عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات الأدبية > منتدى همس القوافي وبوح الخاطر

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #26  
قديم 19-01-2006, 08:07 AM
محمد عبد الحفيظ القصاب محمد عبد الحفيظ القصاب غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
الدولة: سورية - حمص
المشاركات: 2,904
افتراضي




- صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من الأمم المتحدة (1948)، الذي أكد الحقوق الجوهرية للإنسان. وعلى رأسها الحق في الحياة وحرية الرأي والعقيدة، وحق الأمن والتعليم والصحة والمسكن والطعام والكرامة الفردية، وغير ذلك من حقوق كانت هي نفسها أهداف الحركة الوطنية العربية، كما كانت مدار القيم الفكرية والإنسانية التي تمحورت حولها حركة الشعر العربي الحر، التي انطلقت متزامنة مع هذا الإعلان.
رد مع اقتباس
  #27  
قديم 19-01-2006, 08:08 AM
محمد عبد الحفيظ القصاب محمد عبد الحفيظ القصاب غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
الدولة: سورية - حمص
المشاركات: 2,904
افتراضي

يتأكد هذا التجادل حينما نلتقي بأبيات نزار قباني التي بعنوان (لماذا يسقط متعب بن تعبان في امتحان حقوق الإنسان): (مهاجرون نحن من مرافئ التعب لا أحد يريدنا من بحر بيروت إلى بحر العرب لا الفاطميون ولا القرامطة ولا المماليك ولا البرامكة ولا الشياطين ولا الملائكة لا أحد يريدنا في المدن التي تقايض البترول بالنساء والديار بالدولار، والتراث بالسجاد، والتاريخ بالقروش، والإنسان بالذهب وشعبُها يأكل من نشارة الخشب لا أحد يريدنا في مدن المقاولين، والمضاربين، والمستوردين، والمصدّرين، والملمعين جزمة السلطة، والمثقفين حسب المنهج الرسمي، والمستأجَرين كي يقولوا الشعر، والمقشِّرين اللوز والتفاح للملوك، والمخوِّضِين في دمائنا حتى الرُّكب لا أحد يقرؤنا في مدن الملح التي تذبح في العام ملايين الكتب لا أحد يقرؤنا في مدن الملح التي تذبح في العام ملايين الكتب في مدن صارت بها مباحث الدولة عراب الأدب).
رد مع اقتباس
  #28  
قديم 19-01-2006, 08:09 AM
محمد عبد الحفيظ القصاب محمد عبد الحفيظ القصاب غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
الدولة: سورية - حمص
المشاركات: 2,904
افتراضي

وقد جسَّد الشعر العربي الحديث - وعكس - العديد من شعارات الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، في حركة تبادلية من التأثر والتأثير: فوجدنا قيمة التحرر والحرية عند السياب وأدونيس ودرويش، ووجدنا قيمة العدل الاجتماعي عند عبدالصبور وعبدالوهاب البياتي، ووجدنا رفض الاستبداد عند سعدي يوسف ونزار قباني ومحمد الماغوط، ووجدنا قيمة (الذات) عند أنسي الحاج ويوسف الخال. -
رد مع اقتباس
  #29  
قديم 19-01-2006, 08:11 AM
محمد عبد الحفيظ القصاب محمد عبد الحفيظ القصاب غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
الدولة: سورية - حمص
المشاركات: 2,904
افتراضي

- نكبة فلسطين (1948)، وهي النكبة التي فجرت في قلوب النخبة العربية (السياسية والثقافية، بل والعسكرية) شعورا بالمرارة والخزي والغضب، وباستحالة استمرار الأوضاع المزرية للأنظمة العربية المستخزية على ماهي عليه من ضعف وتهاون وهوان. وقد عبر بعض الشعراء العرب الرومانتيكيين - قبل ثورة الشعر الحر - عن هذه المـــرارة وذلك الغضــــب، على نحو ما نجد عنـــد أبي سلمى وطوقان وعلي محمود طه، الذي صرخ: أخي جاوز الظالمون المدى فحق الجهاد وحق الفدا وذلك قبل أن تندلع حركة الشعر الحر، لتكون مأساة فلسطين دافعا من دوافع هذا الاندلاع، وموضوعا رئيسيا من موضوعاتها، ومحورا لتبلور تيار شعري كامل داخل ثورة الشعر الحر، هو تيار (شعر المقاومة) الفلسطينية، الذي برز فيه - بعد أبي سلمى وطوقان - توفيق زياد ومعين بسيسو ومحمود درويش وسميح القاسم وراشد حسين وسالم جبران وأجيال تالية. على أن تيار شعر المقاومة الفلسطيني، لم يكن معزولا عن النهر العربي العام لحركــــة الشعـــر الحر - وإن كان تيارا متميزا فيه - بل كان رافدا نابضا في ذلك النهر، على نحــــو ما تؤكده سطــــور محمود درويش: (سجِّل أنا عربي ورقمُ بطاقتي خمسون ألفْ وأطفالي ثمانية وتاسعهم سيأتي بعد صيفْ) وعلى نحو ما تؤكده سطور توفيق زياد التي يتضامن فيها مع سائر الثوار العرب: (أناديكم أشدُّ على أياديكم أبوسُ الأرض تحت نعالكم، وأقول: أفديكم).
رد مع اقتباس
  #30  
قديم 19-01-2006, 08:13 AM
محمد عبد الحفيظ القصاب محمد عبد الحفيظ القصاب غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
الدولة: سورية - حمص
المشاركات: 2,904
افتراضي

- 7 -
كانت ثورة يوليو في مصر (1952) - كما يقول المفكرون - الحلقة الثالثة والأخيرة من حلقات الثورة الوطنية الديموقراطية المصرية في العصر الحديث. وبصرف النظر عن صحة هذا القول أو خطئه، فإن ثورة مصر (1952)، كانت نقلة كبيرة في مسار التطور السياسي الاجتماعي الثقافي المصري والعربي على السواء. إذ كانت بؤرة لمجموعة من الثورات والاستقلالات والانقلابات الوطنية في الوطن العربي، سبقتها أو لحقتها بقليل، مثلما وقع في سورية والعراق ولبنان قبل (1952)، وفي الجزائر والسودان بعد (1952). هكذا كان العقدان الممتدان من منتصف الأربعينيات إلى منتصف الستينيات لائقين تماما بوصف: عقدي ازدهار الحركة الوطنية العربية وإنجازاتها الباهرة. شكلت ثورة يوليو (1952) إذن قوة دفع هائلة لنشوء ونمو وصعود حركة الشعر العربي الحر، بما رفعته هذه الثورة من شعارات وتوجهات وإجراءات تجاه حرية الوطن، وكرامة المواطن، والعدالة الاجتماعية، ومقاومة المستعمر والمحتل، وتذويب الفوارق بين الطبقات، والانحياز إلى البسطاء، وإعلاء (القومية العربية)، والتقدم والاشتراكية، ورفض الاستغلال والإقطاع والاستعباد، وغير ذلك من قيم وأهداف ورؤى، رأى فيها شعراء التجديد القادمون تجسيدا لأحلامهم أو تشكيلا لها، بما يستجيب لأشواق هؤلاء الشعراء - الذين يريدون تحطيم الأطر القديمة وخلق أطر جديدة - في الحرية والعدل والتقدم، على الأصعدة جمعاء.
رد مع اقتباس
  #31  
قديم 19-01-2006, 08:14 AM
محمد عبد الحفيظ القصاب محمد عبد الحفيظ القصاب غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
الدولة: سورية - حمص
المشاركات: 2,904
افتراضي

عندما قامت ثورة (1952)، لم يكن قد مر أكثر من أربع سنوات على صدور قصيدة (الكوليرا) لنازك الملائكة وقصيدة (هل كان حبا) للسياب كلتاهما صدرت عام (1947)، بصرف النظر عن مشكلة سبْق أيام قليلة لنازك أو للسياب، فالريادة ليست مسألة دقائق معدودة، بل مسألة مشروع حفر متواصل). لكن ثورة يوليو (1952)، هي التي أعطت (الشرعية الثورية) لما سبقها من قصائد الشعر الحر، ولما لحقها من موجات شعرية حرة، اندلعت مدعومة بنظام سياسي (ثوري) يتراسل مع هذه الموجات، تأثيرا وتأثرا، يعطيها مددا وحماية وتشجيعا ومنابر، ويأخذ منها (شرعية جمالية). حتى بدا الأمر كأن ثورة يوليو هي حركة الشعر المجدد الحر بين الأنظمة السياسية، وكأن حركة الشعر الحر هي ثورة يوليو بين الأنظمة الأدبية الشعرية القديمة. من هنا، حدث تناظر - أو تجادل - بين شعارات الثورة (ثورة 1952)، وسائر الثورات العربية، وبين المضامين الأساســـــية لحركة الشعر الحر: التحـــرر، العدالـــــة، الفقـــراء، العروبة، كرامــــة الفرد، كراهية الاستعمــــار، البنــــاء والعمل، العمال والفلاحـــــون، التضامــــن النضالي العالمي مع سائر الشرفاء.
رد مع اقتباس
  #32  
قديم 19-01-2006, 08:15 AM
محمد عبد الحفيظ القصاب محمد عبد الحفيظ القصاب غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
الدولة: سورية - حمص
المشاركات: 2,904
افتراضي

ولم يختلَّ هذا التناظر - التجادل إلا في قضية واحدة هي (كبت الرأي وقمع المختلف). ذلك أن هذه الثورة المصرية الوطنية وسائر الثورات العربية الشبيهة، على الرغم من إنجازاتها الوطنية والاجتماعية، ضاقت بالرأي الوطني الآخر، منطلقة من أنها تملك الحق الوحيد والحقيقة الوحيدة. فكان القمع والاعتقال والاستبداد. لذلك، برزت - إلى جوار الموضوعات السابقة في مضامين الشعر الحر - موضوعة (السجن) والزنزانة والمحقق والمخبر والتعذيب. تجلى ذلك، كأمثلة في شعر البياتي في العراق، وأدونيس وشوقي بغدادي والماغوط في سورية، وأحمد عبدالمعطي حجازي وأمل دنقل في مصر، واللعبي في المغرب. يقول محمد الماغوط في قصيدته (الحصار): (دموعي زرقاء من كثرة ما نظرت إلى السماء وبكيت دموعي صفراء من طول ما حلمت بالسنابل الذهبية وبكيت فليذهب القادة إلى الحروب والعشاق إلى الغابات والعلماء إلى المختبرات أما أنا فسأبحث عن مسبحة وكرسي عتيق لأعود كما كنت حاجبا قديما على باب الحزن ما دامت كل الكتب والدساتير والأديان تؤكد أنني لن أموت إلا جائعا أو سجينا).
رد مع اقتباس
  #33  
قديم 19-01-2006, 08:17 AM
محمد عبد الحفيظ القصاب محمد عبد الحفيظ القصاب غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
الدولة: سورية - حمص
المشاركات: 2,904
افتراضي

- 8 -
بتعبيرات المجال السوسيو - ثقافي، نقول: (يمكن أن نعتبر ثورة عرابي (1881) هي ثورة البورجوازية الكبيرة العسكرية. وعلى ذلك كان نتاجها في الشعر هو: نهوض البارودي بمهمة استعادة العافية والمتانة والرّواء لبنية العمود التقليدي للشعر العربي، بعد مراحل انحدار طويلة، وتابعه في إتمام المهمة أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وخليل مطران وجميل صدقي الزهاوي ومعروف الرصافي وبدوي الجبل وبشارة الخوري وغيرهم. ويمكن أن نعتبر ثورة سعد زغلول (1919) هي ثورة البورجوازية المتوسطة المدنية.
رد مع اقتباس
  #34  
قديم 19-01-2006, 08:18 AM
محمد عبد الحفيظ القصاب محمد عبد الحفيظ القصاب غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
الدولة: سورية - حمص
المشاركات: 2,904
افتراضي

وعلى ذلك فإن نتاجها في الشعر هو: الحركة الرومانتيكية - داخل العمود التقليدي - التي تمثلت في مدرسة (الديوان) (العقاد وعبدالرحمن شكري وإبراهيم المازني)، ومدرسة (أبوللو) (أبو شادي وعلي محمود طه وإبراهيم ناجي وأبو القاسم الشابي)، ومدرسة (المهجر) (جبران ونعيمة وإيليا أبو ماضي وأبو شبكة). تجسدت النقلة المهمة التي أنجزتها الرومانتيكية (بمدارسها الثلاث) في الانطلاق من الذات تجاوبا مع الثورة البورجوازية المتوسطة التي أعلت قيمة الفرد، بحيث يغدو الشعر تعبيرا عن الشعور، مؤكدة (ألا يا طائر الفردوس، إن الشعر وجدان)، وأن الشعر هو (محاكاة الداخل)، لا (محاكاة الخارج)، كما كانت الحال عند التقليديين السابقين.
رد مع اقتباس
  #35  
قديم 19-01-2006, 08:19 AM
محمد عبد الحفيظ القصاب محمد عبد الحفيظ القصاب غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
الدولة: سورية - حمص
المشاركات: 2,904
افتراضي

وقد تساوق مع هذه المفاهيم الجديدة تحريك قليل لشكل العمود السابق، لتتكون القصيدة من عدة مقاطع يلتزم كل مقطع فيها بوزن مختلف وقافية مختلفة، متخلين بذلك عن وحدة الوزن والقافية طوال النص، كما كانت الحال في الشكل القديم. ويمكن أن نعتبر ثورة يوليو (1952)، هي ثورة البورجوازية الصغيرة المصرية والعربية، وعلى ذلك فإن نتاجها في الشعر هو: حركة الشعر الحر، التي خطت شوطا أكثر جذرية من الحركة الرومانتيكية السابقة: - من حيث المضمون، إذ دخلت موضوعات جديدة تبنت ما يمكن تسميته (الرومانسية الثورية)، فيها انطلاق من (الذات) لكنها الذات الممزوجة بالجماعة، وفيها محاكاة للداخل، لكنه الداخل المخلوط بالخارج: الواقع الاجتماعي والشعب وهموم الوطن من زاوية أولى. - من حيث الشكل، إذ اعتمدت تعدد الوزن وتراوح القافية، وإسقاط وهم اللغة التي هي شعرية ونقية بذاتها، والتحول إلى الأداء البسيط الميسور البعيد عن المعاجم الغليظة، وذلك لإنزال الشعر من السماء إلى الأرض، مع ما يرفد ذلك كله من تلاقح، أو تناص، مع الثقافة واللغة والأساطير الغربية، من زاوية ثانية. - من حيث (فلسفة الإنشاء الشعري ذاتها)، إذ جسدت حركة الشعر الحر مبدأ ألا ثبات أبديا خالدا لأي صيغة شعرية، لأن الصيغ اقتراح العصور التاريخية والاجتماعية مسقطة بذلك قداسة أي إطار إبداعي ودوامه، مؤكدة أن صيغة الشعر الحر، هي صيغة العصر الحديث، مثلما كانت صيغة العمود التقليدي هي صيغة العصور التقليدية السابقة، من زاوية أخيرة.
رد مع اقتباس
  #36  
قديم 19-01-2006, 08:19 AM
محمد عبد الحفيظ القصاب محمد عبد الحفيظ القصاب غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
الدولة: سورية - حمص
المشاركات: 2,904
افتراضي

يجب، هنا أن أستدرك موضحا: إن ما أجريته من موازاة بين الطور السياسي الاجتماعي والطور الشعري ليست موازاة حديدية تطابقية حرفية صماء، فقد تكون النتيجة سببا والسبب نتيجة. والأصح هو أن العلاقة بينهما علاقة جدلية تفاعلية سريعة أحيانا وبطيئة أحيانا، مباشرة تارة وغير مباشرة تارة. لكن الثابت هو حالة (الأواني المستطرقة)، التي تحكم الوشائج بين الواقع والشعر. وما التعميمات والمبالغات التي نسوقها، إلا رسوم توضيحية واسعة لتبيان ذلك الحبل السُّري في جدلية الفاعل والمفعول.
رد مع اقتباس
  #37  
قديم 19-01-2006, 08:21 AM
محمد عبد الحفيظ القصاب محمد عبد الحفيظ القصاب غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
الدولة: سورية - حمص
المشاركات: 2,904
افتراضي

- 9 -
إذا كانت التغيرات الشعرية في جانب كبير منها، استجابة للتغيرات الاجتماعية والسياسية، فلماذا تأخرت التحولات الشعرية في مجتمعنا العربي قرنا ونصف القرن بعد بدايات تحول المجتمع العربي إلى النهوض المدني الحديث، منذ بدء القرن التاسع عشر؟ في الإجابة عن هذا السؤال، يمكن أن نشير إلى عوامل عديدة، سببت ذلك التأخر الذي بلغ مائة وخمسين عاما:
رد مع اقتباس
  #38  
قديم 19-01-2006, 08:22 AM
محمد عبد الحفيظ القصاب محمد عبد الحفيظ القصاب غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
الدولة: سورية - حمص
المشاركات: 2,904
افتراضي

أولا: ليس من الحتم أن تكون استجابة الشعر لتحولات الواقع استجابة فورية ميكانيكية، فتلبية البناء الفوقي لتغيرات البناء التحتي تحتاج إلى بعض الزمن، كي تتفاعل وتتبلور وتنضج.
رد مع اقتباس
  #39  
قديم 19-01-2006, 08:23 AM
محمد عبد الحفيظ القصاب محمد عبد الحفيظ القصاب غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
الدولة: سورية - حمص
المشاركات: 2,904
افتراضي

ثانيا: إن تحول المجتمع العربي نفسه إلى مجتمع مدني حديث، لم يتم في سنوات معدودات قليلات، بل إن هذا التحول نفسه استغرق ما يصل إلى قرنين. كما أن علاقات الإنتاج فيه لم تتغير بشكل شبه ملحوظ إلا مع الثورات التحررية الوطنية في منتصف القرن العشرين، ومع الثبات النسبي لعلاقات الإنتاج طوال القرن التاسع عشر، حتى منتصف القرن العشرين، كان شكل العمود الشعري التقليدي هو الإطار المنسجم مع (والناتج عن) علاقات الإنتاج التقليدية القديمة.
رد مع اقتباس
  #40  
قديم 19-01-2006, 08:23 AM
محمد عبد الحفيظ القصاب محمد عبد الحفيظ القصاب غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
الدولة: سورية - حمص
المشاركات: 2,904
افتراضي

ثالثا: إن دخول تعديلات على الشعر العربي (الشعر العربي بالذات) مسألة صعبة وشاقة، نظرا إلى أنه (ديوان العرب)، مما يعني أنه (سجل الحياة والهوية) وعليه فإن أي تغيير فيه يعد تغييرا للحياة والهوية. ونظرا إلى أن ثباته طوال خمسة عشر قرنا أضفى عليه هالة من الجلال والسكون والرسوخ، ونظرا إلى أن الشعر العربي اكتسب مسحة خفيفة من القداسة التي اكتسبتها اللغة العربية بوصفها لغة القرآن، غدا كل مساس بلغة الشعر أقرب ما يكون إلى المساس بالدين وبالمقدس.
رد مع اقتباس
  #41  
قديم 19-01-2006, 08:25 AM
محمد عبد الحفيظ القصاب محمد عبد الحفيظ القصاب غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
الدولة: سورية - حمص
المشاركات: 2,904
افتراضي

رابعا: يقول مفكرو الاجتماع الثقافي: إن النهضة العربية الحديثة - في القرنين الفائتين - كانت نهضة مشوهة منقوصة، لأنها نشأت في حضن الإقطاع من ناحية، وفي حضن الاستعمار من ناحية أخرى، ومن ثم لم تكن انتقالها من المجتمع التقليدي إلى المجتمع الحديث انتقالة صافية كاملة جذرية ناجزة (كما حدث مع الثورات البورجوازية الغربية). لهذا، كانت الخطوات النهضوية قليلة جزئية بطيئة متدرجة، وعلى هذا النمط، كانت خطوات التحول الشعري قليلة جزئية بطيئة متدرجة، حتى كانت النقلة الكبيرة مع حركة الشعر الحر، إذ ألقى النشوء المشوه المنقوص للنهضة بظله على حراك الشعر.
رد مع اقتباس
  #42  
قديم 19-01-2006, 08:26 AM
محمد عبد الحفيظ القصاب محمد عبد الحفيظ القصاب غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
الدولة: سورية - حمص
المشاركات: 2,904
افتراضي

خامسا: ومع ذلك، وعلى الرغم من الثبات النسبي لنمط الإنتاج القديم وعلاقاته حتى منتصف القرن العشرين، لم تخل هذه الفترة من تململات وتذبذبات بسيطة داخل الإطار القديم، انعكست على الشعر في تململات وتذبذبات بسيطة، من مثل التنوع الذي شهده شعر الأندلس، ومن مثل أنماط شعرية جديدة، كالدوبيت والمخمسات، والبند العراقي والكونكان والموشح، والمقطعات والرباعيات، وغير ذلك من أساليب لم تكن معروفة في السياق العمودي القديم.
رد مع اقتباس
  #43  
قديم 19-01-2006, 08:27 AM
محمد عبد الحفيظ القصاب محمد عبد الحفيظ القصاب غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
الدولة: سورية - حمص
المشاركات: 2,904
افتراضي

إن أبرز تجليين لهذه التململات والتذبذبات التي اعتورت النظام الشعري القديم هما - عندي - تجربة (شعر النثر)، عند المتصوفة، وتجربة (البديع الشكلي) في العصور المملوكية. فقد كانت تجربة شعر النثر عند المتصوفين الإسلاميين (وهي التي أعتبرها شعرا من الشعر)، خروجا على المنظومة الأخلاقية للفلسفة العربية، وخروجا على النظام الجمالي والبلاغي واللغوي العربي. وقد ربط بعض علماء الاجتماع الثقافي المستنيرين وبعض المفكرين التقدميين مثل حسين مروة والطيب تيزيني وجلال فاروق الشريف، بين التجربة الصوفية العربية (بانشقاقها الفلسفي والأخلاقي والجمالي)، وبين بعض الظواهر الرأسمالية الجنينية في رحم النظام العربي التقليدي في العصور الوسيطة. وفي زعمي أن هذه التجربة الصوفية الانشقاقية كان لها حضور باذخ في حركة الشعر الحر، استلهاما لقيمها اللغوية، واستحضارا (لإشراقها) الروحي، واستفادة من فيوضها الجمالية الكاسرة. وهو ما تجلى عند الكثيرين من رواد حركة الشعر الحر، مثل أدونيس وأنسي الحاج ومحمد عفيفي مطر. كما تجلى عند جيل الحداثة التالي للرواد (مما يسمى جيل السبعينيات)، مثل قاسم حداد وأمجد ناصر، وعبده وازن (الذي حقق ونشر ديوان الحلاج)، وأحمد طه وفريد أبو سعدة ومحمد أبو دومة. لنقرأ نص أدونيس عن (النِّفَّري): (ساوتني شمسي بالأشجار وبالأنهار وبالبؤساء/ سلوها كيف نفتني نشرتني في الطرقات وفي لهجات الغربة حرفا حرفا لا تسلوها أسلمت لتيه الشمس خطاي رضيتُ لوجهيَ هذا المنفى). كما كانت تجربة (البديع الشكلي) في العصور المملوكية (هذه التجربة المغبونة) تململا لافتا في العمود التقليدي القديم، بما قدمته من ترصيعات ومحسنات وزخرفات وتزاويق شكلانية وألاعيب لغوية وأسلوبية. وعندي أن تجربة (البديع الشكلي) تستحق أن نرد إليها الاعتبار التاريخي والأدبي، وذلك لسببين:
رد مع اقتباس
  #44  
قديم 19-01-2006, 08:28 AM
محمد عبد الحفيظ القصاب محمد عبد الحفيظ القصاب غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
الدولة: سورية - حمص
المشاركات: 2,904
افتراضي

الأول: هو أن اضطراب هذه التجربة وحذلقاتها وارتباكها وضعفها كانت تعبيرا عن تقلب التربة الاجتماعية والسياسية والحضارية، واضطراب البنى التحتية والفوقية، في لحظة انتقال مفصلية كبيرة، يغادر فيها المجتمع نمطه القديم ويتأهب للذهاب إلى النمط الحديث، حين تنتهي الحقبة المملوكية، ويصعد محمد علي إلى عرش مصر.
رد مع اقتباس
  #45  
قديم 19-01-2006, 08:29 AM
محمد عبد الحفيظ القصاب محمد عبد الحفيظ القصاب غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
الدولة: سورية - حمص
المشاركات: 2,904
افتراضي

والثاني: هو أن هذا البديع الشكلي والترصيع التزويقي لم يكن - فحسب - محض لعب مجاني، بل كان في الجانب الأعظم منه، لونا من ألوان (التقية)، و(القناع)، بغرض الهروب من بطش المماليك وسوطهم اللاهب.
رد مع اقتباس
  #46  
قديم 19-01-2006, 08:29 AM
محمد عبد الحفيظ القصاب محمد عبد الحفيظ القصاب غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
الدولة: سورية - حمص
المشاركات: 2,904
افتراضي

ومن هذا المنظور فإن أدب العصر المملوكي هو على نحو من الأنحاء، (شعر مقاومة)، على عكس الظن الشائع الظالم فــــيه، وإن كانت مقاومـــــة سلبية قليـــلة الحيلة، شأن مقاومة المستضعفين. ولقد وصلت أصداء من تجربة أدب العصر المملوكي، بما فيها من تجريب شكلي وتقية رمزية، إلى حركة الشعر الحر، التي طورت البديع الترصيعي إلى أساليب تشكيلية وتركيبية ناضجة، وطورت التقية إلى عناية فائقة بالرمز والمجاز، والإيحاء، لكي يظل للنص إشعاع متجدد ودلالة متوالدة. (نجد أمثلة لذلك عند محمد عفيفي مطر وحسن طلب ورفعت سلام ومحمد الطوبي).
رد مع اقتباس
  #47  
قديم 19-01-2006, 08:31 AM
محمد عبد الحفيظ القصاب محمد عبد الحفيظ القصاب غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
الدولة: سورية - حمص
المشاركات: 2,904
افتراضي

- 10 -
كان الاحتكاك بالثقافة العالمية (سواء بالاتصال المباشر أو عبر الترجمات)، ذا أثر بالغ في نشوء وازدهار ثورة الشعر العربي الحديث، إذ عن طريق هذا الاحتكاك تعرف المثقفون والشعراء العرب على ثلاث مدارس إبداعية جمالية باهرة، نهلوا منها وتفاعلوا معها - عبر خصوصيتهم المحلية والعربية - لتصبح هذه المدارس الثلاث، منفردة أو مجتمعة، ركنا ركينا من المكونات المعرفية والإبداعية لحركة الشعر العربي الحر.
رد مع اقتباس
  #48  
قديم 19-01-2006, 08:32 AM
محمد عبد الحفيظ القصاب محمد عبد الحفيظ القصاب غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
الدولة: سورية - حمص
المشاركات: 2,904
افتراضي

المدرسة الأولى: هي (الواقعية الاشتراكية)، التي مثلها شعراء عديدون أمثال نيرودا وناظم حكمت وايفتشينكو ومايا كوفسكي وإيلوار وأراجون ولوركا ورفائيل ألبرتي وحمزاتوف وفاتبزاروف. كان الظرف كله ملائما لهذا الاحتكاك: ازدهار المعسكر الاشتراكي العالمي، زهوة ساطعة لحركات التحرر في العالم، ونظم وطنية عربية ترفع شعارات الاشتراكية والحرية والعدل (دعك من التطبيق)، أحزاب شيوعية نشطة في العراق وسورية ومصر والسودان. هكذا تلقَّف الشعراء العرب - والاشتراكيون منهم خاصة - زملاءهم الشعراء التقدميين في العالم، ليناظروا تجربتهم الشعرية الملهمة، ويبذروا رؤاهم - بعد خلق عربي جديد - في التربة العربية المتعطشة لأهازيج التحرر والعدالة والكرامة. وهنا يمكن أن نلتقط عنصرا من عناصر التأثير في نشوء ثورة الشعر العربي الحديث، وهو شيوع الفكر اليساري - آنذاك - في شطر كبير من العالم، وفي النخبة العربية. والملاحظ أن معظم رواد حركة الشعر الحر العربية كانوا من اليساريين، تنظيميا أو فكريا، أو ما شابه. هنا يمكن أن نصغي إلى عبدالوهاب البياتي وهو يوجه نداء إلى الشاعر الإسباني ألبرتي: (آخر طفل في المنفى يبكي مدريد، يغني نار الشعراء الأسبان المنفيين الموتى: لوركا - ماتشادو، آخر عملاق في معطفه يبكي، تحت النجم القطبي، وتحت الثلج، وقفنا بجوار عمود النور، وكانت (روما تبحث عن روما)، ناديتك: ألبرتي. فأجاب الشعر، أضاء: البرق الكامن في سحب كانت تمضي نازفة في ليل المنفى، كل عذابات الأسبان، أجابت: روما، وأجابت: موسيقى البحر الوحشية، كنا أطفالا أوغلنا في الغابة، لكن الموسيقى هدأت والبحر توارى في كتب كانت تحكي عن نور يأتي من داخل (توليدو)).
رد مع اقتباس
  #49  
قديم 19-01-2006, 08:33 AM
محمد عبد الحفيظ القصاب محمد عبد الحفيظ القصاب غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
الدولة: سورية - حمص
المشاركات: 2,904
افتراضي

المدرسة الثانية: هي (الصوفية العربية). ومن الغرائب هنا أن غالبية الشعراء العرب لم يتصلوا بهذه التجربة الثرة في تراثنا العربي الإسلامي القديم، إلا بعد أن كشفها للعالم كله المستشرقون الغربيون، عبر تحقيقات وترجمات وتحليلات ضافية (من هؤلاء: نيكلسون وبروكلمان وماسينيون ونللينو). وباعتناء أدونيس بهذه الترجمات والتحقيقات التي قام بها المستشرقون، انفتح نبع فياض أمام الشعراء العرب، صاروا يرون في معينه الدافق سندا قويا (من قلب خصوصيتنا العربية) لسعيهم نحو تجديد اللغة والمخيلة والصور والعلاقات الجمالية، حتى لقد صارت قطع من (المواقف) للنفري، ومن (طواسين) الحلاج، ومن (الفتوحات المكية)، لابن عربي، ومن (مثنوي) جلال الدين الرومي، (منصاتٍ) للعديد من الشعراء العرب رواد قصيدة الشعر الحر، ينطلقون منها: عبر القناع، أو عبر التناص، أو التماهي، أو التقمص، أو عبر (ضبط وإحضار)، الشاهد الصوفي - شخصا أو نصا - للمثول في قلب العصور الراهنة. وقد بلغ تغلغل المتصوفين الإسلاميين في الشعر الحر درجة من التمكن والانتشار، جعلتني - في قطعة قصيرة لي - أتأسى على هذا الوضع قائلا: (لماذا استغللنا النِّفرىَّ إلى هذا الحد؟ واستخدمناه كبوسطجي؟ هل نحن جبناء؟ لا بد أننا سنواجه مأزقا يوم أن تنفد نصوص الصوفيين..)
رد مع اقتباس
  #50  
قديم 19-01-2006, 08:35 AM
محمد عبد الحفيظ القصاب محمد عبد الحفيظ القصاب غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Aug 2005
الدولة: سورية - حمص
المشاركات: 2,904
افتراضي

المدرسة الثالثة: هي (السريالية الفرنسية)، التي نشأت في فرنسا وأوروبا بعد الحرب العالمية الأولى، حتى ما بعد الحرب العالمية الثانية، مما يعني أنها استمرت إلى أن تماست زمنيا مع بدء ثورة الشعر العربي الحديث، في أواخر الأربعينيات من القرن العشرين. كان من أقطاب هذه المدرسة أندريه بريتون وإيلوار وأراجون وجورج سادول وكريفل وغيرهم. وساعد وجود جورج حنين (المصري) بين أقطاب السريالية الكبار على شعور الشعراء العرب بأن لديهم مساهمة عربية في هذه المدرسة الثائرة الفائرة. كانت للسريالية (كاريزما) أخاذة: بما قدمته من تحرير للخيال تحريرا غير مسبوق، ومن تهشيم للمنطق المنطقي، ومن تحطيم للواقع الواقعي، ومن لغة مولودة من الوعي الباطني التحتاني، لا من الوعي العقلي الخارجي، ومن انفجار الحلم. بعض من ذلك نجده في السطور الآتية من أنسي الحاج، التي جسد فيها نظرية (كيمياء الكلمة)، التي أطلقها بريتون: (يبدو أكثر حين يتكلم يعقد لواؤه لامرأة سيخونها وتخونه وبثيابه الملمعة لبعض الرسوم للسياح يعكس الينابيع صدفة يستضيفك في كهف الغرائر إذن هناك بشر يعيشون لن يلتقوه، لكن الذين يعيشون سيتلاقون تعلم الموسيقى كالجندي كالجندي تعلم الموسيقى ليقهر الجندي وعندما قهره تعلم الجندي ليقهر الموسيقى). وكان حضور السريالية الفرنسية يزداد توغلا في حركة الشعر العربي الحر، كلما اكتشف الشعراء الرواد العرب صلة قربى بين السريالية والواقعية الاشتراكية من جهة، وكلما اكتشفوا صلة قربى بين السريالية والصوفية العربية من جهة ثانية. أما صلة القربى بين السريالية والواقعية الاشتراكية، فهي راجعة إلى اتفاقهما في تكريس تحرر البشر، وإعلاء كرامة الإنسان، أي في الذهاب - حسب الجملة الشهيرة - (من مملكة الضرورة إلى ملكوت الحرية). وقد تأكدت هذه الوشيجة القريبة عبر إيلوار وأراجون، اللذين كانا قاسما مشتركا بين المدرستين.
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:12 AM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2018 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com