عبدالله سعد اللحيدان   اضغط هنــــا   اضغط هنـــا   لا يوجد


العودة   منتديات بوابة العرب > منتديات الشؤون السياسية > سياسة وأحداث

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 23-05-2011, 12:19 PM
راجي الحاج راجي الحاج غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
الدولة: اينما يعيش الشرفاء
المشاركات: 1,791
Lightbulb المسلمون في الغرب وواجب النصرة




الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أمّا بعد: فإن المسلم الذي قُدِّر له أن يعيش ويحي في أوروبا، وقُدِّر له أن يرى في كل يوم حين يصبح وحين يمسي، أحوال إخوانه في كثير من بقاع الأرض، وهم يسامون سوء العذاب قتلاً وتشريداً وظلماً واضطهاداً، لا يمكنه بحال من الأحوال أن يقف موقف المتفرج دون أن يحرك ساكناً أو ينكر منكراً أو ينصر مظلوماً. كيف وهو المسلم الذي تربطه بإخوانه المظلومين المضطهدين رابطة الإيمان والعقيدة وأواصر المحبة والأخوة. هذا المسلم الأوروبي ينتظر من أهل العلم والفقه أن يبينوا له معالم طريق المناصرة لإخوانه المؤمنين، وحدود الموقف الذي ينبغي له أن يلتزم به تجاه إخوانه هؤلاء، لكي يشعر براحة الضمير، وطمأنينة القلب، ويطمئن أنه على حال لا يخالف فيها أمر الله تجاه حقوق إخوانه عليه. لهذا وجب على أهل العلم أن يؤسسوا ويؤصلوا لموقف شرعي صحيح في مسألة ولاء ومناصرة المسلمين في أوروبا لإخوانهم في سائر بقاع الأرض، حتى لا يتصرف المسلمون في أوروبا دون علم ولا بينة فيفسدون أكثر مما يصلحون، كشأن كل عامل بغير علم ولا فقه، الذي قال في حقه عمر بن عبد العزيز رحمه الله: "من عمل في غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح". ومن أجل أن لا يقع المسلم في أوروبا في عمل بلا علم، أو حركة بلا فقه، كانت كتابة هذه الكلمات على النحو الآتي:


المقدمة:


المطلب الأول:
المناصرة التعريف والماهية، وفيه:
* أولاً: التعريف اللغوي للمناصرة.
ثانياً: الحقيقة الشرعية للمناصرة.


* المطلب الثاني:
دواعي المناصرة وأسبابها، وفيه: أولاً:حقوق الأخوة الإسلامية. ثانياً: الذمة الواحدة للمسلمين. ثالثاً: المسؤولية الشرعية في القيام بالقسط والشهادة لله. رابعاً: الخلق الإسلامي ومقتضى عدم الخذلان للمظلوم. خامساً: دفع الظلم عن النفس بدفع الظلم عن الغير.



* المطلب الثالث:
حكم المناصرة.


* المطلب الرابع:
وسائل المناصرة قواعد وأصول وضوابط، وفيه:
أولاً: قواعد وأصول ضابطة لوسائل المناصرة.
ثانياً: وسائل المناصرة في أوروبا.
الوسيلة الأولى: المناصرة المالية.
الوسيلة الثانية: المناصرة الإعلامية.
الوسيلة الثالثة: المناصرة القانونية.
الوسيلة الرابعة: المظاهرات والاعتصامات.
الوسيلة الخامسة: المناصرة الطبية.



* المطلب الخامس:
واجب المناصرة لقضايا المسلمين وفقه الموازنات.
أولا: المقصود بفقه الموازانات.
ثانياً: الجانب التطبيقي لفقه الموازنات.
ثالثاً: بعض التطبيقات العملية لفقه الموازنات في باب المناصرة. ثم خاتمة واعتذار.



المطلب الأول
المناصرة التعريف والماهية


لمّا كانت التصورات سابقة للتصديقات، وكان الحكم على الشيء فرعاً عن تصوره كان البدء بالتعريف أول ما يقدم بين يدي هذا الموضوع المهم. ولقد استقرت سنة المؤلفين على النظر إلى التعريف من زاويتين؛ زاوية الأصل اللغوي للمادة المُراد تعريفها، وزاوية الأصل الشرعي، وعليه فإن تعريف المناصرة هو على النحو الآتي:
أولاً: التعريف اللغوي للمناصرة: المناصرة من النصر، ومادة النصر تأتي لمعان متعددة في لغة العرب وهي:
1- الإعانة: جاء في اللسان: والنصر إعانة المظلوم، وقد نصره ينصره نصراً إذا أعانه على عدوه وشدَّ منه. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً". أي أن يمنعه من الظلم إن وجده ظالماً، وإن كان مظلوماً أعانه على ظالمه.
2- الانتقام: قال الأزهري: يكون الانتصار من الظالم: الانتصاف والانتقام، وانتصر منه: انتقم. وفي اللسان: (والانتصار: الانتقام. وفي التنزيل العزيز: "والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون". [الشورى:39]، قال ابن سِيدة: إن قال قائل أهم محمودون على انتصارهم أم لا؟ قيل من لم يُسرف، ولم يجاوز ما أمر الله به، فهو محمود).
3- الإغاثة: ومنه قولهم نُصرت البلاد إذا أمطرت، ونُصر القوم إذا غيثوا، من قولهم: نصر الغيث الأرض نصراً: غاثها وسقاها وأنبتها قال: من كان أخطأه الربيع فإنما نُصرالحجاز بغيث عبد الواحد ونصر الغيث البلد إذا أعانه على الخصب والنبات، قال ابن الأعرابي: النصرةُ المطرةُ التامّة، وأرض منصورة ومضبوطة.
4- التأييد: ومنه قوله تعالى: "ولينصرن الله من ينصره". أي أن الله تعالى يُؤيد من يؤيد دينه.
5- النجاةُ والخلاص: ومنه قولهم: نصرهُ على عدوه: أي نجاه وخلصه.
6- العطاء والبذل: وفي اللسان: والنصر: العطاء، قال رُؤْبةُ:

إني وأسطار سُطِرنَ سطراً***لقائلٌ يا نصرُ نصراً نصْر
ا

ونصره ينصره نصراً: أعطاه. والنصائر العطايا، والمستنصر: السائل، ووقف أعرابي على قوم فقال: انصروني نصركم الله، أي أعطوني أعطاكم الله. هذه هي المعاني التي تدور عليها هذه المادة في لغة العرب، ونذكر بعض المشتقات لزيادة الفائدة.
الاستنصار: استمداد النصر.
التناصر: التعاون على النصر.
وتناصروا: نصر بعضهم بعضاً، وتناصرت الأخبار: صدّق بعضها بعضاً.
التنصُّر: معالجة النصر.
المستنصر: طالب النصر.
والخلاصة أن النُصرة في اللغة هي: الإعانة، والانتقام، والإغاثة، والتأييد، والنجاة والخلاص، والعطاء والبذل.
ثانياً: الحقيقة الشرعية للمناصرة: الحقيقة الشرعية للمناصرة أو النصرة لا تخرج عن الحقائق اللغوية التي ذكرناها لمادة نَصَرَ في لغة العرب، مع التنبيه على أن الحقيقة الشرعية تُضبط بقواعد وأصول ومقاصد هذه الشريعة المباركة، فعندما كان العربي في الجاهلية يفهم من النُصرة لأخيه أنّها مطلقة بدون قيد، ينصره في الحق والباطل، بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن نُصرة الأخ والقريب لا تكون في الباطل أبداً، وأن حقيقة نصره في حالة ظلمه للغير أن يُمنع من هذا الظلم. فقال صلى الله عليه وسلم عندما سُئل:" فكيف أنصره ظالماً؟ قال: تمنعه من الظُلم فذلك نصرُك إياه". وبعد البحث عن تعريف للمناصرة في لغة الشرع لم أقف على من عرّفها وحدّها بشكل دقيق؛ أي بتعريف جامع مانع يصلح أن يكشف عن الحقيقة الشرعية للمناصرة، ويمكن أن يقال في تعريفها شرعاً ما يلي: المناصرةُ هي إعانة المسلمين المظلومين في الوصول إلى حقوقهم المشروعة، وتأييدهم على الخلاص والنجاة من الظلم ببذل الوسائل المشروعة، مع إغاثتهم بكل ما تقوم به حياتهم.

المطلب الثاني
دواعي المناصرة وأسبابه
ا

هذه المناصرة التي سبق تعريفها، ما هي الأسباب التي تدعو إليها؟ أو بمعنى آخر ما هي الدوافع التي تدفع المسلم أن ينصر أخاه المسلم الذي استنصره لرفع الظلم عنه؟. هذا سؤال طُرح علينا في أوروبا أكثر من مرة من قبل الساسة والإعلاميين، بل من قبل عامة الشعب أحياناً، وفي مناسبات كثيرة، ولعلّ في ذكر بعض هذه الدوافع جواباً شافياً عن هذا السؤال بإذن الله.
أولاً: حقوق الأخوة الإسلامية:
فالأخوة في الدين هي أصل الأخوات، وقد قال تعالى: "إنّما المؤمنون إخوة". وقال صلى الله عليه وسلم: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كربة، فرّج الله عنه كربة من كُربات يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة". فالمسلمون في أوروبا تربطهم مع إخوانهم شرقاً وغرباً أواصر الأخوة والإيمان، فهم يرتبطون برباط واحد، ووشيجة واحدة مع كل من رضي بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً. فما من مسلم تصيبه شوكة -فضلاً عن أن يُعتدى عليه ظلماً وعدواناً- إلاّ ويتألم المسلمون في أوروبا لأجله ألم الجسد الواحد كما قال صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى". ومن لم يتألم لألم أخيه فهو مريض كالعضو الذي لا يشعر بألم الأعضاء الأخرى، أو كالجسد الميت الذي لا يشعر بألم الأعضاء فيه.
ثانياً: الذمة الواحدة للمسلمين: وهو تعبير يؤكد المعنى السابق على أن أهل الإسلام أينما كانوا فهم كالجسد الواحد، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "وذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمن أخاف مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه عدلاً ولا صرفًا". وفي رواية: "المؤمنون تكافأ دماؤهم وهم يدُ على من سواهم ويسعى بذمتهم أدناهم". والتعبير بأن ذمة المسلمين واحدة يؤكد على معنى الجسد الواحد الذي مرّ معنا، بل ويزيد عليه، حيث أكّد أن تصرفات المسلم في حال الحرب والقتال أياً كان هذا المسلم رجلاً أم امرأة، حُراً أم عبداً، إذا أعطى الأمان لأحد فليس لأحد الحق في نقض هذا الأمان. فأنزل الحديث تصرف المسلم وإعطاءه الأمان للغير منزلة تصرف المسلمين جميعاً. وقد قال المباركفوري رحمه الله عند شرحه لهذا المعنى: (وذمة المسلمين أي عهدهم وأمانهم (واحدة) أي أنها كالشيء الواحد لا يختلف باختلاف المراتب، ولا يجوز نقضها لتفرد العاقد بها (يسعى بها) أي يتولاها ويلي أمرها (أدناهم) أي أدنى المسلمين مرتبة. والمعنى أن ذمة المسلمين سواء... لأن المسلمين كنفس واحدة. وزيادة في هذا المعنى جاء قوله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، ثم شبك بين أصابعه". قال النووي رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً صريح في تعظيم حقوق المسلمين بعضهم على بعض، وحثهم على التراحم والملاطفة والتعاضد في غير إثم ولا مكروه". والوصف بالبنيان وصف عظيم إذ كيف تقوم للبنيان قائمة وبعضه معرض للتصدع والانهيار.
ثالثاً: المسؤولية الشرعية في القيام بالقسط والشهادة لله. فالمسلمون جميعاً يجب عليهم حماية بيضتهم، والذبّ عن مستضعفهم، بل وعن كل مستضعف ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً؛ وذلك لأن من واجبات أهل الإيمان أن يقوموا لله بالقسط، وأن يكونوا من الشهداء لله كما قال تعالى: "يا أيها الذين ءامنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله". قال ابن كثير رحمه الله: (يأمر تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا قوامين بالقسط، أي بالعدل فلا يعدلوا عنه يمينا ولا شمالاً، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا يصرفهم عنه صارف، وأن يكونوا متساعدين متعاضدين متناصرين فيه). فالمسؤولية الشرعية تقتضي من المسلمين دعوة الناس كافة إلى القسط وهو العدل كما قال تعالى: "إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم" [آل عمران211].
رابعاً: الخُلق الإسلامي ومُقتضى عدم الخذلان للمظلوم. فالخلق الإسلامي وهو الخلق الذي اختاره الله لعباده المؤمنين يقتضي من المسلم أن لا يخذل مظلوماً أياً كان ذلك المظلوم، فكيف لو كان هذا المظلوم من أهل الإسلام، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره". وفي رواية (ولا يسلمه)، فلا يحل للمسلم أن يخذل أخاه المسلم، ولا أن يسلمه لأعدائه، ويجب عليه أن يقوم بدفع الظلم عنه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً. وقد قالت العرب قديماً:

إن أخاك الحقّ من يسعى معك***ومن يضرُّ نفسه لينفعك

ومن إذا ريب الزمان صدعك ***شتت فيك شمله ليجمعك


والخلق الإسلامي كذلك يمنع من السكوت عن ظلم الآخرين، ويميل إلى كل ما يرفع الظلم عن المضطهدين، وقد قال صلى الله عليه وسلم عن حلف الفضول -وهي حادثة من أيام العرب اجتمعت فيها كلمة بعضهم على نصرة المظلوم-: (حضرت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما يسُرني به النعم، ولو دعيت إليه اليوم لأجبت) ؛ لِما احتوت عليه من معنى نصرة المظلوم، والقيام بالعدل. وعموماً فإن المروءة تقتضي من المؤمن الذي يعلم أن الأمانة أخت الدين، وأنه لا إيمان لمن لا أمانة له، أن يناصر المظلومين، ويدافع عن حقوق المضطهدين، وأن يقول كلمة الحق والعدل في كل وقت وحين. وكذلك الشدائد تقتضي من المسلم أن تثور حميته لإخوانه، ولا خير في الإنسان إذا كان في وقت الحمية لا وجود له؛ فإن الشخص الذي لا وجود له عند الحاجة لا قيمة له، ومن لا قيمة له فإنه محسوب على أمة دون أن يقوم بواجبه تجاهها، ودون أن يؤدي ما عليه من الحقوق حيال أبنائها وأهلها.
خامساً: دفع الظلم عن النفس بدفع الظلم عن الغير:
فالمؤمن يعلم أن الله تعالى قد يبتليه ببعض ما ابتلى به إخوانه من المظلومين والمضطهدين ويعلم أنه إذا لم يقم لله بالحق؛ فسيسلط الله عليه نظير ما سلط على غيره، فهو يحتاج للدفع عن نفسه وعن أهله أن يدفع عن غيره وينصرهم. وسنة الله جارية بأن خذلان المظلومين مؤذن بوقوع الظلم على الصامتين "سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا" [الأحزاب:62]، وقد أحسن اتحاد العلماء في بيانه الصادر بتاريخ (11/06/2006م) في الإشارة إلى هذا المعنى العظيم، فقال محذّراً: (والذين يقعدون اليوم عن نصرة المظلومين لن يجدوا من ينصرهم غداً إذا دارت عليهم الدوائر).

المطلب الثالث
حكم المناصرة


مناصرة المسلم لأخيه المسلم الأصل فيها أنها واجبة لا تسقط عن المسلم بحال، ويمكن أن نفصل القول في حكمها على النحو الآتي: أولا: بالنسبة للمناصرة القلبية والتي عبَّر عنها النبي صلى الله عليه وسلم (بالإنكار القلبي) فهي واجبة وجوبا عينيا على كل مسلم تتوافر فيه شروط التكليف الشرعي إذا عَلم –ولو بغلبة الظن- بوقوع ظلم أو اعتداء على أخيه المسلم في أي مكان كان؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في وجوب تغير المنكر (فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان). فلا عذرَ لمسلم البتة وهو يشاهد على شاشات التلفاز مشاهد قتل إخوانه، أو تعذيبهم أو تشريدهم فلا يتحرك له قلب، ولا تهتز له مشاعر لتلك المشاهد.
ثانيا: المناصرة في باب إزالة الظلم عن المظلوم، ودفع المنكر والأذى عنه، -والذي يكون تارة باليد، وتارة باللسان- فهي واجبة وجوبا كفائيا على الأقليات المسلمة في أوروبا وهي المعبر عنها بقوله صل الله عليه وسلم: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه".كل ذلك بطبيعة الحال وفقاً لأحكام فقه تغير المنكر، والتي كُتب هذا البحث في إطارها. المقصود هو أن حصول الإزالة للمنكر من غير نظر إلى فاعله هو المراد بالفرض الكفائي، فإذا تأدى ولو بواحد سقط الطلبُ عن الجميع، وهذا بخلاف الحالة الأولى والتي المقصود منها بقاء الحس الإيماني في قلب المسلم برفضه المستمر لوقوع المنكر وإنكاره على أهله، وسبيل ذلك هو الإنكار القلبي، وهو أمر ميسور على كل أحد، وليس وراءُ ذلك من الإيمان حبة خردل. وأدلة الوجوب - بعد حديث الباب وهو "من رأى منكم منكرًا فليغيره" - هي الأدلة الآتية: أولاً: قوله تعالى في حق مناصرة الأعراب الذين لم يهاجروا: "وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلاّ على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير" [الأنفال:72]. قال ابن كثير رحمه الله: "وإن استنصروكم هؤلاء الأعراب الذين لم يهاجروا في قتال ديني على عدو لهم فانصروهم، فإنه واجب عليكم نصرهم لأنهم إخوانكم في الدين إلاّ إن يستنصروكم على قوم من الكفار بينكم وبينهم ميثاق، أي مهادنة إلى مدة؛ فلا تخفروا ذمتكم، ولا تنقضوا أيمانكم مع الذين عاهدتم، وهذا مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما).
ثانياً: قوله تعالى: "وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً" [النساء: 75]. قال القرطبي رحمه الله: (حض على الجهاد، وهو يتضمن تخليص المستضعفين من أيدي الكفرة المشركين الذين يسومونهم سوء العذاب، ويفتنونهم عن الدين، فأوجب تعالى الجهاد لإعلاء كلمته، وإظهار دينه، واستنقاذ الضعفاء من عباده). ثالثاً: قوله صلى الله عليه وسلم: "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، قالوا يا رسول الله هذا ننصره مظلوماً فكيف ننصره ظالماً؟ قال تأخذ فوق يديه". وفي رواية "قلنا يا رسول الله نصرته مظلوماً فكيف أنصره ظالماً؟ قال تكفه عن الظلم فذاك نصرك إيّاه". فقوله صلى الله عليه وسلم: (انصر أخاك)، أمرٌ للوجوب.
رابعاً: ما أخرجه البخاري وغيره عن البراء بن عازب رضي الله عنه أنه قال: "أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بسبع، ونهانا عن سبع"، وذكر من الأوامر (ونصر المظلوم). قال ابن بطال رحمه الله: (نصر المظلوم فرض واجب على المؤمنين على الكفاية، فمن قام به سقط عن الباقين، ويتعين فرض ذلك على السلطان، ثم على كل من له قدرة على نصرته إذا لم يكن هناك من ينصره غيره من سلطان وشبهه). وقال النووي رحمه الله: (وأمّا نصر المظلوم فمن فروض الكفاية، وهو من جملة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإنما يتوجه الأمر به على من قدر عليه، ولم يخف ضرراً). خامساً: قوله صلى الله عليه وسلم: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره". قال النووي رحمه الله: (فقال العلماء: الخذل ترك الإعانة والنصر، ومعناه إذا استعان به في دفع ظالم ونحوه لزمه إعانته إذا أمكنه، ولم يكن له عذر شرعي ). قوله رحمه الله: (إذا أمكنه) يتوجه إلى الأسباب المادية التي ترفع الظلم عن المظلوم، وأمّا النصرة القلبية فهي واجب عيني لاتسقط بحال، إلا على من فقد شروط التكليف الشرعي. وقد قال صلى الله عليه وسلم في رواية أخرى لهذا الحديث: "ولا يسلمه" قال المباركفوري رحمه الله في شرح هذا اللفظ: (ولا يسلمه بضم أوله وكسر اللام لا يخذله بل ينصره، قال في النهاية: أسلم فلان فلاناً إذا ألقاه في التهلكة ولم يحمه من عدوه). سادساً: الأدلة العامة التي تدل على وجوب الموالاة بين المسلمين، وكذلك الأدلة العامة في باب وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي باب وجوب التعاون على البر والتقوى، والنهي عن التعاون والسكوت عن الإثم والعدوان، فكل تلك الأدلة تدل بمجموعها على قطعية وجوب التكاتف والتعاون على إحقاق الحق ونصرة المظلوم، ومنع الاعتداء بكل صوره وأشكاله.

المطلب الرابع
وسائل المناصرة وشروط التكليف الشرع
ي

وهذا المطلب من أهم المطالب في هذا البحث، بل هو المقصود بالبحث والدراسة أصلاً، وما سبقه من تقرير بعض الأحكام إنما هو على سبيل التذكير فقط، إذ إن نُصرة المظلوم ووجوبها على المسلمين هي من قبيل المعلوم بالضرورة في الأصل، ولكننا نُذكر بها لغيابها عن حس كثير من المسلمين الذين نجحت المخططات الإعلاميةُ والسياسية في إضعاف هذا المعنى في قلوبهم. وقبل الحديث عن وسائل المناصرة المتعلقة بالمسلمين في أوروبا، فإني سوف أُمهد القول فيها ببعض القواعد والأصول الضابطة لهذه الوسائل.


أولاً: قواعد وأصول ضابطة لوسائل المناصرة.




1- تعريف الوسائل: الوسائل جمع وسيلة على وزن فعيلة، وقد تجي الفعيلة بمعنى الآلة كما هنا. فالوسيلة اسم لما يتوسل به، كما أن الذريعة اسم لما يتذرع به. وحصيلة تعريفها في لغة العرب: (كل أمر يتوصل به إلى أمر آخر، سواء كان ذلك الأمر محسوساً أم معنوياً، وسواء كان مشروعاً أم غير مشروع). والوسيلة شرعاً: (ما كان من قول أو فعل وسيلة وطريقاً مؤدياً إلى شيء آخر). وهذا تعريف للوسيلة بالمعنى العام، وهناك تعريف للوسيلة بالمعنى الخاص وهو (الأفعال التي لا تقصد لذاتها، لعدم تضمنها المصلحة أو المفسدة، وعدم أدائها إليها مباشرة، ولكنها تُقصد للتوصل بها إلى أفعال أخرى هي المتضمنة للمصلحة أو المفسدة المؤدية إليها). ومرادنا من هذه المقدمة هو بيان المعنى العام لوسائل المناصرة، وذلك بإضافة الوسائل إلى المناصرة، أي باعتبار المركب الإضافي لهذا التعريف فنقول في وسائل المناصرة إنها: كل فعل أو قول يتوصل به إلى رفع الظلم عن المظلومين ويجيزه الشارع ولا ينهى عنه.
2- قاعدة في التفريق بين أصل المناصرة ووسائل المناصرة: فالأصل في المناصرة والنصرة الوجوب كما بينا سابقاً، وأمّا وسائل المناصرة فتعتريها بعض الأحكام التكليفية، فقد تحرم على بعض الناس بعضُ الوسائل لما تُفضي إليه من زيادة في رقعة الظلم، أو لوقوع ظلم أكبر أو مفسدة أعظم، وقد تجب بعض الوسائل على بعض الناس لتعينها عليهم دون غيرهم، ولوقوف النصرة عليها، وقد تكره بعض الوسائل دون بعض. ونحن نذكر بهذه القاعدة لعدة أسباب منها: أ- إن بعض الناس يحصر المناصرة في وسائل محددة ولا يرى غيرها، فإذا عجز عنها ظنَّ أن المناصرة قد سقطت عنه، وهذا وهم، فوسائل المناصرة كثيرة، وحصرها في وسائل محددة تحكُم مضر بقضية المناصرة أصلاً، فبعض الناس يظن أنه إن عجز عن المناصرة بالمال مثلاً؛ فإن واجب المناصرة قد سقط عنه مع تمكنه من المناصرة بكلمة في صحيفة، أو لوحة في معرض، أو خروج في اعتصام، أو مظاهرة، أو أقله أن يخصص من دعائه لإخوانه كما يخصص لأهله وأبنائه. ب- إن بعض الناس لو قيل له بأن هذه الوسيلة لا تجوز في حقك لما يترتب عليها من مفسدة أعظم ظن أن ذلك منع له من القيام من المناصرة بشكل عام، فيعاند، ويصر، ويُقدم على هذه الوسيلة حتى لو ترتب عليها مفسدة أعظم، ظناً منه أن عليه واجب المناصرة دون النظر إلى مآلات الوسائل التي يتبعها. ج- إن بعض الناس يتخيل العجز عن النصرة، وهو ليس عاجزاً فلو بين له الفرق بين أصل المناصرة، ووسائل المناصرة لبقيت جذوة المناصرة؛ والنصرة للمظلومين دائماً متقدة في قلبه، فمتى حانت له الوسيلة الممكنة المشروعة لم يتأخر عن القيام بها لحظة واحدة.
3- قاعدة: الوسائل لها أحكام المقاصد في هذا الباب. ذكر العلماء رحمهم الله هذه القاعدة عند حديثهم عن المقاصد، وعبروا عنها بنصهم: أن الوسائل لها أحكام المقاصد، وقد نظمها ابن عاصم رحمه الله بقوله:

وكل فعل للعباد يوجد***إمّا وسيلة وإما مقصد

فهي له في الخمسة الأحكام***أتي به بحكم الالـتزام


وهذه القاعدة لا يُعترضُ بها على قولنا فيما سبق بأن وسائل المناصرة تعتريها الأحكام التكليفية، بمعنى أن المعترض سيقول -وفقا لقاعدة أن الوسائل لها أحكام المقاصد- إننا إذا قلنا بأن المناصرة واجبة فكل وسيلة لها حكم المناصرة وهو الوجوب! فكيف يقال بعد ذلك بأن وسائل المناصرة تعتريها الأحكام التكليفية؟ أليست الوسائل تأخذ أحكام المقاصد؟. والجواب عن هذا الإشكال أننا نقول بأن هذه القاعدة يراد بها المعنى الخاص للوسائل الذي ذكرناه في تعريفها سابقاً: أي عندما تتعين الوسيلة لمقصد خاص تأخد حكم ذلك المقصد، كحكم السعي لصلاة الجمعة، والسعي للحج، فهما وسائل خاصة لمقصد خاص وهو الجمعة، والحج، وهكذا في المقاصد المحرمة أو المكروهة أو المندوبة أو المباحة، فوسائل تلك المقاصد تأخذ أحكامها. والمراد بإيراد هذه القاعدة هنا المعنى العام للمقاصد والوسائل المتعلق بالمصالح والمفاسد، فما أدى إلى مصلحة واجبة فهو واجب، وما أدى إلى مفسدة محرمة فهو محرم، وما أدى إلى مفسدة مكروهة فهو مكروه.
3- قاعدة: الميسور لا يسقط بالمعسور. وهذه قاعدة عظيمة، ومعناها أن الأمر الشرعي الذي يستطيع المكلف فعله -وهو يسير عليه- لا يسقط عنه بأمر يشق عليه فعله أو يعسر. فالذي يكلف بتكليف شرعي وكان بعضه مما يسهل عليه فعله، وبعضه الآخر مما يعسر عليه أو يشق، فلا يجوز له أن يترك القيام بالبعض الذي يسهل عليه بحجة مشقة البعض الآخر، بل عليه أن يأتي بالمستطاع؛ لقوله تعالى: "لا يكلف الله نفساً إلاّ وسعها" [البقرة: 288]. قال السيوطي رحمه الله: (القاعدة الثامنة والثلاثون: الميسور لا يسقط بالمعسور، قال ابن السبكي: وهي من أشهر القواعد المستنبطة من قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم". فإذا تقررت هذه القاعدة؛ فإن المسلمين في أوروبا وهم -مطالبون بنصرة إخوانهم المظلومين في كل مكان- إذا عجزوا عن بعض مجالات ووسائل النصرة فلا تسقط عنهم المطالبة بالنصرة في الوسائل والمجالات التي يستطيعونها.
4- نظرية (الغاية تبرر الوسيلة) ومناصرة قضايا المسلمين: هذه النظرية المعروفة عند الساسة بنظرية ميكافيللي. ومعنى هذه النظرية أنه إذا كانت المقاصد مشروعة فيجوز للإنسان أن يتوصل إليها بأي وسيلة كانت، حتى ولو كانت هذه الوسيلة ممنوعة شرعاً، ومستقبحة عُرفاً وخُلقاً. هذه النظرية مرفوضة شرعاً، وخلقاً، والمسلم مطالب بأن يراعي مشروعية الوسائل، كما يراعي مشروعية المقاصد، ومن فرق بين المقاصد والوسائل في المشروعية، وأعمل هذه النظرية؛ فقد تشبه بمن قال الله فيهم: "أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلاّ خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يُردون إلى أشد العذاب، وما الله بغافل عما تعملون" [البقرة: 82]. ومخالفة الشرع في باب الوسائل كمخالفته في باب المقاصد. وعليه فإنه على الأقليات المسلمة أن تؤكد على هذا المعنى، وأنه لا يجوز للمسلم في أوروبا أن ينصر أخاه المظلوم بأي وسيلة لا تجوز شرعاً، ابتداءً من الكذب والسرقة، والخيانة، والغدر، وانتهاءً بالاعتداء على الأبرياء بالقتل والتفجير في هذه الديار، بحجة المناصرة للأبرياء في بلاد الشرق. وعلى الأقليات المسلمة أن تتمسك بالوسائل المشروعة، وأن تتبرأ من كل وسيلة ممنوعةً تؤدي إلى الإضرار بالقضية المُراد مناصرتها أولاً، وبالأقليات المسلمة ثانياً. وقد قال شيخ الإسلام رحمه الله: (ليس كل سبب نال به الإنسان حاجته يكون مشروعاً أو مباحاً، وإنما يكون مشروعاً إذا غلبت مصلحته على مفسدته مما أذن في الشرع).
5- وسائل المناصرة بين الإباحة والتوقيف: لطالما سمعنا من بعض إخواننا ونحن نعلن من فوق المنبر في يوم الجمعة عن تجمع، أو مظاهرة لمناصرة قضية من قضايا المسلمين –وما أكثرها- بأن هذه الوسيلة لا تجوز؛ لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة الكرام أنهم قد أخذوا بهذه الوسيلة، وأن وسائل المناصرة يجب أن تكون توقيفية. فهل هذا الإنكار في محله؟ وهل فعلاً هذه الوسائل التي تعددت ويناصر المسلمون في أوروبا قضايا إخوانهم بها ينبغي أن تخضع لقاعدة أن الوسائل توقيفية؟. وهل نسلم أصلا بصحة هذه القاعدة؟. في الحقيقة أن هذا القول لو لم يُشوش به على مساعي المسلمين المحمودة في أوروبا في نصرة إخوانهم لما ذكرته أصلاً لضعف مسلكه وندرة القائلين به. فالأصل المقرر عند العلماء: أن الأصل في العبادات المنع، حتى يرد الدليل بخلافه، وأن الأصل في العادات الإباحة، حتى يرد الدليل بخلافه. والخلل الذي دخل على المنكرين هو في إدخالهم وسائل المناصرة في المعنى العام للعبادة؛ ولذلك تجدهم يسألون: هل هذه الوسائل عبادة تتقربون بها إلى الله؟ فإذا قيل لهم نعم، قالوا: إذاً لا تُفعل إلاّ بدليل؟ وهذا خلط من جهتين:
الأولى: أن العبادات المقصودةَ عند العلماء والتي الأصل فيها المنع حتى يرد الدليل بخلافه، هي العبادات المحضة التي يتقرب بمجرد القيام بها لله إلى الله كالصلاة والصيام والحج، والتي لا دخل للعقل في معرفة عللها، أمّا الأفعال والأقوال التي يُعقل معناها على وجه التفصيل فهي من أمور العادات التي الأصل فيها الإباحة، ولا يقول عاقل البتة إن الاعتصامات والمظاهرات وغيرها من وسائل المناصرة هي عبادات محضة في ذاتها كالصلاة والصيام لا يعقل معناها ولا تعرف عللها، بل على العكس، تماماً فهي تصرفات معقولة المعنى معروفة العلة.
الثانية: إن العبرة بمباشرة المكلف لهذه الوسيلة، فإن اعتقد بأنها عبادة يتقرب بها إلى الله كالصيام والصلاة فهذا بلا شك أنه اعتقاد باطل، وهو نادر الحصول عند أبناء الأقليات المسلمة، وإن اعتقد المكلف بأنه يباشر وسيلة عاديةً مرتبطةً بالمصالح والمفاسد معقولة المعنى، وليست عبادةً في ذاتها كالصلاة والصيام، وإنما قصده أن يتوصل بها إلى مقصد مشروع، وهو مناصرة المسلمين المظلومين، فهذا -بدون شك- لا يحتاج إلى نص خاص يدل على جوازه، بل الأصل فيه الجواز، والمسلم بإذن الله مُثاب على قصده ونيته. وعليه فإنني أحببت أن أذكر هذه المسألة لكي لا يغلق الباب أمام الوسائل المشروعة، والمتعددة، والمتنوعة، والمتوفرة للمسلمين في أوروبا؛ لكي يأخذوا بها في نصرة قضايا إخوانهم، وأحسب أن الإنكار في مثل هذه المسائل يفتح الباب لمراجعة التاريخ الإسلامي كله من زمن الخليفة الأول أبي بكر الصديق إلى سقوط الخلافة، في كيفية التعامل مع الوسائل التي تتحقق بها المقاصد المشروعة، وعدم توقف القول على جوازها بوجود الدليل الخاص على ذلك، وأول ما يفاجأ به القائل بالمنع هو إجماع الصحابة على خلاف قوله، وهم الذين أخذوا بوسائل مصلحية ليس لها دليل خاص معين، واعتبروها لمجرد ما فيها من المصالح الراجحة المشروعة؛ كجمع القرآن، وغيره والله الموفق للصواب.
ثانياً: وسائل المناصرة في أوروبا. لا يساور الناظر شك في أن أجواء الحرية المتعلقة بالتعبير عن الآراء الشخصية والجماعية، -والتي يتمتع بها كل مواطن يقيم في أوروبا- تعطي مساحة أوسع لتعدد وسائل المناصرة والنصرة لكل القضايا العادلة، وعلى رأسها قضايا المسلمين. والمُلاحظ أن هذه الأجواء المُفعمة بهذه الحرية، والمُطعمة بحقوق كفلها القانون فيما يتعلق بكل عمل إنساني نبيل هذه الأجواء يمكن أن تُبتكر فيها من الوسائل المتعددة والمتنوعة للقيام بواجب النصرة بما لا يبلغه الحصر. ومن خلال المعايشة اليومية لتحركات المسلمين في هذه الديار نلاحظ أن النقص والقصور في الاستفادة من مثل هذه الأجواء يعود في الغالب إلى عدم إدراك المسلمين لمثل هذه الحقيقة، وعدم إدراكهم لمفهوم المواطنة، وحقوقهم كمواطنين في هذه الديار، وكذلك لنقص الوعي والفهم الصحيح لواجب النصرة مع نقص في الأداء والتفاعل الإيجابي لهذه المناصرة. وسنحاول -بإذن الله تعالى- أن نسلّط الأضواء على بعض الوسائل، وذلك على سبيل المثال لا الحصر.

الوسيلة الأولى: المناصرة المالية:




فالمال مال الله عز وجل، وقد استخلف عز وجل عباده فيه ليرى كيف يعملون، ثم هو سائلهم عنه إذا قدموا بين يديه، من أين جمعوه؟ وفيم أنفقوه؟ فعلى المسلم الصادق إن أراد الفلاح في الدنيا والآخرة، أن يوطن نفسه على ألاّ يرى من وجه رغّب الإسلام في الإنفاق فيه إلاّ وبادر بقدر استطاعته أن ينفق فيه. ومن الوجوه التي رغب الإسلام في الإنفاق فيها ما يتعلق بقضاء حوائج المستضعفين، وسد حاجة المظلومين، وتفريج كروب المكروبين. والمسلمون في ديار الغرب وهم الذين منّ الله عليهم -في أغلب أحوالهم- بوفرة في المال، وسَعة في الرزق هم من أكثر الناس تحملاً لمسؤولية المناصرة المالية، خاصة وأنهم يعيشون في دول تتمتع بقوة اقتصادية كبيرة، وتملك العملات الورقية ذات القوة الشرائية العظيمة؛ مما يجعل من إنفاق القليل من أموالهم يعادل الكثير من أموال غيرهم. ووجوه هذه المناصرة ما يلي:
أولاً: الإنفاق في سبيل الله وعظم المثوبة. لقد تواترت النصوص والأدلة على عظم منزلة الإنفاق في سبيل الله، وتتبع هذه النصوص في هذا الباب يخرج عن الحصر، ويضيق المقام بذكرها في مثل هذا المبحث الصغير، ولكننا نكتفي بذكر بعضها على وجه الاختصار، وبما يحقق المقصود:
1- قوله تعالى: "مثل الذين يُنفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم". [البقرة: 261]. وقوله تعالى: "من ذا الذي يُقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة" [البقرة: 245]. 2- أحاديث كثيرة تتوارد على عظم الإنفاق في سبيل الله كقوله صلى الله عليه وسلم: "ما من يوم يصبح العباد فيه إلاّ ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً". وقوله صلى الله عليه وسلم: "فاتقوا النار ولو بشق تمرة". وقوله صلى الله عليه وسلم: "والصدقة برهان". أي دليل على إيمان فاعلها، وحسن ظنه بربه، وغير ذلك من النصوص في فضل الصدقة والإنفاق في سبيل الله. ثانياً: بعض وجوه الإنفاق في المناصرة المالية:
1-إطعام الجائع والمسكين، وقد قال صلى الله علي وسلم: "فكوا العاني، وأطعموا الجائع، وعودوا المريض"
2- إعانة المرضى بالأدوية ونحوها، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم مجرد عيادة المريض لإدخال السرور عليه من حق المسلم على أخيه المسلم فكيف في المساهمة، في دفع المرض عنه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "خمس تجب للمسلم على أخيه: رد السلام، وتشميت العاطس، وإجابة الدعوة، وعيادة المريض، واتباع الجنائز".
3- ستر المستضعفين في أنفسهم وأهلهم وذويهم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "لا يستر عبدٌ عبداً في الدنيا إلاّ ستره الله يوم القيامة". قال العلماء: إن الستر هنا شامل لمعايب العبد وعوراته.
4-رعاية الأيتام والأرامل، قال صلى الله عليه وسلم: "أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين، وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئاً". وقال صلى الله عليه وسلم: "الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، أو القائم الليل، الصائم النهار".


سالم عبد السلام الشيخي
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 24-05-2011, 01:24 PM
ديم الفرح ديم الفرح غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 488
افتراضي





قال تعالى :{ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [التوبة: 71].

وتأمل هذا المثل الذي ضربه نبينا صلى الله عليه وسلم؛ عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم : «مَثَلُ المُؤْمِنينَ في تَوَادِّهِمْ وتَرَاحُمهمْ وَتَعَاطُفِهمْ ، مَثَلُ الجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ والحُمَّى» [متفق عليه].

وفي الصحيحين قال صلى الله عليه وسلم :«المُؤْمِنُ للْمُؤْمِنِ كَالبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضَاً» وشبَّكَ بَيْنَ أصَابِعِهِ.



راجي الحاج ..

جعلنا وإياك ممن ينصرون أخوانهم وأخوتهم المسلمين والمسلمات ..
موضوع شاامل بارك الله فيك ..

تستحق شكراً عليه ودعوة في .. ظهر الغيب ..




تحية قلبي ..









..
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 25-05-2011, 12:10 AM
راجي الحاج راجي الحاج غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
الدولة: اينما يعيش الشرفاء
المشاركات: 1,791
افتراضي

ديم الفرح

كل الإحترام والتقدير لهذه المشاركة الرائعة والمفيدة
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 08:36 AM.


New Page 4
 
 
Copyright © 2000-2018 ArabsGate. All rights reserved
To report any abuse on this website please contact abuse@arabsgate.com