأوسع . والله سبحانه يفضل بعض خلقه على بعض .
فالقرآن العظيم قد اجتمع فيه ما لم يجتمع في غيره ، فإنه الدليل والمدلول عليه ، والشاهد والمشهود له . قال تعالى لمن طلب آية تدل على صدق رسوله : " أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون " .
وإذا عرف أن توحيد الالهية هو التوحيد الذي أرسلت به الرسل وأنزلت به الكتب ، كما تقدمت إليه الإشارة - فلا يلتفت إلى قول من قسم التوحيد إلى ثلاثة أنواع ، وجعل هذا النوع توحيد العامة ، والنوع الثاني توحيد الخاصة ، وهو الذي يثبت بالحقائق ، والنوع الثالث توحيد قائم بالقدم ، وهو توحيد خاصة الخاصة ، فإن أكمل الناس توحيد الأنبياء [صلوات الله عليهم ،] والمرسلون منهم أكمل في ذلك ، وأولو العزم من الرسل أكملهم توحيداً ، وهم : نوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، ومحمد ، صلى الله وسلم عليهم أجمعين . وأكملهم توحيداً الخليلان : محمد وإبراهيم ، صلوات الله عليهما وسلامه ، فإنهما قاما من التوحيد بما لم يقم به غيرهما علماً ، ومعرفة ، وحالاً ، ودعوة للخلق وجهاداً ، فلا توحيد أكمل من الذي قامت به الرسل ، ودعوا إليه ، وجاهدوا الأمم عليه . ولهذا أمر سبحانه نبيه أن يقتدي بهم فيه . كما قال تعالى ، بعد ذكر مناظرة إبراهيم قومه في بطلان الشرك وصحة التوحيد وذكر الأنبياء من ذريته : - " أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده " 0 فلا أكمل من توحيد من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بهم . " وكان صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه إذا أصبحوا أن يقولوا : أصبحنا على فطرة الاسلام وكلمة الإخلاص ودين نبينا محمد وملة أبينا إبراهيم حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين " . فملة إبراهيم : التوحيد ، ودين محمد صلى الله عليه وسلم : ما جاء به من عند الله قولاً وعملاً واعتقاداً . وكلمة الإخلاص : هي شهادة أن لا إله إلا الله . وفطرة الإسلام : هي ما فطر عليه عباده من محبته وعبادته وحده لا شريك له ، والإستسلام له عبودية وذلاً وانقياداً وإنابة .
فهذا توحيد خاصة الخاصة ، الذي من رغب عنه فهو من أسفه السفهاء . قال تعالى : "ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين * إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين" . وكل من له حس سليم وعقل يميز به ، لايحتاج في الاستدلال إلى أوضاع أهل الكلام والجدل واصطلاحهم وطرقهم البتة ، بل ربما يقع بسببها في شكوك وشبه يحصل له بها الحيرة والضلال والريبة ، فإن التوحيد إنما ينفع إذا سلم قلب صاحبه من ذلك ، وهذا هو القلب السليم الذي لا يفلح إلا من أتى الله به . ولا شك أن النوع الثاني والثالث من التوحيد الذي ادعوا أنه توحيد الخاصة وخاصة الخاصة ، ينتهي إلى الفناء الذي يشمر إليه غالب الصوفية ، وهو درب خطر، يفضي إلى الأتحاد . انظر إلى ما أنشد شيخ الإسلام أبو اسماعيل الأنصاري رحمه الله تعالى حيث يقول :
ما وحد الواحد من واحـــد إذ كل من وحده جاحد
توحيد من ينطق عن نعته عـــارية أبطلها الواحد
توحيده إيـــاه تــــوحـــيده ونعــت من ينعته لأحد
وإن كان قائله رحمه الله لم يرد به الإتحاد ، لكن ذكر لفظاً مجملاً محتملاً جذبه به الاتحادي إليه ، وأقسم بالله جهد أيمانه أنه معه ، ولو سلك الألفاظ الشرعية التي لا أجمال فيها كان أحق ، مع أن المعنى الذي حام حوله لو كان مطلوباً منا لنبه الشارع عليه ودعا الناس إليه وبينه ، فإن على الرسول البلاغ المبين، فأين قال الرسول : هذا توحيد العامة ، وهذا توحيد الخاصة ، وهذا توحيد خاصة الخاصة ؟ أو ما يقرب من هذا المعنى؟ أو أشار إلى هذه النقول والعقول حاضرة .
فهذا كلام الله المنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم ، وهذه سنة الرسول ، وهذا كلام خير القرون بعد الرسول ، وسادات العارفين من الأئمة ، هل جاء ذكر الفناء فيها ، وهذا التقسيم عن أحد منهم ؟ وإنما حصل هذا من زيادة الغلو في الدين ، المشبه لغلو [الخوارج ، بل] لغلو النصارى في دينهم . وقد ذم الله تعالى الغلو في الدين ونهى عنه ، فقال : "يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق" . "قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل" . " وقال صلى الله عليه وسلم : لا تشددوا فيشدد الله عليكم ، فإن من كان قبلكم شددوا فشدد الله عليهم ، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات ، رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم " رواه أبو داود .
  #11  
قديم 04-11-2002, 06:55 AM
ابو زيد ابو زيد غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Apr 2001
المشاركات: 150
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم

{ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم } [ البقرة 178 ]

{ كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين }
[ البقرة 180 ]


{ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون } [ البقرة 183 ]


{ أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون } [ البقرة 187 ]


{ كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون } [ البقرة 216 ]


{ ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين } [ البقرة 246 ]


{ ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور }
[ آل عمران 154 ]


{ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم } [ الأنعام 54 ]
  #12  
قديم 04-11-2002, 08:48 AM
zahco zahco غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Mar 2002
المشاركات: 8,371
افتراضي

السلام عليكم ورحمة الله
أخي الكريم / الصواعق
رجاءً خاصاً بعدم الخوض في مثل المواضيع عن العلماء .
وأشكر لكم تفهمكم ومجال الخير واسع وخصب بفضل الله فلا تبخلوا علينا بكل جديد ومفيد ...




[c]
[gl]اللهم لا تعِـقـنا عن العلم بعائق ولا تمـنعنا منه بمانع[/gl]
[/c]
موضوع مغلق

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:05 PM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2018 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com