عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات الأدبية > منتدى همس القوافي وبوح الخاطر

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 14-05-2007, 10:16 PM
السيد عبد الرازق السيد عبد الرازق غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 1,229
افتراضي الرحيل






الرحيل

باتت أختي شاحبة الوجه نحيلة الجسم .. ولكنها كعادتها تقرأ القرآن الكريم .. تبحث عنها تجدها في مصلاها .. راكعة ساجدة رافعة يديها إلى السماء .. هكذا في الصباح وفي المساء وفي جوف الليل لا تفتر ولا تمل ..

كنت أحرص على قراءة المجلات الفنية والكتب ذات الطابع القصصي .. أشاهد الفيديو بكثرة لدرجة أنني عرفت به .. ومن أكثر من شئ عرف به .. لا أؤدي واجباتي كاملة ولست منضبطة في صلواتي ..

بعد أن أغلقت جهاز الفيديو وقد شاهدت أفلاماً متنوعة لمدة ثلاث ساعات متواصلة .. هاهو الأذان يرتفع في المسجد المجاور ..

عدت إلى فراشي ..

تناديني من مصلاها .. نعم ما ذا تريدين يا نورة ؟ .

قالت لي بنبرة حادة لا تنامي قبل أن تصلي الفجر ..

أوه .. بقى ساعة على صلاة الفجر وما سمعتيه كان الأذان الأول ..

بنبرتها الحنونة – هكذا هي حتى قبل أن يصيبها المرض الخبيث وتسقط طريحة الفراش .. نادتني .. تعالي يا هناء بجانبي .. لا أستطيع إطلاقاً رد طلبها .. تشعر بصفائها وصدقتها لا شك طائعاً ستلبي ..

ماذا تريدين ؟..

اجلسي

ها قد جلست ماذا لديك ..

بصوت عذب رخيم :

" كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة "

سكتت برهة .. ثم سألتني ..

ألم تؤمني بالموت ؟

بلى مؤمنة ..

ألم تؤمني بأنك ستحاسبين على كل صغيرة وكبيرة ؟.

بلى ولكن الله غفور رحيم .. والعمر طويل

يا أختي .. ألا تخافين من الموت وبغتته ؟.

انظري هند أصغر منك وتوفيت في حادث سيارة .. وفلانة .. وفلانة .. الموت لا يعرف العمر .. وليس مقاساً له ..

أجبتها بصوت الخائف حيث مصلاها المظلم ..

إنني أخاف من الظلام وأخفتيني من الموت .. كيف أنام الآن ؟.

كنت أظن أنك وافقت للسفر معنا هذه الإجازة ..

فجأة .. تحشرج صوتها واهتز قلبي

لعلي هذه السنة أسافر سفراً بعيداً .. إلى مكان آخر .. ربما يا هناء .. الأعمار بيد الله .. وانفجرت بالبكاء .. تفكرت في مرضها الخبيث وأن الأطباء أخبروا أبي سراً أن المرض لن يمهلها طويلاً .. ولكن من أخبرها بذلك ؟ .. أم أنها تتوقع ..

مالك تفكرين ؟

جاءني صوتها القوي هذه المرة ..

هل تعتقدين أني أقول هذا لأنني مريضة ؟..

كلا .. ربما أكون أطول عمراً من الأصحاء ..

وأنت إلى متى ستعيشين .. ربما عشرين سنة .. ربما أربعون سنة ثم ماذا ؟ .. لمعت يدها في الظلام وهزتها بقوة ..

لا فرق بيننا كلنا سنرحل وسنغادر هذه الدنيا إما إلى جنة وإما إلى نار ..

ألم تسمعي قول الله : " فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز " .

تصبحين على خير ..

هرولت مسرعة وصوتها يطرق أذني .. هداك الله .. لا تنسي الصلاة ..

الثامنة صباحاً ..

أسمع طرقاً على الباب .. هذا ليس موعد استيقاظي ..

بكاء .. وأصوات .. ماذا جرى ..

لقد تردت حالة نورة .. وذهب بها أبي إلى المستشفى ..

إنا لله وإنا إليه راجعون ..

لا سفر هذه السنة .. مكتوب علي هذه السنة في بيتنا .. بعد انتظار طويل ..

عند الساعة الواحدة ظهراً .. هاتفنا من أبي في المستشفى .. تستطيعون زيارتها هيا بسرعة

أخبرتني أمي أن حديث أبي غير مطمئن وأن صوته متغير ..

عباءتي في يدي ..

أين السائق .. ركبنا على عجل .. أين الطريق الذي كنت أذهب مع السائق لأتمشى مع السائق فيه ؟ يبدوا قصيراً .. ماله اليوم طويل .. وطويل جداُ ..

أين ذلك الزحام المحبب إلى نفسي كي ألتفت يمنة ويسرة .. زحام أصبح قاتلاً مملاً ..

أمي بجواري تدعوا لها .. إنها بنت صالحة ومطيعة .. لم أرها تضيع وقتها أبداً ..

دلفنا من الباب الخارجي للمستشفى ..

هذا مريض يتأوه .. وهذا مصاب بحادث سيارة , وثالث عيناه غائرتان .. لاتدري هل هم من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة !!

منظر عجيب لم أره من قبل ..

صعدنا درجات السلم بسرعة ..

إنها في غرفة العناية المركزة .. وسآخذكم إليها .. ثم واصلت الممرضة إنها بنت طيبة وطمأنت أمي أنها في تحسن بعد الغيبوبة التي حصلت لها ..

ممنوع الدخول لأكثر من شخص واحد ..

هذه هي غرفة العناية المركزة ..

وسط زحام الأطباء وعبر النافذة الصغيرة التي في باب الغرفة أرى عيني أختي نورة تنظر إلى وأمي واقفة بجوارها .. بعد دقيقتين خرجت أمي التي لم تستطيع إخفاء دموعها ..

سمحوا لي بالدخول والسلام عليها بشرط أن لا أتحدث معها كثيراً ..

دقيقتين كافية لك ..

كيف حالك يانورة ..

لقد كانت بخير مساء البارحة .. ما ذا جرى لك ؟

أجابتني بعد أن ضغطت على يدي .. وأنا الآن والله الحمد بخير .. الحمد لله ولكن يدك باردة ..

كنت جالسة على حافة السرير ولا مست ساقها .. أبعدته عني .. آسفة إذا ضيقتك .. كلا ولكني تفكرت في قوله تعالى :

"والتفت الساق بالساق * إلى ربك يومئذٍ المساق " ، عليك يا هناء بالدعاء لي فربما أستقبل عن قريب أول أيام الآخرة ..

سفري بعيد وزادي قليل ..

سقطت دمعة من عيني بعد أن سمعت ما قالت وبكيت .. لم أع أين أنا ..

استمرت عيناي في البكاء .. أصبح أبي خائفاً علي أكثر من نورة ..

لم يتعودوا هذا البكاء والانطواء في غرفتي ..

مع غروب شمس ذلك اليوم الحزين ..

ساد صمت طويل في بيتنا ..

دخلت علي ابنة خالتي .. ابنة عمتي

أحداث سريعة

كثر القادمون .. اختلطت الأصوات .. شيء واحد عرفته .. نورة ماتت .. لم أعد أميز من جاء .. ولا أعرف ماذا قالوا ..

يا الله .. أين أنا وماذا يجري ؟ عجزت عن البكاء ..

فيما بعد أخبروني أن أبي أخذ بيدي لوداع أختي الوداع الأخير .. وأني قبلتها .. لم أعد أتذكر إلا شيئاً واحداً .. حين نظرت إليها مسجاة على فراش الموت .. تذكر قولها " والتفت الساق بالساق " عرفت الحقيقة " إلى ربك يومئذٍ المساق " .

لم أعرف أنني عدت إلى مصلاها إلا تلك الليلة ..

وحينها تذكرت من قاسمتني رحم أمي فنحن توأمين .. تذكرت من شاركتني همومي .. تذكرت من نفست عن كربتي .. من دعت لي بالهداية .. من ذرفت دموعها ليالي طويلة وهي تحدثني عن الموت والحساب ..

والله المستعان ..

هذه أول ليلة لها في قبرها .. اللهم ارحمها ونور لها قبرها ..

هذا هو مصحفها .. وهذه سجادتها .. وهذا ..وهذا ..

بل هذا هو الفستان الوردي الذي قالت لي سأخبئه لزواجي .. تذكرتها وبكيت على أيامي الضائعة .. بكيت بكاء متواصلاً .. ودعوت الله أن يرحمني ويتوب عليّ ويعفوا عني .. دعوت الله أن يثبتها في قبرها كما كانت تحب أن تدعو ..

فجأة سألت نفسي ماذا لو كانت الميتة أنا ؟ ما مصيري ؟ ..

لم أبحث عن الإجابة من الخوف الذي أصابني .. بميت بحرقة ..

الله أكبر ... الله أكبر .. ها هو أذان الفجر قد ارتفع .. لكن ما أعذبه هذه المرة ..

أحسست بطمأنينة وراحة وأنا أردد ما يقوله المؤذن .. لففت ردائي وقمت واقفة أصلي صلاة الفجر .. صليت صلاة مودع .. كما صلتها أختي من قبل وكانت آخر صلاة لها ..إذا أصبحت لا أنتظر المساء ..


رد مع اقتباس
  #2  
قديم 15-05-2007, 11:20 AM
حبات الندي حبات الندي غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Jan 2007
الدولة: علي متن سحابة بيضاء
المشاركات: 3,684
افتراضي

الله أكبر ... الله أكبر .. ها هو أذان الفجر قد ارتفع .. لكن ما أعذبه هذه المرة ..

أحسست بطمأنينة وراحة وأنا أردد ما يقوله المؤذن .. لففت ردائي وقمت واقفة أصلي صلاة الفجر .. صليت صلاة مودع .. كما صلتها أختي من قبل وكانت آخر صلاة لها ..إذا أصبحت لا أنتظر المساء ..


**************
أخي السيد عبد الرزاق
جزاك الله الخير كله

قصه مؤثرة جدااا

اللهم أهدنا إلي سواء السبيل

وإنا لله وإنا إليه راجعون

*********

حبات الندى
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 15-05-2007, 01:37 PM
خالد الفردي خالد الفردي غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Apr 2007
الدولة: مصر مطروح
المشاركات: 9,231
افتراضي

الله أكبر ... الله أكبر .. ها هو أذان الفجر قد ارتفع .. لكن ما أعذبه هذه المرة ..

أحسست بطمأنينة وراحة وأنا أردد ما يقوله المؤذن .. لففت ردائي وقمت واقفة أصلي صلاة الفجر .. صليت صلاة مودع .. كما صلتها أختي من قبل وكانت آخر صلاة لها ..إذا أصبحت لا أنتظر المساء ..

المحترم السيد عبد الرازق


دمت بخير............
............خالد الفردي...................
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 15-05-2007, 05:32 PM
فاااطمة فاااطمة غير متواجد حالياً
المستشار الفخري لشؤون الأدب
 
تاريخ التسجيل: May 2006
المشاركات: 1,818
افتراضي

ما أعظم تلك اللحظة التي يخر فيها المرء ساجداً لله
سبحان الله
اللهم رحمتك .. اللهم غفرانك
أخي عبد الرازق
جزاك الله كل خير
على هذه القصة التذكيرية
لعل الله يرحمنا ..
ودمت بخير.
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 15-05-2007, 05:48 PM
دمووع القمر دمووع القمر غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Apr 2007
الدولة: عيون حبوبي
المشاركات: 7,842
افتراضي


لا دار للمرء بعد الموت يسكنها الا التى كان قبل الموت بانيها
فأن بناها بخير طاب مسكنه وأن بناها بشر خاب بانيها
أين الملوك التى كانت مسلطنه حتى سقاها بكأس الموت ساقيها
أموالنا لذوى الميراث نجمعها وديارنا لخراب الدهر نبنيها

اخي قصة اقشعر لها بدني فاللهم احسن خواتيمنا ..واعف عنا واهدنا ..
وجزاك الله خيرا
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 23-05-2007, 11:16 PM
سهى العلي سهى العلي غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Aug 2006
الدولة: الإمارات, العين
المشاركات: 171
افتراضي

السيد الفاضل السيد عبد الرزاق

قصة مؤثرة, جميلة فيها العبرة.
فيها تتابع جميل جعلتني اكمل القراءة دون أن أشعُرَ بالوقتْ.
ساحرة بتناسقها المريح. فأفضلْ قصة بنظري تِلَكَ التي يفهمها الجميع دونَ الحاجة للإمساك بالمعجم.

شكراً لهذه القصة الرائعة والتي تحملُ في أعماقها العبرة.

ننتظر المزيد من هذا الإبداع.

أسعدكَ الله

دمتَ بخير

سهى العلي
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 04-06-2007, 07:20 PM
السيد عبد الرازق السيد عبد الرازق غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 1,229
افتراضي

سهي العلي . فاطمة . حبات الندي . خالد الفردي . احساس جديد .
اخواني وأخواتي
لكم كل التحية والتقدير
جزاكم الله خيرا
وأحسن الله لنا العاقبة جميعا
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:02 AM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2018 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com