عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > المنتديات الأدبية > منتدى عـــــــذب الكــــــــلام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم يوم أمس, 11:17 AM
randasad randasad غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: May 2014
المشاركات: 9
افتراضي ناطق رسمي بامتياز




تعاركت ذبابتان على مهاجمة وجه نائب رئيس الوزراء النائم في غرفته المكيّفة داخل بيته واقتربت إحداهما ولامست شعيرات أنفه المفلطح متسّع الفتحتين، فجفل وهو يضرب أنفه بقوّة قبل أن يفتح عيناه المحمرّتان ويفركهما، ليشعل حرقة دمعت لها عيناه كأنما تحوي حبيبات غير مرئية تثير حكّة مؤلمة.
تأفف وهو يتطلع الى ساعة يده التي تجاوزت التاسعة والنصف صباحا بقليل:
- كيف دخلت هذه الذبابات اللعينة، وأين زوجتي عن ذلك؟
كان ليلته السابقة صعبة ومرهقة ، حافلة بنقاشات صاخبة داخل مجلس الوزراء انتهت في
الخامسة صباحا حول إضرابات تخوضها عدة نقابات وإتحادات ضد موجة الغلاء والكساد الإقتصادي واتهامات بالفساد الحكومي.
همّ أن يقوم من فراشه في الوقت الذي فُتح فيه الباب فجأة وظهر وجه زوجته المتوترة:
- معالي رئيس الوزراء على الهاتف، يبدو الأمر مستعجلا.
كان مكتب الرئيس يغصّ بالوزراء مشحونا بالتوتر، وساد الترقب عندما أشعل الرئيس شاشة ضخمة احتلت واجهة كاملة، تبثّ مقابلة صحفية مع أحد الأشخاص يقف متأنقا امام الكاميرات. وارتفع صوت مذيعة إحدى محطّات التلفزة المحلية قائلة:
- نتابع المؤتمر الصحفي الذي يعقده الناطق الرسمي ورئيس نقابة المجانين..
وتوقفت قليلا وحركت رأسها بحيرة .. ثم تابعت:
- السيد .. "مخلص ملطوش".
تحدّث ملطوش بشكل مختصر معلنا عن بدء أولى الفعاليات لنقابته اعتراضا على إزدواجية معايير الحكومة في التعامل مع مستخدميها.
أطفأ الرئيس الشاشة واستدار مواجها الوزراء مخاطبا الجميع:
- وجودنا في الحكومة على المحك. نحن كمن يبتلع نصلا ذو حدّين: إمّا الإصلاح وإطلاق باب الحريات على مصراعيه المشروطة بالحصول على الأموال من الدول المانحة، وإمّا العودة الى مربع الحصار. أعدائنا في الداخل ينتهزون الفرص للإطاحة بحكومتنا الرشيدة. علينا أن نُسرع في لملمة أمورنا قبل أن يزيد هذا المجنون الأمر صعوبة.
قالها وهو يشير الى الشاشة ثم تابع قائلا:
- أريد أن أسمع آرائكم واقتراحاتكم بخصوصه.
أسرع وزير العمل المسؤول عن ترخيص النقابات قائلا:
- أنا أقترح الحوار مع نقابة المجانين موازاة لحوارنا مع نقابتي المعلمين والأطباء.
تدخّل وزير التربية والتعليم معلّقا على حديث وزير العمل:
-أنا أعارض ذلك، لأننا ببساطة لا نستطيع فتح عدّة جبهات في نفس الوقت.
مطّ وزير الداخلية شفتيه وقال بصوته الخشن المنفّر موضّحا:
- أنا أعرف هذا الشخص جيدا، لديه ذكاء خارق، ولكّن أفكاره جنونية وتصرفاته تشوبها الغرابة، كان زميلي في الجامعة، واستضافته أجهزتنا الأمنية عدّة مرات. الرأي عندي إعادة فتح ملفاته القديمة.
ساد الهدوء التام بعد حديث وزير الداخلية إلى أن قطعه الرئيس قائلا:
- أنا لست مع وزير الداخلية، شعار حكومتنا الذي فازت به هو "حكومة العقلاء"، الرأي عندي أن نحيك خطّة تقوم على الإستفراد بكل نقابة على حده لكسب الوقت، ثم تفكيك قضاياهم الى أجزاء صغيرة نسكتهم ونلهيهم بها.
ثم التفت الى نائبه قائلا :
- حسنا أيها النائب، أنت مخوّل بالحديث مع نقيب المجانين ولديك يومان فقط.
جلس ملطوش على كرسي فخم قبالة نائب رئيس الوزراء الذي أشعل سيجارا ضخما وأخذ ينفث دخانه بعصبية على شكل حلقات تختفي بسرعة بعد أن يسحبها شفّاط السقف، وهو يرمق جليسه بحقد بدا واضحا على قسمات وجهه. استمر ملطوش يرشف من فنجان قهوة رشفات متتالية سريعة وهو يراقب حلقات الدخان المتعامدة من سيجار الوزير.
أطفأ الوزير سيجاره وشبّك أصابع يديه أمامه ورسم ابتسامة سحبها سريعا قبل أن يبادره قائلا:
- سعدت بلقائك سيّد ملطوش؟
لم يبد عليه أنه سمع ما قاله الوزير واستمر يحملق بالسقف باستغراق.
- هل تسمعني؟
وضع فنجان القهوة على طاولة صغيرة أمامه بقوّة، فتقلّب الفنجان عدّة مرات قبل أن يستقرّ مصدرا رنينا مزعجا، بعد أن تناثرت منه قطرات القهوة التي لوّثت الطاولة، وفي نفس الوقت تناثرت الكلمات من فمه بسرعة :
- أنا الدّكتور مخلص ملطوش نقيب المجانين وأمثّل المستشفيات ومراكز الأمراض العصبية.
قالها وهو يضغط على كلمة دكتور حتى يلفت انتباه الوزير ..
عاد يتطلع الى السقف دون اعتبار لوجوده في حضرة نائب رئيس الوزراء الذي احتار في تصرفه، فهذه أول مرة يلتقي به شخصيا .فعاد الى الحديث محاولا دفعه للكلام:
- أنت عبقري ومعروف لدى الأوساط العلمية، ولك دراسات نفسية مثيرة للدهشة، ولك باع طويل في مجالك، والحكومة تدعم فئة الشعب التي تمثّلها، فهل لي أن أعرف مطالبك بالضبط؟
- بكل سرور. أطالب بزيادة حصّتنا من الموازنة العامّة وتعديل قانون الخدمة المدنية لمساواتنا ببقية موظفي الدولة.
وافقه الوزير بايماءة من رأسه وقال محاولا فصل قضيته عن بقية النقابات قائلا:
- دكتور ملطوش. نعلم جهودكم ودوركم في الحفاظ على السلم الأهلي، قضيّتكم عادلة وأعدك أننا سندرس مطالبكم بدقّة وضمن القانون، وسنتعاون معا بعيدا عن الآخرين الذين يحاولون استغلال الوضع الإقتصادي المعقّد للدولة.و ..
قاطعه ملطوش وهو يميل الى الأمام قائلا بحدّة :
- هل تعدني بذلك؟ لن أصدّقك حتى تغيّر في القانون الأساسي للدولة ليتماشى مع تلبية مطالبي.
عاد الوزير بمقعده إلى الوراء وهو يتفرس بوجهه بذهول. الآن تأكد له أنه أمام مجنون فعلا.
تردد قليلا إلّا أنه حزم أمره وقال وهو يشدد في كلماته:
- أعدك شرط أن يبقى الأمر بيننا بعيدا عن الآخرين وعن الصحافة.
فاجأه ملطوش قائلا بغضب:
- هل تظنني غبيا؟
تمالك الوزير أعصابه لأبعد الحدود وهو يقول:
- ولماذا أظنّ ذلك؟ اسمعني جيدا. إذا أردت الفوز بما تطلبه عليك أن تتعاون معي لنعمل بسرّية تامّة. وخلال الأسبوع القادم ستأتيك ترقية استثنائية تحسّن من مستواك الوظيفي والمالي.
تشنّجت عيناه على عيني الوزير وتقارب حاجباه بعد أن انقلبت سحنته بشكل مخيف، ولمعت عيناه ببريق غريب للحظات أحسّ بها الوزير سنوات، كانت كفيلة بزرع الخوف في قلبه فتطلّع الى باب الغرفة وهو يفكر باستدعاء حرّاس مكتبه، إلا أنّه عدل عن ذلك عندما عاد ملطوش الى طبيعته وهو يقول بحدّة:
- أنت تحاول معي لعبة القط والفار. ومع ذلك فأنا أقبل عرضك حتى حصولي على الترقية على أن توقّعها الآن.
وما إن خرج ملطوش من مكتبه حتى قام الوزير بالإتصال برئيسه بعد أن وقّع أوراق الترقية معلنا بثقة تحييد نقابة المجانين حتى إشعار آخر.
طلبه الرئيس فورا الى مكتبه، وما إن وصل إليه حتى قام الأخير من وراء مكتبه ليشدّ على يديه وهو يبتسم قائلا:
- أحسنت ايها النائب المحنك. أنت حقّا رجل المهام الصعبة الذي لا يفشل أبدا.
أحسّ الوزير بالخجل من إطراء رئيسه وشملته الحماسة وهو يقول:
- نتعلم منك سيدي الرئيس.
رنّ جرس هاتف الرئيس في هذه اللحظة، فرفع السمّاعة وهو يقول منتشيا:
- عسى أن تصلنا أخبار طيبة من وزير التربية والتعليم في مفاوضاته مع نقيب المعلمين.
وضع السمّاعة على أذنه واستمع مطوّلا، ثم تراخت يده وجلس على مقعده وقد بدا عليه الإنهيار.
- ماذا هناك يا سيدي؟
وضع الرئيس السمّاعة وقال بإنكسار :
- اذهب الى مجمع النقابات فورا. هناك مسيرة ضخمة تنطلق اتجاه قصر الرئاسة.
بُهت الوزير واسودّت الدنيا في عينيه، وانطلق بسيارته وهو يحثّ السائق على الإسراع وراء سيارة الشرطة التي تطلق صفاراتها كي تفتح الطريق أمامهم.
توقّفت السيارة في مفترق طرق يتوسط الطريق بين المجمّع وقصر الرئاسة بجانب سيارة وزير الداخلية الذي كان قد وصل لتوّه. نزل نائب الرئيس وهو يفتح عينيه ويغلقهما بتتابع عجيب وهو يتابع جماهير غفيرة تنطلق رافعة أعلام الدولة، وتهتف بهتاف تقليدي يخلخل القلوب، يحيط بهم عدد كبير من أفراد شرطة مكافحة الشغب. شعر الوزير بثقل قدميه واستند الى مقدّمة السيارة وهو لا يصدق ما يراه .. ملطوش يمتطي كتفي أحد الشبان يتقدم المسيرة ووراءه مباشرة رؤساء النقابات وهو يهتف والجميع يردد من وراءه.
دنت المسيرة من قوات الأمن التي تسدّ الطريق وتحمل الهراوات والدروع والخوذات وتكهرب الجو منذرا بفقدان السيطرة وضبط النفس، فأسرع نائب الرئيس الى وزير الداخلية وصرخ قائلا بأعلى صوته:
- لا داعي لإستعمال العنف ولا تكن متهورا كعادتك.
أجابه وهو يصرخ بدوره مقرّبا المسافة بين وجهيهما:
- أوامري مشدّدة بهذا الخصوص. وما دمت هنا فهم يأخذونها مني شخصيّا.
وفي نفس اللحظة التي بدأ فيها تدافع بين المحتجّين وقوات الأمن، مرّت ذبابة أمام عينيّ وزير الداخلية، واقتربت من أنف نائب رئيس الوزراء وأخذت تحوم حوله، فتراجع الى الخلف بامتعاض وهو يلعن الذباب الذي أيقظه من نومه في الصباح على مصيبة، وها هو يوقظه على واقع يحتلّه مجنون على أكتاف مجانين يوردون الحكومة حتفها.
رفع وزير الداخلية يده بحركة عنيفة كي يهشّ الذبابة ويبعدها عن أنف نائب الرئيس، إلّا أن إشارته هذه كانت تعني الكثير لشرطة مكافحة الشغب.


سمير الأسعد
فلسطين
رد مع اقتباس
  #2  
قديم يوم أمس, 07:44 PM
رشيد التلمساني رشيد التلمساني غير متواجد حالياً
نائب المدير العام لشؤون المنتديات
 
تاريخ التسجيل: Jul 2020
المشاركات: 1,926
افتراضي

جزاك الله خيرا ونفع بك
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 06:24 AM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2018 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com