عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات العلمية > منتدى العلوم والتكنولوجيا

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 09-02-2011, 07:58 PM
خالد الفردي خالد الفردي غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Apr 2007
الدولة: مصر مطروح
المشاركات: 9,254
افتراضي شَكلُ القصيدةِ وقصيدةُ الشَّكل




شَكلُ القصيدةِ وقصيدةُ الشَّكل


("سيرةُ الماءِ" لعلاء عبد الهادي نموذجاً)

بهاء الدين محمد مزيد
(مصر)

توطئة:
لا حرج - في نظري - في أن يكون عنوان هذه الدراسة على ما هو عليه لأنه يشير إلى كثير من ملامح عالم د.علاء عبد الهادي الشعري كما نجده في ديوانه "سيرة الماء" (1) فالعنوان يبدأ بالشكل وبه ينتهي، كما أن التحول من شكل" القصيدة " إلى " قصيدة الشكل " ليس مجرد زخرفة بلاغية بل هو تحول نحوى نصي ودلالي، حيث تنتقل مفردة " شكل" من كونها نكرة أضيفت إلى معرفة فعرّفت بالإضافة إلى كونها معرفة أضيفت إليها نكرة، وعكس هذا تماما يحدث لمفردة " قصيدة". وهذا بعض ما يحدث في "سيرة الماء" حيث يكمن قدر كبير من دلالة القصائد في جوانبها الشكلية إما غيابا (الشكل الخليلي التقليدي), وإما حضورا بارزا (هندسة النص الشعري والتشكيل الطباعي لصفحات الديوان) أو مراوغة لا تنتهي بين الغياب والحضور( تعدد قراءة الجملة الشعرية واختفاء بعض الصفحات كما سنوضح فيما بعد).

إن من يتابع تجربة د.علاء عبد الهادي الشعرية - في أعماله ( لك صفة الينابيع يكشف العطش) و(حليب الرماد) و(من حديث الدائرة) و (أسفار من نبوءة الموت المخبأ) و(سيرة الماء) - لابد أن يلاحظ استمراراً للمنجزات الجمالية للجيل السبعيني بما في ذلك انهيار الحدود الفاصلة بين الذات والموضوع والالتفات ولعبة الإضمار وتفتت الأنا المتكلمة في النص والانحراف الدلالي والمجاوزة التركيبية والاتكاء على التناص والباروديا (المحاكاة الساخرة أو التدميرية) بشكل لافت ، والتوجه الصوفي العرفاني وضبابية المعنى والتباسه والمفارقة والتكوينات الضدية وتعدد القراءة.(2)

ولابد أن يلاحظ من يقرأ لعلاء عبد الهادي كذلك وعيه بالأبعاد الشكلية والمعمارية لقصائده وميلاً إلى مساءلة الموروث والخروج من أفق التوقعات القرائية "الشعرية التقليدية" وسعيا لا إلى مجرد التقاطع مع نصوص سابقة, بل إلى إعادة قراءتها ونفخ الروح فيها, وتوظيفها, بما يخدم أهداف النصوص الراهنة, وكذلك مجاوزة للمألوف في المعجم الشعري والصورة والصياغة في مواضع عتبات النص وإطاره ومواضع الموت والهوامش والخصائص الطباعية والكتابية للقصائد. إن نصوص " سيرة الماء " نصوص مفتوحة, وليست مغلقة - إذا استخدمنا مفهوم أومبرتو إيكو Eco الذي ورد في كتابه'The Role of the Reader (دور القارئ) ، 1981، وإذا ما استخدمنا التمييز الشهير لرولان بارت Barthes في كتابه Z/S ، 1990 ، بين نصوص القراءة (السلبية) ونصوص ( المشاركة في ) الكتابة ، أو "Lisible و Scriptible" فإن قصائد " سيرة الماء " هي نصوص من النوع الثاني حيث لا تستند إلى ما تعارف القراء عليه بل تتجاوزه, وتجبر المتلقين على استخراج معان لا هي " نهائية" ولا هي "صحيحة".(3)

لكن قصائد " سيرة الماء" هي نصوص مشاركة في الكتابة، أو نصوص قابلة
للكتابة ، في جوانب أخر غير ما سبق. لقد عمد الشاعر إلى بعض التقنيات الكتابية والطباعية والإخراجية التي تجعل تعدد القراءة فرض عين لا كفاية, وتحتم " قراءة " القصائد لا مجرد "الاستماع" إليها, (يجوز بالطبع الاستماع إلى هذه القصائد لكنها عندئذ تفقد كثيرا من جمالياتها) ألمح إلى هذا أمجد ريان في دراسته لعدد من دواوين د.علاء عبد الهادي كما أشار إلى محورية التضاد في تركيبات علاء عبد الهادي اللغوية وامتزاج النشاطين الصوتي والبصري للغة, وميل الشاعر إلى التخفف من قيود الوزن والقافية, وتوجهه "الشكلان", وتجاوزه الصيغ والأشكال المحددة والنهائية, وامتلاء التعبير الشعري في كثير من قصائده " بالإيماءات الذاتية شديدة المركزية " وكذلك الرؤية " اللعبية" للشاعر وممارسته اللعب "بفداحة", ورغبته العارمة" في خلق دلالات تصل إلى أقصى درجة ممكنة من التعدد وربما التفتت", ومحاولته تأسيس أنظمة ساخرة متمردة على " الأنظمة اللغوية القائمة بما يشي بتمرد أوسع على المستوى الثقافي والاجتماعي" كما أشار ريان إلى الحس الصوفي والنزعة السريالية والاتكاء على السحر الشعبي في تجربة علاء عبد الهادي.(4) ونقف على كثير من الظواهر التي ورد ذكرها فيما سبق عند الاقتراب من العتبة الأولى من عتبات ديوان علاء عبد الهادي " سيرة الماء " والأجزاء الخارجية من إطاره ( peritexte ) كما سنحاول أن نوضح فيما يلي.

عتبات النص وإطاره:
غلاف الديوان من الورق المقوى اللامع يجمع بين كونه غلافا وكونه قميصا jacket حيث يشتمل على ثنية أمامية وأخرى خلفية . على الغلاف الأمامي نجد اسم المؤلف ثم عنوان الديوان ثم لوحة صغيرة نعرف فيما بعد أنها للشاعر. والعنوان الذي يحمله الغلاف الأمامي هو "سيرة الماء" أما الثنية الداخلية الأمامية فتحمل عنوان " وقائع نبوءة الموت " ثم صورة صغيرة للشاعر. أما الغلاف الخلفي فيحمل عنوان " وقائع نبوءة الموت " ثم اقتباس للشاعر ثم صورة كبيرة. له هي صورة الثنية الداخلية الأمامية ذاتها. أما الثنية الداخلية الخلفية فهي تصغير للغلاف الخارجي الأمامي ( اسم الشاعر ثم عنوان " سيرة الماء " ثم اللوحة) ولكن بدون معلومات عن الناشر والسلسلة التي نجدها على الغلاف الأمامي. ومن نصوص سيرة الماء يختار الشاعر هذا الاقتباس على الغلاف الخلفي:

" وَنخرُجُ كَنبتةِ الفولِ..
حينَ تفلتُ من بينِ أصابعِ الماءِ,
ويلأمُ حدُّ الخفاءِ الخفاءَ,
هكذا كنتَ تحتَ فتوقِ السَّماءِ,
كي يَرَوا عنكَ,
حينَ تضمُّكَ طفلةُ النَّارِ..
وتخلعُ رذاذَكَ القاهِرِيّ!"

في هذا الاقتباس تكثيف لعدد من خصائص كتابة د.علاء عبد الهادي والكتابة الحداثية بوجه عام ، حيث نجد فيها الالتفات, ولعبة الضمائر:

نحن: (نَخرجُ)
هي : نبتة للفول (تفلتُ)
هو : حدّ الخفاء (يلأمُ)
أنتكنتَ تحتَ فتوقِ السماءِ)
هم يَروا عنكَ)
هي : طفلة النار (تضمُّكَ)
أنت / هي : (تخلعُ رذاذَكَ القاهريّ)

لعل القارئ يلاحظ جدة الصورة الشعرية في "حين تفلت من بين أصابع الماء" ، فالماء هو الذي يفلت من بين الأصابع ، لكن العادة شئ والصورة الشعرية شئ آخر, ولعل القارئ يلاحظ كذلك أن فعل "يلأم" تنعدم قيمته الواقعية عندما يتجاور الخفاء مع الخفاء. أما عن الصياغة الشعرية التي تقصدت خلق تعدد القراءات فالأمثلة كثيرة منها:

- " كي يروا عنك كي يروا نيابة عنك.
كي يروا أشياء أو حالات تتعلق بك.

- " وتخلع رذاذك القاهري
تخلع "أنت" رذاذك القاهري.
تخلع "طفلةُ النارِ" عنك رذاذك القاهري.

كما تدهشنا الصورة في " تخلع رذاذك" حيث يتكاثف الرذاذ ويجتمع ويتلاصق..فيصبح ثوبا طريًّا وغطاء. ويلفتنا اجتماع الماء والنار وأن خروج نبتة الفول مرهون بالانفلات من أصابع الماء وتظل المقطوعة مفتوحة أمام تعدد القراءات وتظل الضمائر تسبح في فضاء النص تبحث عن مضمرات. فإذا عدنا إلى عنوان الديوان وجدنا عنوانين يتبادلان موقعيهما في لعبة بسيطة ولكنها دالة وطازجة:
-"سيرة الماء" (غلاف أمامي) يصاحبه في ثنية الديوان الأمامية عنوان "وقائع نبوءة الموت".
-"وقائع نبوءة الموت" (غلاف خلفي) يصاحبه في ثنية الديوان الخلفية عنوان"سيرة الماء".
وبعملية حسابية بسيطة نكتشف أن العنوانين الأمامي " سيرة الماء" والخلفي "وقائع نبوءة الموت" يحظيان بنفس القدر من الأهمية ، فيما يوحى بأنهما بديلان . وبين العنوانين علاقات دلالية. كلاهما مركب إسمي لكن الأول أقل تعقيدا نحويا من الثاني (مضاف + مضاف إليه) ، في الثاني تلعب مفردة "نبوءة" دورا نحويا مزدوجا (مضاف إليه بالنسبة إلى "وقائع" ومضاف بالنسبة إلى "الموت"). السيرة تاريخ أما النبوءة فهي حديث عن المستقبل..لكن هنا أيضا يزداد تعقيد العنوان الثاني لأن اجتماع "وقائع" مع "نبوءة" يجعل العنوان "تأريخا للمستقبل"- إذا جاز التعبير. وإذا كانت "سيرة الماء" تستدعى الخلق والحياة وقصة الإنسان من حيوان منوي إلى عظام نخرة, وقصة الأرض من بخار إلى سحاب إلى مطر إلى بحار وأنهار وهكذا دواليك، فإنها تستدعى كذلك الغرق والانسياب, وتماهى الحدود والفواصل. هكذا تتجاوز في العناوين البدايةُ والنهاية، الحياةُ والموت، السيرة والنبوءة, ولابد أن الديوان يقع عند نقطة ما بين هذين الطرفين. "سيرة الماء" هي سيرة الوجود الإنساني الذي يتشابه فيه أمس ويوم وغد, وما أبلغ قول ابن خلدون: "الماضي أشبه بالآتي من الماء بالماء" (5).

على الغلاف الأمامي للديوان لوحة للشاعر, لك أن ترى فيها ما تشاء، لك أن تراها تعبيرا عن عقل باطن لا يقيم وزنا للأعراف والتقاليد التصويرية ولا يسجد للمقدسات الفنية بل يجمع بين الدادية والسريالية, ولك أن تراها من بعيد مزيجا جميلا من الألوان أو أن تقترب منها فتكتشف أشياء وكائنات متداخلة, وربما تتخيل وجهاً بشعاً لكائن خرافي ملوث بالدماء، ولك أن تكتفي باعتبارها ملونا - بفتح الميم والواو وتسكين اللام - أو باليته Palette وهى لوحة ألوان الفنان, وربما توصلت من هنا إلى أن الفنان الشاعر علاء عبد الهادي يسعى إلى العودة إلى اللغة الخام والألوان الأولية ثم يكتب ويرسم بطريقة خاصة فريدة. مهما كانت الخيارات المتاحة أمامك فليس من الأمانة أن تغض الطرف عن هذه اللوحة وذلك لأنها من إبداع الشاعر نفسه, وليس من اختيار الناشر، ومعنى هذا أن الشاعر ربما أراد أن يجعل منها مفتتحا أو تلخيصا أو نصا موازيا للديوان. هنا تسقط الحدود الفاصلة بين الأنظمة العلاماتية وتلتقي الصورة بالكلمة ويصبح إطار الديوان "عاصمة للتآلف" على حد تعبير الشاعر!

وفى إطار النص كذلك صورة شخصية للشاعر على الغلاف الخارجي الخلفي وتصغيرها على الثنية الداخلية الأمامية. فإذا انتقلنا إلى الصفحة التي تلي الغلاف مباشرة لوجدناها بيضاء إلا من كتابة في أسفلها إلى اليسار، كتابة توثيق الديوان توثيقاً مختصراً, ونلحظ كذلك استخدام الأرقام العربية "3,2,1" لا الأرقام الهندية, وعلى ظهر هذه الصفحة معلومات عن السلسلة الأدبية التي ينتمي إليها الديوان وعلى الصفحة المقابلة نجد ما يلي:

اسم الشاعر ببنط ثقيل كبير يتوسط أعلى الصفحة .
اقتباس من "أعمال الرسل".

العنوان " سيرة الماء" ببنط ثقيل كبير (أكبر من بنط اسم الشاعر) يتوسط الصفحة.
عنوان فرعى ببنط أصغر "كيف أسرق النار؟" تحت العنوان السابق.
شعار الناشر "مركز الحضارة العربية".

من خلال هذه العتبة من عتبات ديوان د.علاء عبد الهادي نقف على عدد من خصائص شعريته في هذا الديوان أولها محورية التناص فنحن نجد اقتباسا صريحا موثقا من الإنجيل وتحديدا من أعمال الرسل، في مكان بارز بين اسم الشاعر وعنوان الديوان . لكن الشاعر لا يتوقف عند مجرد التناص بل يبدأ في ممارسة لعبة أسلوبية كتابية بالغة الأهمية في هذا الديوان بالذات, مكررة في كل قصائده من دون استثناء بل وفى كل ما فيه من اقتباسات. هذه اللعبة -هي ببساطة- وضع خط تحت بعض الكلمات دون غيرها بحيث تقرأ كل جملة بطريقتين: (1) تقرأ كلها دون النظر إلى الخطوط، (2) تقرأ الكلمات التي تحتها خط فقط مع إهمال الكلمات الأخرى. اللعبة في ظاهرها يسيرة لكننا سنحاول أن نوضح قيمتها الدلالية بالغة الأهمية فيما بعد ونكتفي هنا بتوضيح الاقتباس من " أعمال الرسل ".

"ثمَّ أَتَى جوعٌ على كلِّ أرضِ مِصرَ و كَنعان , وضيقٌ عظيمٌ فكانَ آباؤنا لا يَجَدونَ قوتاً"
القراءة الأولى للاقتباس هي القراءة العادية ومفادها أن أرض مصر وكنعان حل بها الجوع في زمن معين فكان آباؤنا (نحن العرب!) لا يجدون قوتاً, أما القراءة الثانية فتكمن فيها لعبة الشاعر:

"أَتَى عَلَى أرضِ مصرَ وكنعان آباؤنا"

إن الفروق الدلالية بين القراءتين أوضح من أن تشرح, ويبدو أن علاء عبد الهادي يمارس هذه اللعبة ليقاوم سلطة التاريخ وسلطة التناص, وسلطة أهم هي سلطة الزمن, فهو يداخل بهذه الطريقة زمنين, زمن النص الأصلي, وزمن النص المضمر, وسوف يظل يمارس اللعبة على نطاق واسع, وسوف يخسر القارئ كثيرا إذا لم يكلف نفسه عناء قراءة كل قصيدة مرتين (على الأقل) وإذا لم ينتبه إلى هذه اللعبة.
أما الخصيصة الثالثة التي نمسك بأول خيوطها على هذه الصفحة فهي التجريب إلى حد التمرد, ونجد هذا الاتجاه في سؤاله الأخير في آخر الديوان, "كيف أسرق النار؟" فما هي قصة سرقة النار؟
("أذعنَ" جميعُ الآلهةِ إلا إلهاً "واحداً" هو برومثبوس, لأن برومثيوس كان صديقاً للبشرِ يُظاهِرُهُم عَلَى طغيانِ جوبتر ولقد سرقَ لهُم النارَ الإلهيةَ..نارَ المعرفةِ ، وزوَّدَهُم بالعلمِ الكثيرِ، فكانَ جَزاءُ هذا الثائرِ أنَّ صلَبَهُ جوبتر على شفا هاويةٍ..سحيقةٍ بجبلِ القوقاز..) (6)

يرتدى الشاعر إذن قناع برومثيوس معلنا تمرده على الأعراف والتقاليد الأدبية ومعلنا رغبته في أن يكون له نص خاص به: نصآ يمنحني حق إبعاد الآخرين..عنى" (7) ويعيدنا السؤال السابق إلى الاقتباس الذي على الغلاف الخلفي للديوان:"حين تضمك طفلة النار/ وتخلع رذاذك القاهري". علاء عبد الهادي يمارس التجريب في مستويات متداخلة, محاولاً التمرد على المألوف في الصنعة الشعرية, وشكوله المعروفة, هذا ما تؤكده العتبات الأول للديوان, وما نجده في أعماله السابقة.

ماذا يتبقى من الإطار الأمامي للديوان ؟ تتبقى صفحة عنوان أخرى ومجموعة من الاقتباسات يتخللها إهداء وعنوان فرعى . على صفحة العنوان نجد "وقائع" ثم اقتباس من سفر الخروج ثم " نبوءة الموت" وهكذا ينشطر العنوان بحيث تصبح كلمة "وقائع" عنواناً للاقتباس وجزءاً من عنوان الديوان في الوقت نفسه. ويمارس الشاعر في الاقتباس لعبة الخطوط التي سبقت الإشارة إليها ليقترح صياغة متفائلة لنص محزن:
"ولمَّا كانَ الصباحُ حَمَلَتِ الرّيحُ ! الشرقيةُ الجرادَ فصعدَ الجرادُ على كلِّ أرضِ مِصرَ (...) وأكلَ جميعَ عُشبِ الأرضِ, وجميعَ ثَمَرُِ الشَّجَرِ الذي تركَهُ البردُ، حتّى لم يبق شئٌ أخضرُ (...) في كلِّ أرضِ مِصرَ.

هذا هو الاقتباس بدون الخطوط وهو يصور حالة من الخراب والدمار تصبح فيها الريح ناقلة للموت وللجراد, ويموت الأخضر كله, ولا يستسلم نص علاء عبد الهادي للتاريخ ولا للنبوءة المقدسة، بل يقترح قراءة أخرى معارضة عندما نقرأ الكلمات التي وضع تحتها خط دون غيرها:

"ولمَّا كانَ الصَّباحُ حَمَلَتِ الريحُ ! فصعدَ على أرضِ مِصرَ ثمرُ الشَّجرِ".

هذه قراءة جديدة للمقدس، قراءة يمكن أن نرى فيها - إذا ما تحلينا بقدر من البراءة النقدية - دعوة لرؤية الجوانب المختفية في النص, بما في ذلك النص المقدس! أما إذا ما حاولنا أن نمارس قدرا من التمرد والتشكيك فلعلنا نجد في بعض الخطوط التي يضعها الشاعر تحت بعض الكلمات سخرية من القراءة الانتقائية المتحيزة التي تأخذ من النصوص ما تحب لا كل ما فيها, في الوقت ذاته التي تشير إلى قدرة القراءة الضالة لنص على استنساخ حيوات مختلفة, ومعان لا نهائية من سياقه.
بعد هذا نجد مجموعة من الاقتباسات لابن حزم وابن منظور ومن إنجيل برنابا, ومن حِكَم ابن عطاء الله, وإهداء, ثم نجد اقتباسين من الكوميديا الإلهية لدانتى وبينهما أول عنوان داخلي وهو "سِفْرُ الهُويَّة", وفى كل ذلك يواصل الشاعر لعبة الخطوط واقتراح قراءات جديدة مغايرة للنصوص التي يقتبسها. وفى نهاية الديوان نجد صفحة الفهرس ثم صفحة تحمل هوية الشاعر الثقافية وأعماله الشعرية والأكاديمية السابقة, لكن بالصفحتين أشياء غير معتادة, أولها أن أرقام الصفحات في الفهرس لا تتطابق مع المتن وثانيها أن الفهرس ينتهي ب (1992) ، كتب الديوان سنة 1992 ونشره سنة 1998, ثم نجد أسفل صفحة الفهرس اقتباسا من سفر الخروج:

"وأمَّا إقامةُ بَنِي إسرائيل التي أقاموها في مِصرَ فكانتْ أرْبعَ مائةٍ وثلاثينَ سَنَة"

"سِفْرُ الخروجَِ"

هذه هي النبوءة الأولى أما الثانية التي يستخرجها الشاعر من النص المقدس فهي:
"وأمَّا إقامةُ إسرائيلَ فكانتْ الخروج"!

كما تنتهي صفحة التعريف بالشاعر بالسؤال:

" كيفَ أفصلُ الكلماتِ عن أشيائِها؟"

هذا آخر ما نجد في الديوان قبل صفحة الغلاف الخلفي ومن الواضح أن الشاعر هنا يخرج عن المألوف ويضع اقتباسا آخر الفهرس وسؤالاً في نهاية ثبت أعماله. الحقيقة أن السؤال بالغ الأهمية في تجربة د.علاء عبد الهادي فهو يحاول أن يتجاوز المعاني المعجمية للمفردات،محاولاً تخليص الدوال من قهر المدلولات. وإذا كان السؤال يأتي في نهاية الديوان فإن هذا يوحي بأن الشاعر لم يحقق غايته بعد، ترى أيوجد شاعر ينجح في الإجابة عن السؤال الذي يختم به ديوانه؟ عموماً ما زال الشاعر لحسن حظنا مرتبطاً بالواقع وبالنصوص, في الجزء التالي نتناول تجليات التناص في "سيرة الماء".

نص نصوص:
يعلن ديوان "سيرة الماء" - في عتباته الأُوَل- عن محورية التناص, وعن توظيف الشاعر له بطرائق مبتكرة وشيقة كما ألمحنا إلى ذلك فيما سبق. عندما نقرأ ديوان علاء عبد الهادي نكتشف أنه يقتبس من أعماله السابقة وخصوصا "أسفار من نبوءة الموت المخبأ " (1997) حيث تبدأ مقدمة ديوانه السابق بطريقة كتابة نثرية هكذا:

" الكتابةُ عاصمةٌ للتآلفِ تدشِّنُها الدماءُ..عاصفةً على امتدادِ الوريدِ..يقدحُ العبثُ جمرتين..جمرةً تصطادُ بِصِنَارَةِ الألمِ بحيرةً للذِّكْرى..وجمرةً تُشعلُ الحرائقَ على تلٍّ مِنْ خَلاء"
والقصيدة الأولى في "سيرة الماء": تبدأ بطريقة كتابة شعرية هكذا:

"الكتابةُُ..عاصِمَةٌٌ للتآلفِ,
تُدَشِّنها الدِّماءُ..عاصفَةً على امتدادِ الوريدِ,
يقدح العبثُِ جمرتين..
جمرةًُ..تصطادُ بِصِنارَةِ الألمِ..بُحيرةً للذِّكرَى,
وجمرةًُ..تُشعلُ الحرائقَ..على تلٍّ مِنْ خلاء."

نلاحظ أن مفردة "جمرة" تأخذ علامتي إعراب, ففي القراءة الأولى - بغض النظر عن الخطوط- تعرب بدلاً من " لجمرتين" المنصوبة وفى قراءة ما فوق الخط فقط, تصبح فاعلا:

"عاصمةٌ
تُدَشِّنُها..عَلى امتدادِ
العبثِ..
جَمرةُ..الألمِ
وَجَمرةٌ..مِنْ خلاءْ."

نحن هنا إزاء قراءتين وتوجهين فكريين: ففي القراءة الأولى تصبح الكتابة عاصمة للتآلف ( بين المبدع والنص والمتلقي والعالم)، عاصمة تتأسس على معاناة الكاتب, ويصبح العبث قوة فاعلة إيجابية تلملم الذكريات وتعيد الحياة للخواء والخلاء, وفى القراءة الثانية تختفي الكتابة ويبقى العبث والألم والخلاء.
وفى مقدمة " أسفارٌ من نَبوءةِ الموتِ المخبَّأ " نقرأ كذلك :

" على رئةِ الفؤادِ..زهرةُ "بودلير" الشريرةُ تمَسْرِحُ في الحياةِ الطليقةِ قرينَها, بِخَيْشِ الكوابيسِ"
وفى القصيدة الأولى في"سيرة الماء" نقرأ:
عَلَى رئةِ الفؤادِ..زهرةٌ..
تُمَسْرحُ في الحياةِ الطليقةِ قرينَها..!
على ورقةٍ من عَسَل..
صَبياً أفضضُ الأمنياتِ..
بِوَرَقِ الخُطواتِ المَرْمَرِيّةِ,
أَمضِي حبيساً..إلى جَدولٍ مِنْ جبالٍ..
تَسَّاقطُ منه أفاعٍ "عذراوات"..
على فئرانِ قلبي الفتيّ!
وفي قراءة ما فوق الخط يصبح النص:
"على الفؤادِ
وَرَقةٌ من الأمنياتِ
أمْضِي إلى جبالٍ
تسَّاقَطُ
على قَلبي"

وهكذا يظل ديوان "الأسفار" ماثلا يؤكد على استمرارية تجربة علاء عبد الهادي ووحدتها ويذكر القارئ أن شعرية الشاعر لا تكمن في تقيده بالوزن والقافية والإيقاع الموسيقى الظاهر بقدر ما تكمن في تكثيف الصورة الفنية وتماهى الحدود بين الذات والعالم,وإعادة خلق المفردات بتخليصها من سجونها المعجمية وفى التأسيس للغة شعرية فردية"poetic idiolect" تعتمد على اللعب المنتِج, وعلى المفارقة واللاتحديد واللاسردية والتناص. ويحفل "سيرة الماء" بأمثلة لا سبيل إلى حصرها للتناص الفكري واللغوي والإفرادى والتركيبي والديني نذكر منها إضافة إلى ما سبق هذا التناص مع الكتب المقدسة; [ النَّارُ: وَقُودُها النَّاسُ/ الماءُ: وَخَلَقنا منِ الماءِ جُرْحاً/ التُّرابُ: " يا ليتنا كنَّا.."/ الهَواءُ: يَجْرِى لمستقرٍ لَهُ/ المُلْكُ: إنَّ الملوكَ إذا دَخَلُوا..] وغيرها كثير, بالإضافة إلى اقتباسات أخر موثقة من التثنية وسفر التكوين ونشيد إخناتون وحكم ابن عطاء الله, يقول الشاعر:

>رميناكَ في الجبِّ
و في مأتمِـُك
ذَُبحنا - رثاءً لكَ - بقراً عَواناً فاقعَ اللونِ
و بعدَ الغيابِ بقينا ...
عَلَى سكَنَاتِنا……......
تدورُ عَلَيْنَا الحبالُ
تشدُّ عليْنا الحَوافرَ
وفوقَ المقاماتِ الوطيئةِ
لم نَسْتَرِحْ.
إن المشكلة التي ينتجها علاء عبد الهادي من هذين السياقين المتداخلين -عبر هذا الشكل- هي مشكلة معنى في الأساس, فأي معنى يجب على القارىء اختياره حين يتعارض معنى النص الأصلي مع معنى النص المرافق له؟ إنه يترك مكاناً للقارئ كي يفصح بين تضاد المعنين عن انحيازه الدلالي الخاص, لم يبالغ أمجد ريان إذن عندما قال أن علاء عبد الهادي يمارس اللعب ( بفداحة) فها هو ذا يعود إلى لعبة الشكل حيث يضع نصاً غير خطى non-linear يتمثل في دائرة الأقواس، دائرة لا نهائية, ولا سبيل إلى الخروج منها, بخلاف ما يحدث في قصة يوسف عليه السلام. ولا يقتصر جدل النصوص في " سيرة الماء " على التناص الداخلي والخارجي, ولا على تجاور نصوص خطية مع نصوص غير خطية والإصرار على قراءتين لكل نص مقتبس, بل يتعداه إلى علاقات بين نصوص أساسية وفرعية داخل الديوان نفسه:

اتجاه التناص الأول

"سيرة الماء" "ما سبق من شعر علاء عبد الهادي"
اتجاه الميتا نص "النص الموازي" اتجاه التناص الثاني

"سيرة الماء" "نصوص أُخَر"

تحدثنا بإيجاز في هذا الشكل عن التناص الداخلي (1) والتناص الخارجي (2) في الديوان, وبقى أن نشير إلى علاقات النصوص الصغرى المكونة له وإلى بعض التعليقات الميتانصية metatextual فيه. إن علاء عبد الهادي يسعى إلى تقديم كتابة مغايرة تتمرد على السائد والمألوف, تستفيد من حصاد التجربة الشعرية لكنها تتجاوز هذه التجربة وتطرح بدائل جديدة مثيرة ومثرية, يقول الشاعر في "سِفرِ الهوية":

"..لمْ يبقَ سِوى الكتابةِ..أو..أن أمتلكَ نصًّا..
يَمنحنِي حقَّ إبعادِ الآخرين عنِّي !"

إذا ما تأملنا نص سفر الهوية وجدنا أنه - بعد العنوان والاقتباسين - ينقسم إلى "اعترافات" و "الهوية"، الاعترافات هي المتن, والهوية هي مجموعة من التعريفات الطازجة للعناصر الأربعة والنفس والروح والناس والأم والشعر والمكان والزمان والوطن والفعل والحياة والملك, وتقع موقع الهامش, ويحدث لها في أثناء القراءة وتتابعها تحول تدريجي من هامش إلى متن, فالمتن يقع في الجزء العلوي من الصفحة ومكتوب ببنط أكبر لكن مع اقتراب القصيدة من نهايتها يسقط الحد الفاصل بين المتن والهامش ويصبحان معا هامشاً لنص جديد لكن مع تحول البنط الثقيل من المتن إلى الهامش الجديد. أما الاعترافات في هذا النص فهو سيرة ذاتية مصغرة غير مباشرة يمتزج فيها الذاتي بالموضوعي, والمحسوس بالمجرد, والكتابة بالميتاكتابة ( كتابة عن الكتابة ), ونقتبس هنا بعض المقاطع الدالة على وعي الشاعر وعالمه الخيالي, يقول الشاعر:

رَجُلاً..كنتُ..وَحِيداً ألعبُ بالحرائقٍ
أكْبحُ طاحونةً..في - الحُلمِ..وأرْمي الأكاذيبَ النَّبيلةَ
وفى خَمرةِ الحسرةِ..
أتنبَّأُ بالدَرَكِ السُّفليّ..
الذي ستكفِّنُ فيه الحضاراتُ نفسَها, "صفحة 15"
...
تستمرُّ الكتابةُ
تَسقطُ دَواهي الكلامِ
تزدَهرُ المَطابعُ..بالصوفِ..يَكْتسي الناسُ "صفحة 16"
...
جهولاً كنتُ
حينَ صَعدتُ لأحمِلَ هذا العالمَ
وَأنا تَعبُدنِي الدعاراتُ..والكَذِبُ المُقَدَّس.ُ "صفحة 19"
...
أزْدَري البَساطَةَ
وأزحفُ مُلطَّخاً..بالأعمالِ..الميتةِ."صفحة 20"

هنا يحدث التحول من الهامش إلى المتن ومن المتن إلى الهامش وتسكن الاعترافات والتعريفات الهامش الذي اتسع ويتحول ضمير المتكلم إلى ضمير غائب ويتحول الاعتراف إلى تعريف:

يوائمُ بينَ البغتةِ والتَّباشِيرِ
ويدسُّ في الجروحِ..القناديلَ..
تجاهَ ما تُيسِّرُهُ الرياحينُ في كتابِ التَّوهُجِ..
علَّمهُ آدمُ الأسماءَ في أزلِ الأمسيات. "صفحة 22"

في النص التالي يمارس علاء عبد الهادي لعبة جديدة بحيث يجب قراءة النص ثلاث مرات على الأقل : قراءة خطية عادية وقراءة ما تحته خط فقط ثم قراءة الكلمات المكتوبة ببنط ثقيل bold فقط، فيما يوحى بأن كتابة الشاعر خضعت لحسابات دقيقة بحيث تظهر بهذا الشكل المحكم:

ويصادقُ الأرضَ بعشبةٍ : نَــمَـــتْ :
ما : بــَيــْـــنَ :
: صَـــدرِهِ: والمَدَى

كأنَّما رغبتُهُ تفتَّحتْ على اتكاءِ :الصَّباحاتِ:
حيث يضع الشاعر -في هذا المقطع الأخير من السِّفرِ الأول- خطاً تحت كل كلمة بحيث تندمج القراءة الأولى مع القراءة الثانية, كاشفاً عن سر اللعبة وهدفها. إن الشاعر يرغم القارئ في البداية على قراءة كل جملة مرتين ليقف على ما فيها من مفارقة وتعدد, حتى إذا أدمن القارئ هذه اللعبة فاجأه الشاعر بدمج القراءتين وهكذا يفتت القارئ النص ثم يعيد تركيبه من جديد فيكتشف بعض ما فيه من مفارقة وثراء دلالي. أمّا القراءة العمودية الثالثة التي يقترحها التشكيل قتقول: "نَمَتْ بينَ صدرِهِ الصباحاتُ"! علاء عبد الهادي لا يمارس اللعب إذن بغرض العبث أو لمجرد التمرد، بل يستند نصه إلى قراءات واسعة في الأدب والنقد والفن ويؤسس شروطا جديدة للقراءة بحيث يشترك القارئ في كتابة النص! مثلما اشترك الشاعر في قراءته أيضاً بهذا الشكل المتعدد. فإذا عدنا إلى العلاقة السيميوطيقية بين المتن والهامش فليس من العسير أن نكتشف أن مقاطع الاعترافات ترتبط فيما بينها بعلاقات أفقية (syntagmatic) وهكذا تفعل مقاطع الهوية. أما العلاقة بين الهوية والاعترافات فهي علاقة رأسية (paradigmatic). والتعريفات التي ترد في مقاطع الهوية هي نصوص شارحة لمقاطع المتن أو الاعترافات ويمكن أن تمثل كذلك نصوصا موازية للمتن، نصوص يمكن قراءتها منفصلة, وهذه قراءة رابعة يقدمها علاء عبد الهادي لقرائه حيث يمكنهم أن يقرأوا المتن وحده والهوامش وحدها ثم المتن والهوامش معا. تلك الهوامش لا تقدم هوية الشاعر وحده, ولا تقدمها بشكل تاريخي مباشر، بل هي تعريف كل شئ ( وربما لا شئ) بسبب بنية النفي التي يقترحها النص المرافق للنص الأصلي:

النار:
وَقودُها النَّاسُ
عورةٌ للرَّمادِ
فَمَن يُّشْعلُ للنَّارِ دِفئها
ويسكبُ في مُقلتَيْها السُّهادَ
يقول النص المرافق: "النارُ عورةٌ للنارِ في مقلتيها السهادُ"
نحنُ:
نَحنُ انتساغٌ
نَحنُ وشيعٌ غادرتْهُ الحدائقُ..فأغفلَتْهُ التواريخُ
يقول النص المرافق: "نحنُ التواريخُ"
النَّاسُ:
يلدَغُها الحريقُ إنْ ضيَّعتْها..الطرائقُ
يقول النص المرافق: "الناسُ ضيعتها الطرائقُ"..

وهكذا يستمر النص المرافق في الجدل, أو نفي الدلالة الأولى لكل مقطع, في قصيدة "سفر الهوية" وفى بقية قصائد "سيرة الماء", في مقدمة ديوانه السابق "أسفار من نبوءة الموت المخبأ" يقول الشاعر "يُدفن النوعُ..يتشرد مدخلُ النص.. يتوه جانيت، وجامعه المشاكس!" يتشردُ مثله في ذلك مثل المتون والهوامش والعناوين والاقتباسات, فتتمرد المفردات على المعجم وتحاول أن تتخلص من قيود الإشارة إلى العالم وتتعدد أشكال اللعب المنتج المؤثر.

في القصيدة الثانية - " وقائع سفر النبوءة " - لعبة نصية جديدة وهى ثنى بعض الأوراق بحيث تختفي بعض الصفحات فنقرأ القصيدة مرة بدون الاهتمام بالصفحات المختفية ومرة بفتح الأوراق وقراءة تلك الصفحات, مع وجود ترقيمين لكل صفحة..لابد أن القارئ وهو يتابع هذه اللعبة يتذكر أننا في عصر الكمبيوتر والإنترنت والنص التشعبي "Hypertext", فمع الكمبيوتر تستطيع أن تفتح عدة نوافذ في وقت واحد وتنتقل بين الشكل والأرضية وبين الواجهة والخلفية, وعلى الإنترنت تستطيع أن تذهب إلى عدة مواقع websites في وقت واحد . فيما يلي مثال وحيد لهذه اللعبة, حين نقرأ جزءاً من القصيدة بطريقتين على الأقل, حيث تتجاور ثلاثة أصوات رئيسة في السِّفر الثاني من الديوان الأول هو "الناس" والثاني هو "الطوفان", والثالث هو "أنتَ" ( بالإضافة إلى لعبة الخطوط التي أشرنا إليها من قبل ):

مالتْ عَلينا السُّلالاتُ
و النَّاسُ جسدُ انتظارْ,
تلدغُنا على الأرائِكِ رؤانا,
أذنٌ من الطّينِ لا تَسْتمعُ
لدَمدَمِةِ نعلِكَ العبقريّ
نَذهَبُ نَهْمِي في مائِنا..كي نَنَامَ..عجيناً
نَسْهَرُ عَلَى لَحمِنا..
نَبْنِي - فوقَ العظامِ - معاقلَ للعطشِ والسَّكِينةَِ! "صفحة 26"

هنا تنتهي الصفحة الأولى من صوت الناس ويجد القارىء احتمالين للقراءة الأول أن يستكمل هذا الصوت في تتابعه ذاهباً إلى المقطع التالي:

و النَّاسُ..نحنُ,
سالتْ أيّامُنا السَّاعِيَةْ... "صفحة 29"
إلى آخر المقطع, أما الاحتمال الثاني فهو الانتقال -عبر فتح الصفحة المطوية- إلى صوت "الطوفان" "صفحة 27" أي إلى المقطع الذي يبتدئ:
والرِّيحُ قُدَّاسٌ للمقابرِ
والأفقُ..ذِئبٌ..يَعْوِي..كَمِيناً
...
ووجهُ الفجرِ مجدورٌ
و الوقتُ صوبَكَ ليلٌ..يُعيدُ الصهيلَ
يَضيقُ المَدَى..هَامَةً..
فوقَ شَعْرِ الفَضاءِ
تُمشِّطُ بالبُومِ ترقوةَ المدائن.ِ
ويمكن للقارئ أن يذهب بعد ذلك إلى صوت "أنتَ" "صفحة 28" إلى المقطع الذي يقول الشاعر فيه:
وأنا في غيبي وَحْيٌ يَقومُ,
تعلَّقَ خطوي..
بينَ دثارةِ عَلَقَةْ,
و طينِ المخاضِ,
فسِّنّي لَمْ تَبْلغِ الأربعينَ...
لم تتَّجِهْ بَعْدُ..لِي

يؤكد هذا التكاثر الدلالي على واحدة من أهم خصائص اللغة الإنسانية وهى قدرتها على الإنتاج غير المحدود - إذا جاز التعبير - فكل جملة يمكن أن تكبر ويعاد إنتاجها عدة مرات وبعدة طرق, يساعدها الشكل على ذلك, ولنا أن نفسر اختفاء بعض أجزاء القصيدة بأنها أجزاء شارحة يمكن الاستغناء عنها ولنا أن نفسرها على أنها أجزاء لها خصوصية من نوع معين بحيث لا يطلبها إلا من يريدها, وفي كل الحالات سنجد قراءات تحقق قدرا كبيرا من الثراء والتعدد في القصيدة. في بداية كل صوت من الأصوات الثلاثة"الناس/ الطوفان/ أنتَ" نجد مقطعاً من اقتباس صريح يؤدى بعض وظائف الهوامش الشارحة أو الموازية, وفيها تبادل بين ضمائر المخاطب والمتكلم والغائب, وفيها كذلك امتزاج الأنا والعالم وإشارات إلى الواقع المأزوم المهزوم, فيما يلي بعض المقاطع من سياقات مختلفة تدل على ذلك:" مالتْ علينا السُّلالاتُ"," أذنٌ مِنْ الطينِ لا تسْتمعُ","لنا في الهروبِ متسعٌ", "والنِّساءُ خراجٌ للبلادِ", "والأفقُ..ذئبٌ..يعوي..كَمِيناً", "رحلتْ مِنْ ضلوعِ القُرَى..على شَعرِ سمراء غادرَتْنا - الحقولُ ", "وفوقَ المقاماتِ الوطيئةِ, لمْ تَسترِحْ", "والوقتُ..شوكٌ يجوسُ", "شتاءٌ يجئُ خريفاً, ربيعٌ يجئُ خريفاً..فصولٌ..تَجئُ وتمْضِي دونَ فصولِ".هو الموت " المخبأ " الظاهر، القريب البعيد، وهي نبوءة الشاعر بالدرك السفلي "الذي ستكفن فيه الحضارات نفسها"، هي نبوءة الشاعر الذي يتوحد مع الآخر ومع المجهول ومع اللدُنيّ, ومع النصوص, راصداً الواقع, المأساة, والاغتراب حتى يصل إلى قمة العرفانية فيقول:

فانظرونِي,
أنا النَّبِيّ الرَّسُولُ

ليس خروجا على الأديان ولا تحقيرا للمقدسات، فكل إنسان بوسعه - ومن حقه - أن يتنبأ وأن يحمل رسالة ما إلى جماعة ما. هذا تفسير. التفسير الآخر هو أن الذات المتكلمة في النص تلعب أدواراً متعددة, فتعود إلى أزمنة مضت, وتتطلع إلى أزمنة تجيء: هي ذات الشاعر والصوفي والنبي في علاقاتهم بالواقع المهترئ . المهم هنا هو أن نفصل بين الشاعر وبين المتكلم في النص, وأن نظل واعين بحدوث التناص والتقمص وبأقنعة الذات المتعددة . ينبغي كذلك أن نظل واعيين بسقوط الحدود بين المتون والهوامش، بين النصوص الراهنة والنصوص السابقة، بين الاقتباس الصريح والاقتباس الخفي، بين العالم والكتابة عن العالم، بين النص والميتانص وأن نتتبع "الصوت" أو "المنظور" الذي يختلف من مقطع إلى آخر, بل يتعدد داخل المقطع الواحد. "سيرةُ الماء" نص نصوص, ونص عن النصوص, ومغامرة في الكتابة والقراءة.

ينتشى الشكليون:
وردت هذه الكلمة في مقدمة ديوان " أسفار من نبوءة الموت المخبأ " ومن الصعب أن نقرر ما إذا كان علاء عبد الهادي يتهكم, أم يقرر واقعاً, أم يتنبأ. لكن من حقنا أن ننتشي عند قراءة أشعار علاء عبد الهادي, فقضية الشكل والتعدد الدلالي عنده قضية محورية - ولهذا كان عنوان الدراسة الراهنة. إن قصائد "سيرة الماء" كما رأينا قصائد " محسوبة " فيها قدر من "التخطيط", وتذكرنا بكتب تراثية تعطى معاني متعددة حسب اتجاه القراءة وطريقتها, وتؤكد اهتمام الشاعر بعناصر السحر الشعبي والألعاب اللغوية, من ناحية أخرى لم تعدِ الصفحةُ الشعرية مجرد سطح أبيض أصم بل أصبحت مسرحاً للعب, ووسيلة من وسائل إنتاج د.علاء عبد الهادي, فهو شاعر وإن انتمى إلى جيل السبعينات, إلا أن له طريقته الخاصة بالغة التفرد. ففي القصيدة الأخيرة في "سيرة الماء" وهي "سفر البعث" يؤكد استهلالها - وهو اقتباس من الكوميديا الإلهية لدانتى - على رغبة الشاعر في التفرد والمغايرة:

" قال الشاعرُ: كثير هؤلاء القومُ الذين يندفعونَ نحونا, ويأتونَ لرجائِكَ, ولكِنْ فَلْتَسِرْ قُدماً, أو لِتُصْغِ إليهِم! في مسيرِك"

في هذا الديوان يسير الشاعر علاء عبد الهادي قدماً, وينحت لغة جديدة, محرراً الألفاظ من قيودها المعجمية, وممارساً اللعب الخلاق في التشكيل الطباع والكتابي للصفحة الشعرية, وفي إعادة قراءة النصوص من خلال لعبة الخطوط, وفي الخروج على السائد في وضع مكونات الديوان المختلفة وترتيبها, مثلما حاولنا أن نوضح فيما سبق, علاء عبد الهادي يوظف الشكل واللعب ولن يندم القارئ الذي يصبر على ألعاب الشاعر في "سيرة الماء". سوف يكتشف أشياء جديدة في نفسه, وفي العالم, وفي الشعر, وفي الكتابة, وفي النصوص الراسخة الشائعة.

"سِفْرُ البعث" مجموعة يوميات شعرية تحيل إلى الحاضر بقدر ما تحيل إلى الماضي والمستقبل. تختفي الهوامش وتبقى الخطوط وتزداد مساحات البياض وتميل الكتابة إلى التركز حول خط التقاء الصفحتين، وتتحول القصيدة إلى لقطات مكثفة بينها فراغات واسعة إلى حد ما - بالمقارنة بالقصيدتين السابقتين - فتتصارع الضمائر وتتعدد زوايا المشاهدة:

"همْ خائفون"
فَحَرِّضْ حدَّ الأظافرِ غِطاءً.
واخذفْ حضورَكَ يا قابضَ الجّمرِ

تظل الذات تنشطر وتتعدد, ويظل القارئ مأخوذاً مشدوداً إلى أزمنة مختلفة, حتى يستقر مع الشاعر في محاولته المرهقة للخروج من الموت إلى البعث ومن الصمت إلى التمرد. تؤكد قراءة القصيدة الأخيرة ما لاحظنا فيما سبق وتعزز لدينا اليقين بمغايرة التجربة الشعرية والشاعرية في " سيرة الماء " . المغايرة لا تقتصر على الغوايات والألعاب الشكلية كما قلنا ولكنها تظهر في منطقة أخرى وهى منطقة الصياغة اللغوية التي تحفل بالانحرافات الدلالية والمفاجآت التركيبية:

"فاتلوا لنا ما تيسَّرَ من سُنبُلةًٍ
تُدثِّر في وريفِ الشتاءِ الفؤادَِ
وأنتَ تُطعمُ الرُّوحَ..أَوْبَةً
وتَسكبُ في الكأسِ أنوارَهُ".
ثم ينهي العمل قائلاً:
"ونسحبُ شُريانَنا من سكونِ الترابِ,
حتّى نمدَّ الوريدَ..إليكَ"
مُضغَةًًً خَلصاءَ للخلقِ"

بدأ الديوان بمفرده "الكتابة" وها هو ينتهي بمفردة "الخلق", وما بين البداية والنهاية يؤكد نوعاً من الترادف والتوازي, وبين " الخلق" و " الكتابة " يؤكد أن الكتابة ما زال فيها فضاء واسع للهروب من "الأفاعي" التي تسقط على " فئران" القلب الفتى ومن "الأكاذيب النبيلة" " يجمع الموت الجميع" "على أرصفة الكتابة" لكن الكتابة ما زالت تستطيع أن تمنح البعض التفرد والمغايرة.ليست هذه هي كل اللغويات الشكلية والدلالية والصياغية في " سيرة الماء" فالقصيدة الأولى والثانية تشتملان على نماذج مثيرة للانحراف الدلالي والتركيبي مثل: "أمتطي صُرَاخِي..جارياً..إلى الحانوتِ", "أَفْقَأُ جُذَامَ الزَّمنِ والمَكانِ", "أتَجَرَّعُ أعضائيَ", "فأمْضِي حزيناً..أزرعُ جَسَدِي بحاراً..تَرْسو فيها السُّنون", "وأنا تعبدُني الدِّعاراتُ..والكَذِبُ المُقَدَّس", "على جوربِ الطَّريقِ..المتَّسِخِ بالعيون", "تَمْتَطِينا الطَّرائقُ..لا نمتَطِيها", "تلدَغُنا على الأرائكِ رؤانا", "سالتْ أيامُنا السَّاعية", "والجُرحُ رَحِمٌ..تناكحتْهُ المدائنُ, فَحَلَّقَتِ الأرضُ بالأقْنِعَة", " جلدِي الأرضُ, وثَوْبي.. زَيْتونُ المسافةِ".

تتحقق في تجربة علاء عبد الهادي تطلعات الحداثة ونظرياتها من فوضى ظاهرية تخفى خلفها حسابات, ولعب, وانحرافات دلالية وتركيبية, وتحدى القراءة الأحادية والسطحية, ومظاهر الغياب والاغتراب والتشظي, والتناص والانشغال بالكتابة بصفتها عملية مستمرة لا مجرد منتج نهائي.

يقول الشاعر, حبالاً نُدَلِّيها للعَابرين", فهل " يدلِّي" د.علاء عبد الهادي حقاً حبالاً لقرائهِ العابرين؟ أحسبُ أنه يفعل. لكن المشكلة ما زالت قائمة ، بل تتفاقم يوما بعد يوم، والحديث عنها حديث معاد: تزداد الهوة كل يوم بين الشاعر والمتلقي . لقد أصبحت الحداثة وما بعد الحداثة واقعا لا سبيل إلى إنكاره, وأصبح التجريب قدر كل صوت يسعى إلى الإضافة الحقيقية في ظل ازدياد المنجز الإبداعي, وازدياد عدد الشعراء, وتعدد منابر النشر وقنوات الاتصال بشكل غير مسبوق. إذن لا سبيل إلى حل هذه المشكلة إلا بإعادة النظر في المقررات الأدبية والنقدية في مدارسنا وجامعاتنا. فتاريخ الشعر العربي لا ينتهي عند أحمد شوقي أو حتى صلاح عبد الصبور! إننا مع د.علاء عبد الهادي إزاء تجربة مغايرة وصوت متفرد يحتاج إلى طرق جديدة في التناول ليس من بينها التلخيص ( paraphrase ) وإلى مفردات ومصطلحات نقدية جديدة ليس آخرها مصطلحات البنيوية, وما بعدها. لا أزعم أنني فعلت في هذه الدراسة ما أدعو إليه هنا، فما زلت مسكونا برغبة لا تقاوم في البحث عن "معنى القصيدة"! لكن الدراسة مجرد "حبل" حاولت أن أدليه لنفسي ولبعض القراء العابرين، لعلنا نسمع صوت الشاعر المتميز, أو نتذوق جماليات قصائده.
__________________
إنا لله وإنا إليه راجعون
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 09-02-2011, 11:55 PM
أم بشرى أم بشرى غير متواجد حالياً
مدير عام المنتديات
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: الجزائر
المشاركات: 9,110
افتراضي

فعلا دراسة رائعة وقيمة

ذُهِلْتُ وأنا أقرأ هذه الدراسة هل أنا أمام عالم نفسي يسبر أغوار النص الشعري أو امام نحوي يُجسد القواعد النحوية

على مقاس عبارات الشاعر " علاء عبد الهادي حين يقول : " لعبة الضمائر:

نحن: (نَخرجُ)
هي : نبتة للفول (تفلتُ)
هو : حدّ الخفاء (يلأمُ)
أنتكنتَ تحتَ فتوقِ السماءِ)
هم يَروا عنكَ) "

و " نلاحظ أن مفردة "جمرة" تأخذ علامتي إعراب, ففي القراءة الأولى - بغض النظر عن الخطوط- تعرب بدلاً من " لجمرتين" المنصوبة وفى قراءة ما فوق الخط فقط, تصبح فاعلا:

"عاصمةٌ
تُدَشِّنُها..عَلى امتدادِ
العبثِ..
جَمرةُ..الألمِ
وَجَمرةٌ..مِنْ خلاءْ." "

أو أمام بلاغييُعرج إلى بلاغة نصه فيرسي على ملامح البيان : " رَجُلاً..كنتُ..وَحِيداً ألعبُ بالحرائقٍ
أكْبحُ طاحونةً..في - الحُلمِ..وأرْمي الأكاذيبَ النَّبيلةَ
وفى خَمرةِ الحسرةِ..
أتنبَّأُ بالدَرَكِ السُّفليّ..
الذي ستكفِّنُ فيه الحضاراتُ نفسَها, " أو أمام ناقد مقتدر عرف كيف يُثمّن ويرتب التحليل ويُفند الهدف الذي يستنتجه كل قارئ

وغيرها من مكنونات شعر علاء امتد إليها تأمله وتفانيه في التحليل والدراسة ثم قام باستخراجها طازجة للقارئ

فزادها جمالا وحمل القارئ على التشويق ليندفع إلى قراء ة أشعار علاء عبد الهادي

فماذا أقول ؟

بارك الله فيك الأخ خالد على هذا الجلب الذي أفادني كثيرا في أسلوب النقد البناء والمثمر .

أتشوق دائما لمشاركاتك النقدية

تقديري ...
__________________




رد مع اقتباس
  #3  
قديم 10-02-2011, 04:16 AM
خالد الفردي خالد الفردي غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Apr 2007
الدولة: مصر مطروح
المشاركات: 9,254
افتراضي

أختنا الفاضلة ام بشرى
كلنا نبحث عن الفائدة ومن خلال بحثي وجدت هذه الدراسة القيمة فأثرت بوابة العرب عن غيرها أن تضم مثل هذه المواضيع القيمة كقيمتها

بارك الله فيك
__________________
إنا لله وإنا إليه راجعون
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
خالد الفردي

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:44 PM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2018 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com